سجال روسي - أوكراني حول «هدنة بوتين»... وتوقعات بفشل جهود التهدئة

تحضيرات في موسكو وكييف لخطة «ب» إذا انسحبت واشنطن من الوساطة

الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان (إ.ب.أ)
الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان (إ.ب.أ)
TT

سجال روسي - أوكراني حول «هدنة بوتين»... وتوقعات بفشل جهود التهدئة

الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان (إ.ب.أ)
الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان (إ.ب.أ)

أثار إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدنة مؤقتة بمناسبة احتفالات عيد النصر على النازية، الشهر المقبل، سجالات بين موسكو وكييف أظهرت صعوبة التوصل إلى اتفاق يوقف القتال ويمهد لإطلاق عملية التفاوض.

وعكست إشارات البيت الأبيض حول تنامي الشعور بـ«خيبة الأمل» لدى الرئيس دونالد ترمب. وحذّرت واشنطن من أن الأسبوع الحالي قد يكون «مفصلياً» لتبيان ما إذا كان من الممكن إرساء السلام أم لا.

وبدا أن التلويح بانسحاب الولايات المتحدة من جهود الوساطة دفع الطرفين: الروسي والأوكراني لبدء التحضير لمرحلة جديدة في الصراع.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

وفور إعلان بوتين عن هدنة بين 7 و11 أيار مايو (أيار) المقبل، وهي الفترة التي تشهد فيها روسيا وعدد كبير من البلدان الأوروبية احتفالات بمناسبة ذكرى الانتصار في الحرب العالمية الثانية، جاء الرد الأوكراني مشككاً بنيات بوتين، ووصف سياسيون في كييف الهدنة المقترحة بأنها «مراوغة جديدة من جانب الكرملين»، و«محاولة لكسب الوقت لتجنب ضغوط أميركية».

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اقتراحاً بديلاً بوقف لإطلاق النار لمدة شهر. على أن توفر هذه الفترة أرضية لإطلاق عملية تفاوضية تهدف إلى وضع أسس لتسوية سياسية دائمة. وقال زيلينسكي في مداخلته اليومية: «هناك محاولة تلاعب جديدة لسبب أن الجميع سينتظرون الثامن من مايو، وفقط بعد ذلك يتم وقف إطلاق النار لضمان الصمت»، خلال العرض العسكري الذي يقام في التاسع من مايو في الساحة الحمراء بموسكو.

ورأى الكرملين أن الرد الأوكراني يعكس تجاهلاً لاقتراح الهدنة. وقال الناطق الرئاسي دميتري بيسكوف إن موسكو «ليس لديها أي فكرة عما إذا كانت كييف ستنضم إلى وقف إطلاق النار في الذكرى الثمانين للنصر».

ووصف بيسكوف إعلان بوتين بأنه «بادرة حسن نية»، وقال إنها «لم تلق أي رد فعل من نظام كييف حتى الآن (...) من الصعب جداً فهم ما إذا كان نظام كييف سينضم أم لا». وكتب وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا في منشور على منصة «إكس»: «إذا كانت روسيا تريد السلام حقاً، فعليها وقف إطلاق النار فوراً. لماذا الانتظار حتى الثامن من مايو؟».

في الوقت ذاته، حملت عبارات الناطق الروسي رفضاً مباشراً لاقتراح الهدنة الأوكراني لمدة شهر. وقال بيسكوف للصحافيين إن «هذا أمر مستحيل من دون مراعاة جميع التفاصيل الدقيقة التي سبق أن أثرناها»، مذكراً بأن بوتين كان قد رد في وقت سابق على اقتراح ترمب بإعلان هدنة شاملة لمدة شهر بإعلان استعداده لمناقشة هذا الموضوع على أن تؤخذ في الاعتبار «تفاصيل دقيقة ينبغي التوصل إلى توافقات بشأنها»، وقال بيسكوف إن «التفاصيل الدقيقة التي تحدث عنها الرئيس بوتين في الكرملين مهمة جداً. ومن دون إجابة عن هذه الأسئلة، من الصعب الوصول إلى هدنة طويلة الأمد. علينا أن نتذكر هذه الكلمات دائماً».

