لبنان يستعيد جزئياً الترقّبات الدولية الإيجابية لنمو الناتج المحلي

بعد انكماش تراكمي من 51 إلى 28 مليار دولار خلال 5 سنوات

مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

لبنان يستعيد جزئياً الترقّبات الدولية الإيجابية لنمو الناتج المحلي

مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتشارك مؤسسات مالية وإنمائية دولية في رفع منسوب الترقبات الإيجابية الخاصة بالاقتصاد اللبناني، من دون التخلي عن موجبات التحوّط والحذر، ربطاً بفاعلية واستهدافات التغييرات السياسية الكبيرة بعد انتهاء الحرب، وشروع السلطات التنفيذية والتشريعية في ترجمة التعهدات بتنفيذ إصلاحات بنيوية واسعة النطاق، إلى جانب إنعاش التواصل والمفاوضات الهادفة إلى عقد اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي.

نمو للمرة الأولى منذ 2017

وتوقّع البنك الدولي، في تقرير محدث، أن يسجّل لبنان، وللمرة الأولى منذ عام 2017، نموّاً اقتصادياً نسبته 4.7 في المائة خلال العام الحالي، مدعوماً برزمة من الإصلاحات وتعافي القطاع السياحي والتحسّن في الاستهلاك وتدفّقات محدودة لإعادة الإعمار، ومحفزاً بتشكيل حكومة جديدة ملتزمة بالإصلاحات، مما شكّل فرصة مهمّة لمعالجة أزماته من خلال خطة تعافٍ شاملة.

بدوره، وضع صندوق النقد الدولي حداً فاصلاً لتباين التقديرات بشأن حجم الناتج المحلي اللبناني، ليحددها عند مستوى 28.28 مليار دولار بنهاية العام الماضي، عقب احتساب حصيلة رحلة الانكماش المتواصلة خلال خمس سنوات متتالية، التي أفضت إلى هبوط حاد من سقف 50.93 مليار دولار عشية انفجار الأزمات المالية والنقدية، أي ما يوازي خسارة 22.65 مليار دولار.

ويمثّل صدور التقدير عن المرجعية الدولية مؤشراً موثوقاً لدى المؤسسات المالية ووكالات التقييم الائتماني، كما لدى السلطات المحلية والقطاع المالي، بخلاف الاعتماد على تحليلات متعارضة استنتج بعضها انحدار حجم الاقتصاد الوطني إلى عتبة قريبة من 20 مليار دولار، في حين قلّل بعضها الآخر من حدّة نسب الانكماش الفعلي، استناداً إلى صعوبات تتبع بيانات نمو الاقتصاد النقدي الذي يتعدى مستوى 10 مليارات دولار، وسيطرة الاقتصاد الموازي على حصة وازنة من الأنشطة وتدفق الأموال والمعاملات التجارية من خارج القطاع المالي الشرعي.

الوفد اللبناني المشارك في اجتماع الربيع بواشنطن (إكس)

«الإسكوا»

بالتوازي، تم تحديث الترقبات الخاصة بالاقتصاد اللبناني ضمن التقارير الدورية الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا (الإسكوا)، لتحمل توقعات بنموّ الناتج المحلّي الإجمالي بنسبة 1.4 في المائة خلال العام الحالي، يتبعه نمو أعلى يبلغ 2.1 في المائة للعام المقبل، ضمن سيناريو متمحور حول انتهاء العدوان الإسرائيلي على البلاد، مع توقّعات بانخفاض معدّلات التضخّم من 52.5 في المائة خلال العام الماضي إلى 10 في المائة خلال العام الحالي، و5 في المائة للعام المقبل.

ومن المتوقّع، وفق تقرير «الإسكوا»، أن ينخفض العجز المالي إلى نسبة 9.2 في المائة من الناتج المحلي خلال العام الحالي، ثم إلى نسبة 7.4 في المائة في العام المقبل، بعدما بلغ نسبة 12في المائة خلال العام الماضي قبل التحسّن الطارئ على الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني بعد الحرب. في حين قدّر صندوق النقد الدولي بأن يكون العجز في الحساب الجاري قد تحسّن من نسبة 23.9 في المائة من الناتج المحلّي في عام 2023، إلى ما نسبته 18.2في المائة بنهاية العام الماضي.

وفي المقابل، تستمر توقعات نمو الناتج للسنوات المقبلة رهينة التطورات الداخلية ومدى نجاح العهد الجديد وحكومته الأولى، بعدما أشار البنك الدولي إلى توسع نسبة انكماش الناتج المحلي إلى 7.1 في المائة خلال العام الماضي، بفعل اندلاع الحرب ونتائجها، لترتفع حصيلة التراجع التراكمي للاقتصاد منذ عام 2019، إلى ما يقارب 40 في المائة، ممّا زاد من حجم الأزمة المتعددّة الأبعاد التي تعاني منها البلاد.

وتظل نقطة الضعف في مقاربات المؤسسات الدولية كامنة في توصيف حال «عدم اليقين»، الذي لا يزال طاغياً على النظرة المستقبلية الخاصة بلبنان واقتصاده، حسب مسؤول مالي معني، ولا سيما مع تواصل العوامل المربكة على الصعيدَيْن السيادي والسياسي وزحمة الاستحقاقات التي تنكب السلطة التنفيذية على مواكبتها تحت وطأة ضغوط ملفات شائكة، وفي مقدمها «حصرية السلاح» ومكافحة الأنشطة الاقتصادية والمالية غير المشروعة ووضع مقاربة فعّالة وعادلة لاحتواء الفجوة المالية البالغة نحو 72 مليار دولار، تُضاف إليها مبالغ تناهز 11 مليار دولار لاحتياجات الإعمار بعد الحرب الأخيرة.

وبالفعل، حجب صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الناتج المحلي اللبناني للأعوام المقبلة وحتى سنة 2030، متذرعاً باستمرار «الضبابية الشديدة» حول الأوضاع الاقتصادية. في حين قدّر نسبة الانكماش المحقّقة خلال العام الماضي عند مستوى 7.5 في المائة، بعد انكماش جزئي بنسبة 0.7 في المائة للعام 2023، وتسجيل نمو متواضع في العامَيْن 2021 و2022 بنسبة 2 و1 في المائة على التوالي.

اجتماع في السراي الحكومي حضره وفد من صندوق النقد الدولي برئاسة الممثل المقيم له في لبنان فريدريكو ليما (إكس)

فائض محدود في الموازنة

وفي سياق متصل، توقّع البنك الدولي تسجيل فائض محدود في الموازنة العامة بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الماضي، نتيجة تحصيل إيرادات أكثر من المتوقّع ووضع قيود على الإنفاق، حيث بلغت الإيرادات الحكوميّة، والمكونة بنسبة 77 في المائة من الإيرادات الضريبية، نسبة 15.3 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، متخطّيةً بذلك الأهداف الموضوعة في قانون الموازنة بفضل التحسّن في الجباية.

كما أشار إلى أنّ متوسّط التضخّم السنويّ تراجع إلى 45.2 في المائة خلال العام الماضي، بعدما بلغ حدود 221.3 في المائة في عام 2023، و171.2 في المائة في عام 2022، وذلك بفضل استقرار سعر الصرف. في حين يستمر معدّل العمالة بالتراجع قياساً بعدد المؤهلين للعمل من السكان، حيث يُرتقب أن يصل إلى 37.6 في المائة خلال العام الحالي، مكرساً مسار الهبوط المتدرج من مستواه الضعيف أساساً، والبالغ 40.5 في المائة بنهاية عام 2022.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.