زيارة مرتقبة للسيسي إلى روسيا للمشاركة بـ«احتفالات النصر»

تلبية لدعوة بوتين

السيسي وبوتين في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
السيسي وبوتين في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

زيارة مرتقبة للسيسي إلى روسيا للمشاركة بـ«احتفالات النصر»

السيسي وبوتين في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
السيسي وبوتين في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

ذكرت مصادر مصرية مطلعة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعتزم تلبية دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لزيارة روسيا والمشاركة باحتفالاتها بـ«عيد النصر» على الحرب النازية نهاية الأسبوع الحالي.

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أنه يجري حالياً إجراء الترتيبات اللازمة لزيارة السيسي إلى موسكو، سواء من تحضيرات للوفد المرافق أو الأمور اللوجيستية، وكذا الملفات المشتركة التي سيناقشها السيسي مع بوتين على هامش المشاركة بالاحتفالات الروسية.

ونوهت المصادر بأن مصر تعوّل على اتفاق الرؤى بين السيسي وبوتين فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب الإسرائيلية على غزة، ودعم موسكو لجهود القاهرة في الوساطة، ومحاولات وقف إطلاق النار وتحقيق السلام العادل للشعب الفلسطيني.

وفي وقت سابق، أعلن السفير الروسي لدى مصر، غيورغي بوريسينكو، أن السيسي تلقى دعوة لزيارة موسكو للاحتفال بالذكرى الثمانين للنصر في الحرب الوطنية العظمى.

وقال بوريسينكو في مقابلة مع وكالة «ريا نوفوستي» الروسية، إن «الرئيس المصري مثل زعماء دول (بريكس) الأخرى وكثير من الدول، تلقى دعوة لحضور الاحتفالات بموسكو في 9 مايو (أيار) الحالي، احتفالاً بالنصر في الحرب».

وأعرب الدبلوماسي الروسي عن أمله في أن يقبل الرئيس المصري الدعوة، مضيفاً: «سنكون سعداء للغاية بالترحيب بالرئيس المصري في بلادنا».

وبحسب وسائل إعلام روسية، تستعد روسيا ودول رابطة الدول المستقلة للاحتفال بالذكرى الثمانين للنصر في الحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية)، وتتضمن هذه الاحتفالات عروضاً عسكرية في موسكو و8 مدن أخرى، بالإضافة إلى فعاليات تكريمية لقدامى المحاربين والمشاركين في العمليات العسكرية الحالية بأوكرانيا وغيرها من الدول.

جانب من أعمال تنفيذ محطة «الضبعة النووية» في مصر (هيئة المحطات النووية المصرية)

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر، أخيراً، فقد اكتسبت العلاقات المصرية - الروسية قوة دفع قوية جديدة في عهد الرئيس السيسي، حتى باتت أكثر تميزاً في ظل الظروف الدولية الراهنة التي تتسم بعدم الاستقرار، وقد ارتبطت علاقات مصر مع روسيا بالظروف السياسية على المستوى الدولي التي كان لها دور كبير في التقارب المصري - الروسي.

وتعدّ مصر في طليعة الدول التي أقامت العلاقات الدبلوماسية مع روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وتطورت على أثرها العلاقات السياسية على مستوى رئيسي الدولتين والمستويين الحكومي والبرلماني، عكستها أول زيارة رسمية للرئيس الأسبق حسنى مبارك إلى روسيا الاتحادية في سبتمبر (أيلول) 1997، وقد قام السيسي بعدة زيارات لروسيا منذ توليه الحكم في مصر؛ منها للمشاركة باحتفالات النصر في سنوات سابقة، وأخرى زيارات رسمية شهدت توقيع اتفاقيات تعاون، كما زار الرئيس الروسي مصر.

