تحرك أوروبي لجذب العلماء الأميركيين المستائين من سياسات ترمب

فون دير لاين تعلن تخصيص 500 مليون يورو إضافية لتحويل أوروبا قطباً جاذباً للباحثين

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)
TT

تحرك أوروبي لجذب العلماء الأميركيين المستائين من سياسات ترمب

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)

جمع غفير استضافته جامعة السوربون العريقة في باريس، الاثنين، بدعوة مشتركة من فرنسا والمفوضية الأوروبية بهدف توفير بديل للباحثين والعلماء، من الأميركيين أو غير الأميركيين، الراغبين في مغادرة الولايات المتحدة التي تضيق إدارة الرئيس دونالد ترمب الخناق على جامعاتها ومعاهدها ومراكزها البحثية على المستويات السياسية والأكاديمية والمالية.

ويريد الأوروبيون أو على الأقل بعضهم، الإفادة من المناخ المتوتر السائد حالياً على الضفة الأخرى للأطلسي بهدف الترويج لـ«النموذج» الأوروبي المفتوح بحثاً عن سد الفجوة العلمية والتقنية الفاصلة بين الضفتين. وإذا نجحت الدعوة الأوروبية الجديدة، فإن ذلك سيؤسس لـ«هجرة» معاكسة للأدمغة، بعدما كان الباحثون والعلماء الأوروبيون ينظرون دوما باتجاه الولايات المتحدة المتقدمة علمياً والأكثر قدرة على تمويل مالهم ومشاريعهم البحثية.

الرئيس الفرنسي مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ير لاين على مدخل قصر الإليزيه الاثنين (إ.ب.أ)

ولأن جامعة السوربون استضافت مؤتمر «اختر أوروبا من أجل العلوم» الذي اجتذب جمهوراً واسعاً ضاقت مدرجات أكبر قاعاته بوزراء البحث العلمي والأكاديميين والباحثين وممثلي الجامعات والمعاهد العلمية والطلبة، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كانت له الكلمة الختامية لم يتردد في إطلاق ما سماه «نداء السوربون» باسمه وباسم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وجاءت الأخيرة إلى العاصمة الفرنسية مصطحبة المفوضين الأوروبيين المعنيين بهذا الملف. وحتى الاثنين، لم تكن قد برزت ردة فعل أميركية على المبادرة الأوروبية الموجهة بشكل واضح الولايات المتحدة والتي تشكل «مضبطة اتهام» إزاء النهج الذي تسير عليه إدارة ترمب. وبذلك، فإن الأوروبيين يكونون قد فتحوا «جبهة» جديدة مع الشريك الأميركي تضاف إلى الجبهات الخلافية المعروفة وهي: الحربان في أوكرانيا وغزة، والتعريفات الجمركية، وملف البيئة والتصحر، والنزعة الانفرادية للرئيس ترمب في «إدارة» شؤون العالم.

مفوضة الاتحاد الأوروبي للشركات الناشئة والبحوث والابتكار إيكاترينا زاهارييفا تلقي كلمتها خلال المنتدى في جامعة السوربون الاثنين (أ.ف.ب)

«ملاذ للعلماء»

 

