التسوية الكردية- التركية... ومعالم الشرق الأوسط الجديد

تولاي أوغلاري لـ«الشرق الأوسط» : «لا يمكن لأنقرة مصالحة الكرد لديها واستعدائهم في سوريا»

الرئيسان المشاركان لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغللاري خلال لقاء مسؤولي حزب العدالة والتنمية في أنقرة الاثنين (موقع الحزب)
الرئيسان المشاركان لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغللاري خلال لقاء مسؤولي حزب العدالة والتنمية في أنقرة الاثنين (موقع الحزب)
TT

التسوية الكردية- التركية... ومعالم الشرق الأوسط الجديد

الرئيسان المشاركان لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغللاري خلال لقاء مسؤولي حزب العدالة والتنمية في أنقرة الاثنين (موقع الحزب)
الرئيسان المشاركان لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغللاري خلال لقاء مسؤولي حزب العدالة والتنمية في أنقرة الاثنين (موقع الحزب)

أدت أحداث محورية خلال الأشهر الماضية إلى رسم ديناميات جديدة وغير مسبوقة في القضية الكردية بمنظورها الواسع.

سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي غيّر حسابات «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي خرجت من عزلتها عن أكراد الإقليم.

إعلان زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان مبادرة تسليم سلاح مقاتليه أدى إلى فتح أكراد تركيا قنوات تواصل مع أكراد العراق وسوريا.

في قلب هذه التحوّلات، تأتي الرئيسة المشاركة لحزب الشعوب والمساواة والديمقراطية (DEM) تولاي حاتم أوغلاري، التركية اليسارية العلوية التي تحمل في هوياتها المركّبة نبض وغنى المشرق العربي وامتداداته.

بشخصيتها الكاريزمية والبسيطة، لا ترفض أوغلاري أي طلب دردشة أو التقاط صورة من مؤيديها الأكراد. التقيتُ بها في ديار بكر، أو آمد كما يسميها الأكراد، بعد وصولها من أنقرة. حرصت على الفور على إخباري، بلغة عربية فصيحة، أنها تتحدر من إسكندرون، التي كانت بين عامي 1921 و1937 جزءاً من لواء إسكندرون المستقل داخل سوريا، والخاضع للسيطرة الفرنسية قبل أن تضمه تركيا لأراضيها في استفتاء «إشكالي» بعد إبعاد سكانه.

وعائلة تولاي من العلويين العرب الذين بقوا، وبرزت الآن كواحدة من السياسيين الأتراك الذين استطاعوا التوسط بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني في لحظة قد تكون تاريخية.

في 27 فبراير (شباط) الماضي، أصدر عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، المسجون مدى الحياة في سجن جزيرة إمرالي ببحر مرمرة، دعوة لتسليم سلاح الحزب وحلّه، وهي دعوةٌ نقلها ممثلو حزب الشعوب والمساواة والديمقراطية الذين التقوه في السجن. وكانت القوات الخاصة التركية اعتقلت أوجلان في كينيا في فبراير عام 1999، وتمركز بعد ذلك مقاتلو حزب العمال الكردستاني بشكل أساسي في المناطق الجبلية شمال العراق.

تولاي حاتم أوغللاري متحدثة في مؤتمر صحافي (ارشيفية- الشرق الأوسط)

وجاءت دعوة أوجلان عقب بيانٍ صدر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن دولت بهجلي، وهو زعيم حزب قومي متطرف وحليف رئيسي للحزب الحاكم في البرلمان التركي، والذي عرض فيه صفقةً لإطلاق سراح أوجلان مقابل إنهاء حزب العمال الكردستاني تمرّده. توضح أوغلاري لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع وجود إعلان عن نية حزب العمال الكردستاني عقد مؤتمر لنزع السلاح، فمن أجل توفير الأساس لذلك، يجب أن تتوقف العمليات العسكرية والقصف الجوي، ويجب إنشاء البنية التحتية التقنية والمادية التي ستمكّن السيد أوجلان من التواصل المباشر مع حزب العمال الكردستاني».