وفي عهد السيسي، شهد التعاون العسكري مع روسيا طفرة؛ سواء على مستوى السلاح الذي اشترته مصر من روسيا، أو على مستوى التدريبات المشتركات، وكان آخرها التدريب البحري المشترك (جسر الصداقة)، الذي نفذته وحدات من القوات البحرية من البلدين على مدى عدة أيام بالمياه الإقليمية المصرية بنطاق الأسطول الشمالي بالبحر المتوسط، واختتمت فعالياته منتصف الشهر الماضي، وهو التدريب الذي أثار قلقاً في إسرائيل بسبب التقارب العسكري المصري مع كل من روسيا والصين، تزامناً مع توتر العلاقات بين القاهرة وتل أبيب بسبب حرب غزة، وفق صحف عبرية.

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره الروسي في موسكو سبتمبر (أيلول) الماضي (الخارجية المصرية)

كما تساعد روسيا مصر في إنشاء أول محطة للطاقة النووية للأغراض السلمية، حيث وقع البلدان في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، اتفاق تعاون لإنشاء محطة للطاقة الكهروذرية، بتكلفة تبلغ 25 مليار دولار، قدمتها موسكو قرضاً حكومياً ميسَّراً للقاهرة، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2017، وقّعت مصر وروسيا اتفاقات نهائية لبناء محطة «الضبعة» قرب شاطئ البحر المتوسط في محافظة مرسى مطروح (شمال القاهرة). (الدولار الأميركي يساوي 50.7 جنيه في البنوك المصرية).

وتضم المحطة 4 مفاعلات نووية، بقدرة إنتاج إجمالية تبلغ 4800 ميغاواط، بواقع 1200 ميغاواط لكل مفاعل، ومن المقرّر أن يبدأ تشغيل المفاعل النووي الأول عام 2028، ثم تُشغَّل المفاعلات الأخرى تباعاً، ضمن «مزيج الطاقة الكهربائية» لمصر.

وتستهدف مصر من مشروع «الضبعة» تنويع مصادرها من الطاقة، وإنتاج الكهرباء؛ لسد العجز في الاستهلاك المحلي، وتوفير قيمة واردات الغاز والطاقة المستهلكة في تشغيل المحطات الكهربائية، وفق مراقبين.

كما تشهد العلاقات الاقتصادية بين روسيا نمواً مزداداً، حيث سجل التبادل التجاري بين البلدين مستوى قياسياً جديداً، حيث بلغ 8 مليارات دولار في عام 2024، بحسب السفارة الروسية في القاهرة. وتعكس الزيادة في حجم التبادل التجاري من 7 مليارات دولار في 2023 إلى 8 مليارات دولار في 2024، التطور المستمر في العلاقات الاقتصادية، خصوصاً في مجالات الزراعة والطاقة والصناعة.

وكان الرئيس الروسي ونظيره المصري قد أكدا في لقاءاتهما السابقة، إعطاء الأولوية لمبادرات البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك إنشاء تطوير منطقة صناعية روسية متخصصة.

وبحسب البيانات الرسمية المصرية، تعدّ روسيا شريكاً استراتيجياً في القطاع الزراعي المصري، إذ تحافظ على موقعها بوصفها أكبر مورد للقمح إلى مصر. ففي عام 2024 وحده، صدرت روسيا 9 ملايين طن من القمح إلى السوق المصرية. وإلى جانب التجارة في المنتجات الزراعية والطاقة، تخطط روسيا ومصر لتعزيز الاستثمارات في قطاعات رئيسية أخرى كالنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا.


مقالات ذات صلة

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

شمال افريقيا وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاثة بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

قناة السويس تراهن على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها

قال رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع خلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي الأحد إن القناة شهدت خلال النصف الثاني من عام 2025 تحسناً نسبياً وبداية تعافٍ 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)
يوميات الشرق عادل تحدث عن تحمسه لدوره في مسلسل «ميد تيرم» (حسابه على فيسبوك)

هاني عادل: «ميد تيرم» يعبر عن مشكلات الشباب بصدق

قال الفنان المصري هاني عادل إن مشاركته في مسلسل «ميد تيرم» جاءت «بعد بداية لم تخلُ من بعض الصعوبات المرتبطة بمواعيد التصوير وتنظيم الوقت».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الحروق الناتجة عن السوائل الساخنة تُعدُّ من أخطر أنواع الحروق (بيكساباي)

تحذيرات في مصر من ترند «الماء المغلي»... ما القصة؟

أثار، خلال الفترة الأخيرة، انتشار تحدٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، جدلاً واسعاً في مصر، بعد تداول مقاطع مُصوَّرة لصبِّ الماء المغلي أو الشاي فوق يد المراهقين.

