لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

يهدد بالمزيد من الاضطراب في توازن الطاقة وتيارات المحيطات على الكوكب

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟
TT

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

أسفر التغير المناخي الذي تسبب فيه الإنسان عن تدمير الجليد البحري في طرفي الأرض، في حدث قد يصبح وضعاً طبيعياً جديداً ومثيراً للقلق.

انحسار الغطاء الجليدي

شهد شهر فبراير (شباط) من العام الحالي انخفاضاً قياسياً في المساحة العالمية للجليد البحري، حيث تزامن ازدياده البطيء في شتاء القطب الشمالي مع السنة الرابعة على التوالي من انخفاض الغطاء الجليدي بشدة خلال صيف القطب الجنوبي.

يقول الدكتور إيد دودريدج، عالم المحيطات الفيزيائي، من جامعة تسمانيا في أستراليا: «يبدو الأمر أشبه بجزء مفقود من قارة». وتنذر ملايين الكيلومترات المربعة من الجليد البحري المفقود، بكارثة على الناس والنظم البيئية في هذه الأجزاء النائية من كوكب الأرض. ومع ذلك، سوف يكون لهذا الانخفاض الاستثنائي عواقب عالمية أيضاً، تتراوح بين المزيد من الاضطراب في توازن الطاقة على الأرض وتيارات المحيطات، وزيادة في انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من المياه الخالية من الجليد.إن الغطاء الجليدي البحري في كل من القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد أصبح الآن أقل بكثير من متوسط المستويات التاريخية. لكن القصة مختلفة في كل من القطبين.

القطب الشمالي

في القطب الشمالي، حيث يطفو الجليد في محيط تحيط به القارات، كان هناك انخفاض شبه ثابت منذ بدء تسجيل الأقمار الاصطناعية في عام 1979. وفي كل عام منذ عام 2007، انخفض الحد الأدنى لامتداد الجليد البحري في القطب الشمالي، بصفة سنوية، إلى أقل بكثير من المتوسط الطويل الأجل، ما يشير إلى أن المنطقة - التي ترتفع درجة حرارتها أربعة أضعاف سرعة ارتفاع درجة حرارة بقية أجزاء الكوكب - تشهد «وضعاً طبيعياً جديداً»، كما يقول الدكتور والتر ماير من «المركز الوطني الأميركي لبيانات الثلوج والجليد». فخلال أدنى مستوى له في فصل الصيف في القطب الشمالي، تُعادل مساحة الجليد المفقود تقريباً مساحة الولايات المتحدة القارية بأكملها إلى الشرق من نهر المسيسيبي.

كما يتناقص الجليد البحري في القطب الشمالي أيضاً في خلال فصل الشتاء؛ ففي مارس (آذار) من العام الحالي، سجل أقصى امتداد له مستوىً منخفضاً قياسياً جديداً، حيث انخفضت مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي بأكثر من 1.3 مليون كيلومتر مربع عن المتوسط على المدى الطويل.

القارة القطبية الجنوبية

أما في القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا»، حيث يطوق الجليد البحري قارة محاطة بالمحيط، فقد كان التغير أكثر تعقيداً مما سلف. يقول الدكتور ماير: «حتى وقت قريب، لم يكن الجليد البحري في القطب الجنوبي متواكباً مع ظاهرة الاحتباس الحراري».

فقد كانت هناك عوامل أخرى، مثل التقلبات الطبيعية في درجة حرارة المحيط وأنماط الرياح، التي تقود التغيرات في الجليد البحري من عام إلى آخر. وفي واقع الأمر، فقد شهد مداه زيادة بطيئة منذ بداية تسجيل الأقمار الاصطناعية، حتى حدوث انخفاض حاد في أواخر عام 2016.

وفي أوائل عام 2022، انخفضت مساحة الغطاء الجليدي خلال صيف القارة القطبية الجنوبية إلى ما دون المستوى القياسي السابق، حيث انخفضت مساحته إلى أقل من المتوسط بنحو مليوني كيلومتر مربع، أي ما يعادل فقدان مساحة تعادل مساحة المملكة العربية السعودية بأسرها تقريباً. وقد اقترب كل صيف من فصول الصيف الثلاثة التالية من هذا المستوى من الانخفاض أو تجاوزه، ما دفع الباحثين إلى اقتراح أننا نشهد «تحولاً دائماً في النظام»، مثل ذلك الذي حدث في القطب الشمالي. وتشير عملية إعادة بناء حديثة للجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية، استناداً إلى سجل طويل الأمد للتغيرات في الغلاف الجوي، إلى أن مساحة الجليد الشتوي هناك الآن أقل مما كانت عليه في أي وقت في القرن العشرين.

