مصر: جدل «سوشيالي» متصاعد عقب وفاة «قاضي أحكام مرسي ومبارك»

المستشار شعبان الشامي في مرمى «الشماتة الإخوانية»

رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق المستشار شعبان الشامي (صورة متداولة على منصة إكس)
رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق المستشار شعبان الشامي (صورة متداولة على منصة إكس)
TT

مصر: جدل «سوشيالي» متصاعد عقب وفاة «قاضي أحكام مرسي ومبارك»

رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق المستشار شعبان الشامي (صورة متداولة على منصة إكس)
رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق المستشار شعبان الشامي (صورة متداولة على منصة إكس)

تحول خبر وفاة رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق، المستشار شعبان الشامي، مادةً للجدل والسجال المتصاعدَين على منصات التواصل الاجتماعي في مصر، بين مناوئي ومناصري تنظيم «الإخوان»، الذي تصنفه السلطات المصرية «إرهابياً».

ورحل الشامي، عن عمر ناهز 72 عاماً، تاركاً خلفه مسيرة قضائية حافلة، كان فيها شاهداً على أبرز المحطات القضائية في تاريخ مصر المعاصر، حين قاد محاكمات تخص الرئيسين الراحلَين محمد مرسي وحسني مبارك.

واشتُهر الراحل بلقب «قاضي إعدامات الإخوان»، بعدما أصبح أول قاضٍ في تاريخ البلاد يُصدر قراراً بإحالة أوراق الرئيس «الإخواني» الأسبق، محمد مرسي، و5 من القيادات البارزة في الجماعة، إلى مفتي الجمهورية لبيان الرأي الشرعي في حكم بإعدامهم شنقاً، في قضية اقتحام السجون عام 2011، كما قضى في القضية ذاتها، بالإعدام شنقاً «غيابياً» على 94 مداناً آخرين، بينهم الداعية الراحل يوسف القرضاوي.

ونال الشامي شهرة واسعة بسبب أحكامه في القضايا المهمة الأخرى الخاصة بنظامي مبارك و«الإخوان»، أبرزها الحكم بالسجن المؤبد على الرئيس الأسبق مرسي، عقب إدانته بالتخابر وتسريب وثائق تتعلق بالأمن القومي، أثناء فترة حكمه، وأحكام بالإعدام شنقاً بحق 3 من عناصر الإخوان في القضية ذاتها.

كذلك، قضى بإخلاء سبيل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في قضية «الكسب غير المشروع»، بعد أن رفض طعن النيابة المصرية المقرر ضد الحكم، ثم اعتذر الشامي عن عدم الحكم في القضية مرة أخرى بسبب «استشعاره الحرج».

وهي الأحكام التي جعلت الشامي في مرمى «الشماتة الإخوانية» عقب إعلان وفاته، وتصدر اسمه «التريند» على منصات التواصل الاجتماعي، مع مئات التفاعلات عليها.

الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي خلال جلسة محاكمة سابقة (أرشيفية - أ.ب)

وعلى نطاق واسع تداول منتمون إلى الجماعة المحظورة خبر وفاة رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق، مع التعليق عليه بشماتة: «له ما له وعليه ما عليه»، «وعند الله تجتمع الخصوم»، وهما عبارتان شائعتان يتم استخدامهما من جانب أعضاء «الإخوان» ومؤيديهم بشكل واسع في مناسبات مماثلة.

وانبرى آخرون إلى إظهار «المظلومية» أمام أحكام الشامي، وتوجيه انتقادات واسعة لها، في حين لم تخلُ تعليقات أخرى من التطاول بحقه. في حبن زعم آخرون أن جنازة الراحل لم يحضرها سوى عدد قليل من المقربين.

وشيعت جنازة المستشار الشامي عصر (الأحد) من مسجد فاطمة الشربتلي بالتجمع الخامس (شرق القاهرة)، وسط حضور عدد من الشخصيات العامة والمستشارين.