اللافت أن ماكرون وفون دير لاين لم يترددا في مهاجمة ترمب وسياساته ولكن من غير تسميته. فالأول، وجه رسالة وصفها بـ«البسيطة» للعلماء والباحثين بقوله: «إذا كنتم تحبون الحرية، فتعالوا وساعدونا على البقاء أحراراً، وعلى إجراء الأبحاث هنا، وساعدونا على أن نصبح أفضل، واستثمروا في مستقبلنا». وبنظره، فإن أوروبا «يجب أن تصبح ملاذاً» للعلماء والباحثين لأن العلوم والبحث العلمي «يجب أن تستند إلى إملاءات الأقلية». واستطرد الرئيس الفرنسي قائلاً: «نداء السوربون يتوجه إلى جميع الأحرار الذين يريدون العمل من أجل العلوم والدفاع عن نموذجنا، الذين يريدون مجتمعا يختارونه وليس مجتمعاً يفرض عليهم، الذين تعتملهم فكرة معينة عن الحرية، ويريدون المساواة بين الرجل والمرأة، والأخوة بين الشعوب، والعثور على أجوبة لتحديات العصر». وتوجه مجدداً للباحثين بقوله: «انضموا إلى أوروبا هذه التي تؤمن بأن ديمقراطيات الغد ستكون أقوى في القضاء على السرطان، وفي تمكين التحول المناخي، وفي اكتساب فهم أفضل للفضاء وقاع البحار العميق، وفي نهاية المطاف، في بناء المعرفة لخدمة التقدم البشري. اتحدوا من أجل هذا النموذج من الحرية والمعرفة والعلم. هذا هو النموذج الذي نؤمن به». وأبدى ماكرون دهشته إزاء المسار الذي تسلكه الأمور في الولايات المتحدة بقوله: «لم يكن أحد يعتقد أن إحدى أكبر الديمقراطيات في العالم ستلغي بضربة واحدة قدرة هذا الباحث أو ذاك على الحصول على تأشيرات دخول. «ولكن هذا ما حصل».

صورة لإحدى الندوات التي عُقدت في منتدى السوربون صباح الاثنين (إ.ب.أ)

 

يحلو للرئيس الفرنسي أن يذكر أن أوروبا أنبتت 500 حاصل وحاصلة على جائزة نوبل، بفضل حرية البحث والإبداع التي تتمتع بها والتي يبدو أن الطرف الأميركي آخذ بمغادرتها. ويريد ماكرون ضخ دماء جديدة لتعزيز البحث العلمي من خلال حث الشباب من الجنسين للالتحاق به «لأن أمتنا بحاجة إلى اجتذاب جميع أنواع المواهب نحو العلوم». ومع كل مناسبة يعيد التأكيد على أن أوروبا «ستواصل بناء استقلاليتها وصلابتها وقوتها من خلال المعرفة والبحث الحر والمفتوح ومن خلال شباب اليوم والغد الذين سينضمون إليها». وأكثر من مرة ذكر ماكرون بأهمية دعوته التي أطلقها، من القاعة نفسها، في عام 2017، من أجل بناء «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية بما في ذلك الدفاعية إزاء الولايات المتحدة والتي عادت إلى الواجهة بقوة، وكسبت الكثير من الداعمين بسبب سياسات ترمب وانعدام اليقين إزاء ما سينتهجه بخصوص حرب أوكرانيا ومستقبل الحلف الأطلسي والخوف الأوروبي من تناسيه القارة القديمة لصالح التركيز على التنافس مع الصين. وفتح ماكرون باب التعاون الدولي متخطياً حدود الاتحاد الأوروبي بدعوته دولاً من خارجه مثل بريطانيا والنرويج وسويسرا، لا بل أيضاً الهند للتعاون والعمل المشترك لمواجهات تحديات العصر المتنوعة. وقال مصدر في معرض تقديمه للمناسبة، إن تهديد الحريات الأكاديمية في الولايات المتحدة «تشكل فرصة لنا للدفاع عن مصالحنا الاستراتيجية ورؤيتنا العالمية وإبراز أن أوروبا «تبقى قطباً جاذباً» للباحثين والعلماء. وترى باريس أن الأبحاث يفترض أن تركز على قطاعات رئيسية مثل الصحة والبيئة والتنوع الحيوي والرقميات والذكاء الاصطناعي والفضاء والزراعة.

مسؤولون أوربيون شاركوا في منتدى السوربون وظهرت رئيسة الوزراء السابقة ووزيرة التربية الحالية على يمين الصورة (إ.ب.أ)

 

خطة الاتحاد الأوروبي

إذا كان المال عصب الحرب، فإن حرب اجتذاب العلماء والبحث العلمي لا تشذ عن هذه القاعدة؛ لذا، أعلن ماكرون أن باريس سوف تخصص مبلغ 100 مليون يورو إضافية لاجتذاب الباحثين الأميركيين والأجانب. أما فون دير لاين، باسم الاتحاد الأوروبي فكانت أكثر طموحاً؛ إذ أعلنت أن المفوضية الأوروبية ستوفر مبلغ 500 مليون يورو إضافية للفترة الممتدة بين 2025 و2027 «من أجل تحويل أوروبا لقطب جاذب للباحثين» وأن المبلغ المذكور سيتم ضخه في «مجلس البحوث الأوروبي»، الذي تبلغ ميزانيته بالفعل أكثر من 16 مليار يورو للفترة 2021 - 2027. وقالت أيضاً إنها تريد أن تستثمر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البحث والتطوير بحلول عام 2030.