اضطراب في إسطنبول

خلال احتفالها بعيد النوروز في دياربكر في مارس (آذار) الماضي، اضطرت أوغلاري إلى قطع زيارتها لبضع ساعات للذهاب إلى إسطنبول بعدما ألقت السلطات التركية القبض على رئيس بلديتها أكرم إمام أوغلو بتهم الفساد ومساعدة حزب العمال الكردستاني بينما كان يستعد للإعلان عن حملته الرئاسية للتنافس ضد الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان. كان فريق عمل أوغلاري قلقاً بشأن كيفية التعامل مع هذه المسألة المعقدة.

من ناحية أخرى، فإن آخر شيء يريده حزبها هو استفزاز إردوغان لأنهم يتوسطون بين حكومته وحزب العمال الكردستاني، ومن المحتمل أن يتم اعتقالهم، والأهم من ذلك أنه قد يمنعهم من التواصل مع أوجلان في سجنه لتسهيل هذه الصفقة. ومن ناحية أخرى، لا يمكن للحزب أن يحتمل أن يُنظر إليه على أنه يتنصل من مبادئه الديمقراطية عبر التزام الصمت حيال مسألة كهذه.

وعندما وصلت أوغلاري إلى إسطنبول، كان القرار هو السير على خط رفيع عبر التأكيد في خطاب على دعم كل من السلام والديمقراطية، مع إدانة اعتقال رئيس بلدية مدينة تركية رئيسية متعاطف مع القضايا الكردية، بما يضمن للحزب الحفاظ على خط الاتصال مفتوحاً مع الحكومة التركية.

وتعتقد أوغلاري اليوم أن قرارها التوقف في إسطنبول للاعتراض على اعتقال إمام أوغلو كان صائباً وتقول: «كنا قد حذرنا مراراً في الرأي العام من أن السياسات القمعية ستمتد يوماً ما إلى كل بقعة في تركيا... إذا لم تتحرر آمد (ديار بكر) وفان وماردين، فلن تتحرر إسطنبول وأنقرة وإزمير أيضاً». كانت الحكومة التركية قامت في مراحل سابقة بخطوات مشابهة في المناطق الكردية عبر تعيين «قيّمون إداريون» بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين، لكن ترى أوغلاري أن «سياسة تعيين الأوصياء وتجميد الديمقراطية بدأت اليوم تُطبَّق حتى في إسطنبول تحت ذرائع مختلفة».

نوروز هادىء في دياربكر

للمرة الأولى، كانت دياربكر أكثر هدوءاً من إسطنبول في يوم نوروز، لكن الاحتفال كان مختلفاً هذا العام. بعد بضع ساعات من رقصة غوفيند، وهي رقصة كردية تقليدية، قاطعتها خطب تعبوية، سمعت الحشود الكبيرة صوت أوجلان علناً لأول مرة منذ 12 عاماً. بمجرد بث المقاطع القصيرة القديمة لأوجلان، أصبحت الشرطة التركية في حالة تأهب مع معدات مكافحة الشغب جاهزة لمواجهة أي احتجاجات في «ساحة نوروز» في آمد، بينما كان المحتفلون يرقصون ويهتفون. سألت العشرات من المسؤولين والناشطين المحليين الأكراد عن رأيهم في محادثات السلام وما إذا كانوا يثقون في أن إردوغان سيتابعها، كانت الإجابة بالإجماع: «لقد سئمنا العنف»، ويبدو أنهم متفائلون لكنهم غير متأكدين من كيفية انتهاء هذه العملية.