ومع ذلك، فإن السجل القصير للأقمار الاصطناعية والنماذج غير الكاملة تعني أنه لا تزال هناك بعض الشكوك حول ما إذا كان قد وقع تحول في النظام البيئي في هذه المنطقة، وإلى أي مدى يقف الاحتباس الحراري وراء هذا التغيير، كما تقول الباحثة كارولين هولمز من «هيئة المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، لكنها تضيف أن هذه السلسلة من الانخفاضات الشديدة «تشير إلى أن الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية يستجيب لتغير المناخ بطريقة لم نشهدها من قبل»، كما قالت.

عواقب على الحياة

يؤثر التحول الجوهري في كلا القطبين بالفعل على الناس وعلى النظم البيئية. تقول الدكتورة تويلا مون، من جامعة كولورادو فرع بولدر: «إنه تغيير في النظام بأكمله». ففي القارة القطبية الجنوبية، على سبيل المثال، شهدت مستعمرات طيور بطريق الإمبراطور - التي تعتمد على الجليد في تربية أفراخها - حالات من النفوق الجماعي.

أما في القطب الشمالي، فقد شهدت مجتمعات السكان الأصليين التي تستخدم البحر المتجمد منصة للصيد هناك تقلصاً في طول موسم الصيد وحجم صيدها. وفي مناطق مثل ساحل ألاسكا الشمالي، أدى فقدان الجليد البحري إلى تسريع التآكل من خلال تعريض الأرض للأمواج. وقد شرعت بنية وبيئة المحيط المتجمد الشمالي بصورة عامة في أن تصبح أكثر شبهاً بتلك التي نراها في خطوط العرض المنخفضة في عملية تسمى «التحوّل الأطلسي».

لكن عواقب فقدان ذلك الكم الهائل من الجليد لا تقتصر على القطبين وحدهما. فمن أحد أوضح التداعيات العالمية انخفاض كمية الإشعاع الشمسي المنعكس من الأرض إلى الفضاء. إذ يعكس الجليد البحري معظم أشعة الشمس التي تصل إليه. وعندما يذوب، فإنه يكشف المحيط المظلم في الأسفل، الذي يمتص أغلب الطاقة الشمسية الواردة.

تأثيرات على المناخ

وخلصت دراسة حديثة حول هذا الأمر إلى أن انخفاض مستويات الجليد البحري العالمي منذ عام 2016 يعني أن تأثير التبريد للجليد أصبح الآن أضعف بنسبة 14 في المائة تقريباً مما كان عليه الأمر في الثمانينات. وتقول الباحثة هولمز: «هذا التأثير كبير بالنسبة إلى ما نعرف بالفعل أننا نفعله بالنظام المناخي من خلال غازات الاحتباس الحراري».

وإذا ما تم قياس هذه الظاهرة بالنسبة للقطب الشمالي وحده، فإن التغيير يعدّ أكبر بكثير، إذ يفقد الجليد هناك ربع تأثير التبريد خلال تلك الفترة. وهذا ما يغذي معدل الاحترار المتسارع في الشمال، والمعروف باسم «تضخيم القطب الشمالي». ويؤدي الاحترار بدوره إلى تقليل الفرق في درجة الحرارة بين هواء القطب الشمالي والهواء الأكثر دفئاً في الجنوب، ما قد يؤدي إلى تعطيل التيار النفاث القطبي الذي يتحكم في الطقس عبر أجزاء من نصف الكرة الأرضية الشمالي.

ويقول أندرياس كلوكر الباحث البارز في مركز الأبحاث النرويجي: «هذا يغير تماماً من أنظمة الطقس لدينا فوق الولايات المتحدة وأوروبا»، مما يؤدي إلى موجات حر أكثر استمراراً وأمطار غزيرة وهبوب الرياح القطبية شديدة البرودة.

كما يمكن أن يؤدي فقدان الجليد البحري إلى تحويل المحيط الجنوبي من منشأ لغازات الدفيئة إلى مصدر جديد.

تيارات المحيطات

في القارة القطبية الجنوبية، قد يساهم فقدان الجليد البحري هناك أيضاً في تباطؤ ملحوظ في الدوران المنقلب لمحيطات العالم. تتحرك هذه التيارات القوية مدفوعة بالمياه الكثيفة والمالحة - المتبقية من تكوين الجليد البحري - التي تغوص في أعماق المحيط. تمكّن التيارات التي تحركها «مياه القاع في القارة القطبية الجنوبية» المحيطات من امتصاص المزيد من الحرارة من الغلاف الجوي، وتحمل المياه الغنية بالمغذيات والأكسجين من المحيط الجنوبي إلى النظم البيئية في المياه العميقة في جميع أنحاء الكوكب.