بيد أن أمراً آخر تميزت به المسؤولة الأوروبية التي تحدثت قبل ماكرون؛ إذ إنها ذكرت أن الاتحاد الأوروبي المشكَّل من 27 دولة يعتزم «تكريس حرية البحث العلمي في القانون» من خلال قانون استصدار تشريع أوروبي جديد معتبرة أنه مع «تزايد التهديدات في جميع أنحاء العالم، لن تتنازل أوروبا عن مبادئها». وفي السياق نفسه، سعت على إبراز الهوية العلمية لأوروبا بقولها: نحن نختار أن نضع البحث والابتكار والعلوم والتكنولوجيا في قلب اقتصادنا. نحن نختار أن نكون القارة التي تشكل فيها الجامعات ركائز مجتمعاتنا وأسلوب حياتنا.

ليست فون دير لاين معروفة بلجوئها إلى المواجهة، بل تفضل دوماً المعالجات الهادئة، لكنها تخلت، الاثنين، عن هذه العادة لتهاجم سياسة ترمب البحثية من غير تحفظ. وفيما ألغت إدارة ترمب حتى اليوم 380 منحة بحثية، وسعت لإخضاع الجامعات والمعاهد لسلطتها عن طريق حرمانها من المساعدات الفيدرالية، فإن المسؤولة الأوروبية لم تتردد في انتقاد هذه التدابير والتوجهات، ولتؤكد أنه «يمكننا أن نتفق جميعاً على أن العلم ليس له جواز سفر، ولا جنس، ولا عرق، ولا حزب سياسي». وأضافت: «نحن نؤمن بأن التنوع هو أحد أصول الإنسانية وشريان الحياة للعلم. إنه أحد أكثر الأصول العالمية قيمة وتجب حمايته» لتخلص إلى القول إن تقويض البحث الحر والمفتوح «سوء تقدير هائل».

يبقى أن الإعلان شيء والواقع شيء آخر. ورغم التفاؤل الأوروبي، فإن كثيراً من المسألة تطرح نفسها وأولها كيفية التغلب على البيروقراطية الأوروبية وكيفية المزج بين ما يخطط له على المستوى الوطني وما هو من صلاحيات «الخطة» الإجمالية الأوروبية. ولم يتردد بعض الأكاديميين الفرنسيين من التعبير عن «اندهاشهم» إزاء الوعود الجديدة بينما قطاع البحث الفرنسي يعاني من محدودية الموارد.


مقالات ذات صلة

لولالترمب: لا نريد حرباً باردة جديدة

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (رويترز)

لولالترمب: لا نريد حرباً باردة جديدة

أعلن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، متوجهاً إلى دونالد ترمب من نيودلهي: «لا نريد حربًا باردة جديدة»، داعياً ترمب إلى معاملة كل البلدان بالتساوي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منعطفاً جديداً من الغموض والتعقيد، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، القاضي بإبطال الرسوم الجمركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب يعلن إرسال سفينة مستشفى إلى غرينلاند

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه سيرسل سفينة مستشفى إلى غرينلاند، وهي منطقة دنماركية تتمتع بحكم ذاتي كان الرئيس الأميركي يهدِّد بالسيطرة عليها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

أميركا: موظف بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً بتكساس في مارس 2025

أظهرت سجلات صدرت ‌خلال الأسبوع الحالي أن أحد موظفي الهجرة الاتحاديين بالولايات المتحدة قتل بالرصاص مواطناً أميركياً في ولاية تكساس في مارس 2025.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأمير أندرو يضع الأسرة الملكية البريطانية في أسوأ أزمة منذ 90 عاماً

الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)
الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)
TT

الأمير أندرو يضع الأسرة الملكية البريطانية في أسوأ أزمة منذ 90 عاماً

الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)
الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)

أُلقي القبض على شقيق ملك بريطانيا، تشارلز الثالث، فيما باشرت الشرطة تفتيش منشأتين ملكيتين. وفي الأثناء، يتداول المعلّقون الإخباريون تفاصيل فضيحة جنسية امتد صداها إلى بوابات قصر باكنغهام.