في المقابل، خرج إعلاميون ومدونون مصريون من مناوئي «الإخوان» للرد على شماتتهم، مصوبين سهام نقدهم إلى أعضاء الجماعة. وقال البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري، إن الشامتين في وفاة القاضي الراحل معروفون بانتمائهم إلى الجماعات الإرهابية المتطرفة، «الذين هالهم صدور أحكامه ضد من قتلوا وخربوا ودمروا».

وبينما تقيم أسرة المستشار الراحل العزاء، الثلاثاء، دعا بكري إلى حضور العزاء بكثافة، ليكون «أبلغ رد على الخونة».

ومن قبل أحكام الإعدام بحق «الإخوان»، لم يكن الشامي بعيداً عن محطات التحول الكبرى في مصر، ففي عام 1977، كُلف متابعة قضية «انتفاضة الخبز»، التي أطلق عليها الرئيس محمد أنور السادات اسم «ثورة الحرامية»، وذلك بعد أن اندلعت احتجاجات واسعة مطلع ذلك العام، إثر رفع الحكومة أسعار السلع الأساسية.

وقال الإعلامي أحمد موسى، إن شن حملة الشماتة الإخوانية ضد الشامي؛ لأنه حاكمهم وحكم عليهم وكشف عن خيانتهم وتخابرهم ضد مصر.

وانتقد المدون والإعلامي لؤي الخطيب، الحملة ضد الشامي الذي «كان يحكم بالقانون»، موضحاً أنه في المقابل كان الشامتون ينفذون أحكام الإعدام عبر عملياتهم الإرهابية في الشارع ضد من يخالفهم.

وفي 1981، تولى الشامي التحقيق في أحداث الفتنة الطائفية في حي الزاوية الحمراء بالقاهرة، وما تلاها من حادث استهداف كنيسة مسرة في حي شبرا.

وعدّ البرلماني محمود بدر، الشماتة الإخوانية «لحظة فرح لقلب مريض»، وأنها لا تدل على قوة، بل تدل على الضعف والهشاشة وقلة الحيلة.

وعلى توجه الإعلاميين والمدونين نفسه، تفاعل كثير من رواد «السوشيال ميديا» مع رحيل الشامي، سواء بتناقل سيرته الذاتية أو الدعاء له بالرحمة. كما أكد آخرون أنه يحسب له تخليص مصر من جماعة «الإخوان» الإرهابية. في حين اكتفى فريق ثالث بالحياد، مرددين أنه «الآن بين يدي العدالة الإلهية».


مقالات ذات صلة

اتصالات مصرية - أميركية مكثفة بشأن الملف الإيراني

تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

اتصالات مصرية - أميركية مكثفة بشأن الملف الإيراني

بحث الاتصال الهاتفي بين الوزير عبد العاطي والمبعوث الأميركي مستجدات الأوضاع في إيران.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
تحليل إخباري مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة ومقديشو.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً من المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، تناولا فيه سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

تصعيد جديد من قِبل رئيس ولاية غوبالاند، أحمد مدوبي مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، حيث «توعد بإقامة انتخابات منفردة» حال انقضت مهلة تصل لنحو 20 يوماً، ولم يستجب رئيس البلاد حسن شيخ محمود، لمطالب الإقليم بشأن عدم الذهاب لانتخابات رئاسية مباشرة قبل التوافق، وسط خلافات متصاعدة السنوات الأخيرة.

تلك الأزمة التي تأتي بعد الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» يراها خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تمثل تحدياً جديداً للصومال، وستواجهه مقديشو وفق 3 سيناريوهات «الأول الحوار والاحتواء وهو المرجح، والثاني الخلاف المنضبط دون صدام، والثالث الأخطر والأضعف احتمالاً القطيعة وإجراء انتخابات منفردة وإضعاف الدولة الصومالية».