من الاحتفالات بعيد «نوروز» في القامشلي (الشرق الأوسط)

وكانت عُقدت جولتا محادثات للسلام سابقاً في 2009-2011 و2013-2015، وفشلت كلتاهما في تحقيق اختراق. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، بدأ السجناء الأكراد إضراباً عن الطعام وكان أحد مطالبهم بدء عملية سلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني. كان المسؤولون الأتراك يتفاوضون مباشرة مع أوجلان في سجنه بالإضافة إلى وساطة حزب الشعوب الديمقراطي. في 21 مارس 2013، وبعد أشهر من المفاوضات مع الحكومة التركية، تُليت رسالة أوجلان بمناسبة عيد النوروز في آمد باللغتين التركية والكردية، والتي دعت إلى إنهاء الكفاح المسلح. كان مسؤولو حزب «الشعوب والمساواة والديمقراطية» يأملون هذه المرة أن تتمكن السلطات التركية من السماح لهم بالوصول إلى أوجلان عشية يوم النوروز والحصول منه على رسالة لقراءتها في آمد عند الاحتفال بالعيد، إلا أن الاضطرابات في إسطنبول قد تكون أجهضت هذه الخطة لكن لم تُعرقل الوساطة القائمة، إذ التقى الفريق المفاوض مع أوجلان، للمرة الرابعة منذ إعلان مبادرته إنهاء النزاع، في 21 أبريل (نيسان) الماضي.

في مايو (أيار) 2013، بعدما انسحب مقاتلو حزب العمال الكردستاني من تركيا إلى جبال شمال العراق، انهارت المحادثات وعاد العنف، ثم أُلقي القبض على قادة حزب الشعوب الديمقراطي وحُكم عليهم بالسجن وأُجبر حزبهم على الإغلاق. تم تشكيل حزب «الشعوب والمساواة والديمقراطية» في أكتوبر 2023 كاندماج بين «الشعوب الديمقراطي» وحزب «اليسار الأخضر» بإيعاز من أوجلان لتشكيل جبهة موحدة للقوى التقدمية. عرض أوجلان حالياً هو إنهاء النزاع وحل حزب العمال الكردستاني مقابل ضمانات قانونية وسياسية تقدمها الحكومة التركية، بما في ذلك وقف الملاحقات القضائية والأمنية ضد الأكراد.

مبادرة أوجلان

تشمل مبادرة أوجلان وقف التصعيد، واقتراح وقف نار آحادي، واستعادة حقوقه في السجن للتواصل مع الخارج، وهو ما لم يتح له منذ عام 2021، وتشكيل لجنة تركية-كردية مستقلة لمراقبة السلام. حتى الآن، لم ترد الحكومة التركية بشكل رسمي على مبادرة أوجلان، بل أطلقت حملة عسكرية حدودية استهدفت فيها مواقع لحزب العمال الكردستاني في المناطق الجبلية شمال العراق حيث جرت أكثر من 120 مواجهة بين الطرفين منذ فبراير/ شباط الماضي، تاريخ إعلان مبادرة أوجلان. كذلك ألقت الطائرات التركية منشورات باللغتين التركية والكردية فوق محافظة دهوك، تدعو أعضاء حزب العمال الكردستاني إلى «الاستجابة لنداء أوجلان» و«الاستسلام مقابل التساهل مع من يلقي سلاحه» بخلاف العرض الفعلي.

أكراد تركيا رفعوا صور أوجلان ودميرطاش خلال احتفالهم بعيد النوروز في ديار بكر وطالبوا بالإفراج عنهما (أ.ف.ب)

حزب العمال الكردستاني قال في بيان في 28 أبريل الماضي إن أوجلان سيقود مؤتمر الحزب القادم من دون تحديد الوقت في رسالة ضمنية إلى الحكومة التركية بأنه لن ينعقد مؤتمر الحزب لتسليم السلاح قبل إطلاق سراح أوجلان.

