تركيا عرّاب «سوريا الجديدة» تسابق لتثبيت نفوذها

تسعى لملء فراغات كثيرة وتصطدم بتحدي الأكراد وإسرائيل

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
TT

تركيا عرّاب «سوريا الجديدة» تسابق لتثبيت نفوذها

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

طرحت تركيا نفسها كأحد أبرز اللاعبين على الأرض في سوريا مع سقوط نظام بشار الأسد وتولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

اعتمدت تركيا على الرصيد الذي راكمته منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث دعمت المعارضة السورية السياسية والمسلحة، ودفعتها التطورات إلى التدخل العسكري المباشر عبر 3 عمليات عسكرية، بين عامي 2016 و2019 استهدفت بالأساس وحدات حماية الشعب الكردية، التي تشكّل العمود الفقري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وجزئياً تنظيم «داعش» الإرهابي؛ بهدف تأمين حدودها الجنوبية وإنشاء منطقة آمنة تستوعب اللاجئين الذين تدفقوا عليها.

ومع سقوط نظام بشار الأسد تعزّز الوجود التركي متجاوزاً البعد العسكري إلى السياسي، بما يخدم استراتيجية تقوم على الوجود في مناطق النفوذ القديم للدولة العثمانية؛ ولذلك سارعت لتأخذ مكانها في مقدمة القوى التي تتدافع لملء الفراغ بعد سقوط الأسد.

خطوات استباقية

كانت تركيا أول دولة ترسل رئيس مخابراتها، إبراهيم كالين، كأرفع مسؤول يزور دمشق بعد أيام قليلة من سقوط الأسد، كما كانت أول دولة قاطعت النظام السابق تعيد فتح سفارتها في دمشق، ثم قنصليتها في حلب، وكانت الدولة الثانية بعد السعودية في أول جولة خارجية للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، والدولة الوحيدة التي زارها مرتين في أقل من 3 أشهر، حيث كانت زيارته الأخيرة في 11 أبريل (نيسان) الماضي لحضور منتدى أنطاليا الدبلوماسي الرابع في جنوب تركيا.

جانب من لقاء إردوغان والشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في 11 أبريل (الرئاسة التركية)

وسارعت تركيا إلى التنسيق مع حكومة دمشق الجديدة في مختلف المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، إلى جانب بحث تلبية احتياجات سوريا من الكهرباء وتأهيل المطارات والطرق والتمهيد لتوقيع اتفاقية تجارية شاملة بين البلدين.

وأسفرت العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا عن ترسيخ مناطق نفوذ، حيث دربت تركيا فصائل مسلحة وتشكلت مجالس إدارية تحت إشرافها، كما لعبت دوراً محورياً في رسم المشهد السياسي السوري عبر مسار آستانة، ما أتاح لها التأثير في القرارات السياسية.

وساهمت الاستثمارات التركية في البنية التحتية والتعليم والصحة في المناطق الخاضعة لسيطرتها والفصائل الموالية لها، في تحسين الظروف المعيشية وبالتالي زيادة قبول السكان المحليين للوجود التركي.

جانب من مباحثات وزير التجارة التركي عمر بولاط مع وزراء الاقتصاد والمالية والطاقة ومسؤولي الجمارك في سوريا 17 أبريل (من حسابه في إكس)

ورغم ما يمكن اعتباره نجاحات «فائقة» لتركيا في سوريا، فإن هناك تحديات تتعلق بتأمين حدودها، وإدارة ملف اللاجئين، والتعامل مع التوترات والقوى الإقليمية والدولية، والاتهامات التي تواجهها سياساتها في سوريا، لا سيما فيما يتعلق بالتدخل لتغيير التركيبة السكانية في بعض المناطق في شمال سوريا.

أهداف رئيسية

وحسب مصادر بالخارجية التركية، فإن «العمود الفقري للسياسة التركية تجاه سوريا هو تحقيق المصالحة الوطنية من خلال حماية وحدة وسلامة أراضي البلاد، وإرساء الأمن والاستقرار في البلاد بتطهيرها من العناصر الإرهابية، وضمان إعادة إعمار سوريا من خلال رفع العقوبات».