وتُعدّ ولاية غوبالاند «سلة غذاء» الصومال، وعاصمتها «كسمايو»، والتي تضم ميناءً مهماً من الناحية الاستراتيجية، وتحد ساحلها منطقة بحرية متنازع عليها بشدة، مع وجود مكامن نفط وغاز محتملة، و«يزعم كل من الصومال وكينيا السيادة على هذه المنطقة»، وفق «رويترز».

وحذَّر مدوبي خلال كلمة في افتتاح الدورة الجديدة لبرلمان غوبالاند، الخميس، من إبعاد الإدارات الفيدرالية عن أدوارها الدستورية؛ ما يهدّد توازن الدولة ويقوّض الشراكة الفيدرالية التي قام عليها النظام السياسي بعد 2012.

وأعلن مدوبي، الذي يُعدّ رئيساً للإقليم منذ إنشائه عام 2013، ويُعدّ الأطول بقاءً في كرسي الرئاسة بالمقارنة مع نظرائه في الولايات الإقليمية، مهلة 20 يوماً للحصول على رد من الرئيس حسن شيخ محمود بشأن التراجع عن تلك الخطوات الأحادية للحكومة، محذراً من أنه «في حال عدم الاستجابة، ستباشر غوبالاند عملية انتخابية خاصة بها، قبل الموعد المعلن في 15 مايو (أيار) المقبل المقرر بشأن الانتخابات المباشرة بالبلاد»، مشيراً إلى «خيارات متعددة».

وتختلف الحكومة الصومالية وغوبالاند في ملفات عدة محل نقاشات مستمرة منذ سنوات، وخلاف مع المعارضين، وفي مقدمتها قضية استكمال الدستور المؤقت في 2012، قبل أن يوافق برلمان الصومال أواخر مارس (آذار) 2024، على تعديلات دستورية، تشمل تغيير نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، واعتماد نظام الاقتراع العام المباشر، وتمديد الفترة الرئاسية من 4 إلى 5 سنوات. واشتدت الخلافات، بعد تأسيس حسن شيخ محمود في 13 مايو الماضي حزب «العدالة والتضامن»، وتسميته مرشحاً له في الانتخابات المباشرة المقبلة، في غياب مدوبي.

رئيس ولاية غوبالاند أحمد مدوبي (وكالة الأنباء الصومالية)

يرى الخبير في الشأن الأفريقي، المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «مقديشو تواجه تحدياً سياسياً جديداً بعد تصعيد غوبالاند، لكن خطورة هذا التحدي تعتمد على طريقة تعامل الرئيس حسن شيخ محمود معه خلال الأيام المقبلة»، موضحاً أن «إعلان مهلة زمنية وتهديد بإجراء انتخابات منفردة يُضعف صورة الدولة الاتحادية ويعيد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين المركز والولايات».

ونبَّه إلى أن «أي انتخابات أحادية قبل 15 مايو المقبل، قد تفتح الباب أمام تعدد المسارات الانتخابية وتشكيك في شرعية الانتخابات القادمة وانتقال الأزمة من سياسية إلى دستورية».

ولم تعلق مقديشو رسمياً على هذه المهلة، لكن حسن شيخ محمود قاد أخيراً اتصالات مع زعيم معارض بارز مقرب من مدوبي.

وفي أوائل يناير (كانون الثاني) الحالي، شهدت مقديشو لقاءً غير مسبوق بين شيخ محمود، وشريف شيخ أحمد، الزعيم المعارض البارز، رئيس «منتدى الإنقاذ». وخلال اللقاء حثّ زعيم المعارضة، الرئيس الصومالي على «المصالحة مع الأطراف المتنازعة، لا سيما رئيسي غوبالاند وبونتلاند»، بينما أبدى شيخ محمود «مرونةً، معرباً حينها لشريف عن استعداده للتوصل إلى اتفاق شامل؛ نظراً لتفاقم الوضع المتعلق بوحدة البلاد»، حسبما ذكرت تقارير محلية.