سارة ربيع (القاهرة)

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

حذّرت الأمم المتحدة وشركاؤها من «فجوات حرجة» في خدمات التغذية بالسودان، ظلت تتسع باطرادٍ نتيجة استمرار الحرب والنزوح، وتراجع الخدمات الصحية والغذائية، مع مؤشرات ميدانية على تدهور حاد يُتوقع أن يحدث خلال عام 2026.

ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة «أوتشا»، فإن أكثر من 8.4 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدة غذائية في عام 2026، بما في ذلك نحو 5 ملايين طفل دون الخامسة، إضافة إلى معاناة أكثر من 3.4 مليون من النساء الحوامل والمرضعات من تدهور الخدمات الصحية والعلاجية ونقص التغذية.

وتوقّع التقرير الذي نشرته «أوتشا»، يوم الاثنين، أن يعاني 4.2 مليون طفل ونساء حوامل ومرضعات من سوء تغذية حاد في أنحاء السودان، من بينهم أكثر من 824 ألف حالة سوء تغذية «حاد وخيم» لدى الأطفال دون الخامسة.

وأظهرت المسوحات المعتمدة، وفق المنهجية المعيارية لمتابعة وتقييم الإغاثة والتحولات (SMART)، من خلال 31 مسحاً من أصل 61 مسحاً، تدهوراً حاداً في انتشار سوء التغذية الحاد خلال العام الحالي. وذكرت منظمة الصحة العالمية أن مسحاً واحداً منها سجّل تدهوراً بلغ «حافة المجاعة»، أي نحو 34.2 في المائة من جملة السكان.

معارك كردفان ودارفور

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

ميدانياً، تتزايد الضغوط العسكرية في إقليمي كردفان ودارفور. وذكرت الأمم المتحدة، في وقتٍ سابق من هذا الشهر، أن ازدياد عمليات تقييد وقطع الطرق أثّر على الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والأسواق في عدة مناطق، من بينها مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، ومدينة الدلنج في الولاية نفسها.

ومنذ عدة أشهر، تفرض «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» حصاراً قاسياً على مدينتي كادوقلي والدلنج، وتواصل قصفهما بالمدفعية والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى نزوح أكثر من 800 ألف شخص، معظمهم إلى مناطق سيطرة قوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان» جنوب غربي كادوقلي.

ودونت عمليات عسكرية استهدفت أسواقاً وتجمعات للقوات، من بينها هجوم أوقع أكثر من 12 قتيلاً وعشرات الجرحى، حسب تقارير محلية، إلى جانب عمليات عسكرية وتبادل سيطرة على بلدة هبيلا، واستهداف بلدة كرتالا.

وفيما تشتد وتيرة المعارك البرية بين قوات الطرفين - الديش و«الدعم السريع» - ظلت الطائرات المسيّرة القتالية التي تهاجم المدن والبلدات تلعب دوراً كبيراً في القتال، بعد أن توسّع استخدامها على نطاقٍ واسع، وألحقت بالمدنيين خسائر فادحة.

وخلال يناير (كانون الثاني) الحالي، رُصدت سلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع»، وأخرى للجيش وحلفائه، في مدينة الأُبيّض وما حولها من بلداتٍ أخرى. وأفادت تقارير بمقتل أكثر من 13 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، جراء ضربات هذه المسيّرات في الأُبيض ومحيطها، وسط استهدافٍ واسعٍ للمنشآت الحيوية في المدينة.