وكان بوتين أوضح في وقت سابق أن بين الشروط الروسية للموافقة على هدنة طويلة، عدم السماح باستغلال الفترة لتكثيف إمدادات الأسلحة من أوروبا، وإيجاد آليات للرقابة على سلوك كييف والدول الأوروبية، فضلاً عن مطالبته برفع جزء من العقوبات والقيود المفروضة على موسكو.

زيلينسكي: هدنة بوتين محاولة تلاعب

وفي وقت لاحق الثلاثاء، أورد بيسكوف أسباباً أخرى تمنع كييف، من وجهة نظره، من الالتزام باقتراح الهدنة. وقال خلال مقابلة تلفزيونية إن «نظام كييف لا يستطيع ضمان التزام القوات المسلحة الأوكرانية بوقف إطلاق النار خلال الذكرى الثمانين للنصر؛ لأنه لا يسيطر بشكل كامل على جميع الوحدات». وزاد: «لقد رأينا بأنفسنا مراراً وتكراراً أن نظام كييف لا يتمتع بنفوذ كامل على جميع وحداته. ولذلك، بطبيعة الحال، سيواجه نظام كييف صعوبة بالغة في ضمان التزام القوات المسلحة الأوكرانية بهذه الهدنة المؤقتة. ومع ذلك، فإن رئيس دولتنا يتخذ هذا القرار انطلاقاً من اعتبارات إنسانية. وهذه حقاً بادرة حسن نية من جانب روسيا».

وهذه ليست المبادرة الأولى من نوعها من جانب بوتين الذي كان أعلن عشية عيد الفصح وقفاً لإطلاق النار لمدة 30 ساعة. لكن الهدنة القصيرة لم تنجح في ذلك الوقت وتبادل الطرفان: الروسي والأوكراني اتهامات بوقوع انتهاكات واسعة.

الرئيس بوتين مستقبلاً الجمعة المبعوث الأميركي الخاص للملف الأوكراني ستيف ويتكوف في الكرملين في زيارته الرابعة لموسكو (أ.ب)

وقالت موسكو إن القوات المسلحة الأوكرانية انتهكت وقف إطلاق النار 4.9 ألف مرة. وبالإضافة إلى القصف المدفعي والغارات الجوية بطائرات دون طيار، نفذت ست هجمات في دونيتسك وداخل منطقة كورسك. في المقابل اتهمت كييف الروس بشن هجمات واسعة النطاق على عدة محاور؛ أبرزها منطقتا سومي وخاركيف. وقالت إنها سجلت 2900 انتهاك لوقف النار من جانب الجيش الروسي.

في غضون ذلك، بدا أن مواقف الرئيس الأميركي الذي عبّر عن استياء بسبب عدم تقدم العملية السياسية لتسوية الأزمة، تدفع الطرفين: الروسي والأوكراني لوضع خطط بديلة للمرحلة المقبلة في حال نفذ ترمب وعيده بالانسحاب من جهود الوساطة.

وكان لافتاً أن ترمب لم يرحب بالهدنة المعلنة من جانب بوتين، وأعلن البيت الأبيض أنه (ترمب) «يشعر بخيبة أمل متزايدة تجاه تصرفات الرئيسين الروسي والأوكراني»، وفقاً لتصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت. وقالت خلال إفادة صحافية: «لقد أوضح الرئيس أنه يريد أن يرى، أولاً وقبل كل شيء، وقفاً دائماً لإطلاق النار».

اجتماع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفاليري جيراسيموف رئيس الأركان (الكرملين)

وأضافت ليفيت أنه يتعين على الجانبين الجلوس على طاولة المفاوضات لإيجاد طريقة للخروج من الصراع. وبحسبها، فإن لقاء ترمب مع زيلينسكي في الفاتيكان يظهر مشاركته الجادة في عملية التسوية.

واللافت أن تقارير تحدثت عن تحضيرات يقوم بها الطرفان: الروسي والأوكراني للتعامل مع واقع جديد إذا قلصت واشنطن حضورها بالفعل في هذه الأزمة.