وقد لاحظ الباحثون تباطؤاً في تكوّن مياه القاع هذه منذ تسعينات القرن الماضي، وعزوا ذلك بشكل رئيس إلى تدفق المزيد من المياه العذبة من ذوبان الجروف الجليدية. غير أن التحول المحتمل في نظام الجليد البحري، إلى جانب المزيد من المياه الذائبة، يزيد من المخاوف من تباطؤ تكوين مياه القاع بصورة أكبر، حيث تتوقع النماذج انخفاضاً بنسبة 50 في المائة على مدى العقود الثلاثة المقبلة في ظل سيناريو الانبعاثات العالية. ويقول الباحث كلوكر إن هذا من شأنه أن يقلل من كمية الحرارة التي يمكن أن تمتصها المحيطات.

كما يمكن أن يؤثر التباطؤ أيضاً على التيارات الحيوية الأخرى، بما في ذلك «الدوران الانقلابي الأطلسي الزوالي» الذي يعمل على تدفئة أوروبا، والتيار القطبي الجنوبي القوي الذي يعزل القارة عن بقية محيطات العالم التي ترتفع درجة حرارتها. ويقول الدكتور إيد دودريدج: «هناك الكثير من التوازنات الحساسة هنا، ويقع الجليد البحري في منتصفها جميعاً».

ارتفاع مستوى البحر

وهناك عواقب أخرى أكثر غموضاً لفقدان الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية، غير أنها ليست أقل إثارة للقلق. على سبيل المثال، يساعد الجليد البحري على إبعاد الأمواج والمياه الدافئة عن الجروف الجليدية في القارة، وهي الهياكل الساحلية العائمة التي تتشكل عندما تتدفق الصفائح الجليدية الداخلية إلى البحر. وقد يؤدي فقدان هذا العازل إلى زيادة معدل انكسار الجبال الجليدية عن تلك الجروف، الأمر الذي سوف يؤدي بدوره إلى تسريع تدفق الصفائح الجليدية إلى المحيط، ما يزيد من ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل عام. يقول الدكتور دودريدج: «لم نر سوى عدد قليل من الجروف الجليدية تتفكك، ولكنها تفككت بصفة عامة بعد فترة من انخفاض مستوى الجليد البحري في تلك المنطقة».

في فصل الشتاء، عندما تمتزج المياه العميقة الغنية بالكربون بقوة مع السطح، يعمل الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية أيضاً كغطاء على المحيط الجنوبي، ما يمنع انبعاث ثاني أكسيد الكربون المذاب في الغلاف الجوي. يقول الدكتور دودريدج إن التأثير الكلي غير مؤكد، حيث إنه من الصعب قياس تدفق الغازات خلال فصل الشتاء في القارة القطبية الجنوبية، لكن فقدان الجليد البحري يمكن أن يفتح هذا الغطاء، ما يحول المحيط نفسه من منشأ لغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري إلى مصدر رئيسي جديد. ويضيف قائلاً: «هذا تأثير مرعب للغاية لا يمكننا تحديده على الإطلاق».

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

علوم ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

الأقوى من نوعها على الإطلاق ويمتد تأثيرها إلى بداية العالم المقبل

كريستين توسان (واشنطن)
المشرق العربي من السيول في إدلب (سانا)

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

حذّرت الحكومة السورية سكان محافظتي الرقة ودير الزور شرق سوريا من الزيادة ‏التدريجية في كميات المياه القادمة من «سد كديران» على نهر الفرات، السبت، ودعت إلى…

سعاد جروس (دمشق)
يوميات الشرق قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)

أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

أدت موجات الحر المتكررة وحالات الجفاف إلى صيف حار تاريخياً شهد حرائق غابات، كما أسهمت في وفاة آلاف الأشخاص حتى الآن

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)

مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

دفعت موجة الحر الشديدة التي تشهدها مصر بعض المصريين إلى إعادة ترتيب ساعات عملهم وتحركاتهم اليومية، لتجنب الوجود في الشوارع خلال ساعات الظهيرة، التي تسجل ذروة…

منى أبو النصر (القاهرة)
آسيا زائر ينظر إلى البحر مع اقتراب إعصار هايكوي من المنطقة على شاطئ سانسيت في تشاتان بمحافظة أوكيناوا باليابان (أرشيفية-رويترز)

مكتب الأرصاد الياباني يتوقع استمرار ظاهرة النينيو خلال الشتاء

أفادت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية بأن هناك احتمالاً بنسبة 100 % لاستمرار ظاهرة النينيو، خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي وحتى أوائل عام 2027.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».