ونقلت تقارير محلية حدوث اشتباكاتٍ عنيفة في محاور تربط شمال كردفان بمناطق استراتيجية، زادت من مخاطر انقطاع الإمدادات وحركة المدنيين، لا سيما الطريق البرية التي تربط غرب السودان بمدينة أم درمان، إحدى مدن العاصمة الثلاثية، وبعض المناطق في جنوب غربي الولاية وبلدة علوبة، حيث ظل طرفا القتال يتبادلان السيطرة عليها.

وتربط جهات المساعدات الإنسانية بين اتساع رقعة القتال والتدهور المتوقع في الأمن الغذائي خلال عام 2026، وتضرر خدمات الصحة والمياه، وازدياد موجات النزوح، وجعل سلاسل الإمداد أكثر هشاشة. وتحذّر جهات أممية من تجاوز التقديرات الحالية لأعداد الأشخاص المحتاجين، خصوصاً بين النازحين الجدد والعائدين، والمجتمعات التي تعاني صعوبةً وقيوداً في الحركة أو الحصار.

تحذير تورك

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من جانب طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانيةً عدةً هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)
مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)
TT

هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)
مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)

بعد أسبوع من إعلان الجزائر عن «تدابير تهدئة» لفائدة المعارضين والمهاجرين غير النظاميين المقيمين في الخارج، تعالت الدعوات الموجهة إلى الحكومة من أجل رفع التضييق عن النشطاء في الداخل، وفتح الفضاء الإعلامي أمام الآراء المخالفة، في وقت طرح ناشطون تساؤلات جوهرية حول «مدى استعداد واقتناع المعارضين والمهاجرين بالعودة إلى البلاد».

في 11 يناير (كانون الثاني) 2025، أعلن مجلس الوزراء الجزائري، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، عن إجراءات خاصة تجاه الجزائريين المقيمين في الخارج «في وضعية غير نظامية أو هشة»، وقد تضمنت هذه الإجراءات بالتحديد «تسوية أوضاع الشباب الجزائريين المقيمين بشكل غير قانوني في الخارج، خاصة الذين وجدوا أنفسهم في وضعيات صعبة أو مستغلين أو مضللين، دون أن يكونوا قد ارتكبوا جرائم خطيرة».

من جلسة لمجلس الوزراء (الرئاسة)

وتم الإعلان عن مرسوم استثنائي لتسوية وضعية هؤلاء المهاجرين، بهدف منحهم حماية اجتماعية وقانونية، والسماح لهم بالعودة إلى الوطن دون خوف من ملاحقات قاسية إذا لم يكونوا متورطين في أعمال عنف أو جرائم جسيمة.

كما يشمل الإجراء الذين ربما تعرضوا فقط لمخالفات بسيطة أو استدعاءات أمنية غير جسيمة، مثل استدعاء الشرطة أو الدرك في قضايا متعلقة بالنظام العام. وأوضح مجلس الوزراء أن تنفيذ إجراءات تسوية أوضاع المعنيين، يتم عبر القنصليات الجزائرية في بلدان الإقامة، حيث يمكن للمستفيدين البدء في إجراءات «التقنين» والحصول على جوازات سفر جديدة عند الحاجة.

وتضمنت التدابير الرئاسية استثناءات خصت كل من له علاقة بالجرائم الخطيرة مثل الجرائم العنيفة، والاتجار بالمخدرات أو الأسلحة، أو «التعاون مع أجهزة أمنية أجنبية بهدف الإضرار بالوطن».

ملفا الهجرة والمعارضين من أبرز محاور الخلافات الجزائرية - الفرنسية (أرشيفية -الرئاسة الجزائرية)

أما الهدف المعلن من هذه الإجراءات، فهو «إعادة ربط هؤلاء الشباب بوطنهم»، وتقديم فرصة للاندماج دون عقوبات مشددة، مع إبقاء الباب مفتوحاً لأولئك الذين لا يحملون سجلاً جنائياً خطيراً.

وبدا، من حيث المبدأ، أن فئتين من الجزائريين الموجودين بالخارج مستهدفتان بهذه المبادرة، هما: ناشطون معارضون، أغلبهم يملكون اللجوء السياسي في بلد الإقامة، يسببون «صداعاً» للسلطات الجزائرية بسبب حدة انتقاداتهم لها، وبالتالي فهي تحرص بقوة على «إسكاتهم» بإبطال الملاحقات الأمنية والقضائية ضدهم نظير أن يتوقفوا عن مهاجمتها.

