السطو والسرقة يحرمان آلاف الغزيين من الوجبات الخيرية

«الفوضى» تعُمّ مع استهداف إسرائيل عناصر أمن «حماس»

تدافُع للحصول على وجبات ساخنة من منظمات خيرية في جباليا شمال قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)
تدافُع للحصول على وجبات ساخنة من منظمات خيرية في جباليا شمال قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

السطو والسرقة يحرمان آلاف الغزيين من الوجبات الخيرية

تدافُع للحصول على وجبات ساخنة من منظمات خيرية في جباليا شمال قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)
تدافُع للحصول على وجبات ساخنة من منظمات خيرية في جباليا شمال قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)

مع انتشار الجوع وعدم السماح بإدخال المساعدات، ومع استهداف القوات الإسرائيلية عناصر الأمن التابعة لحركة «حماس»، وجد السارقون الطريق ممهدة لسرقة أشد ما يصبو إليه أهل قطاع غزة... الغذاء.

فقد ازدادت في الأيام الماضية عمليات مهاجمة وسرقة مخازن للمواد التموينية تعود لمؤسسات فلسطينية ودولية، وحتى مبادرات خيرية شبابية مدعومة من الخارج.

ورغم أنه تبين عند مهاجمة بعض تلك المخازن خلوُّها من أي سلع نتيجة نفاد مخزون الكثير من المؤسسات الدولية، كانت مخازن أخرى تحوي مواد تموينية، منها مواد أساسية مثل الطحين (الدقيق)، والسكر... وغيرهما.

ورصد مراسل «الشرق الأوسط» أكثر من 6 عمليات سرقة، سطا منفذوها على مخازن مختلفة بمناطق متفرقة من مدينة غزة خلال الأيام القليلة الماضية، إحداها السطو على مخازن تابعة لـ«مطابخ غزة العزة» داخل فندق المشتل بغرب المدينة، والتي تقدم أكثر من 3 آلاف وجبة على الأقل يومياً.

عامل فلسطيني يمسك جوال طحين فارغاً في مخزن برنامج الأغذية العالمي بمخيم النصيرات في قطاع غزة في مطلع الأسبوع (أ.ب)

وهوجم أيضاً مخزن آخر تابع لبرنامج الأغذية العالمي في مخيم الشاطئ بغرب المدينة، وكان يقدم يومياً آلاف الوجبات للسكان. وداهم السارقون كذلك مخزن الصناعة التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، ومخازن خاصة بمؤسسات أخرى، وكذلك محال تجارية ومخابز كبرى في غرب المدينة وشمالها.

«أعمال متعمدة»

ووفق مصدر أمني من حكومة «حماس» تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن بعض المجموعات التي كانت تقف خلف سرقات سابقة في الأشهر الماضية أعادت تشكيل نفسها، وجمعت مزيداً من «اللصوص»، ونفذت عمليات السرقة في الأيام الأخيرة.

وأوضحت المصادر أن أفراد الأمن حاولوا التصدي لهؤلاء، وأطلقوا النار في الهواء، وعلى أقدام البعض، ومنعوا فعلياً سرقة مخازن أكبر، مشيرةً إلى أن بعض المهاجمين كانوا يحملون مسدسات وأسلحة بيضاء، وحاولوا الاعتداء على المواطنين ورجال الأمن.

وأكدت المصادر الأمنية أن هذه «أعمال متعمدة» تنفذها «عصابات»، وفق وصفها، من أجل إثارة الفوضى في ظل عدم قدرة الأجهزة الأمنية على أداء مهامها بسبب الملاحقة الإسرائيلية المستمرة لعناصر الشرطة وغيرها من الأجهزة، مشيرة إلى تعرُّض العديد من عناصر الأمن الذين كانوا ينشطون في مهامهم الرسمية للقصف من قِبل القوات الإسرائيلية.

ولفتت المصادر إلى أن من يقف خلف تلك الأعمال ومن ينفذونها معروفون لدى الأجهزة الأمنية والشرطية، وستجري ملاحقتهم بالتعاون مع «أمن المقاومة».

«تخريب وفوضى»

أثارت عمليات السرقة، التي نفذها مئات الأشخاص، مخاوف أبناء مدينة غزة ومناطق أخرى من القطاع، مع تكرار مثل هذه الحوادث في الأيام القليلة الماضية. ويخشى المواطنون من احتمال اتساعها، وعدم استطاعة أي جهة أمنية تتبع حكومة «حماس» منعها وسط القصف الإسرائيلي الذي يستهدف أي تحركات لعناصر شرطتها وأجهزتها الأمنية أو غيرها.