لكن كيف أمضت الأسرة الملكية البريطانية مساء الخميس الماضي؟ جلس الملك في الصفوف الأمامية خلال اليوم الأول من أسبوع لندن للموضة، فيما حضرت الملكة كاميلا حفلاً موسيقياً، وزارت الأميرة آن أحد السجون.

ويعد قرار الاستمرار في أداء المهام الملكية بصورة طبيعية أكثر من مجرد مثال على الرصانة البريطانية في وجه أكبر أزمة تواجهها الملكية منذ نحو قرن. فهذا القرار هو الفصل الأول من معركة قلعة وندسور للبقاء، حيث يُهدد القبض على الأمير السابق أندرو بتقويض الدعم الشعبي للملكية، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وبعد تعهد بدعم التحقيقات الشرطية بشأن صداقة شقيقه مع رجل الأعمال الراحل المدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، أكد الملك نواياه. وقال الملك في بيان: «أسرتي وأنا سنواصل أداء واجباتنا وخدماتنا لكم جميعاً».

وتُعد هذه أكبر أزمة تواجهها الملكية منذ واقعة التنازل عن العرش عام 1936. ويعكس مجرد إدلاء تشارلز الثالث بهذا التصريح حجم المشكلة الناجمة عن إلقاء القبض على شقيقه، الأمير أندرو (66 عاماً)، المعروف رسمياً باسم أندرو ماونتباتن وندسور. وقد تم احتجازه لمدة 11 ساعة، قبل الإفراج عنه رهن التحقيق، ما يعني أنه لم تُوجَّه إليه تهمة رسمية، ولم تتم تبرئته في الوقت نفسه.

وتُعدّ هذه الواقعة غير مسبوقة، إلى حدٍّ دفع المعلقين إلى استحضار أربعينات القرن السابع عشر، حين أُلقي القبض على تشارلز الأول وأُعدم خلال الحرب الأهلية الإنجليزية، بحثاً عن سابقة مماثلة.

كما يُمثل إلقاء القبض على ماونتباتن وندسور، للاشتباه في إساءة استخدام منصبه، أكبر أزمة تواجه الملكية منذ تنازل إدوارد الثامن عن العرش عام 1936 للزواج من الأميركية المطلقة واليس سيمبسون.

وأضعفت هذه الفضيحة الدعم الشعبي للملكية، التي لم تتعافَ بالكامل إلا بعد نحو 15 عاماً. ولم يتحقق التحول إلا عندما رفض جورج السادس، خليفة إدوارد الثامن، مغادرة بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، معبّراً عن تضامنه مع البلاد التي كانت تتعرض لقصف النازيين.

وحتى قبل اعتلائها العرش، سارت إليزابيث الثانية على نهج والدها، وتعهدت علناً بتكريس حياتها لخدمة بريطانيا. ومع أن تداعيات تنازل إدوارد عن العرش استمرت سنوات، فإن الأزمة نفسها بلغت ذروتها خلال أيام قليلة. وكان حلها غاية في البساطة: تنحّى إدوارد، وتولّى شقيقه الأصغر العرش.

وعلى العكس، تبدو الدراما المحيطة بماونتباتن وندسور مستمرة ولا تلوح لها نهاية في الأفق. ويُشار إلى أن الأزمة الحالية نجمت عن الكشف عن علاقة بين الأمير السابق وإبستين، بعدما نشرت وزارة العدل الأميركية ملايين الوثائق الشهر الماضي تتعلق بالتحقيقات بشأن إبستين.