أما الفئة الثانية، فتضم مئات المهاجرين الذين صدرت بحقهم أوامر بالطرد من التراب الفرنسي؛ إذ تمارس فرنسا ضغطاً شديداً على الجزائر لاستعادتهم. وفي بداية التوترات الدبلوماسية التي تعيشها علاقات البلدين، منذ أكثر من عام، رفضت الجزائر تسلّم العديد منهم، وأعادتهم في الطائرات التي جاءت بهم من المطارات الفرنسية.

واللافت أن الموضوع لم يثر رد فعل أي من الفئتين، لا بالترحيب ولا بإبداء رفض أو تحفّظ على التدابير، خصوصاً الشروط التي تتضمنها، بعكس الطبقة السياسية التي تفاعلت بقوة مع هذا الحدث البارز.

لويزة حنون (إعلام حزبي)

وعبّرت أحزاب «الغالبية الرئاسية» عن تأييدها خطوة الرئيس تبون، عادّة أنها «بادرة تعبّر عن (حسن نية)، ومن شأنها سحب البساط من تحت أقدام جهات أجنبية توظف ملفَّي المعارضين والهجرة السرية، لتشويه سمعة الجزائر».

وقالت الأمينة العامة لـ«حزب العمال»، ومرشحة انتخابات الرئاسة سابقاً لويزة حنون، بمناسبة اجتماع كوادر حزبها، السبت، إن «اليد الممدودة للشباب الجزائري المقيم في الخارج، والذين غادروا البلاد لأسباب اجتماعية وسياسية، خطوة إيجابية نحو التهدئة السياسية والمصالحة الوطنية»، مؤكدة على «أهمية إرفاق هذه الدعوة ببرنامج عملي وملموس للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، عبر استحداث فرص عمل حقيقية وفتح آفاق مستقبلية واضحة، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية بعيداً عن المقاربات الأمنية والقضائية القائمة على التجريم».

كما دعت حنون إلى «اتخاذ إجراءات استعجالية لتحقيق انفتاح سياسي داخلي، بما يضمن تهيئة مناخ سياسي وإعلامي يكفل الممارسة الكاملة لحقوق المواطنة، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، التي تفرض تقوية الصف الداخلي وإزالة كل مظاهر الهشاشة التي قد تُستغل من قِبل أطراف أجنبية»، مشيرة إلى أنها تلقت «تعهداً رسمياً من رئيس الجمهورية بإحداث انفتاح في المجالين السياسي والإعلامي»، في إشارة إلى الحديث الذي جرى بينها وبين تبّون خلال استقبالها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

وترى الباحثة كندة بن يحيى، المتخصصة في الشأن الجزائري، بـ«جامعة بوردو» جنوب غربي فرنسا، أن هذا «الخطاب التصالحي» من جانب الجزائر تجاه شبابها، يمثل مبادرة رمزية قوية، لكنها تستدرك بأن مصداقية هذه التصريحات «ستظل رهينة التوضيحات القانونية؛ إذ لم تتضح بعد تفاصيل المرسوم المنظم، ولا نطاق تطبيقه، أو آليات انسجامه مع التشريعات السارية»، وفق ما نقله عنها الموقع المتخصص «مهاجر نيوز».

«ضمانات» العودة

وفيما يخص التوقيت، تضع الباحثة تلك المبادرة في سياق «الرسالة السياسية» الهادفة، حسبها، إلى «إعادة تأكيد سلطة الدولة واستعادة زمام المبادرة في ملف الهجرة، فضلاً عن كونها محاولة للحفاظ على تماسك النسيج الوطني عبر إعادة ربط الصلة مع فئة شبابية تعيش حالة من القطيعة مع مؤسسات بلادها».