وفي موسكو، قال خبير مقرب من الكرملين، إن التوقعات للمرحلة المقبلة تدور حول استمرار العمليات القتالية، بعد فشل جهود ترمب، مع انتظار وقوع تبدل جوهري، يقوم على تقليص الحضور الأميركي في هذه المواجهة في مقابل تعاظم حضور أوروبا. ورأى الخبير أن هذا لن ينعكس كثيراً على رغبة موسكو وواشنطن في دفع عملية التقارب في بعض الملفات، خصوصاً بسبب وجود مصالح مشتركة للطرفين لتنشيط هذا المسار.

وفي الإطار العملياتي لم تستبعد مصادر روسية أن يؤدي وقف الجهود الأميركية إلى تصعيد ميداني واسع، خصوصاً أن موسكو حسنت مواقعها في الفترة الأخيرة، واستعادت السيطرة على كورسك، وشنت هجمات مكثفة للغاية على مواقع الإمدادات في المناطق المحاذية للحدود الروسية. في هذا الإطار، رأى عسكريون أن موسكو يمكن أن تواصل عملياتها القوية لفرض منطقة عازلة على طول الحدود التي تمتد من سومي (على مقربة من كورسك) جنوباً على طول منطقة خاركيف. وفي جنوب وشرق البلاد توقعت أوساط عسكرية توسيع نطاق المعارك لبسط السيطرة على المناطق التي ظلت خارجة عن نفوذ الجيش الروسي في الأقاليم التي ضمتها موسكو بشكل أحادي في عام 2022.

في الاتجاه ذاته، كتب موقع «ناشيونال إنترست»، نقلاً عن خبراء عسكريين، أن «انسحاب الرئيس الأميركي من عملية السلام في أوكرانيا سيكون بمثابة خبر سار بالنسبة لروسيا»؛ كونه سوف يواصل تطبيع العلاقات مع موسكو، وسوف يعمل على تقليص حجم المساعدات الأميركية لكييف من دون أن يضغط على روسيا لتقديم تنازلات.

وزاد الموقع أنه «من المحتمل أن يكون ترمب، المعروف بنزعته التجارية في كل شيء، قد توصل إلى استنتاج مفاده أن لا فائدة لأميركا. ربما لم تعد الولايات المتحدة تسعى للسلام في أوكرانيا؛ لأنها لا تريد وجودها هناك. قد يكون هذا خبراً ساراً للكرملين».

الرؤساء الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدثون في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان (إ.ب.أ)

في السياق ذاته، ذكرت وسائل إعلام حكومية روسية أن كييف «وضعت خطة بديلة» للتعامل مع الموقف في حال انسحب ترمب فعلاً من عملية السلام. ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية عن صحيفة «نيويورك تايمز» أن «تنشيط برنامج الطائرات دون طيار الموسع يشكل خطة بديلة لكييف في حال فشل المفاوضات لإنهاء الصراع».

ورأت أن البرنامج الذي كان قيد الإعداد منذ الخريف الماضي ولكن تم الإعلان عنه رسمياً في فبراير (شباط)، هو الخطة البديلة لكييف، بعدما أظهرت هذه التقنيات قدرة كبيرة على إيقاع خسائر بالقوات والمعدات الروسية بتكلفة زهيدة.

وفي فبراير الماضي، أعلن وزير الدفاع الأوكراني رستم عمروف إطلاق مشروع «خط الطائرات دون طيار». وبحسب قوله، فإن الهدف هو إنشاء خط دفاع من وحدات الطائرات دون طيار الأفضل تدريباً، والتي ستشمل خمسة تشكيلات في الوقت الراهن. وقال وزير الصناعات الاستراتيجية الأوكراني جيرمان سميتانين، في وقت سابق، إن كييف تمتلك صواريخ بيكلو دون طيار القادرة على ضرب أهداف على مسافة تصل إلى 700 كيلومتر.