لا يُظهر إردوغان أي مؤشرات على التراجع حتى الآن؛ فهو يتوقع حضور أوجلان إلى البرلمان التركي ليُعلن إلقاء السلاح بلا شروط مسبقة. ومع ذلك، يطالب الجانب الكردي بما يسمّيه ضمانات قانونية وديمقراطية على اعتبار أن الأكراد يشكّلون نحو 20 في المائة من سكان تركيا. وصرح مسؤول محلي كردي لـ«الشرق الأوسط» بأن الدعوة إلى «سياسة ديمقراطية» هي «مسؤولية تقع على عاتق الحكومة التركية».

إذن حتى الآن، لا يوجد اتفاق مكتوب من الطرفين سوى إعلان أوجلان الأحادي في 27 فبراير الماضي وتقول أوغلاري في هذا السياق: «إذا اعتمد الطرفان خطاباً ونهجاً لا يُفرّغ خطوات بعضهما البعض من المضمون، فإن خريطة الطريق الشاملة الكفيلة بإنهاء الصراع جذرياً ستدخل حيّز التنفيذ في إطار هذا المسار».

لكن وحده إردوغان يفرض إيقاع هذا المسار وتوقيته، وهو بطبيعة الحال الطرف الأقوى في هذه المعادلة. وبالمناسبة، هو لا يستخدم هذه المرة خطاباً ديمقراطياً للترويج لمحادثات السلام مع الأكراد كما فعل في المحادثات السابقة، بل على العكس هو في ذروة استخدام السلطة بأدواتها القمعية. في يناير (كانون الثاني) الماضي، اعتقلت السلطات التركية السياسي اليميني المتطرف أوميت أوزداغ، وفي 19 مارس الماضي، رئيس بلدية إسطنبول، ويُنظر إليهما على أنهما يُشتتان الانتباه عن محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني، في الوقت الذي يسعى فيه إردوغان إلى الفوز بولاية رابعة في الانتخابات الرئاسية لعام 2028.

انعكاسات إقليمية

ما قد يحدث بين إردوغان وأوجلان قد يكون له تأثير على الشرق الأوسط، وبدأت تظهر ملامح هذه التأثيرات. فقد أرسل كل من زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ممثلين لحضور احتفالات نوروز في آمد والتقيا بمسؤولي حزب «الشعوب والمساواة والديمقراطية»، الذي أرسل أيضاً في فبراير الماضي ممثلين إلى إقليم كردستان العراق لمناقشة مبادرة السلام والتقى بمسؤولين من كل من حزب بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني.

مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي (يسار) خلال لقاء سابق مع القيادي الكردي بافل طالباني في السليمانية (واع)

خطاب ممثل بارزاني في دياربكر كان متقدماً حيث دعا إلى إطلاق سراح أوجلان، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ التأزم في العلاقة بين الطرفين منذ الانقلاب الذي قاده رئيس الأركان العامة الجنرال التركي كنعان إيفرين مع مجموعة من الضباط في يوم 12 سبتمبر (أيلول) 1980 وما تبعه من فرار حزب العمال الكردستاني إلى سوريا والعراق.

كل هذا يأتي ضمن حراك انطلق بداية العام الحالي. في شهر يناير الماضي، زار قائد «قسد» مظلوم عبدي أربيل واجتمع مع مسعود البارزاني الذي نصحه بالحوار مع الرئيس السوري أحمد الشرع وتطمين تركيا على حدودها. منذ هذا اللقاء تطور موقف الطرفين بحيث انفتح البارزاني على حزب العمال الكردستاني، ومظلوم عبدي على الشرع.

ولكن، في 19 أبريل الماضي، انعقد الاجتماع الرفيع المستوى الخامس للآلية الأمنية في إنطاليا بين الجابين التركي والعراقي وأجمع مرة أخرى على تصنيف حزب العمال الكردستاني «منظمة إرهابية»، فيما تحاول حكومة إقليم كردستان في العراق التوازن بين رفض استخدام مقاتلي حزب العمال الكردستاني أراضيها في عمليات عسكرية ضد تركيا وبين اعتراضها على التوغل التركي وانتهاك السيادة العراقية. فمعلوم أنه لدى الجيش التركي أكثر من 38 نقطة عسكرية شمال العراق، فيما الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يحكم السليمانية، ترك الخطوط مفتوحة مع الأكراد في المنطقة.

