كارول سماحة في «كلو مسموح» فازت بالتحدي الأصعب

بعد أيام قليلة على وفاة زوجها أبدعت على المسرح

أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
TT

كارول سماحة في «كلو مسموح» فازت بالتحدي الأصعب

أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)

الجميع كان بانتظار كارول سماحة، وظهورها الأول في مسرحية «كلو مسموح»، بعد أيام على وفاة زوجها وليد مصطفى، والمحنة العصيبة التي مرَّت بها. ما إن دخلت إلى المسرح، بهية، حيوية، ضاحكة، وهي تؤدي دور ياسمينا، المرأة الظريفة التي تبحث عن عريس، بفستانها الفضي اللمَّاع، حتى ارتفع التصفيق الحار تشجيعاً لها وإعجاباً. من بين الجمهور من نهض واقفاً تحية واحتراماً للمرأة التي قرَّرت أن تضع حزنها الشخصي جانباً، وتفعل كل ما بوسعها، كيلا تُربك 60 فناناً يشاركونها العمل، ولهم ارتباطاتهم وبرامجهم.

واحدة من المشهديات الجميلة التي جمعت بين كريم وحبيبته أمل (فريق عمل المسرحية)

مسرحية «كلو مسموح» افتتحت عروضها مساء الثلاثاء، على خشبة «كازينو لبنان». وكان افتتاحها للمرة الأولى قد تأجل بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان. وفي المرة الثانية، وقبل أيام قليلة من انطلاق العروض، فُجعت بطلتها كارول سماحة بوفاة زوجها، مما استدعى تأجيلاً ثانياً. بيد أن كارول حرصت على أن تعود سريعاً، وتفي بالتزاماتها تجاه فريق العمل، مما جعل إطلالتها استثنائية، والجهد الذي تحتاج إليه مضاعفاً.

لكن كارول كانت متألقة حقاً، وأطلَّت بمرح وطرافة، تماماً كما يُنتظر أن تكون ياسمينا، المرأة الباحثة عن حب لا يأتي، تُطارد صديقها كريم (روي الخوري) الذي هو نفسه واقعٌ في غرام أمل (نور حلو). لكن هذه الأخيرة أجبرتها والدتها إيفانجلين (ريجينا سيميونيدي) رغماً عنها، على خطبة رامي العلم (دوري السمعاني)، الثري الذي في مقدوره سدادَ ديون كبيرة خلّفها والدها بعد وفاته. هكذا تحكم الحلقة على شخصيات المسرحية الذين يصعدون معاً على متن باخرة «كلو مسموح»، وتشهد، وهي تُبحر، أحداثاً متلاحقة تجمع بين الحِيَل والأحابيل، والخداع، والطَّرافة، والقفشات المضحكة التي يدبِّرها بعضهم لبعض، كي يصل كلٌّ منهم إلى حُبِّه النهائي الذي يتمناه. ينضم إلى كل هؤلاء حنا (نزيه يوسف) الذي يقع في حب أم أمل، وكذلك مجاعص (فؤاد يمين)، وصديقته ألمازا (جوي كرم)، والكابتن الطريف (شربل السمور).

التشكيلات الراقصة غاية في الإتقان (فريق عمل المسرحية)

وبمعونة الألبسة التنكرية التي تلجأ إليها بعض الشخصيات، ومع حِيَل البحَّارة الراقصين، وبممارسة شيء من الابتزاز الظريف، يوحِّد ياسمينا ومجاعص جهودهما لمساعدة كريم في سعيه للفوز بقلب حبيبته، ولكي تصل ياسمينا إلى الزواج من رامي العلم، وتكتمل الثنائيات، ويفرح الجميع. فالمسرح الغنائي بطبيعته مرهون بالخفة والرشاقة والبهجة.

الحوارات المُلبنَنة غاية في الظرف. نجح الكاتبان روي خوري وفؤاد يمين، في تحميل النص روح النكتة وتطعيمه بالمحلِّية التي تجعله وكأنه خارجٌ من بيئة لبنانية خالصة. كما أن الأغنيات التي ألَّفت وولَّفت بعضها كلود طويلة أبو حيدر، جاءت لتُكمل النص، مستفيدة من موسيقى حيَّة عزفتها أوركسترا من 17 عازفاً بقيادة المايسترو الموهوب إيليو كلاسي، وهو يرافق العمل بمهارة، وترافقه جوقة من 6 مغنِّين.

