الامتياز التجاري في السعودية... تمويل قياسي ونمو متسارع يعززان ثقة المستثمرين

بنك التنمية لـ«الشرق الأوسط»: ضخ 13.3 مليون دولار خلال عام واحد

جانب من توقيع الاتفاقيات خلال المؤتمر العائم للامتياز التجاري (الشرق الأوسط)
جانب من توقيع الاتفاقيات خلال المؤتمر العائم للامتياز التجاري (الشرق الأوسط)
TT

الامتياز التجاري في السعودية... تمويل قياسي ونمو متسارع يعززان ثقة المستثمرين

جانب من توقيع الاتفاقيات خلال المؤتمر العائم للامتياز التجاري (الشرق الأوسط)
جانب من توقيع الاتفاقيات خلال المؤتمر العائم للامتياز التجاري (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس التزام السعودية بتعزيز قطاع الامتياز التجاري (الفرانشايز) وتمكين رواد الأعمال، كشف لـ«الشرق الأوسط» مدير برنامج الامتياز التجاري في «بنك التنمية الاجتماعية» عبد الله الدوسري، عن أن البنك ضخ تمويلات تجاوزت 50 مليون ريال (13.3 مليون دولار) خلال عام 2024 فقط لصالح مشاريع الامتياز، بمتوسط تمويل يبلغ مليون ريال لكل مشروع.

جاء ذلك على هامش أعمال اليوم الثاني من المؤتمر العائم للامتياز التجاري، الذي يُعقد على متن سفينة «أرويا كروز» في قلب البحر الأحمر، حيث انطلقت سلسلة من ورش العمل المتخصصة وسط تفاعل كبير من المشاركين ونخبة من خبراء القطاع.

وأوضح الدوسري أن الدعم المالي يمثل محوراً جوهرياً في استراتيجية تمكين الامتياز، مؤكداً أن 100 علامة تجارية استفادت من هذا الدعم سواء عبر التمويل المباشر أو المساندة غير المالية، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين ونمو الثقة بهذا النموذج التجاري.

وأشار إلى أن مشاريع الامتياز تُعد الأعلى نجاحاً والأقل تعثراً مقارنة بالمشاريع الريادية التي تبدأ من الصفر، ما يجعلها خياراً أكثر أماناً واستدامة لرواد الأعمال، خصوصاً أولئك الباحثين عن نماذج عمل مجربة وقابلة للتكرار.

قطاع في صعود

هذا الإنجاز يأتي في ظل زخم أكبر يشهده قطاع الامتياز التجاري في المملكة، الذي وصفه رئيس اللجنة الوطنية للامتياز التجاري باتحاد الغرف السعودية الدكتور خالد الغامدي، بأنه يشهد نمواً غير مسبوق نتيجة نضج السوق وزيادة ثقة المستثمرين.

رئيس اللجنة الوطنية للامتياز التجاري متحدثاً خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وبلغة الأرقام، أكد الغامدي أن حجم سوق الامتياز التجاري في السعودية تجاوز الـ 60 مليار ريال (نحو 16 مليار دولار)، حيث يتوقع أن يرتفع 35 في المائة بحلول 2030.

ويشمل أكثر من 1200 علامة تجارية سعودية. كما أشار إلى أن اللجنة تعمل على تصدير العلامات السعودية إلى الأسواق الدولية عبر اتفاقيات شراكة تقلل المخاطر والتحديات.

وأوضح الغامدي أن اللجنة الوطنية تعمل ضمن استراتيجية متدرجة، تشمل على المدى القريب زيادة الوعي والدعم الفني للعلامات السعودية، وعلى المدى المتوسط رفع عدد العلامات المانحة للامتياز وتوسيع نطاقها محلياً، فيما تهدف على المدى البعيد إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للامتياز التجاري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030».

علامات تجارية جديدة

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى إدراج 204 علامات تجارية سعودية جديدة على منصة الامتياز التجاري خلال 2024، بحسب ما أعلنت منشآت. كما كشفت وزارة التجارة عن نمو قيود الامتياز بنسبة 86 في المائة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ليصل إجماليها إلى 1788 قيد امتياز بنهاية الربع الثالث من العام الماضي.

وتصدرت خدمات الإقامة والطعام (المطاعم، الفنادق، السياحة) هذه القيود بـ1232 قيداً، تلتها التجزئة بـ689 قيداً، ثم النقل والتخزين بـ257 قيداً، ما يعكس تنوع القطاعات المستفيدة من نموذج الامتياز.

جانب من المؤتمر العائم للامتياز التجاري (الشرق الأوسط)

تمكين واستثمار

في هذا السياق، شدد الغامدي على أن اللجنة الوطنية للامتياز التجاري أطلقت عدداً من المبادرات النوعية لدعم العلامات السعودية، شملت منصة للتوسع المحلي والدولي، وصندوقاً تمويلياً لتيسير التوسع الدولي، وتحالفات تسويقية ولوجيستية، إلى جانب تقديم استشارات ودراسات متخصصة قائمة على بيانات دقيقة.