الشرع وعبد وقعا في مارس الماضي اتفاقا بين الحكومة السورية وقسد بثضي باندماجها في مؤسسات الدولة السورية (إ.ب.أ)

وكان مسعود بارزاني أجرى في سبتمبر 2017 استفتاءً سعياً لاستقلال إقليم كردستان، مما دفع قوات الأمن العراقية وقوات الحشد الشعبي بدعم إيراني إلى دخول مدينة كركوك التي يسيطر عليها الأكراد، وجاء الاستفتاء ليسرّع قرار مسعود بارزاني بالتنحي عن منصب رئيس إقليم كردستان. ويرتبط بارزاني بعلاقات مع إردوغان لأسباب سياسية واقتصادية، لكن إعلانه عن محادثات السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني شجع بارزاني على اتخاذ خطوة الانفتاح على حزب العمال الكردستاني.

أربيل أقرب من أنقرة

القامشلي وأربيل أقرب جغرافيا إلى آمد من أنقرة وإسطنبول، وهناك ترابط عضوي للمناطق الكردية في تركيا مع امتدادها التاريخي عبر الحدود السورية، لكن هناك عوائق جيوسياسية قد تتلاشى تدريجياً. هناك رهان على أن يتحوّل مع الوقت الموقف الرسمي التركي من القيادات الكردية في سوريا إلى نموذج كردستان العراق حيث كانت تعتبر أنقرة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني «تنظيمات إرهابية» قبل أن تعترف بهما الدولة التركية كجزء من حكومة إقليم كردستان وتستقبل ممثليهم رسمياً في أنقرة. بطبيعة الحال لم ترسل «قسد» أي ممثل لها إلى احتفال «النوروز» في آمد لأن علاقتها متوترة مع أنقرة ولا يُسمح لها زيارة تركيا. لكن بدأت تظهر مؤشرات إيجابية لانعكاسات محادثات السلام التركية مع زيارة وفد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إلى الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا في مدينة الرقة، وهذه الزيارة لا يمكنها أن تحصل من دون سماح السلطات التركية بعبور الحدود.

قائد قوات «قسد» مظلوم عبدي متحدثاً خلال مؤتمر وحدة الصف الكردي في القامشلي السبت (رويترز)

هدف زيارة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب كان حضور «كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي» في روجافا في مدينة قامشلي بتاريخ 26 أبريل الماضي الذي شارك فيه أيضاً ممثل إقليم كردستان العراق الذي ألقى كلمة مسعود البرزاني، وبالتالي اجتمعت الأطراف الثلاثة في مكان واحد لأول مرة. هذا يأتي بعد الاتفاق الذي وقعه أحمد الشرع مع مظلوم عبدي في 10 مارس الماضي، ويهدف «الكونفرانس» إلى توحيد موقف أكراد سوريا لإيجاد أرضية في محاولة لفك ارتباط «قسد» مع حزب العمال الكردستاني وتشكيل وفد موحّد للحوار مع الشرع، لكن ليس واضحاً إذا ما سينجح البرزاني في فك ارتباط «قسد» بالكامل مع حزب العمال الكردستاني، وقد لا يكون هذا الأمر ضرورياً إذا تم التوصل إلى اتفاق بين إردوغان وأوجلان.