«كلو مسموح» بنُسختها المعرَّبة مأخوذة عن مسرحية عالمية معروفة بعنوان «Anything Goes»، بدأ عرضها للمرة الأولى عام 1934، ومع ذلك لا يزال موضوعها معاصراً. أُعيد إحياؤها عام 1962 خارج برودواي، وعُمل عليها أيضاً عام 1987، ومن بعدها عام 2011، وبقيت الشخصيات تقريباً هي نفسها، والتعقيدات هي عينها، وغالبية التعديلات كانت على الأغنيات التي يُحذف بعضها أو يُضاف غيرها. 4 نسخ إذن، لكن العروض لم تنقطع بين أميركا وإنجلترا.

كارول سماحة مع روي الخوري يغنيان على درج سفينة «كلو مسموح» (فريق عمل المسرحية)

في النسخة المعربة، تمكَّن روي الخوري، مخرج ودينامو العمل ومحرِّكه، الممثل الرئيسي مع كارول سماحة، ومدرب الراقصين، أن يقدِّم عرضاً بديعاً، لافتاً في إتقانه الفني ودقته، إن لجهة الرقص الذي جاء مدهشاً في حرفيته ونضارته، أو لجهة ضبط المشهديات والسينوغرافيا التي تأتيك أخَّاذة في تلاحقها السريع، أو حتى الإضاءة التي تكفَّل بها طوني صافي.

يُسجَّل لروي الخوري أنه ينحت في الصخر، ويُعيد الألق للمسرح الغنائي اللبناني الذي يُعاني شبه غياب مع رحيل الرحبانيَّين الكبار عاصي ومنصور، ومن ثَمّ ركودٌ في حركة أولاد منصور: غدي، ومروان، وأسامة. روي الخوري سبق له أن قدَّم مسرحيات عدّة من بينها «شيكاغو» بالعربي، بنجاح كبير، وهو يُثبت لمرَّة جديدة أنه موهبة متعدِّدة، يعمل بصمت وجِدّ وصرامة وثبات. حقاً، هي حتى الآن مسرحيات معرَّبة، لكن معرفته بمسرح «برودواي»، وتخصُّصه الأكاديمي في هذا النوع الفني تحديداً، وكتابته للنصوص المسرحية بلبنانية مرحة وفكهة وجذابة، كما مهارته في التدريب على الرقصات، مع موهبته التمثيلية، ربما هي مقدِّمات تُبشِّر بمسرحيات مقبلة تكون من نِتاجٍ خصب محلي خالص.

أما كارول سماحة، فقد غنَّت ورقصت حتى انقطاع الأنفاس. أدَّت دورها برشاقة وحيوية، وأمتعت جمهورها بإطلالة مشرقة، خاصة وهي تغني أغنية «كلو مسموح»، وتؤدِّي بحبور كبير واحداً من أصعب الأدوار الاستعراضية التي أُسندت إليها. فهي هذه المرة تُمثِّل وترقص وتغني «لايف»، وهي تعيش ظرفاً شخصياً غاية في القسوة.

كارول سماحة تؤدي إحدى أغنياتها مع الراقصين (فريق عمل المسرحية)

وكانت سماحة قد تألَّقت على المسرح الرحباني، في أعمال غنائية عدة، بينها «آخر أيام سقراط»، و«ملوك الطوائف»، و«أبو الطيب المتنبي» التي كتبها الراحل منصور الرحباني، ومن ثَمَّ عادت في عمل استعراضي غنائي، على مسرح «كازينو لبنان» عام 2013، لتُثبت من جديد أنَّها نجمة مسرحية غنائية تفرض حضورها على الخشبة. لكن الاختبار هذه المرة جاء صعباً.

ومع كُتيّب «كلو مسموح»، وُزِّعت ورقة موقَّعة من مُنتجي العمل تهدي العرض إلى الدكتور وليد مصطفى، الذي «رحل وترك أثراً كبيراً في عالم الإعلام. وكان السَّند الأول للفنانة كارول سماحة، بهدوئه، وحكمته، وإيمانه العميق بها وبفنها». ويضيف النص: «نُكمل اليوم ما كان يؤمن به: أن تستمر، أن تُبدع، أن تُضيء. فالمسرح والموسيقى كانا دائماً جزءاً من الرابط الذي جمعهما. هذا العرض يُقدَّم لروحه، بكل محبة وامتنان، وبقلب يواصل الإبداع، ليبقي الذكرى حيّة».


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.