ولا يستبعد الخبير في الشأن الأفريقي أن يبدأ حسن شيخ محمود حواراً مباشراً أو غير مباشر مع أحمد مدوبي، منبهاً إلى أن الرئيس الصومالي معروف بتفضيله الحلول السياسية لا الأمنية، فضلاً على أن المجتمعَين الدولي والإقليمي يضغطان باتجاه الحوار وليس المواجهة. وحذَّر أنه لا مصلحة لأي طرف في انفجار الأزمة، خاصة في ظل الحرب ضد الشباب والوضع الاقتصادي الهش وتعقيدات الانتخابات المباشرة، منبهاً إلى أن الحوار قد يتم ولكن قد يتأخر؛ حتى لا يفهم كأنه تنازل سياسي وفي ظل وجود أطراف داخل الحكومة ترى في مدوبي خصماً يجب تحجيمه.

وهناك 3 سيناريو، حسب عبد الولي جامع بري، الأول الحوار والاحتواء وهو الأرجح بفتح قنوات تفاوض مباشرة أو عبر وسطاء وإيجاد تفاهم حول الانتخابات المحلية والرئاسية. والسيناريو الثاني سيكون التصعيد السياسي المنضبط، وفيها ستمضي غوبالاند بخطوات انتخابية رمزية، وسط رفض مقديشو؛ ما يطيل أمد الأزمة ويضعف الدولة دون صدام، بخلاف السيناريو الثالث والأخير، وهو الأخطر والأضعف احتمالاً وهو إجراء انتخابات منفردة وحدوث قطيعة سياسية كاملة وتدخل إقليمي أو تدويل الأزمة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قررت ولاية غوبالاند تعليق العلاقات والتعاون مع مقديشو عقب إجراء الانتخابات الرئاسية للولاية، وفوز مدوبي بولاية ثالثة، بالمخالفة لتشريع صومالي جديد ينص على «الانتخابات المباشرة» وليس المحاصصة.


«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)
جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)
جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

بينما تسارع البعثة الأممية في ليبيا إلى حلحلة تعقيدات الأزمة السياسية من خلال مناقشات و«توصيات»، قد يتوصل إليها المشاركون في لجنة «الحوار المُهيكل»، تتعلق بالحوكمة وضمانات الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة، استقبل عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، وفداً من مواطنين ومسؤولين بمصراتة للتهنئة بمناسبة خروجه من المستشفى.

وبعد 5 أيام من عمل أعضاء «محور الحوكمة»، التابع لـ«الحوار المُهيكل» خلال اجتماعات رسمية بطرابلس، قالت البعثة الأممية، مساء الخميس، إن اللجنة «ستسعى إلى معالجة 5 قضايا، تشمل كيفية التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات، وولاية الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، ونزاهة العملية الانتخابية، والدعم الدولي، والنظام السياسي للبلاد، وشكل الحكومة المركزية والمحلية».

عدد من أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» الذي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

وأضافت البعثة موضحة أن «محور الحوكمة - الذي يضم 38 في المائة من أعضائه من النساء - سيضطلع بتحليل هذه القضايا خلال الأشهر القليلة المقبلة، وتقديم مقترحات قابلة للتنفيذ من خلال عملية ليبية بقيادة ليبية، وبدعم من البعثة الأممية»، كما سيعمل «بالتعاون مع محاور الحوار المُهيكل الثلاثة الأخرى؛ الأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، على تحديد آليات لدعم تنفيذ التوصيات».