تقول أوغلاري: «من غير المنطقي، بل ويشكّل عائقاً أمام السلام، أن تُبدي حكومة في تركيا نية في المصالحة مع الكرد داخل حدودها، بينما تُصر في الوقت نفسه على اعتبار الكرد السوريين أعداء». معتبرة إنه خلال حكم نظام بشار الأسد «لم تتوفر أرضية للاتفاق... أو لم يُسمح بتوفيرها» وأن «الجهات التي تسيطر على الأرض حالياً تضعف إمكانية الوصول إلى سلام دائم في سوريا». وترى أوغلاري أن السلطة الجديدة «مطالبة بضمان حياة مشتركة تقوم على المساواة في الحقوق، ليس فقط مع الكرد، بل أيضاً مع العلويين والدروز. وحتى الآن، لم يقدّم النظام القائم في دمشق نموذجاً جيداً في هذا الصدد، ولا يُتوقع أن يكون قادراً على تأمين وحدة سوريا بشكل فعلي».

ويتباين ذلك مع المقاربة التركية للقضية الكردية؛ إذ تفضل أنقرة التوصل إلى اتفاقات سلام بـ«التجزئة» مع الأطراف الكردية لديها وفي العراق وسوريا بما يضمن نشوء شريط حدودي يمتد من أربيل إلى قامشلي، قائم على تقديم خدمات سياسية واقتصادية للمنطقة ومن ضمنها إسرائيل.

أكراد سوريون يحتفلون في القامشلي بالاتفاق بين الإدارة السورية و«قسد» (أرشيفية - رويترز)

أوغلاري، التي تُعرّف نفسها بأنها نسوية وعلوية، تشير في سياق حديثها إلى أن «حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت حركة الحرية الكردية تعتمد مقاربة تُعطي الأولوية للاعتراف الدستوري بحقوق الأكراد» لكن «مسألة تحرر الكرد وديمقراطية تركيا ككل تُطرحان كقضية واحدة مترابطة، ولا يتم فصلهما عن بعضهما بعضاً». كما تعتقد أن إردوغان يستخدم الاعتقالات في إسطنبول «لإعادة تشكيل المشهد السياسي» في تركيا «إلا أن اعتقال رؤساء بلديات من جبهة معارضة مختلفة، خارج الإطار الكردي، للمرة الأولى، يمكن اعتباره انعكاساً للإصرار على عدم حلّ القضية الكردية». لكن على الرغم من التحديات، تتمسك أوغلاري بجهود دفع الحوار بين الحكومة التركية وأوجلان «بهدف تحقيق تحوّل ديمقراطي في تركيا» وأنه «في ظل هذه الظروف الاستثنائية واستمرار القمع، علينا أن نستغل كل فرصة ممكنة من أجل إحلال سلام دائم... لا نريد لهذا المسار، القادر على تحقيق حالة من الاستقرار والانفتاح، أن يتعثر مرة أخرى».


مقالات ذات صلة

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

المشرق العربي محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

وجه المحافظ الجديد للحسكة خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي إردوغان يتحدث للصحافيين على متن الطائرة خلال عودته الأربعاء من زيارة إلى السعودية ومصر (أناضول)

إردوغان: اتفاق دمشق و«قسد» يدعم السلام مع «الكردستاني» في تركيا

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ​إن الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» يدعم السلام مع حزب «العمال الكردستاني» في تركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي وزيرا خارجية سوريا وفرنسا أسعد الشيباني وجان نويل بارو في القصر الرئاسي في دمشق الخميس (أ.ف.ب)

أولوية فرنسا في سوريا محاربة الإرهاب والضمانات للأكراد

وزير الخارجية الفرنسي في دمشق، وعين باريس على محاربة «داعش» وتوفير الضمانات لأكراد سوريا، وتؤكد استعدادها لإنجاح المشروع الحكومي السوري

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي قوات أميركية بريف الرميلان بمحافظة الحسكة شرق سوريا يونيو 2023 (أ.ف.ب)

القوات الأميركية تستعد لمغادرة قاعدة الشدادي في سوريا

تستعد القوات الأميركية في قاعدة الشدادي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا للانسحاب الكامل خلال الساعات القادمة.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.