كارول سماحة في «كلو مسموح» فازت بالتحدي الأصعب

بعد أيام قليلة على وفاة زوجها أبدعت على المسرح

أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
TT

كارول سماحة في «كلو مسموح» فازت بالتحدي الأصعب

أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)
أبدعت كارول سماحة في غنائها ورقصها وتمثيلها (فريق عمل المسرحية)

الجميع كان بانتظار كارول سماحة، وظهورها الأول في مسرحية «كلو مسموح»، بعد أيام على وفاة زوجها وليد مصطفى، والمحنة العصيبة التي مرَّت بها. ما إن دخلت إلى المسرح، بهية، حيوية، ضاحكة، وهي تؤدي دور ياسمينا، المرأة الظريفة التي تبحث عن عريس، بفستانها الفضي اللمَّاع، حتى ارتفع التصفيق الحار تشجيعاً لها وإعجاباً. من بين الجمهور من نهض واقفاً تحية واحتراماً للمرأة التي قرَّرت أن تضع حزنها الشخصي جانباً، وتفعل كل ما بوسعها، كيلا تُربك 60 فناناً يشاركونها العمل، ولهم ارتباطاتهم وبرامجهم.

واحدة من المشهديات الجميلة التي جمعت بين كريم وحبيبته أمل (فريق عمل المسرحية)

مسرحية «كلو مسموح» افتتحت عروضها مساء الثلاثاء، على خشبة «كازينو لبنان». وكان افتتاحها للمرة الأولى قد تأجل بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان. وفي المرة الثانية، وقبل أيام قليلة من انطلاق العروض، فُجعت بطلتها كارول سماحة بوفاة زوجها، مما استدعى تأجيلاً ثانياً. بيد أن كارول حرصت على أن تعود سريعاً، وتفي بالتزاماتها تجاه فريق العمل، مما جعل إطلالتها استثنائية، والجهد الذي تحتاج إليه مضاعفاً.

لكن كارول كانت متألقة حقاً، وأطلَّت بمرح وطرافة، تماماً كما يُنتظر أن تكون ياسمينا، المرأة الباحثة عن حب لا يأتي، تُطارد صديقها كريم (روي الخوري) الذي هو نفسه واقعٌ في غرام أمل (نور حلو). لكن هذه الأخيرة أجبرتها والدتها إيفانجلين (ريجينا سيميونيدي) رغماً عنها، على خطبة رامي العلم (دوري السمعاني)، الثري الذي في مقدوره سدادَ ديون كبيرة خلّفها والدها بعد وفاته. هكذا تحكم الحلقة على شخصيات المسرحية الذين يصعدون معاً على متن باخرة «كلو مسموح»، وتشهد، وهي تُبحر، أحداثاً متلاحقة تجمع بين الحِيَل والأحابيل، والخداع، والطَّرافة، والقفشات المضحكة التي يدبِّرها بعضهم لبعض، كي يصل كلٌّ منهم إلى حُبِّه النهائي الذي يتمناه. ينضم إلى كل هؤلاء حنا (نزيه يوسف) الذي يقع في حب أم أمل، وكذلك مجاعص (فؤاد يمين)، وصديقته ألمازا (جوي كرم)، والكابتن الطريف (شربل السمور).

التشكيلات الراقصة غاية في الإتقان (فريق عمل المسرحية)

وبمعونة الألبسة التنكرية التي تلجأ إليها بعض الشخصيات، ومع حِيَل البحَّارة الراقصين، وبممارسة شيء من الابتزاز الظريف، يوحِّد ياسمينا ومجاعص جهودهما لمساعدة كريم في سعيه للفوز بقلب حبيبته، ولكي تصل ياسمينا إلى الزواج من رامي العلم، وتكتمل الثنائيات، ويفرح الجميع. فالمسرح الغنائي بطبيعته مرهون بالخفة والرشاقة والبهجة.

الحوارات المُلبنَنة غاية في الظرف. نجح الكاتبان روي خوري وفؤاد يمين، في تحميل النص روح النكتة وتطعيمه بالمحلِّية التي تجعله وكأنه خارجٌ من بيئة لبنانية خالصة. كما أن الأغنيات التي ألَّفت وولَّفت بعضها كلود طويلة أبو حيدر، جاءت لتُكمل النص، مستفيدة من موسيقى حيَّة عزفتها أوركسترا من 17 عازفاً بقيادة المايسترو الموهوب إيليو كلاسي، وهو يرافق العمل بمهارة، وترافقه جوقة من 6 مغنِّين.