ويظل الهاجس الأول والهدف الأكبر لتركيا هو تأمين حدودها، وتحديداً إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تعتبرها «تنظيماً إرهابياً»، يشكّل خطراً أمنياً.

وتقول تركيا إن مسؤولية مكافحة العناصر الإرهابية والحركات الانفصالية في سوريا تقع على عاتق الإدارة السورية بالدرجة الأولى، وإنها من جانبها وفّرت المساحة اللازمة للسماح بالتغلب على هذه المشاكل على أساس الطريقة التي تفضّلها الإدارة السورية.

وتأمل أنقرة في أن يتم تنفيذ الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، مع قائد «قسد»، مظلوم عبدي، القاضي باندماج الأخيرة في مؤسسات الدولة السورية، من أجل تجنُّب عمليات عسكرية جديدة، قد تعرقلها أميركا، بدعوى الاتفاق ذاته.

قائد «قسد» مظلوم عبدي متحدثاً في مؤتمر «وحدة الهدف والصف الكردي» في القامشلي (رويترز)

وأثار مؤتمر «وحدة الصف والموقف الكردي» الذي عقدته القوى الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا، مؤخراً، قلقاً شديداً لدى تركيا بسبب دعوته إلى حكم «لا مركزي» أو «فيدرالي».

وأعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أن «مسألة النظام الفيدرالي ليست سوى حلم بعيد المنال، ولا مكان لها في واقع سوريا»، قائلاً: «لن نسمح بفرض أمر واقع في منطقتنا ولا بأي مبادرة تهدد أو تعرض الاستقرار الدائم في سوريا والمنطقة للخطر».

ولفت إلى أن السلطات السورية أعلنت أنها لن تقبل بأي سلطة غير حكومة دمشق أو هيكل مسلح غير الجيش السوري في سوريا، مضيفاً: «هم يواصلون عملهم في هذا الاتجاه، ولدينا نهج مماثل تجاه أمن الحدود».

تمسك بوحدة سوريا

وأعطى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، رسالة أكثر وضوحاً وتحديداً حول المؤتمر، خلال زيارة للدوحة، الأحد قبل الماضي، قائلاً إن «تركيا ترغب في رؤية دستور وحكومة في سوريا تضمن إعطاء فرص متساوية لجميع المكونات في البلاد».

الشرع مصافحاً عبدي عقب توقيع الاتفاق مع «قسد» في دمشق خلال مارس الماضي (أ.ب)

ولفت إلى الاتفاق الموقّع في مارس (آذار) الماضي بين حكومة دمشق و«قسد»، مؤكداً أن تركيا ستقف في وجه «المجموعات التي تستغل الوضع الحالي في سوريا لتحقيق بعض أهدافها، وتسعى إلى الإضرار بوحدة أراضي سوريا وسيادتها».

وأكد، فيما اعتبر إشارة لحل عسكري حال الضرورة، أن «تنظيم» الوحدات الكردية (أكبر مكونات «قسد») التابع لـ«حزب العمال الكردستاني»، سيخرج من الحسابات في سوريا، سواء بإرادته عبر طرق سلمية، أو «بخلاف ذلك»، كما خرج تنظيم «داعش» الإرهابي من الحسابات.

ورغم وصف إردوغان لفكرة الفيدرالية في سوريا بأنها «مجرد حلم»، فإن هناك جهات فاعلة، وخصوصاً في شمال وشرق سوريا، تواصل الدفع باتجاه الاعتراف الدولي بالأمر الواقع الذي فرضته «قسد» من خلال إدارة ذاتية تعتمد على نموذج الفيدرالية، وهو ما يزيد من قلق تركيا تجاه «سياسة ناعمة» تحول الحلم إلى كابوس.

التعامل مع ملف الأكراد

ويبدو أن تركيا تعتمد، بشكل أساسي، على الإدارة السورية في التصدي لأي خطوات من شأنها تهديد وحدة سوريا، وفي الوقت ذاته ترغب في نجاح اتفاق اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، لما يحمله من أهمية بالنسبة للجهود المبذولة داخلياً من خلال الاتصالات مع زعيم «حزب العمال الكردستاني»، السجين، عبد الله أوجلان، لحل الحزب وتسليم أسلحته، ما يعني أن تركيا ستتخلص من التهديد الذي يحيط بحدودها الجنوبية في شمال العراق، وبالتبعية في شمال شرقي سوريا، فضلاً عن تحقيق سلامها الداخلي.