وأوضحت البعثة أن القضايا التي سيناقشها «مسار الحوكمة» في مقبل الأيام تتناول «قضايا رئيسية تهم الرأي العام، حُددت من خلال استطلاع أجرته البعثة، شمل أكثر من ألف ليبي، بالإضافة إلى مشاورات مكثفة حضورية وعبر الإنترنت، مع الفاعلين السياسيين والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، وغيرهم من المعنيين». مشيرة إلى أن نتائج الاستطلاع أبرزت الحاجة إلى إطار حوكمة موحد ومقبول، ذي ولاية وإطار زمني محددين، لأي جهة تشرف على الانتخابات (64 في المائة). كما أشار نحو 54 في المائة من المشاركين إلى أن اللامركزية والحوكمة المحلية من المواضيع ذات الأولوية في الحوار المُهيكل.

وذهبت الممثلة الأممية هانا تيتيه، التي شاركت في تيسير جلستين، إلى جانب مكتب تنسيقي من 3 أشخاص، انتخبهم أعضاء «محور الحوكمة»، إلى أن الأخير هذا «يدرس بعض القضايا الأكثر حساسية وأهمية التي تواجه ليبيا. وخلال الأشهر القليلة المقبلة ستكون المهمة هي ترجمة هذه المناقشات إلى توصيات عملية، قائمة على التوافق، من شأنها أن توجه البلاد نحو حوكمة مستدامة ومستقبل سياسي مستقر».

وقال أسعد زهيو، رئيس الهيئة التأسيسية لحزب «التجمع الوطني» الليبي، الذي شارك في أعمال الاجتماع الأول لـ«محور الحوكمة»، إن المشاركين بحثوا «سبل وضع إطار انتخابي نهائي، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كخطوات جوهرية ضمن خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة».

وأضاف زهيو، في إدراج نشره عبر حسابه على «فيسبوك»، أنه «تم تداول مقترحات حول وضع (ميثاق شرف) أو (مدونة سلوك) انتخابية لضمان قبول النتائج؛ وهو مقترح يحظى بتأييد واسع لضمان الانتقال السلمي للسلطة».

تيتيه في أحد اجتماعات «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» (البعثة الأممية)

وبشأن «وضع مدونة سلوك أو ميثاق» بشأن الانتخابات، يوقع عليه جميع الأطراف السياسية، أوضح عادل عسكر، عضو هيئة التدريس بجامعة نالوت وعضو «الحوار المُهيكل» في إفادة نقلتها البعثة، أن «التجارب السابقة أثبتت الحاجة إلى هذه الخطوة لضمان قبول جميع الأطراف للانتخابات ونتائجها قبولاً حقيقياً».

وذهب إلى أنه للوصول إلى توافق في الآراء بين جميع الأطراف، «من الضروري دراسة أسباب الخلاف وتشخيصها بعمق لإيجاد حلول عملية وواقعية وقابلة للتطبيق».

وفشلت ليبيا في عقد انتخابات رئاسية ونيابية في نهاية 2021، لأسباب سياسية وقانونية، ومذاك التاريخ تراوح البلاد مكانها بين انقسام حكومي حاد، وسط تحركات أممية بطرح مبادرات وتشكيل لجان، بحثاً عن حلحلة للأوضاع المتكلسة.

كما نقلت البعثة الأممية عن ليلى الأوجلي، عضوة «محور الحوكمة» من بنغازي، أنه «ينبغي أن تتوافق قوانين الانتخابات مع المعايير الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ لا يمكن أن يتحقق الاستقرار بليبيا دون ضمان إشراك الجميع، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة». ونبهت إلى أن الحوار المُهيكل «ليس هيئة لصنع القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، بل سيبحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة».

الدبيبة في أول ظهور له في مصراتة بعد خروجه من المستشفى (صفحات لمقربين منه)

وانتهت البعثة إلى أن ذلك يتأتى «من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة دوافع النزاع طويلة الأمد، وسيسعى الحوار المُهيكل إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية تُحدد مسار الاستقرار».

في غضون ذلك، توافد ليبيون، الجمعة، لحضور مأدبة غذاء أقامها الدبيبة في مصراتة بمناسبة خروجه من المستشفى. واستقبل الدبيبة ضيوفه وهو جالس، وبجواره ابن عمه وصهره علي الدبيبة، فيما ظهر إبراهيم الدبيبة واقفاً وسط مستقبلي وفود المهنئين.