وفي أغسطس (آب)، أعلن فولوديمير زيلينسكي عن اختبار صواريخ من طراز «باليانيتسا» قبل أن تعلن كييف في وقت لاحق عن بدء الإنتاج التسلسلي لهذا النوع من الأسلحة.


مقالات ذات صلة

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (حسابه عبر منصة إكس)

أوكرانيا تتهم المجر وسلوفاكيا بـ«الابتزاز» بسبب تهديدات بقطع الكهرباء

نددت وزارة الخارجية الأوكرانية بما وصفتها بأنها «تحذيرات وابتزاز» من جانب حكومتي ​المجر وسلوفاكيا، وذلك بعدما هدد البلدان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون (رويترز)

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون إنه يتعين على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين نشر قوات غير قتالية فوراً في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون من كتيبة ألكاتراز خلال تدريب عسكري قبل إرسالهم إلى الجبهة في خاركيف (إ.ب.أ)

أوكرانيا تستهدف مصنعاً روسياً للصواريخ الباليستية بقذائف «فلامنغو»

قالت ​هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الجيش استهدف خلال ‌الليل ‌مصنعاً ​لإنتاج الصواريخ ‌الباليستية بمنطقة ​أودمورتيا في جنوب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

الأمير أندرو يضع الأسرة الملكية البريطانية في أسوأ أزمة منذ 90 عاماً

الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)
الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)
TT

الأمير أندرو يضع الأسرة الملكية البريطانية في أسوأ أزمة منذ 90 عاماً

الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)
الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن ويندسور المعروف سابقاً باسم الأمير أندرو ينظر حوله بعد حضوره قداس عيد الفصح في كنيسة سانت جورج (أ.ب)

أُلقي القبض على شقيق ملك بريطانيا، تشارلز الثالث، فيما باشرت الشرطة تفتيش منشأتين ملكيتين. وفي الأثناء، يتداول المعلّقون الإخباريون تفاصيل فضيحة جنسية امتد صداها إلى بوابات قصر باكنغهام.

لكن كيف أمضت الأسرة الملكية البريطانية مساء الخميس الماضي؟ جلس الملك في الصفوف الأمامية خلال اليوم الأول من أسبوع لندن للموضة، فيما حضرت الملكة كاميلا حفلاً موسيقياً، وزارت الأميرة آن أحد السجون.

ويعد قرار الاستمرار في أداء المهام الملكية بصورة طبيعية أكثر من مجرد مثال على الرصانة البريطانية في وجه أكبر أزمة تواجهها الملكية منذ نحو قرن. فهذا القرار هو الفصل الأول من معركة قلعة وندسور للبقاء، حيث يُهدد القبض على الأمير السابق أندرو بتقويض الدعم الشعبي للملكية، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وبعد تعهد بدعم التحقيقات الشرطية بشأن صداقة شقيقه مع رجل الأعمال الراحل المدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، أكد الملك نواياه. وقال الملك في بيان: «أسرتي وأنا سنواصل أداء واجباتنا وخدماتنا لكم جميعاً».

وتُعد هذه أكبر أزمة تواجهها الملكية منذ واقعة التنازل عن العرش عام 1936. ويعكس مجرد إدلاء تشارلز الثالث بهذا التصريح حجم المشكلة الناجمة عن إلقاء القبض على شقيقه، الأمير أندرو (66 عاماً)، المعروف رسمياً باسم أندرو ماونتباتن وندسور. وقد تم احتجازه لمدة 11 ساعة، قبل الإفراج عنه رهن التحقيق، ما يعني أنه لم تُوجَّه إليه تهمة رسمية، ولم تتم تبرئته في الوقت نفسه.

وتُعدّ هذه الواقعة غير مسبوقة، إلى حدٍّ دفع المعلقين إلى استحضار أربعينات القرن السابع عشر، حين أُلقي القبض على تشارلز الأول وأُعدم خلال الحرب الأهلية الإنجليزية، بحثاً عن سابقة مماثلة.

