لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

يهدد بالمزيد من الاضطراب في توازن الطاقة وتيارات المحيطات على الكوكب

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟
TT

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

أسفر التغير المناخي الذي تسبب فيه الإنسان عن تدمير الجليد البحري في طرفي الأرض، في حدث قد يصبح وضعاً طبيعياً جديداً ومثيراً للقلق.

انحسار الغطاء الجليدي

شهد شهر فبراير (شباط) من العام الحالي انخفاضاً قياسياً في المساحة العالمية للجليد البحري، حيث تزامن ازدياده البطيء في شتاء القطب الشمالي مع السنة الرابعة على التوالي من انخفاض الغطاء الجليدي بشدة خلال صيف القطب الجنوبي.

يقول الدكتور إيد دودريدج، عالم المحيطات الفيزيائي، من جامعة تسمانيا في أستراليا: «يبدو الأمر أشبه بجزء مفقود من قارة». وتنذر ملايين الكيلومترات المربعة من الجليد البحري المفقود، بكارثة على الناس والنظم البيئية في هذه الأجزاء النائية من كوكب الأرض. ومع ذلك، سوف يكون لهذا الانخفاض الاستثنائي عواقب عالمية أيضاً، تتراوح بين المزيد من الاضطراب في توازن الطاقة على الأرض وتيارات المحيطات، وزيادة في انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من المياه الخالية من الجليد.إن الغطاء الجليدي البحري في كل من القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد أصبح الآن أقل بكثير من متوسط المستويات التاريخية. لكن القصة مختلفة في كل من القطبين.

القطب الشمالي

في القطب الشمالي، حيث يطفو الجليد في محيط تحيط به القارات، كان هناك انخفاض شبه ثابت منذ بدء تسجيل الأقمار الاصطناعية في عام 1979. وفي كل عام منذ عام 2007، انخفض الحد الأدنى لامتداد الجليد البحري في القطب الشمالي، بصفة سنوية، إلى أقل بكثير من المتوسط الطويل الأجل، ما يشير إلى أن المنطقة - التي ترتفع درجة حرارتها أربعة أضعاف سرعة ارتفاع درجة حرارة بقية أجزاء الكوكب - تشهد «وضعاً طبيعياً جديداً»، كما يقول الدكتور والتر ماير من «المركز الوطني الأميركي لبيانات الثلوج والجليد». فخلال أدنى مستوى له في فصل الصيف في القطب الشمالي، تُعادل مساحة الجليد المفقود تقريباً مساحة الولايات المتحدة القارية بأكملها إلى الشرق من نهر المسيسيبي.

كما يتناقص الجليد البحري في القطب الشمالي أيضاً في خلال فصل الشتاء؛ ففي مارس (آذار) من العام الحالي، سجل أقصى امتداد له مستوىً منخفضاً قياسياً جديداً، حيث انخفضت مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي بأكثر من 1.3 مليون كيلومتر مربع عن المتوسط على المدى الطويل.

القارة القطبية الجنوبية

أما في القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا»، حيث يطوق الجليد البحري قارة محاطة بالمحيط، فقد كان التغير أكثر تعقيداً مما سلف. يقول الدكتور ماير: «حتى وقت قريب، لم يكن الجليد البحري في القطب الجنوبي متواكباً مع ظاهرة الاحتباس الحراري».

فقد كانت هناك عوامل أخرى، مثل التقلبات الطبيعية في درجة حرارة المحيط وأنماط الرياح، التي تقود التغيرات في الجليد البحري من عام إلى آخر. وفي واقع الأمر، فقد شهد مداه زيادة بطيئة منذ بداية تسجيل الأقمار الاصطناعية، حتى حدوث انخفاض حاد في أواخر عام 2016.

وفي أوائل عام 2022، انخفضت مساحة الغطاء الجليدي خلال صيف القارة القطبية الجنوبية إلى ما دون المستوى القياسي السابق، حيث انخفضت مساحته إلى أقل من المتوسط بنحو مليوني كيلومتر مربع، أي ما يعادل فقدان مساحة تعادل مساحة المملكة العربية السعودية بأسرها تقريباً. وقد اقترب كل صيف من فصول الصيف الثلاثة التالية من هذا المستوى من الانخفاض أو تجاوزه، ما دفع الباحثين إلى اقتراح أننا نشهد «تحولاً دائماً في النظام»، مثل ذلك الذي حدث في القطب الشمالي. وتشير عملية إعادة بناء حديثة للجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية، استناداً إلى سجل طويل الأمد للتغيرات في الغلاف الجوي، إلى أن مساحة الجليد الشتوي هناك الآن أقل مما كانت عليه في أي وقت في القرن العشرين.