كما تعمل اللجنة على جذب الاستثمارات الأجنبية عبر فعاليات دولية بارزة مثل المعرض الدولي العائم للامتياز التجاري، مما يساهم في دعم الصادرات غير النفطية وتوطين سلاسل التوريد، ورفع مساهمة الامتياز في الناتج المحلي.

وحول أبرز القطاعات الرائدة في الامتياز، أشار الغامدي إلى أن المطاعم والمقاهي، والتجزئة، والخدمات التعليمية تهيمن حالياً على المشهد، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة صعود قطاعات مثل التكنولوجيا المالية، والخدمات الصحية، والتجارة الإلكترونية.

ووجه الغامدي نصائحه للمستثمرين، داعياً مانحي الامتياز إلى تطوير نماذج عمل واضحة مدعومة بأدلة تشغيلية دقيقة، فيما نصح المتلقين للامتياز بفهم العقود بعمق واختيار العلامات المناسبة لرؤاهم وقدراتهم.

يتّضح من هذا الحراك أن الامتياز التجاري لم يعد مجرد نموذج استثماري، بل بات رافداً استراتيجياً لتوسيع الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل في المملكة، إضافة إلى كونه أداة لتصدير العلامات السعودية إلى الخارج، ما يعزز مكانة المملكة بوصفها مركزاً إقليمياً للتميز التجاري.

واختتم الغامدي حديثه بالتأكيد على أن الامتياز التجاري سيحمل قصص النجاح السعودية إلى الأسواق العالمية، ويعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً اقتصادياً رائداً في المنطقة.

فرص استثمارية ضخمة

من جانبه، يقول مدير عام الصناعات الغذائية والزراعة في وزارة الاستثمار، محمد العوهلي، لـ«الشرق الأوسط»: «نعمل في وزارة الاستثمار على ضمان استقطاب الشركات العالمية ذات الخبرة والملاءة المالية إلى السوق السعودية، بما ينعكس إيجاباً على جودة وكفاءة القطاعات الحيوية».

وأضاف: «نحرص على دراسة الوضع المالي للشركات القادمة والتأكد من تميزها في المجالات المستهدفة، سواء في السياحة أو المطاعم أو الرياضة أو غيرها. كما نواصل تطوير البيئة الاستثمارية لتكون أكثر جاذبية، بما يدعم تحقيق مستهدفات المملكة الطموحة ضمن رؤية 2030، التي تشمل التوسع في عدد الفنادق والمطاعم والمقاهي، ورفع جودة الحياة. المملكة اليوم مقبلة على فرص استثمارية ضخمة، وكل المشاريع الكبرى الجارية ستُساهم في رسم خريطة اقتصادية جديدة، تجعل من السعودية مركز جذب إقليمياً وعالمياً للعلامات التجارية الكبرى».

يشار إلى أن الورش المنعقدة خلال الحدث شكّلت امتداداً عملياً لليوم الافتتاحي، الذي تخلله توقيع عدد من عقود الامتياز وعقد جلسات نقاشية رئيسية تناولت أبرز التحديات والفرص في قطاع الامتياز التجاري بالمملكة، ليتوجّه المشاركون في اليوم التالي نحو تعميق المعرفة واكتساب المهارات التطبيقية.

وتناولت ورش العمل موضوعات استراتيجية متعددة، من بينها: التسويق الرقمي المتقدم للعلامات التجارية، وسبل الإدارة التشغيلية الفعّالة، وآليات بناء علاقات مستدامة بين المانحين وأصحاب الامتياز، إلى جانب مناقشة طرق التوسع الدولي، وأفضل الممارسات في حماية الحقوق القانونية للامتياز.


مقالات ذات صلة

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شعار تطبيق «تيك توك» يظهر على هاتف ذكي أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يطالب «تيك توك» بتغيير «تصميمه الإدماني»

أعلن الاتحاد الأوروبي، الجمعة، أنه أبلغ «تيك توك» بضرورة تغيير تصميمه «الإدماني» وإلا فسيواجه غرامات باهظة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في ألمانيا (رويترز)

صانع السياسة بـ«المركزي الأوروبي»: أي ارتفاع كبير لليورو قد يستدعي التحرك

قال صانع السياسة النقدية بالبنك المركزي الأوروبي مارتينز كازاكس في تدوينة يوم الجمعة إن أي ارتفاع كبير في قيمة اليورو قد يدفع البنك لاتخاذ إجراءات.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت، ستوكهولم )
الاقتصاد بائعو أطعمة في أحد شوارع مدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تواصل التراجع في يناير

تراجعت أسعار الغذاء العالمية في يناير للشهر الخامس على التوالي، مدعومة بانخفاض أسعار منتجات الألبان والسكر واللحوم.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد منازل سكنية جديدة في مشروع إسكان بمدينة آيلزبري (رويترز)

أسعار المنازل في المملكة المتحدة تسجل أكبر ارتفاع منذ نوفمبر 2024

أعلنت شركة «هاليفاكس» المتخصصة في قروض الرهن العقاري يوم الجمعة أن أسعار المنازل في بريطانيا سجلت أكبر ارتفاع منذ أكثر من عام في يناير.

«الشرق الأوسط» (لندن )

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.