وتأمل أنقرة في تخلي واشنطن عن الاستمرار في دعم «وحدات حماية الشعب الكردية - قسد»، بدعوى التحالف معها في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي، وهو ما لم تعطِ واشنطن أي إشارة إليه حتى رغم الإعلان عن سحب بعض قواتها.

وتراقب تركيا مسألة الانسحاب الأميركي من سوريا، وتسعى إلى دفع الجدول الزمني للانسحاب، وإقناع الولايات المتحدة بقدرة إدارة دمشق، بدعم منها، على التصدي لبقايا تنظيم «داعش» الإرهابي، والسيطرة على السجون التي توجد بها عائلات عناصر التنظيم، والخاضعة لسيطرة «قسد» حتى الآن.

وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أجهزة مخابرات تركيا والأردن والعراق وسوريا ولبنان في صورة تذكارية قبل اجتماعهم في عمان 9 مارس (الخارجية التركية)

وفي سبيل ذلك، طرحت تركيا فكرة تشكيل «تحالف إقليمي» لمحاربة «داعش»، يضم إلى جانبها عدداً من دول جوار سوريا، هي الأردن، والعراق، ولبنان، إلى جانب سوريا.

وعقد وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أجهزة المخابرات في الدول الخمس اجتماعاً في العاصمة الأردنية عمان، في 9 مارس الماضي، تم الاتفاق خلاله على إنشاء مركز عمليات مشترك في سوريا، لا تزال المحادثات الفنية بشأنه جارية.

قلق من تمدد إسرائيل

وغير بعيد عن هذا الملف المقلق، يأتي النشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا، وخشية تركيا من سيطرة إسرائيل، التي تحظى هجماتها في سوريا بقبول أميركي، على أجواء سوريا من الجنوب إلى الشمال، لا سيما مع ما هو معروف من علاقة قوية بين إسرائيل وأكراد سوريا.

كما تنظر إسرائيل إلى أي دور تركي متقدم في سوريا على أنه تهديد استراتيجي لأمنها؛ لأنه قد يغيّر خريطة النفوذ على الحدود الجنوبية ويؤدي لحضور فصائل تشكّل خطراً عليها.

وكشفت تقارير في الفترة الأخيرة عن سعي تركيا، التي تتمتع بعلاقات جيدة للغاية مع الإدارة السورية الجديدة، إلى توسيع وجودها العسكري في البلاد والحصول على قواعد عسكرية برية وجوية وبحرية.

وعلى الرغم من أن تركيا لم تعلن بشكل رسمي سعيها إلى إقامة قواعد جوية في سوريا، فإن إسرائيل قامت بخطوات استباقية وقصفت قاعدة «تي 4» شرق حمص، أكثر من مرة في مارس الماضي، فضلاً عن قصف مطار حماة العسكري وإخراجه من الخدمة نهائياً.

إسرائيل دمرت مطار حماة العسكري على خلفية تقارير عن توجه تركيا لإقامة قواعد في سوريا (إ.ب.أ)

وأعلن مسؤولون إسرائيليون أن إقامة قاعدة تركية في تدمر بريف حمص الشرقي «خط أحمر».

وتدعم تركيا، سياسياً، الإدارة السورية في مواجهة الهجمات الإسرائيلية المتكررة، سواء عبر مجلس الأمن أو في مختلف المحافل.

وعلى الرغم من حالة الترقب والتنافس، لا ترغب تركيا، وكذلك إسرائيل، في مواجهات عسكرية في سوريا، ويبدو أنهما أقرتا قواعد اشتباك لتجنب أي صدام غير مرغوب فيه، خلال اجتماع فني لوفدين منهما في باكو، عاصمة أذربيجان، في 9 أبريل الماضي، على خلفية التوتر في شرق حمص وحماة.

وجنبت هذه القواعد، حسب تقارير تركية وإسرائيلية، اشتباكاً بين طائرات من الجانبين عندما نفّذت إسرائيل ضربات قرب قصر الرئاسة في دمشق.