«كلو مسموح» بنُسختها المعرَّبة مأخوذة عن مسرحية عالمية معروفة بعنوان «Anything Goes»، بدأ عرضها للمرة الأولى عام 1934، ومع ذلك لا يزال موضوعها معاصراً. أُعيد إحياؤها عام 1962 خارج برودواي، وعُمل عليها أيضاً عام 1987، ومن بعدها عام 2011، وبقيت الشخصيات تقريباً هي نفسها، والتعقيدات هي عينها، وغالبية التعديلات كانت على الأغنيات التي يُحذف بعضها أو يُضاف غيرها. 4 نسخ إذن، لكن العروض لم تنقطع بين أميركا وإنجلترا.

كارول سماحة مع روي الخوري يغنيان على درج سفينة «كلو مسموح» (فريق عمل المسرحية)

في النسخة المعربة، تمكَّن روي الخوري، مخرج ودينامو العمل ومحرِّكه، الممثل الرئيسي مع كارول سماحة، ومدرب الراقصين، أن يقدِّم عرضاً بديعاً، لافتاً في إتقانه الفني ودقته، إن لجهة الرقص الذي جاء مدهشاً في حرفيته ونضارته، أو لجهة ضبط المشهديات والسينوغرافيا التي تأتيك أخَّاذة في تلاحقها السريع، أو حتى الإضاءة التي تكفَّل بها طوني صافي.

يُسجَّل لروي الخوري أنه ينحت في الصخر، ويُعيد الألق للمسرح الغنائي اللبناني الذي يُعاني شبه غياب مع رحيل الرحبانيَّين الكبار عاصي ومنصور، ومن ثَمّ ركودٌ في حركة أولاد منصور: غدي، ومروان، وأسامة. روي الخوري سبق له أن قدَّم مسرحيات عدّة من بينها «شيكاغو» بالعربي، بنجاح كبير، وهو يُثبت لمرَّة جديدة أنه موهبة متعدِّدة، يعمل بصمت وجِدّ وصرامة وثبات. حقاً، هي حتى الآن مسرحيات معرَّبة، لكن معرفته بمسرح «برودواي»، وتخصُّصه الأكاديمي في هذا النوع الفني تحديداً، وكتابته للنصوص المسرحية بلبنانية مرحة وفكهة وجذابة، كما مهارته في التدريب على الرقصات، مع موهبته التمثيلية، ربما هي مقدِّمات تُبشِّر بمسرحيات مقبلة تكون من نِتاجٍ خصب محلي خالص.

أما كارول سماحة، فقد غنَّت ورقصت حتى انقطاع الأنفاس. أدَّت دورها برشاقة وحيوية، وأمتعت جمهورها بإطلالة مشرقة، خاصة وهي تغني أغنية «كلو مسموح»، وتؤدِّي بحبور كبير واحداً من أصعب الأدوار الاستعراضية التي أُسندت إليها. فهي هذه المرة تُمثِّل وترقص وتغني «لايف»، وهي تعيش ظرفاً شخصياً غاية في القسوة.

كارول سماحة تؤدي إحدى أغنياتها مع الراقصين (فريق عمل المسرحية)

وكانت سماحة قد تألَّقت على المسرح الرحباني، في أعمال غنائية عدة، بينها «آخر أيام سقراط»، و«ملوك الطوائف»، و«أبو الطيب المتنبي» التي كتبها الراحل منصور الرحباني، ومن ثَمَّ عادت في عمل استعراضي غنائي، على مسرح «كازينو لبنان» عام 2013، لتُثبت من جديد أنَّها نجمة مسرحية غنائية تفرض حضورها على الخشبة. لكن الاختبار هذه المرة جاء صعباً.

ومع كُتيّب «كلو مسموح»، وُزِّعت ورقة موقَّعة من مُنتجي العمل تهدي العرض إلى الدكتور وليد مصطفى، الذي «رحل وترك أثراً كبيراً في عالم الإعلام. وكان السَّند الأول للفنانة كارول سماحة، بهدوئه، وحكمته، وإيمانه العميق بها وبفنها». ويضيف النص: «نُكمل اليوم ما كان يؤمن به: أن تستمر، أن تُبدع، أن تُضيء. فالمسرح والموسيقى كانا دائماً جزءاً من الرابط الذي جمعهما. هذا العرض يُقدَّم لروحه، بكل محبة وامتنان، وبقلب يواصل الإبداع، ليبقي الذكرى حيّة».


مقالات ذات صلة

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)

هل تسبب شغور منصب وزير الثقافة بمصر في أزمات فنية؟

بعد مرور نحو 3 أشهر على شغور منصب وزير الثقافة في مصر، ووقوع أزمات عدة بالآونة الأخيرة، حمَّل نقاد ومثقفون مصريون الحكومة مسؤولية تلاحق الأزمات الفنية.

انتصار دردير (القاهرة)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».