«تراجع الدينار» يفاقم الغلاء ويثقل كاهل الليبيين قبل رمضان

جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)
جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)
TT

«تراجع الدينار» يفاقم الغلاء ويثقل كاهل الليبيين قبل رمضان

جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)
جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

بينما تنشغل قطاعات ليبية عديدة بتراجع صرف الدينار أمام الدولار، يشتكي جل الليبيين من صعوبات معيشية بسبب غلاء الأسعار والخدمات الصحية، قبل قدوم شهر رمضان.

وبدا الدولار وكأنه يقفز بلا موانع أمام الدينار، إذ لامس سعر الصرف عتبة التسعة دنانير، في انهيار وصفه مراقبون بـ«السقوط الحر».

تقلص القدرة الشرائية

قبل شهرين فقط، كان الدولار في السوق الموازية عند حدود 7.80 دينار، ثم قفز إلى 8.80 دينار، ليواصل بعدها صعوده، تاركاً وراءه مواطنين يلاحقون الأسعار دون جدوى. (الدولار يساوي 5.43 دينار في السوق الرسمية).

حملة أمنية لضبط الأسعار في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)

وتحدثت «الشرق الأوسط» مع مواطنين ليبيين عديدين، من بينهم محمد الزلطني، الذي يعمل في متجر بالعاصمة طرابلس، والذي قال في إفادة مسجلة لـ«الشرق الأوسط» إن «الركود يخيم على كل شيء في السوق»، لافتاً إلى أن «كل ارتفاع جديد في الدولار يعني تقلصاً آخر في القدرة على الاحتمال». وضرب الزلطني مثالاً على هذه القفزات بسعر كيلو الجبن، الذي قال إنه «لم يكن يتجاوز 32 ديناراً لكن سعره صار 47 ديناراً. كما أن السلع الأساسية تقفز بلا رحمة، بينما يقترب شهر رمضان محمّلاً بالمخاوف أكثر من كونه موسماً للفرح».

لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي الليبي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (المصرف المركزي)

لكن من زاوية حقوقية، لا تُقرأ هذه المشاهد على أنها مجرد أرقام فقط، فقد تحدثت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عما وصفتها بـ«معاناة إنسانية متفاقمة»، عنوانها «انهيار قيمة الدينار، وغلاء أسعار الغذاء، وشح السيولة، وأزمات الوقود والكهرباء التي تزيد قسوة الحياة، حتى في فصل الشتاء»، بحسب بيان لها.

وفي مواجهة هذا الضغط، تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة على ما تسميه «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، كحل مؤقت لاحتواء تقلبات الصرف. ووضعت تسعيرة للزيت مثلاً ما بين 8.25 و8.75 دينار للكيلو.

لكن هذه الإجراءات تبدو «شكلية وبلا مردود» من منظور الزلطني ومواطنين آخرين، الذين يتفاجأون من حين لآخر بأسعار مرتفعة، أو منتجات أقل جودة عكس ما يتم الإعلان عنه من جانب الحكومة.

لمواجهة الغلاء تعوّل حكومة «الوحدة» على «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع كحل مؤقت لاحتواء تقلبات الصرف (أ.ف.ب)

يعود الزلطني ليروي في إفادة مسجلة لـ«الشرق الأوسط» تجربة شخصية أكثر إيلاماً؛ إذ إن زيارة عيادة العيون لطفله باتت تكلف 65 دينارا للكشف، بعدما كانت لا تتجاوز 40 ديناراً كل 3 أشهر. ويتذكر بحسرة كيف كانت الأدوية الأساسية في متناول الجميع؛ حيث كانت تباع قطرة الأنف بـ75 قرشاً لكنها أصبحت اليوم بـ9 دنانير، وكأن المرض نفسه تحول إلى رفاهية.