واستشهدت الشرطة سابقاً بتقارير تُفيد بأن ماونتباتن وندسور كان يرسل معلومات تجارية لإبستين خلال عام 2010، عندما كان الأمير السابق يشغل منصب المبعوث الخاص لبريطانيا للتجارة الدولية.

وقالت ثماني قوى تابعة للشرطة البريطانية إنها تنظر في قضايا أثارتها هذه الوثائق. وقال إيد أوينز، مؤلف كتاب «بعد إليزابيث: هل يمكن أن تنقذ الملكية نفسها؟» إنه بالمقارنة بالفضائح الملكية السابقة «لا يبدو أن هناك طريقاً واضحاً للمضي قدماً هذه المرة». وأضاف: «لا توجد خطة لاتباعها» فيما يتعلق بكيفية تعامل الملكية ومؤسساتها مع هذه الادعاءات.

يُذكر أن آخر مرة اضطرت فيها الملكية إلى التعامل مع مثل هذا النوع من التساؤلات كانت عقب وفاة ديانا، الزوجة السابقة لتشارلز الثالث. آنذاك وُجّهت انتقادات إلى إليزابيث الثانية وتشارلز بدعوى إخفاقهما في مواكبة موجة الحزن العارمة التي اجتاحت البلاد، إذ توافد عشرات الآلاف إلى حدائق كينسنجتون لوضع الزهور خارج منزل الأميرة الراحلة. وحتى إن البعض طالب تشارلز بالتنحي عن منصبه كوريث للعرش لصالح ابنه ويليام.

وبعد ذلك، شكّلت الملكة جماعات نقاشية لفهم المزاج العام، وتحديد سبب هذا الشعور القوي من التعاطف تجاه شخص لم يقابلوه. وأجبرت الأزمة الأسرة الملكية على معرفة أن بساطة ديانا أثرت في المواطنين بطرق لم تحدث من قبل في قلعة وندسور.

وألهمت هذه الدروس شخصيات ملكية أخرى، بمن في ذلك ابنا ديانا الأمير ويليام والأمير هاري، ليكونا أكثر عفوية ووداً. ولكن هذه اللحظة مختلفة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها تأتي في ظل بيئة إعلامية متغيرة سريعاً، في وقت يُطالب فيه المواطنون قادتهم بالشفافية.

ويعني المضي قدماً مواجهة أسئلة غير مريحة بشأن مدى معرفة المؤسسة وأفراد الأسرة الملكية أنفسهم بشأن أنشطة ماونتباتن وندسور. وسعى القصر إلى رسم خط جريء يفصل الأمير السابق وبقية أفراد الملكية من خلال تجريده من ألقابه، بما في ذلك الحق في أن يطلق عليه أمير.

وفي ضربة أخرى للأمير السابق، تدرس الحكومة البريطانية استبعاده رسمياً من قائمة تولي العرش. وعلى الرغم من فقدانه ألقابه ومكانته، فإن أندرو ما زال ترتيبه الثامن في تولي العرش، وهو ما لا يمكن تغييره إلا بإقرار تشريع.

وقال بيتر هنت، المراسل السابق لشؤون الملكية بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن أفضل نتيجة للملكية ستكون أن يركز تحقيق الشرطة فقط على المعلومات الواردة في ملفات إبستين ومدى ارتباطها بماونتباتن وندسور. وأضاف أن أسوأ نتيجة ستكون في حال وسعت الشرطة تحقيقاتها لتشمل مدى ما كانت تعلمه المؤسسة الأوسع نطاقاً، ومتى علمت به.


الجيش الدنماركي يجلي أحد أفراد طاقم غواصة أميركية

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)
جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)
TT

الجيش الدنماركي يجلي أحد أفراد طاقم غواصة أميركية

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)
جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

أعلنت قيادة القطب الشمالي، السبت، أنها قامت بإجلاء أحد أفراد طاقم غواصة أميركية قبالة سواحل نوك عاصمة غرينلاند.

وقالت الهيئة المكلفة مراقبة سيادة الدنمارك في القطب الشمالي وحمايتها، في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي: «أجلت قيادة القطب الشمالي أحد أفراد طاقم غواصة أميركية بعد ظهر اليوم».