وأكد مسؤولون إسرائيليون أن المحادثات الفنية في أذربيجان كانت إيجابية، وأن إسرائيل قد تقبل بقاعدة عسكرية محدودة لتركيا في سوريا.

يبقى أن الحضور التركي في سوريا أظهر تحولاً من الدعم غير المباشر إلى التأثير المباشر في الأحداث والتطورات، انطلاقاً من سعي أنقرة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ومع دعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدور تركي كبير في سوريا، يتوقع أن يكون لأنقرة دوراً حاسماً في تحديد مستقبل سوريا، وربما المنطقة أيضاً.


مقالات ذات صلة

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

في تعليق ضمني على احتجاجات الوقود في سوريا، قال الشرع إن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج واتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

«الشرق الأوسط» (دبي)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

أصدر القضاء السوري حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر»، بالتوازي مع إنشاء شبكة جديدة من المواقع العسكرية، فيما تشير التغييرات في تركيبة الوحدات إلى انتقال من الاعتماد المكثف على القوات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت خطوط الانتشار والإمساك بالمواقع.

وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن «الجيش الإسرائيلي سيدخل خلال الأيام المقبلة ما وصفته بـ(مرحلة جديدة) من القتال في جنوب لبنان، بعد استكمال عملياته في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى»، مشيرة إلى أن «ذلك يتيح تقليص القوات وإعادة تنظيمها في منطقة (الخط الأصفر) وإنشاء منظومة جديدة من المواقع العسكرية وإراحة قوات الاحتياط».

مبانٍ متضررة ومدمرة في المنصوري بجنوب لبنان فيما تهدم آليات إسرائيلية ثقيلة منازل في البلدة كما تبدو من الحنية (رويترز)

سحب وحدات هجومية

وقال مصدر مطلع على تفاصيل الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن التغييرات الأخيرة التي أدخلها الجيش الإسرائيلي على تشكيل قواته في الجنوب «تشير، من الناحية العسكرية، إلى الانتقال من الاعتماد المكثف على الوحدات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت الجبهة والإمساك بالمواقع بواسطة وحدات نظامية ومدرعة».

وأوضح المصدر أن «القوات الإسرائيلية كانت تعتمد خلال العمليات السابقة على مجموعة من الفرق والألوية المنتشرة في الجنوب»، لافتاً إلى أن «(الفرقة 146) تولت جزءاً من المهام في القطاع الغربي، فيما شاركت (الفرقة 36) في العمليات بالقطاعَيْن الأوسط والشرقي».

وقال إن المرحلة الأخيرة «شهدت سحب عدد من الوحدات التي اضطلعت بأدوار هجومية، بينها لواء (غولاني)، واللواء المدرع الاحتياط الرابع (كرياتي)، ولواء (الكوماندوز 89)، ولواء (المظليين الاحتياط 55)، مقابل إدخال اللواء المدرع (188 باراك)، ولواء (بيسلماح 828)، وهو لواء تدريبي يمكن استخدامه في مهام قتالية».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات نخبة ووحدات كانت مهيّأة للاقتحام والهجوم، وتُستبدل بها وحدات نظامية أو مدرعة ووحدات تتولى أساساً الإمساك بالمواقع، فهذه إشارة عسكرية إلى أن الهدف في هذه المرحلة ليس التحضير لاندفاعة برية واسعة، بل تثبيت الجبهة والحفاظ على الوضع القائم».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن لواء «الكوماندوز»، الذي تضم تشكيلاته وحدة «إيغوز»، إلى جانب وحدات هندسية متخصصة مثل «يهلوم»، شارك خلال المرحلة السابقة في عمليات هجومية وتدمير منشآت وأنفاق، بما في ذلك العمليات التي شهدتها منطقة علي الطاهر.

وقال: «هذه الوحدات هي من القوات التي استُخدمت في المهام الهجومية المعقّدة، وعندما يُعاد قسم منها إلى الخلف وتُستبدل وحدات أخرى به، فهذا يعني أن طبيعة المهمة نفسها تتغير».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات هجومية مثل (الكوماندوز) و(المظليين) و(غولاني)، فهذا يُعطي مؤشراً إلى أن الأولوية باتت تثبيت الخطوط أكثر من فتح محور هجوم بري جديد».

وشدد المصدر على أن هذا التحول «لا يعني توقف العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان»، قائلاً: «يمكن أن تستمر أعمال التفجير والهدم والعمليات الهندسية والغارات والتحركات أمام ما تسميه إسرائيل (الخط الأصفر) وفي مناطق أخرى، لكن طبيعة القوة الموجودة على الأرض تصبح مختلفة، فهي أقرب إلى قوة إمساك ودفاع منها إلى قوة معدّة لتنفيذ هجوم واسع».

وختم: «المؤشر العسكري الذي يمكن قراءته من إعادة الانتشار الحالية هو تثبيت الجبهة وإراحة الوحدات الهجومية، وليس التحضير، وفق المعطيات الموجودة حالياً، لهجوم بري واسع. أما إذا كان لذلك بعد أو قرار سياسي فهذا لا يمكن حسمه انطلاقاً من حركة الوحدات العسكرية وحدها».

تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار

من جهته، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن تقليص إسرائيل قواتها في جنوب لبنان «لا يعني بالضرورة تقليص انتشارها أو تراجع سيطرتها الميدانية»، موضحاً أن أمامها، وفق المعطيات العسكرية، أكثر من خيار يتعلق بشكل انتشارها وحجم القوات المستخدمة.

وقال قزح: «هناك احتمالان أساسيان: إما توسيع المنطقة العازلة والعمليات العسكرية باتجاه إقليم التفاح ومجرى نهر الزهراني، وإما العودة إلى ما سبق أن طُرح تحت عنوان (الخط الرمادي)، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على امتداد هذا الخط، بعمق يقارب أربعة كيلومترات، على الصف الأول من التلال المشرفة على المستوطنات».

وأضاف: «يمكن أن تنتشر إسرائيل في نحو 20 إلى 25 نقطة على هذا الخط، بعد استكمال عمليات التدمير في المنطقة التي حددتها ضمن (الخط الأصفر)، بالإضافة إلى مناطق أخرى، بينها علي الطاهر، وتبقي بعد ذلك المنطقة المقابلة تحت المراقبة والاستطلاع الجوي والسيطرة بالنار».

وشدد على أن «تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار»، وقال: «بعد حجم التدمير الذي نفذته إسرائيل في القرى والمناطق الجنوبية، أصبحت قادرة على مراقبة أي تحرك في هذه المنطقة واستهدافه بالطيران، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى العدد نفسه من القوات البرية. يمكنها خفض عدد القوات أو سحب فرقة أو فرقتين والإبقاء على الانتشار الحالي، كما يمكنها تقليص القوات إذا تراجعت إلى (الخط الرمادي)».

وأضاف: «أما إذا كان القرار هو التقدم وتوسيع نطاق العمليات فلا يمكن عندها تقليص القوات، بل تحتاج إسرائيل إلى قوات إضافية. لذلك، إذا كان الاتجاه فعلاً نحو خفض عديد القوات، فهذا يرجح عدم التقدم براً، مع الحفاظ في المقابل على السيطرة النارية».

وأكد قزح أن إسرائيل «ستحافظ على السيطرة بالنار والمراقبة الجوية والرصد، ولا سيما في المناطق التي تعتبر أنها تشكل خطراً مباشراً على المستوطنات»، مشيراً إلى أن «مواقع الرصد في جبل الشيخ تمنحها قدرة واسعة على مراقبة البقاع الغربي وأجزاء كبيرة من الجنوب، فيما تتيح المواقع والتلال التي تسيطر عليها مراقبة مساحة واسعة تمتد من مجرى الليطاني شرقاً باتجاه البقاع الغربي، وغرباً باتجاه الساحل».

تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان

ميدانياً، توغلت قوة إسرائيلية، صباح الجمعة، إلى محلة سدانة في خراج كفرشوبا، وطوّقت مزرعة يوجد داخلها عدد من الرعاة، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في المنطقة.

وتعرضت أطراف الهبارية لقصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة، مع تحركات لآليات إسرائيلية، فيما أضرمت القوات الإسرائيلية النار في عدد من المنازل بمنطقة الجلاحية في الخيام.

وطال القصف المدفعي أطراف زوطر الشرقية وميفدون والنبطية الفوقا، بالتزامن مع غارات على زوطر الشرقية وبني حيان والمنطقة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وأخرى بين فرون والغندورية أدت إلى اندلاع حريق.

كما نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في دير سريان ومحيط الطيبة، وقصف وادي الخنازير وأطراف كفرتبنيت، فيما سجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنصوري وبيت ياحون. وكان القصف المدفعي قد استهدف ليلاً وادي الحجير ومجدل زون والأودية المجاورة.


واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
TT

واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)

تتبنى الولايات المتحدة الأميركية مقاربة مختلفة عن المقاربة الأوروبية تجاه الحضور الدولي في الجنوب وتعزيز استقرار المنطقة الحدودية، وسط مخاوف لبنانية من «فراغ» في الجنوب، مع نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام (اليونيفيل) أواخر العام الحالي.

وبعدما أسقطت واشنطن في الأسبوع الماضي مقترحاً لبنانياً لتمديد مهمة القوة الدولية لمدة 6 أشهر، يصل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى بيروت، الأسبوع المقبل، للبحث مع الرئيس اللبناني جوزيف عون والمسؤولين اللبنانيين في مقترحات لتجنب الفراغ في الجنوب، بعد نهاية ولاية «اليونيفيل».

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، إن بيروت تنتظر ما يحمله لاكروا، لافتة إلى عدة مقترحات طُرحت خلال الفترة الماضية، من بينها تشكيل قوة أوروبية بديلة عن «اليونيفيل»، وزيادة عديد قوة هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO). ولفتت إلى المبادرة الفرنسية - الإيطالية لتشكيل قوة بديلة، إثر إعلان دول أوروبية وآسيوية مشاركة في «اليونيفيل» عن استعدادها للبقاء في لبنان لاستكمال المهمة.

مقاربتان أميركية وأوروبية

ومع أن أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن تدعم تمديد مهمة «اليونيفيل» أو تشكيل بديل عنها، فإن واشنطن ترفض ذلك. وتقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» إن وجهة النظر الأميركية تفيد بأن الجيش اللبناني وحده يجب أن يتولى مهمة أمن الحدود، ومن هذا المنطلق، «يجب ألا يكون هناك داعٍ لأي قوة أخرى في المنطقة».

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

لكن المقاربة الأوروبية تختلف عن المقاربة الأميركية، ولو أنها تتفق مع واشنطن على أنه في النهاية يجب أن يتولى الجيش اللبناني وحده مهمة حماية الحدود وضبط الأمن. ويتمثل الاختلاف في التوقيت. وتقول المصادر الدبلوماسية نفسها إن المقاربة الأوروبية «تفيد بأن الجيش اللبناني يجب أن يتولى المهمة بنفسه في النهاية، لكنه في هذا الوقت، لا يستطيع أن ينفذ المهمة وحده، ويحتاج إلى مؤازرة دولية في هذه المرحلة الانتقالية».

وتستند المقاربة الأوروبية إلى عاملين؛ أولهما الاحتلال الإسرائيلي وتعثر المفاوضات الأمنية في الوصول إلى تفاهمات تؤدي إلى تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بينما يتمثل العامل الثاني في حاجة الجيش اللبناني للدعم، على صعيد العديد والتسليح، وهو ملف لم يُحسم في اجتماعات باريس الأسبوع الماضي، رغم الاستعداد الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية.

تنسيق مباشر وشاهد دولي على إسرائيل

ويؤيد لبنان المقاربة الأوروبية، بالنظر إلى أن الجيش اللبناني «يحتاج إلى السلاح والذخيرة والآليات»، وتؤكد المصادر اللبنانية أنه «من دون هذا الدعم المطلوب، لا يستطيع الجيش وحده أن ينفذ المهمة»، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «على واشنطن البدء بتجهيز الجيش وتقويته، قبل الحديث عن تسليمه أمن الحدود وحده».

عنصر في «اليونيفيل» يشارك في مهام إزالة مخلفات الحرب (اليونيفيل)

ولا يقتصر إلحاح لبنان على بقاء قوة دولية في الجنوب، على تجهيزات الجيش اللبناني فقط؛ إذ يرى أن الإصرار الأميركي على رفض قوة دولية في الجنوب، «تسعى به واشنطن إلى دفع الجيش اللبناني نحو تنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيلي»، في وقت تدفع فيه بيروت باتجاه أن يكون هناك شاهد دولي على الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب.

وقالت مصادر لبنانية مواكبة للملف، إن بيروت «تريد شاهداً على أي خروق تقوم بها إسرائيل في الجنوب؛ لأن تل أبيب ستشكك بتقارير الجيش اللبناني وتشن الحملات عليه، لذلك فالمطلوب أن تكون هناك قوة دولية تشهد على الخروق الإسرائيلية أمام العالم، كما يتوجب عليها أن تساعد الجيش اللبناني على الانتشار». وأوضحت المصادر: «نطلب أن تكون القوة الدولية مساعدة للجيش في الانتشار وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، والمساعدة في فتح الطرقات وتأمين الكهرباء والإسعافات والرعاية الصحية في المستوصفات وغيرها؛ لأن مهام الجيش اللبناني في الجنوب تشمل توفير الأمان للسكان العائدين في ظل الظروف الحالية».

دول منسجمة في المهمة

وخلال الفترة الماضية، برزت مقترحات لتشكيل قوة بديلة، إذا فشلت تمديد مهمة «اليونيفيل». وأبدت عدة دول، وفي مقدمها دول أوروبية، استعدادها لتكون جزءاً من تلك القوة.

وقالت المصادر الدبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعات بين ممثلين لدول أوروبية ناقشت، مطلع هذا الشهر، فكرة أن تكون هناك مهمة بديلة، وركزت على أن تكون الأطراف المضطلعة بالمهمة «منسجمة في المقام الأول، وتحظى بموافقة لبنان وإسرائيل»، إضافة إلى نقاشات دارت حول تمويلها.

وأعربت دول كثيرة عن استعدادها لتكون من ضمن أي قوة بديلة يجري تشكيلها، وفي مقدمها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة للملف.

جنود من بعثة «اليونيفيل» يشاركون في دورية عسكرية في جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

ويبلغ عديد القوة الدولية العاملة في الجنوب الآن 8100 عنصر، ولا تزال القوة الفرنسية تنفذ دوريات في المنطقة الحدودية التي تحتلها إسرائيل، وتواكب قوافل اللبنانيين المقيمين في ثلاث قرى حدودية تشكنها أغلبية مسيحية، إلى العمق اللبناني في رحلتي الذهاب والإياب.

دفع لبناني متواصل

ويدفع لبنان باتجاه توفير المظلة الدولية في الجنوب وتجنب الفراغ الأمني والدولي فيه، وهو ملف يُطرح مع جميع الموفدين الدوليين، وكان آخرهم كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن الذي استقبله الرئيس عون في بيروت، وأكد أن عدم التمديد لـ«يونيفيل» من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.

واصطدمت الجهود اللبنانية بالرفض الأميركي، ويسعى رئيس الحكومة نواف سلام لحلحلة هذه الأزمة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائهما في واشنطن، الاثنين المقبل، بعدما بحثه مع العديد من الشخصيات التي التقى بها في نيويورك على هامش مشاركته في الدورة الـ81 من اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ومن بينها اجتماعه مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، الخميس. وقال خلال اللقاء: «بحثنا أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل)، بما يحول دون حصول أي فراغ ويدعم الاستقرار ومسار بسط سلطة الدولة».


شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
TT

شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)

عادت أزمة تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان لسلّم الأولويات اللبنانية، على خلفية معلومات عن تنشيط شبكات التهريب عملياتها خلال الفترة الماضية، رغم أن هذه العمليات لا تزال «محدودة»، وفق ما يقول مصدر عسكري لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت قنوات إخبارية محلية بتسجيل عمليات تهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان عبر معابر غير شرعية في المناطق الحدودية بعكار، مشيرة إلى حركة عبور شبه يومية لعشرات الأشخاص. إلا أن مصدراً عسكرياً نفى تسجيل أي حركة غير اعتيادية في هذا المجال، مؤكداً أن «ما يحصل يندرج في إطار العمليات المحدودة المتواصلة عبر المعابر غير الشرعية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش يقوم بالمهام المطلوبة منه في إطار ضبط الحدود، لكن تداخل البلدات اللبنانية والسورية وطول هذه الحدود يجعلان من الصعب جداً ضبطها بالكامل، وهي أزمة تعاني منها كثير من دول العالم».

وليس واضحاً ما إذا كان معظم الداخلين خلسة إلى لبنان يعتزمون الاستقرار فيه، أم استخدامه محطة للانتقال إلى أوروبا، خصوصاً أن السنوات الماضية شهدت إحباط محاولات عدة لنقل أشخاص على متن قوارب من الساحل اللبناني إلى دول أوروبية، فيما أنقذ الجيش اللبناني مهاجرين غرق مركبهم قبالة سواحل شمال لبنان.

وتتزامن هذه التطورات مع معلومات عن ملاحقة عدد من الضباط السابقين في النظام السابق، ولا سيما الضباط من الرتب الصغيرة، في مناطق عدة.

العمليات ازدادت

ويؤكد النائب عن محافظة عكار (شمال لبنان)، جيمي جبور، أن «عمليات تهريب الأشخاص بين سوريا ولبنان لم تتوقف بعد سقوط النظام السابق، بل ازدادت في بعض الأحيان، خصوصاً أن الدخول القانوني إلى لبنان يتطلب أذونات خاصة من الأمن العام». ويلفت إلى أن «هذا النوع من التهريب، الذي رفعنا صوتنا مراراً للمطالبة بوقفه ومكافحته، لا يزال يشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً على لبنان، من دون إغفال الخطر الأمني الكبير الذي قد يترتب عليه، إذ يؤدي في بعض الأحيان إلى دخول مجموعات إرهابية تحت ستار العمل والارتزاق».

ويشدد جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «مقاربة الحلول ليست كلها مسؤولية الجيش، إنما هي بالدرجة الأولى قرار سياسي يبدأ بمجلس الوزراء أو مجلس الدفاع الأعلى، تليه إجراءات عسكرية وقضائية وإدارية تؤدي إلى تشديد العقوبات والإجراءات والتدابير الاحترازية».

الوضع في البقاع

ولا تقتصر عمليات التهريب على الحدود الشمالية، إذ يؤكد رئيس بلدية القاع الحدودية مع سوريا والواقعة شرقاً، بشير مطر، أن «عمليات التهريب ناشطة، والوضع صعب، والمخاطر تتنوع ما بين اقتصادية واجتماعية وأمنية، خاصة أن الداخلين خلسة بعضهم يؤيد النظام السابق في سوريا وبعضهم النظام الحالي».

ويعد مطر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المعالجات الرسمية اللبنانية للملف ليست جدية، ولا يفترض تحميل الجيش المسؤولية، إذ إن هناك مسؤوليات يتحملها الجميع، بدءاً ممن يشغل سوريين من دون أوراق تخولهم العمل في لبنان، وصولاً لمن لا يتخذون تدابير رادعة بحق عصابات التهريب»، مضيفاً: «نخشى أن يكون التغاضي عن الموضوع مقصوداً لتهريب السلاح والمجموعات المسلحة».

الواقع من الجهة السورية

ومن الجهة السورية، تحدّث ناشطون سوريون لـ«الشرق الأوسط» عن «عودة حركة العبور غير النظامية من منطقة الحميدية بريف طرطوس باتجاه الأراضي اللبنانية، مع تسجيل نشاط متزايد في عمليات نقل شباب عبر زوارق بحرية باتجاه الساحل المقابل لمدينة طرابلس، بالتزامن مع استمرار مسارات التهريب عبر الطرق البرية والمناطق الحدودية».

وسلّم لبنان إلى سوريا في الأسبوع الماضي 21 مدنياً سورياً، أوقفتهم السلطات اللبنانية بعد إنقاذ قاربهم، الذي غرق قبالة السواحل اللبنانية، وكان يضم مهاجرين غير شرعيين، وفق ما أكد مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وكان مدنيون سوريون انطلقوا مطلع سبتمبر (أيلول) من الساحل السوري على متن قوارب، في رحلة هجرة غير شرعية في البحر المتوسط، وتعرّض القارب لحريق، ثم غرق قبالة السواحل الشمالية اللبنانية، وأنقذهم الجيش اللبناني.