«أوضاع اقتصادية دقيقة»

وسط هذا المشهد، سارع المصرف المركزي الليبي، الذي اجتمعت لجنة سياساته النقدية، منتصف الأسبوع الماضي، إلى الاعتراف بـ«أوضاع اقتصادية دقيقة»، عزاها إلى عدم الاستقرار السياسي، وضعف انضباط المالية العامة، متحدثاً عن خطة لاحتواء هذه الارتفاعات في سعر الصرف.

لكن هذه التحركات لا تبدو كافية في نظر محللين، إذ يشير خالد بوزعلوك، رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية» لـ«الشرق الأوسط»، إلى ما وصفها «سياسات خاطئة انتهجها المصرف المركزي، ومنح الاعتمادات على أساس المحاباة والواسطة»، ملقياً باللائمة على ما سماه «ضعف دور مصرف ليبيا المركزي الرقابي، وإخفاق سياسة التتبع في استيراد البضائع من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول».

أما في شرق البلاد، فتتخذ الأزمة وجهاً أكثر قسوة، إذ أوضحت نجاة (41 عاماً)، وهي موظفة ليبية، أن ارتفاع الدولار لم يكتف بإثقال كاهل الغذاء، بل ضرب ملف العلاج مباشرة. مشيرة في إفادة مكتوبة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تراجع سعر صرف الدينار جعل العلاج في الخارج «حلماً بعيداً». وقالت في هذا السياق إن كثيراً من المرضى «لن يتمكنوا من استكمال علاجهم في مصر أو تونس، بينما تراجع آخرون عن السفر من الأساس، ليجدوا أنفسهم أمام مستشفيات محلية تعاني نقص الأدوية والتجهيزات، بعد تراجع سعر الدينار مقابل الدولار».

مخزن تابع لإحدى شركات بيع المواد الغذائية في ليبيا (إدارة إنفاذ القانون)

وفي الجنوب الليبي، تتضاعف المعاناة؛ فالمدن البعيدة عن موانئ الاستيراد تشعر بارتدادات الأزمة أسرع وأقسى. ومن سبها، يوضح الإعلامي أحمد الحضيري لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع الدولار أربك الأسواق قبيل رمضان، وعمّق الأزمة القائمة أصلاً. موضحاً أن الأسعار «بلغت مستويات مرتفعة جداً، ومع كل موجة غلاء جديدة، يزداد شعور العجز لدى السكان، الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على ما يأتيهم من غرب البلاد.

يأتي ذلك في ضوء أرقام صادمة كشفتها حكومة «الوحدة»، الأسبوع الماضي، تفيد بأن شركات استوردت أجهزة وهواتف بالدولار المدعوم عبر الاعتمادات المستندية بقيمة 1.1 مليار دولار، لكنها باعتها بسعر السوق الموازية، بحسب بيان وزارة الاقتصاد. ورأت الوزارة أن هذا النهج «حمّل المواطنين أعباءً إضافية، وحوّل الدعم إلى أرباح خاصة، وأسهم في إنشاء طبقة رأسمالية محدودة»، مؤكدة ضرورة إصلاح منظومة النقد الأجنبي.

في المقابل، فإن هذا الإقرار لا يعفي حكومة «الوحدة» من المسؤولية، وفقاً لبوزعكوك، الذي أشار إلى أنها «تتحمل المسؤولية الكبرى في انهيار سعر صرف الدينار الليبي، بسبب سوء إدارتها، وعدم انتهاجها سياسة إنفاق رشيدة، وتغاضيها عن تقارير الفساد الصادرة عن الجهات الرقابية كديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية».

وانتهي بوزعكوك إلى ما وصفه بأنه «تخبُّط في السياسات الحكومية والنقدية»، مستذكراً تصريح الدبيبة حول استخدام الحصيلة المالية لضريبة بيع الدولار في تصفير الدين العام، وهو ما نفاه لاحقاً محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى.