كارول سماحة في «كلو مسموح» فازت بالتحدي الأصعب

بعد أيام قليلة على وفاة زوجها أبدعت على المسرح

أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
TT

كارول سماحة في «كلو مسموح» فازت بالتحدي الأصعب

أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)

الجميع كان بانتظار كارول سماحة، وظهورها الأول في مسرحية «كلو مسموح»، بعد أيام على وفاة زوجها وليد مصطفى، والمحنة العصيبة التي مرَّت بها. ما إن دخلت إلى المسرح، بهية، حيوية، ضاحكة، وهي تؤدي دور ياسمينا، المرأة الظريفة التي تبحث عن عريس، بفستانها الفضي اللمَّاع، حتى ارتفع التصفيق الحار تشجيعاً لها وإعجاباً. من بين الجمهور من نهض واقفاً تحية واحتراماً للمرأة التي قرَّرت أن تضع حزنها الشخصي جانباً، وتفعل كل ما بوسعها، كيلا تُربك 60 فناناً يشاركونها العمل، ولهم ارتباطاتهم وبرامجهم.

واحدة من المشهديات الجميلة التي جمعت بين كريم وحبيبته أمل (فريق عمل المسرحية)

مسرحية «كلو مسموح» افتتحت عروضها مساء الثلاثاء، على خشبة «كازينو لبنان». وكان افتتاحها للمرة الأولى قد تأجل بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان. وفي المرة الثانية، وقبل أيام قليلة من انطلاق العروض، فُجعت بطلتها كارول سماحة بوفاة زوجها، مما استدعى تأجيلاً ثانياً. بيد أن كارول حرصت على أن تعود سريعاً، وتفي بالتزاماتها تجاه فريق العمل، مما جعل إطلالتها استثنائية، والجهد الذي تحتاج إليه مضاعفاً.

لكن كارول كانت متألقة حقاً، وأطلَّت بمرح وطرافة، تماماً كما يُنتظر أن تكون ياسمينا، المرأة الباحثة عن حب لا يأتي، تُطارد صديقها كريم (روي الخوري) الذي هو نفسه واقعٌ في غرام أمل (نور حلو). لكن هذه الأخيرة أجبرتها والدتها إيفانجلين (ريجينا سيميونيدي) رغماً عنها، على خطبة رامي العلم (دوري السمعاني)، الثري الذي في مقدوره سدادَ ديون كبيرة خلّفها والدها بعد وفاته. هكذا تحكم الحلقة على شخصيات المسرحية الذين يصعدون معاً على متن باخرة «كلو مسموح»، وتشهد، وهي تُبحر، أحداثاً متلاحقة تجمع بين الحِيَل والأحابيل، والخداع، والطَّرافة، والقفشات المضحكة التي يدبِّرها بعضهم لبعض، كي يصل كلٌّ منهم إلى حُبِّه النهائي الذي يتمناه. ينضم إلى كل هؤلاء حنا (نزيه يوسف) الذي يقع في حب أم أمل، وكذلك مجاعص (فؤاد يمين)، وصديقته ألمازا (جوي كرم)، والكابتن الطريف (شربل السمور).

التشكيلات الراقصة غاية في الإتقان (فريق عمل المسرحية)

وبمعونة الألبسة التنكرية التي تلجأ إليها بعض الشخصيات، ومع حِيَل البحَّارة الراقصين، وبممارسة شيء من الابتزاز الظريف، يوحِّد ياسمينا ومجاعص جهودهما لمساعدة كريم في سعيه للفوز بقلب حبيبته، ولكي تصل ياسمينا إلى الزواج من رامي العلم، وتكتمل الثنائيات، ويفرح الجميع. فالمسرح الغنائي بطبيعته مرهون بالخفة والرشاقة والبهجة.

الحوارات المُلبنَنة غاية في الظرف. نجح الكاتبان روي خوري وفؤاد يمين، في تحميل النص روح النكتة وتطعيمه بالمحلِّية التي تجعله وكأنه خارجٌ من بيئة لبنانية خالصة. كما أن الأغنيات التي ألَّفت وولَّفت بعضها كلود طويلة أبو حيدر، جاءت لتُكمل النص، مستفيدة من موسيقى حيَّة عزفتها أوركسترا من 17 عازفاً بقيادة المايسترو الموهوب إيليو كلاسي، وهو يرافق العمل بمهارة، وترافقه جوقة من 6 مغنِّين.

«كلو مسموح» بنُسختها المعرَّبة مأخوذة عن مسرحية عالمية معروفة بعنوان «Anything Goes»، بدأ عرضها للمرة الأولى عام 1934، ومع ذلك لا يزال موضوعها معاصراً. أُعيد إحياؤها عام 1962 خارج برودواي، وعُمل عليها أيضاً عام 1987، ومن بعدها عام 2011، وبقيت الشخصيات تقريباً هي نفسها، والتعقيدات هي عينها، وغالبية التعديلات كانت على الأغنيات التي يُحذف بعضها أو يُضاف غيرها. 4 نسخ إذن، لكن العروض لم تنقطع بين أميركا وإنجلترا.

كارول سماحة مع روي الخوري يغنيان على درج سفينة «كلو مسموح» (فريق عمل المسرحية)

في النسخة المعربة، تمكَّن روي الخوري، مخرج ودينامو العمل ومحرِّكه، الممثل الرئيسي مع كارول سماحة، ومدرب الراقصين، أن يقدِّم عرضاً بديعاً، لافتاً في إتقانه الفني ودقته، إن لجهة الرقص الذي جاء مدهشاً في حرفيته ونضارته، أو لجهة ضبط المشهديات والسينوغرافيا التي تأتيك أخَّاذة في تلاحقها السريع، أو حتى الإضاءة التي تكفَّل بها طوني صافي.

يُسجَّل لروي الخوري أنه ينحت في الصخر، ويُعيد الألق للمسرح الغنائي اللبناني الذي يُعاني شبه غياب مع رحيل الرحبانيَّين الكبار عاصي ومنصور، ومن ثَمّ ركودٌ في حركة أولاد منصور: غدي، ومروان، وأسامة. روي الخوري سبق له أن قدَّم مسرحيات عدّة من بينها «شيكاغو» بالعربي، بنجاح كبير، وهو يُثبت لمرَّة جديدة أنه موهبة متعدِّدة، يعمل بصمت وجِدّ وصرامة وثبات. حقاً، هي حتى الآن مسرحيات معرَّبة، لكن معرفته بمسرح «برودواي»، وتخصُّصه الأكاديمي في هذا النوع الفني تحديداً، وكتابته للنصوص المسرحية بلبنانية مرحة وفكهة وجذابة، كما مهارته في التدريب على الرقصات، مع موهبته التمثيلية، ربما هي مقدِّمات تُبشِّر بمسرحيات مقبلة تكون من نِتاجٍ خصب محلي خالص.

أما كارول سماحة، فقد غنَّت ورقصت حتى انقطاع الأنفاس. أدَّت دورها برشاقة وحيوية، وأمتعت جمهورها بإطلالة مشرقة، خاصة وهي تغني أغنية «كلو مسموح»، وتؤدِّي بحبور كبير واحداً من أصعب الأدوار الاستعراضية التي أُسندت إليها. فهي هذه المرة تُمثِّل وترقص وتغني «لايف»، وهي تعيش ظرفاً شخصياً غاية في القسوة.

كارول سماحة تؤدي إحدى أغنياتها مع الراقصين (فريق عمل المسرحية)

وكانت سماحة قد تألَّقت على المسرح الرحباني، في أعمال غنائية عدة، بينها «آخر أيام سقراط»، و«ملوك الطوائف»، و«أبو الطيب المتنبي» التي كتبها الراحل منصور الرحباني، ومن ثَمَّ عادت في عمل استعراضي غنائي، على مسرح «كازينو لبنان» عام 2013، لتُثبت من جديد أنَّها نجمة مسرحية غنائية تفرض حضورها على الخشبة. لكن الاختبار هذه المرة جاء صعباً.

ومع كُتيّب «كلو مسموح»، وُزِّعت ورقة موقَّعة من مُنتجي العمل تهدي العرض إلى الدكتور وليد مصطفى، الذي «رحل وترك أثراً كبيراً في عالم الإعلام. وكان السَّند الأول للفنانة كارول سماحة، بهدوئه، وحكمته، وإيمانه العميق بها وبفنها». ويضيف النص: «نُكمل اليوم ما كان يؤمن به: أن تستمر، أن تُبدع، أن تُضيء. فالمسرح والموسيقى كانا دائماً جزءاً من الرابط الذي جمعهما. هذا العرض يُقدَّم لروحه، بكل محبة وامتنان، وبقلب يواصل الإبداع، ليبقي الذكرى حيّة».


مقالات ذات صلة

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح» أقيم عرض «مرسل إلى».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً لمساحة لكشف الأسرار والخوف، والرغبة في النجاة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة.

سوسن الأبطح (بيروت)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».