ومع ذلك، فإن السجل القصير للأقمار الاصطناعية والنماذج غير الكاملة تعني أنه لا تزال هناك بعض الشكوك حول ما إذا كان قد وقع تحول في النظام البيئي في هذه المنطقة، وإلى أي مدى يقف الاحتباس الحراري وراء هذا التغيير، كما تقول الباحثة كارولين هولمز من «هيئة المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، لكنها تضيف أن هذه السلسلة من الانخفاضات الشديدة «تشير إلى أن الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية يستجيب لتغير المناخ بطريقة لم نشهدها من قبل»، كما قالت.

عواقب على الحياة

يؤثر التحول الجوهري في كلا القطبين بالفعل على الناس وعلى النظم البيئية. تقول الدكتورة تويلا مون، من جامعة كولورادو فرع بولدر: «إنه تغيير في النظام بأكمله». ففي القارة القطبية الجنوبية، على سبيل المثال، شهدت مستعمرات طيور بطريق الإمبراطور - التي تعتمد على الجليد في تربية أفراخها - حالات من النفوق الجماعي.

أما في القطب الشمالي، فقد شهدت مجتمعات السكان الأصليين التي تستخدم البحر المتجمد منصة للصيد هناك تقلصاً في طول موسم الصيد وحجم صيدها. وفي مناطق مثل ساحل ألاسكا الشمالي، أدى فقدان الجليد البحري إلى تسريع التآكل من خلال تعريض الأرض للأمواج. وقد شرعت بنية وبيئة المحيط المتجمد الشمالي بصورة عامة في أن تصبح أكثر شبهاً بتلك التي نراها في خطوط العرض المنخفضة في عملية تسمى «التحوّل الأطلسي».

لكن عواقب فقدان ذلك الكم الهائل من الجليد لا تقتصر على القطبين وحدهما. فمن أحد أوضح التداعيات العالمية انخفاض كمية الإشعاع الشمسي المنعكس من الأرض إلى الفضاء. إذ يعكس الجليد البحري معظم أشعة الشمس التي تصل إليه. وعندما يذوب، فإنه يكشف المحيط المظلم في الأسفل، الذي يمتص أغلب الطاقة الشمسية الواردة.

تأثيرات على المناخ

وخلصت دراسة حديثة حول هذا الأمر إلى أن انخفاض مستويات الجليد البحري العالمي منذ عام 2016 يعني أن تأثير التبريد للجليد أصبح الآن أضعف بنسبة 14 في المائة تقريباً مما كان عليه الأمر في الثمانينات. وتقول الباحثة هولمز: «هذا التأثير كبير بالنسبة إلى ما نعرف بالفعل أننا نفعله بالنظام المناخي من خلال غازات الاحتباس الحراري».

وإذا ما تم قياس هذه الظاهرة بالنسبة للقطب الشمالي وحده، فإن التغيير يعدّ أكبر بكثير، إذ يفقد الجليد هناك ربع تأثير التبريد خلال تلك الفترة. وهذا ما يغذي معدل الاحترار المتسارع في الشمال، والمعروف باسم «تضخيم القطب الشمالي». ويؤدي الاحترار بدوره إلى تقليل الفرق في درجة الحرارة بين هواء القطب الشمالي والهواء الأكثر دفئاً في الجنوب، ما قد يؤدي إلى تعطيل التيار النفاث القطبي الذي يتحكم في الطقس عبر أجزاء من نصف الكرة الأرضية الشمالي.

ويقول أندرياس كلوكر الباحث البارز في مركز الأبحاث النرويجي: «هذا يغير تماماً من أنظمة الطقس لدينا فوق الولايات المتحدة وأوروبا»، مما يؤدي إلى موجات حر أكثر استمراراً وأمطار غزيرة وهبوب الرياح القطبية شديدة البرودة.

كما يمكن أن يؤدي فقدان الجليد البحري إلى تحويل المحيط الجنوبي من منشأ لغازات الدفيئة إلى مصدر جديد.