وتوضح كندة بن يحيى أن «هؤلاء الشباب غادروا الجزائر وهم يعرضون حياتهم للخطر، أملاً في تحسين ظروفهم المعيشية»، مضيفة أن مشروعهم للهجرة «يقوم أساساً على البحث عن مستقبل اقتصادي واجتماعي أكثر استقراراً».

وحول ما إذا كانوا سيتجاوبون مع هذه الدعوة، تقول الباحثة إن ذلك غير مؤكد، مشيرة إلى أنه «حتى وإن أكد الرئيس تبون تحسن الوضع الاقتصادي ودخول البلاد في مسار تنموي، فإن هذه الخطابات تبقى، بالنسبة للكثيرين، غير كافية دون إجراءات ملموسة».

وبالتالي، فمن غير المرجح، في تقديرها، أن تؤدي مبادرة الرئيس الجزائري إلى عودة جماعية واسعة؛ فـ«من دون ضمانات حقيقية، قانونية واجتماعية واقتصادية، سيبقى الشباب متحفظاً ومتردداً حيال فكرة العودة الدائمة إلى الجزائر».


ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

يعيش الليبيون صدمة واسعة عقب قرار «المصرف المركزي» تعويم سعر صرف الدينار بنسبة 14.7 في المائة مقابل الدولار، وسط ترقب وتحذيرات من تآكل القدرة الشرائية وتفاقم التهريب، ومخاوف من موجة غلاء شاملة تزيد من معاناة المواطنين، في ظل أزمة اقتصادية ممتدة منذ سنوات.

وبرَّر «المصرف المركزي» قراره خفض سعر الصرف باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج خارج الضوابط المالية»، إلى جانب تراجع أسعار النفط العالمية، وما سببه من هبوط حاد في الإيرادات التي سجلت 482 مليون دولار فقط منذ مطلع يناير (كانون الثاني).

جُل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

والدولار يساوي حالياً في السوق الرسمية 6.37 دينار، مقابل 5.43 دينار نهاية الأسبوع الماضي.

ويحذر أحمد الكردي، رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك»، من «ضغوط تضخمية مضاعفة» بفعل قرار خفض سعر صرف الدينار، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «انعكاسات سلبية ستطول الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل الذين ستتآكل القوة الشرائية لمرتباتهم، مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية».

وتشهد ليبيا حالياً موجة تضخم واسعة، ارتفعت معها أسعار السلع الأساسية، ما دفع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة إلى اعتماد ما تسميه «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، كحل مؤقت لاحتواء تقلبات السوق، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «إجراء شكلي».

ويتوقع الكردي ارتفاعاً جديداً لأسعار منتجات أساسية، مثل الأرز والسكر والدقيق، بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، رغم وفرة المعروض، مقدراً أن أسعار السلع في ليبيا «تتحدد وفق مزاج شركات الاستيراد التي تسيطر على السوق».

الدبيبة ومحافظ «المركزي» ناجي عيسى في لقاء بطرابلس يوم 17 ديسمبر 2025 (المركزي)

وازدحمت صفحات التواصل الاجتماعي الليبية بانتقادات حادة من جانب اقتصاديين وناشطين، عقب قرار تعويم العملة المحلية، الأحد. ووصف الناشط المدني، محمد قشوط، القرار بأنه «نتيجة سياسة نقدية فاشلة وتجاوزات أسهمت في تدهور قيمة العملة المحلية»، بينما حذَّر الخبير الاقتصادي، يوسف يخلف مسعود، من أن التعويم المدار في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد «لا ينتج إصلاحاً؛ بل يكرِّس الانهيار».

وطغت مظاهر الاحتقان الشعبي بوضوح، مع دعوات تتداولها صفحات على مواقع التواصل الليبية لخروج مواطنين في وقفات احتجاجية الثلاثاء؛ خصوصاً في مدن غرب البلاد، ومن بينهما طرابلس ومصراتة، وهي دعوات أكدها المستشار مفتاح القيلوشي، مستشار «المجلس الأعلى لقبائل وأعيان ليبيا» لـ«الشرق الأوسط».