وبحسب البيان «كان أحد أفراد الطاقم في حاجة إلى علاج طبي عاجل» ونقل إلى مستشفى نوك.

ونفّذت عملية الإجلاء «مروحية أرسلت من سفينة Vaedderen»، وهي فرقاطة دنماركية متمركزة في نوك وتقوم بمهمات مراقبة بين غرينلاند وجزر فارو، وهما منطقتان تتمتعان بالحكم الذاتي تابعتان للدنمارك.

وتؤكد واشنطن بانتظام أن السيطرة على غرينلاند أمر ضروري لأمن الولايات المتحدة وتتهم الدنمارك والأوروبيين بعدم حماية هذه المنطقة الاستراتيجية بشكل كافٍ ضد الطموحات الروسية والصينية.

إلا أن دونالد ترمب توقف عن تهديداته بعد توقيع اتفاق إطاري مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يهدف إلى تعزيز النفوذ الأميركي وتمهيد الطريق لإجراء محادثات بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة.


روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)
رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)
TT

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)
رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذَّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي.

وأعلنت الإدارة العسكرية للعاصمة الأوكرانية «حالة تأهب جوي في كييف؛ بسبب تهديد العدو باستخدام الأسلحة البالستية»، وذلك قبل سماع دوي الانفجارات قرابة الساعة 04:00 بالتوقيت المحلي (02:00 بتوقيت غرينتش)، وطلبت من السكان البقاء في الملاجئ حتى يتم رفع حالة التأهب.

وبعدها أعلن رئيس الإدارة العسكرية المحلية تيمور تكاتشنكو على «تلغرام» أن «العدو يهاجم العاصمة بالأسلحة الباليستية».

وأشار إلى أن 5 مناطق في محيط العاصمة تضرَّرت جراء القصف.

وأُدخلت امرأة وطفل المستشفى في العاصمة بعد إصابتهما جراء سقوط حطام في المنطقة المحيطة، وفق ما ذكره رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو.

كما أفادت السلطات في منطقتَي دنيبرو (وسط أوكرانيا الشرقي) وأوديسا (جنوب) بوقوع قصف؛ ما تسبب بإصابة شخصين في دنيبرو، بينما تعرضت البنية التحتية في أوديسا لغارات جوية بطائرات مسيّرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال الليل، أعلنت القوات الجوية حالة التأهب في كل أنحاء الأراضي الأوكرانية؛ بسبب خطر وقوع قصف صاروخي.

أسوأ أزمة طاقة

وتقصف روسيا، التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية، مناطق مدنية وبنى تحتية بشكل يومي؛ ما تسبَّب أخيراً في أسوأ أزمة طاقة في البلاد منذ بدء الغزو عام 2022.

وانخفضت درجات الحرارة إلى قرابة 10 درجات مئوية تحت الصفر، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية عندما استُهدفت مجدداً، مع انتشار خدمات الطوارئ في مختلف أنحاء المدينة.

وقال تكاتشنكو لاحقاً إن الهجمات تسببت في اندلاع حريق على سطح مبنى سكني.

كما دفعت هذه الضربات إلى تشديد حالة التأهب على طول الحدود الغربية لأوكرانيا.

وأعلنت القيادة العملياتية البولندية، فجر الأحد، نشر طائرات مقاتلة بعد رصدها طائرات روسية تشن غارات على الأراضي الأوكرانية.

يأتي ذلك بعدما أسفرت انفجارات في لفيف الواقعة قرب الحدود البولندية عن مقتل شرطية وإصابة 15 شخصاً على الأقل، ليل السبت - الأحد، بحسب ما أفاد رئيس بلدية المدينة مندداً بـ«عمل إرهابي».

ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، استُهدف عسكريون أو مسؤولون أوكرانيون بتفجيرات في مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة.

وقتل عشرات وربما مئات الآلاف من الجانبين منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، في الحرب الأكثر فتكاً وتدميراً في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبّدتها، فإن القوات الروسية تواصل تقدمها ولو ببطء، خصوصاً في منطقة دونباس، مركز القتال في الشرق.