تيارات المحيطات

في القارة القطبية الجنوبية، قد يساهم فقدان الجليد البحري هناك أيضاً في تباطؤ ملحوظ في الدوران المنقلب لمحيطات العالم. تتحرك هذه التيارات القوية مدفوعة بالمياه الكثيفة والمالحة - المتبقية من تكوين الجليد البحري - التي تغوص في أعماق المحيط. تمكّن التيارات التي تحركها «مياه القاع في القارة القطبية الجنوبية» المحيطات من امتصاص المزيد من الحرارة من الغلاف الجوي، وتحمل المياه الغنية بالمغذيات والأكسجين من المحيط الجنوبي إلى النظم البيئية في المياه العميقة في جميع أنحاء الكوكب.

وقد لاحظ الباحثون تباطؤاً في تكوّن مياه القاع هذه منذ تسعينات القرن الماضي، وعزوا ذلك بشكل رئيس إلى تدفق المزيد من المياه العذبة من ذوبان الجروف الجليدية. غير أن التحول المحتمل في نظام الجليد البحري، إلى جانب المزيد من المياه الذائبة، يزيد من المخاوف من تباطؤ تكوين مياه القاع بصورة أكبر، حيث تتوقع النماذج انخفاضاً بنسبة 50 في المائة على مدى العقود الثلاثة المقبلة في ظل سيناريو الانبعاثات العالية. ويقول الباحث كلوكر إن هذا من شأنه أن يقلل من كمية الحرارة التي يمكن أن تمتصها المحيطات.

كما يمكن أن يؤثر التباطؤ أيضاً على التيارات الحيوية الأخرى، بما في ذلك «الدوران الانقلابي الأطلسي الزوالي» الذي يعمل على تدفئة أوروبا، والتيار القطبي الجنوبي القوي الذي يعزل القارة عن بقية محيطات العالم التي ترتفع درجة حرارتها. ويقول الدكتور إيد دودريدج: «هناك الكثير من التوازنات الحساسة هنا، ويقع الجليد البحري في منتصفها جميعاً».

ارتفاع مستوى البحر

وهناك عواقب أخرى أكثر غموضاً لفقدان الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية، غير أنها ليست أقل إثارة للقلق. على سبيل المثال، يساعد الجليد البحري على إبعاد الأمواج والمياه الدافئة عن الجروف الجليدية في القارة، وهي الهياكل الساحلية العائمة التي تتشكل عندما تتدفق الصفائح الجليدية الداخلية إلى البحر. وقد يؤدي فقدان هذا العازل إلى زيادة معدل انكسار الجبال الجليدية عن تلك الجروف، الأمر الذي سوف يؤدي بدوره إلى تسريع تدفق الصفائح الجليدية إلى المحيط، ما يزيد من ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل عام. يقول الدكتور دودريدج: «لم نر سوى عدد قليل من الجروف الجليدية تتفكك، ولكنها تفككت بصفة عامة بعد فترة من انخفاض مستوى الجليد البحري في تلك المنطقة».

في فصل الشتاء، عندما تمتزج المياه العميقة الغنية بالكربون بقوة مع السطح، يعمل الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية أيضاً كغطاء على المحيط الجنوبي، ما يمنع انبعاث ثاني أكسيد الكربون المذاب في الغلاف الجوي. يقول الدكتور دودريدج إن التأثير الكلي غير مؤكد، حيث إنه من الصعب قياس تدفق الغازات خلال فصل الشتاء في القارة القطبية الجنوبية، لكن فقدان الجليد البحري يمكن أن يفتح هذا الغطاء، ما يحول المحيط نفسه من منشأ لغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري إلى مصدر رئيسي جديد. ويضيف قائلاً: «هذا تأثير مرعب للغاية لا يمكننا تحديده على الإطلاق».

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مديرة السياسات الاجتماعية في مجموعة البنك الدولي عفت شريف (الشرق الأوسط) p-circle 01:59

خاص البنك الدولي من الرياض: وظائف الغد خارج «المنطق التقليدي»

في وقت يواجه فيه العالم منعطفات اقتصادية حاسمة لم يعد الحديث عن «وظائف المستقبل» مجرد توقعات نظرية بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ عامل يزيل الجليد من أحد الشوارع في أوكسفورد بميسيسيبي الأميركية (أ.ب)

عاصفة قطبية توقع 30 قتيلاً في الولايات المتحدة

ارتفعت حصيلة ضحايا البرد القارس الذي يضرب الولايات المتحدة إلى 30 قتيلاً، بينهم سبعة قضوا في حادث تحطم طائرة ليلة الأحد، في ظل استمرار موجة الصقيع القطبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.