ويبدو أن المخاوف من تداعيات القرار لن تتوقف عند السلع الأساسية في المتاجر؛ خصوصاً مع قرب شهر رمضان؛ إذ قد تمتد لتشمل مصاريف العلاج وأقساط المدارس، وفق رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك».

وأشار الكردي إلى أن دور جمعيات حماية المستهلك يتوقف عند إصدار بيانات إدانة، غالباً دون تأثير يُذكر، في مقابل ما وصفها بأنها «سياسات استيراد عشوائية للحكومة، تفاقم من استنزاف الاحتياطيات الدولارية، وتدفع البلاد إلى دائرة مفرغة تنتهي بخفض سعر الصرف مجدداً».

وعلى مدار 5 سنوات، فقد الدينار نحو 39 في المائة من قيمته مقابل الدولار، في 3 موجات تعويم خلال 2021 و2025 و2026؛ حيث انخفض من 3.90 دينار للدولار إلى 6.38 دينار تحت وطأة ضغوط مالية واختلالات اقتصادية متراكمة.

«المصرف المركزي الليبي» (رويترز)

وعدَّ المسؤول السابق بـ«غرفة تجارة وصناعة ليبيا»، وحيد الجبو، أن خطوة «المركزي» تهدف إلى «حماية الاستقرار المالي»، ولكنه أضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن خفض قيمة الدينار يعني في المقابل «زيادة أعباء المعيشة والتكاليف على المواطنين والمؤسسات».

أما الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي، فقال: «كل عام يزحف سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى الأمام، ويزحف الشعب إلى الخلف»، مضيفاً أن «وعود المصرف المركزي ومحاولاته في الإنعاش ذهبت أدراج الرياح»، في إشارة إلى تصريحات محافظ «المركزي»، ناجي عيسى، في أغسطس (آب) الماضي بشأن خفض سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي.

وفي بلد يعاني منذ 2011 من مظاهر الفوضى الأمنية وضعف الرقابة، يلقي تخفيض سعر العملة المحلية ظلالاً سلبية أعمق على ظاهرة تهريب الوقود التي تشكل منذ سنوات قضية اقتصادية خطيرة؛ حيث تتجاوز خسائرها السنوية 6.7 مليار دولار وفق مؤسسة «ذا سنتري».

ويحذّر أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، من أن قرار خفض سعر الدينار مقابل الدولار قد يشجع على زيادة تهريب البنزين؛ بل وأيضاً تهريب سلع أساسية أخرى.

ويوضح الفيتوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تنخفض قيمة العملة المحلية، تصبح السلع المدعومة محلياً -مثل الوقود والطحين وبعض السلع الأساسية- أرخص بكثير عند تسعيرها بالدولار مقارنة بأسعارها في الدول المجاورة، ما يوسِّع الفجوة السعرية ويجعل تهريبها أكثر ربحية»؛ مشيراً إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار «الفوضى الأمنية ورخاوة غياب الرقابة».

رئيس مجلس النواب عقيلة صالح (المركز الإعلامي)

وقد تتصاعد الآثار التضخمية لقرار «المصرف المركزي»، حسب مراقبين، مع قرار مجلس النواب فرض ضرائب جديدة على السلع تتراوح بين 2 في المائة على المواد الغذائية، و35 في المائة على الكماليات، وهو ما بدا -من منظور الفيتوري- مثل «ضربتين في الرأس يتلقاهما المواطن، في غياب تعويض نقدي، واختفاء الجمعيات الاستهلاكية التي كانت موجودة في عهد النظام السابق».

في المقابل، برزت آراء اقتصادية تدافع عن القرار في خضم موجة الغضب، من بينها لرجل الأعمال الليبي حسني بي، الذي اعتبره «إجراءً اضطرارياً فرضته أوضاع مالية ونقدية غير قابلة للاستمرار، في ظل إنفاق عام منفلت، واعتماد مفرط على الإيرادات الدولارية»، ورأى -في تصريحات إعلامية- أن «الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر موازنة الإنفاق بالإيرادات، وتحقيق نمو اقتصادي فعلي ينعكس تحسناً في معيشة المواطن».