وقال أنور أبو عاصي، وهو من سكان مخيم الشاطئ، إنه وكثيرين غيره كانوا يعيشون على ما توفره التكيات الخيرية مثل تلك التابعة لبرنامج الأغذية العالمي الذي تعرض مخزنه بالمخيم للسرقة، يوم الثلاثاء الماضي.

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التكيات كانت تقدم الأرز والعدس والفاصولياء، وأن غالبية السكان يعتمدون عليها في ظل المجاعة الكبيرة التي يشهدها القطاع.

وأضاف: «شو الهدف من السرقة، غير التخريب والفوضى وتجويعنا أكثر».

فلسطينيون يتهافتون للحصول على طعام من «تكيَّة خيرية» في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

وقال الشاب نادر مقداد إنه يقف في طابور لساعات طوال كي يحصل على بعض الأرز أو الفاصولياء، أو أي شيء مما يعده المطبخ العالمي يومياً؛ لكن بعد يوم واحد من سرقة المخزن، تم إغلاق التكية التي كانت تقدم الطعام للسكان في مخيم الشاطئ.

وأضاف أن عائلته، التي تضم 17 فرداً، فقدت أحد أهم مصادر غذائها اليومي، مشيراً إلى أن هناك مخاوف من توقف تكيات خيرية أخرى يُعوّل المواطنون عليها حتى إن كانت لا تقدم الطعام بصفة يومية لضعف تمويلها.

ولا يستبعد كثير من السكان أن تكون تلك السرقات «عملاً منظماً» تقف إسرائيل وراءه، خاصةً في ظل التحريض على حركة «حماس» من قِبل ضباط المخابرات الإسرائيلية الذين كانوا يبعثون رسائل نصية يومياً على هواتف سكان مناطق غرب مدينة غزة، ويلقون منشورات وشرائح اتصال إسرائيلية لتشجيع أكبر عدد من الغزيين على التعاون معهم؛ وبعض تلك الرسائل كانت تشير إلى المجاعة، وتتهم «حماس» بالوقوف خلفها.

ردود الفعل

لم تعلق حركة «حماس»، ولا أي من الجهات الحكومية التابعة لها، على تلك الأحداث.

كذلك لم يُعقّب برنامج الأغذية العالمية على ما جرى في أحد مخازنه، كما التزم أصحاب بعض المخابز والمحال التجارية التي سُرقت الصمت، بيد أن رجل الأعمال الفلسطيني الشهير بشار المصري، صاحب «مطابخ غزة العزة»، استنكر سرقة مخازن المشروع الخيري الذي يشرف عليه ويقدم آلاف الوجبات يومياً، وقال: «هذه الأفعال لا تُمثّل أخلاق شعبنا، ولا تمت بصلة لقيمنا الوطنية والإنسانية».

طفل فلسطيني يحمل إناءً ويحاول الحصول على حصة طعام من أحد المطابخ الخيرية في مدينة غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وتابع المصري: «كان الله في عون أهلنا جميعاً في هذه الظروف. شعبنا في غزة يموت جوعاً، وأطفالنا ينتظرون وجبة تحفظ لهم ما تبقى من كرامة وسط هذه الحرب الظالمة، وسرقة ما تبقى من قوتهم اليومي جريمة أخلاقية لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف». ودعا إلى تكاتف جميع الجهات من أجل حماية ما تبقى من مؤسسات إنسانية تخدم غزة.

واعتادت بعض المؤسسات في الأشهر الأخيرة توظيف شبان لحماية مخازنها وغيرها. وعادة ما يتسلح هؤلاء بأسلحة خفيفة أو عصي، إلا أن مثل هذه الحماية البسيطة لم تنجح في صد بعض السرقات، بل كانت حياتهم هم أنفسهم في خطر.

وقُتل سائق مركبة قبل أيام في دير البلح، بوسط قطاع غزة، بعدما أصيب برصاص مسلحين سطوا على المركبة، وسرقوا ما بداخلها من مواد تموينية تعود لـ«المطبخ المركزي العالمي»، بينما أصيب اثنان من حراسها.


مقالات ذات صلة

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

أوروبا علم ألمانيا (رويترز)

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

قبيل بدء زيارتها الرسمية الأولى لإسرائيل، أكّدت رئيسة البرلمان الألماني يوليا كلوكنر على الطبيعة الفريدة للعلاقات الألمانية الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».