طوّافات جوية مائية دنماركية مطورة لحماية سواحل غرينلاند من الأخطار الروسية والأميركية

طائرات مسيرة مستوحاة من تصاميم الحقبة السوفياتية

طائرة «أكوا غلايدر» قرب سطح البحر
طائرة «أكوا غلايدر» قرب سطح البحر
TT

طوّافات جوية مائية دنماركية مطورة لحماية سواحل غرينلاند من الأخطار الروسية والأميركية

طائرة «أكوا غلايدر» قرب سطح البحر
طائرة «أكوا غلايدر» قرب سطح البحر

يتميز ساحل جزيرة غرينلاند (التابعة رسمياً للدنمارك) بضخامته: فهو عبارة عن متاهة مترامية الأطراف بطول 27394 ميلاً من المضايق، والأنهار الجليدية، والمياه المختنقة بالجليد، أي أطول من محيط الأرض.

أطول سواحل الأرض

يجعل طول هذا الساحل وتضاريسه الجزيرة من أطول سواحل الكوكب، وأكثرها صعوبة من الناحية اللوجستية للقيام بدوريات في وقت السلم. والآن، مع وجود دول مثل روسيا والولايات المتحدة، وخططها الإمبريالية الجديدة، للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الموارد الطبيعية في القطب الشمالي، أصبح هذا الساحل أحد خطوط المواجهة في أوروبا.

ولهذا السبب يفكر أشخاص مثل جينز مارتن سكيبستيد، الشريك العالمي، ونائب رئيس قسم الاستشراف والتنقل في استوديو التصميم «مانيوان» Manyone، في كيفية حماية أرض العجائب بشكل أفضل، والتي تعد مفتاحاً لمستقبل الدنمارك، والاتحاد الأوروبي.

دوريات كلاب للاستكشاف وأقمار اصطناعية

لعقود من الزمن، اعتمدت الدنمارك على دورية سيريوس للكلاب، مع جنود يستخدمون الزلاجات، والأقمار الاصطناعية، والمسوحات الجوية المتقطعة لمراقبة هذه المساحة الشاسعة. إلا أن هذه الأساليب بطيئة، ومكلفة، وغير دقيقة. فعلى سبيل المثال، في عام 2023، مر تسونامي في مضيق ديكسون دون أن يلاحظه أحد لمدة عام، ما كشف بوضوح عن الثغرات النظامية في نظام المراقبة المختلط هذا.

طائرة «أكوا غلايدر» تحلق إلى الأعلى

طائرات من دون طيار

ثم اعتقد سكيبستيد وفريقه التصميمي في البداية أن الطائرات من دون طيار يمكن أن تكون حلاً. الطائرات من دون طيار فعالة، ويمكنها العمل في أسراب، ويمكن تزويدها بكاميرات، وأجهزة استشعار يمكنها تغذية نظام ذكاء اصطناعي لتتبع تلك المناظر الطبيعية الجليدية الشاسعة في جميع الأوقات. لكن الطائرات من دون طيار التقليدية تواجه بعض المشكلات. فالطائرات الكبيرة طويلة المدى، ولكنها مكلفة في التشغيل، وتتطلب أطقماً بشرية. أما الطائرات الصغيرة فلا تمتلك مدى كافياً، إذ تنفد بطارياتها بعد فترة قصيرة، وتحتاج إلى العودة إلى القاعدة لإعادة الشحن.

اعتقد سكيبستيد وفريقه أنهم بحاجة إلى حل جديد، حل يمكنه الطيران، حتى يتمكنوا من تغطية مساحات كبيرة من الأراضي بسرعة، ولكن أيضاً حل يمكنه العمل بشكل مستقل تماماً، والهبوط وإعادة الشحن والإقلاع مرة أخرى.

رسم تصويري لطائرة «وحش بحر قزوين» السوفياتية

طوّافة سوفياتية بالطاقة الشمسية

وأطلق الفريق اسم «أكوا غلايدر» AquaGlider على طائرتهم من دون طيار، وهي طائرة من دون طيار تعمل بالطاقة الشمسية.

وتعيد هذه الطائرة الجديدة تصور «إيكرانوبلان» في الاتحاد السوفياتي، وهي مركبة كبيرة تشبه الطائرة كانت تخشاها منظمة حلف شمال الأطلسي في السابق، والتي أراد الجيش الأحمر استخدامها في غزوات السواحل.

سفينة - طائرة

تعود أصول هذه الطوافة إلى ستينات القرن الماضي، عندما صمم المهندس السوفياتي روستيسلاف أليكسييف طائرة - سفينة هجينة استغلت تأثير الأرض، وهي ظاهرة ديناميكية هوائية حيث تكتسب الأجنحة رفعاً متزايداً وسحباً أقل عند الطيران ضمن جناح واحد من سطح مستوٍ.

من خلال التحليق على ارتفاع يتراوح بين 10 و30 قدماً فوق سطح الماء، حققت هذه المركبات العملاقة، مثل «وحش بحر قزوين» الذي يبلغ وزنه 550 طناً، كفاءة في استهلاك الوقود تعادل ضعف كفاءة الطائرات، حيث نقلت معدات عسكرية بسرعة تزيد عن 300 ميل في الساعة. إلا أن هذه المركبات الكهربائية السوفياتية أظهرت حالة من عدم الاستقرار في البحار الهائجة، والمخاطر الملاحية، وتم التخلي عن خطط إنتاجها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

نوع جديد من المركبات

ومن المفارقات أن آلة مستوحاة من الإبداع السوفياتي يمكن أن تصبح خط الدفاع الأول لأوروبا في منطقة تتجه فيها روسيا نحو التسليح بسرعة (والتي يريد ترمب أيضاً السيطرة عليها). لكن سكيبستيد رأى إمكانات في هذه التقنية المنسية لإنشاء نوع جديد من المركبات. إذ ستطير مركبة «أكوا غلايدر» المقترحة بمفردها لأسابيع في كل مرة، حيث تقلع وتهبط على الماء؛ وهي مصممة لإعادة الشحن أثناء الطفو بفضل الألواح الشمسية، وتتجنب العواصف بمجرد أن تحط على الماء بدلاً من الطيران. وتستخدم الطائرات من دون طيار الطاقة بأقصى كفاءة، حيث تنطلق العشرات منها على طول الساحل الشاسع على ارتفاع أقدام قليلة فوق سطح الماء لاكتساب المعلومات، ونقلها إلى القاعدة، حيث تراقب كل شيء؛ من الصيد غير المشروع، إلى نشاط الغواصات الروسية.

وسادة هوائية بأقل طاقة

طائرة «أكوا غلايدر» هي في الأساس جناح يستخدم مروحتين للانطلاق للأمام، حابسةً الهواء على سطح المحيط أو الجليد. وهذا يُنشئ وسادة هوائية تُمكّنها من الانزلاق بأقل قدر من الطاقة. هذا التأثير الأرضي يُمكّنها من السفر لمسافة ضعف المسافة التي تقطعها طائرة تقليدية بنفس القوة. أثناء الإقلاع، ترفع الأجنحة المائية القابلة للسحب هيكل الطائرة فوق الأمواج، ما يُقلل من قوة السحب حتى تنتقل الطائرة إلى مرحلة الطيران. وفي حال هبوب العواصف، تُمكّن الدوافع الكهربائية من الإقلاع العمودي، مع أن سكيبستيد أخبرني في مقابلة عبر البريد الإلكتروني أن هذا «يستنزف البطارية» وهو الملاذ الأخير.

أسطول من الطوافات لمراقبة السواحل

طاقة الشمس الصيفية والأمواج والرياح الشتوية

وتُغطي الألواح الشمسية جناحيها، وبطنها، حاصدةً الطاقة حتى في وقت الشفق، وهي ميزة بالغة الأهمية بالقرب من الدائرة القطبية الشمالية، حيث يُشرق ضوء الشمس على مدار الساعة في الصيف، وأحياناً تكون أشعة الشمس موازية تقريباً للأرض معظم اليوم. ومع ذلك، تُشكل فصول الشتاء في غرينلاند، مع أشهر من الظلام، مشكلة. هنا، ترسو «أكوا غلايدر» مع عوامات تُخزن الطاقة من الأمواج، ومنشآت الرياح البحرية. وتعمل هذه العوامات أيضاً كمرحلات اتصالات، حيث تنقل البيانات إلى الأقمار الاصطناعية، أو المحطات الساحلية.

هيكل متين

يتميز هيكلها المركب المطلي بالغرافين بمتانة فائقة، فهو مقاوم للتآكل، والاصطدام بالجبال الجليدية. يقول لي سكيبستيد: «إنها تتجنب العوائق كأي سيارة ذاتية القيادة»، معتمدةً على نظم «ليدار»، وأجهزة الاستشعار الحرارية للتنقل. أما بالنسبة للجليد، وهو عيب فادح في التصاميم السوفياتية، فتستعير الطائرة من دون طيار أنظمة إزالة الجليد من الطائرات الحديثة المصممة للعمل في ظروف قاسية، مثل تلك التي تستخدمها شركة «طيران غرينلاند»، كما يقول، باستخدام أسطح ساخنة، أو أغطية هوائية لإزالة الصقيع.

جبل الجليد الجيوسياسي في المستقبل

مع ذلك، في الوقت الحالي، وبعد كل العمل الفني الذي تم إنجازه مع شركة تصنيع طائرات من دون طيار لم يُذكر اسمها، لا تزال طائرة «أكوا غلايدر» مجرد تصميم على الورق.

ويُسيّر «أسطول الدنمارك الخفي» دوريات في منطقة GIUK Gap (غرينلاند-آيسلندا- المملكة المتحدة)، ويرسم خرائط للكابلات البحرية، ومنشآت الرياح، تحسباً لأي تخريب محتمل.

وقد خصّصت مشاريع الدفاع الدنماركية للفترة 2024-2033 مبلغ 570 مليون دولار أميركي للتحديثات البحرية، بما في ذلك طائرات من دون طيار ذاتية القيادة، وأجهزة استشعار تحت الماء، و21 سفينة جديدة تابعة للحرس الوطني. وتتناسب «أكوا غلايدر» تماماً مع هذه الاستراتيجية، فهي دورية منخفضة التكلفة.

* «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

كييف تتهم موسكو بالهجوم على سفينتي شحن في البحر الأسود

أوروبا سفينة شحن ترفع العلم التركي تغادر ميناء أوديسا الأوكراني... 16 يوليو 2023 (رويترز)

كييف تتهم موسكو بالهجوم على سفينتي شحن في البحر الأسود

اتهمت أوكرانيا، الاثنين، روسيا بشن هجوم بواسطة مسيّرات على سفينتي شحن ترفعان علمي بنما وسان مارينو، كانتا موجودتين قرب ميناء أوكراني في البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زاده يقدّم شرحاً إلى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في معرض الصواريخ الإيراني 20 سبتمبر 2023 (إرنا)

مسؤول غربي: إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بـ4 مليارات دولار منذ عام 2021

ذكرت شبكة «بلومبرغ»، الاثنين، نقلاً عن مسؤول أمني غربي، أن إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بأكثر من 4 مليارات دولار لدعم حربها على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون خلال تفقده تدريباً لإطلاق صواريخ في بيونغ يانغ الأحد الماضي (أ.ف.ب)

كوريا الشمالية تتوعد جارتها الجنوبية بالرد على اختراق مُسَيَّراتها لحدودها

توعَّد الجيش الكوري الشمالي جارته الجنوبية، اليوم (السبت)، بأنها ستواجه عواقب «هستيريتها التي لا تغتفر» بانتهاك مُسَيَّرة لسيادة بلاده في سبتمبر الماضي.

«الشرق الأوسط» (سيول- بيونغ يانغ)
الولايات المتحدة​ تحلّق طائرة حرب إلكترونية من طراز «غراولر» (رويترز) play-circle

«غراولر» في سماء فنزويلا... ما نعرفه عن قوة التشويش الأميركية التي أدت لاعتقال مادورو

لعبت طائرة الحرب الإلكترونية الأميركية «غراولر» دوراً محورياً في العملية العسكرية التي نفّذتها الولايات المتحدة أخيراً وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي.

لينا صالح (بيروت)
أوروبا نظام الدفاع الصاروخي الباليستي «آرو3» خلال سلسلة اختبارات اعتراض حية أميركية - إسرائيلية فوق ألاسكا بالولايات المتحدة (رويترز - أرشيفية) play-circle

الجيش الألماني يفشل في اعتراض مسيّرات حلقت فوق منظومة «آرو 3» الإسرائيلية

أبرزت وثيقة داخلية للجيش الألماني أنه أخفق في اعتراض طائرات مسيّرة عبر نظام الدفاع الجوي «آرو3».

«الشرق الأوسط» (برلين)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».