كما يُمثل إلقاء القبض على ماونتباتن وندسور، للاشتباه في إساءة استخدام منصبه، أكبر أزمة تواجه الملكية منذ تنازل إدوارد الثامن عن العرش عام 1936 للزواج من الأميركية المطلقة واليس سيمبسون.

وأضعفت هذه الفضيحة الدعم الشعبي للملكية، التي لم تتعافَ بالكامل إلا بعد نحو 15 عاماً. ولم يتحقق التحول إلا عندما رفض جورج السادس، خليفة إدوارد الثامن، مغادرة بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، معبّراً عن تضامنه مع البلاد التي كانت تتعرض لقصف النازيين.

وحتى قبل اعتلائها العرش، سارت إليزابيث الثانية على نهج والدها، وتعهدت علناً بتكريس حياتها لخدمة بريطانيا. ومع أن تداعيات تنازل إدوارد عن العرش استمرت سنوات، فإن الأزمة نفسها بلغت ذروتها خلال أيام قليلة. وكان حلها غاية في البساطة: تنحّى إدوارد، وتولّى شقيقه الأصغر العرش.

وعلى العكس، تبدو الدراما المحيطة بماونتباتن وندسور مستمرة ولا تلوح لها نهاية في الأفق. ويُشار إلى أن الأزمة الحالية نجمت عن الكشف عن علاقة بين الأمير السابق وإبستين، بعدما نشرت وزارة العدل الأميركية ملايين الوثائق الشهر الماضي تتعلق بالتحقيقات بشأن إبستين.

واستشهدت الشرطة سابقاً بتقارير تُفيد بأن ماونتباتن وندسور كان يرسل معلومات تجارية لإبستين خلال عام 2010، عندما كان الأمير السابق يشغل منصب المبعوث الخاص لبريطانيا للتجارة الدولية.

وقالت ثماني قوى تابعة للشرطة البريطانية إنها تنظر في قضايا أثارتها هذه الوثائق. وقال إيد أوينز، مؤلف كتاب «بعد إليزابيث: هل يمكن أن تنقذ الملكية نفسها؟» إنه بالمقارنة بالفضائح الملكية السابقة «لا يبدو أن هناك طريقاً واضحاً للمضي قدماً هذه المرة». وأضاف: «لا توجد خطة لاتباعها» فيما يتعلق بكيفية تعامل الملكية ومؤسساتها مع هذه الادعاءات.

يُذكر أن آخر مرة اضطرت فيها الملكية إلى التعامل مع مثل هذا النوع من التساؤلات كانت عقب وفاة ديانا، الزوجة السابقة لتشارلز الثالث. آنذاك وُجّهت انتقادات إلى إليزابيث الثانية وتشارلز بدعوى إخفاقهما في مواكبة موجة الحزن العارمة التي اجتاحت البلاد، إذ توافد عشرات الآلاف إلى حدائق كينسنجتون لوضع الزهور خارج منزل الأميرة الراحلة. وحتى إن البعض طالب تشارلز بالتنحي عن منصبه كوريث للعرش لصالح ابنه ويليام.

وبعد ذلك، شكّلت الملكة جماعات نقاشية لفهم المزاج العام، وتحديد سبب هذا الشعور القوي من التعاطف تجاه شخص لم يقابلوه. وأجبرت الأزمة الأسرة الملكية على معرفة أن بساطة ديانا أثرت في المواطنين بطرق لم تحدث من قبل في قلعة وندسور.

وألهمت هذه الدروس شخصيات ملكية أخرى، بمن في ذلك ابنا ديانا الأمير ويليام والأمير هاري، ليكونا أكثر عفوية ووداً. ولكن هذه اللحظة مختلفة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها تأتي في ظل بيئة إعلامية متغيرة سريعاً، في وقت يُطالب فيه المواطنون قادتهم بالشفافية.

ويعني المضي قدماً مواجهة أسئلة غير مريحة بشأن مدى معرفة المؤسسة وأفراد الأسرة الملكية أنفسهم بشأن أنشطة ماونتباتن وندسور. وسعى القصر إلى رسم خط جريء يفصل الأمير السابق وبقية أفراد الملكية من خلال تجريده من ألقابه، بما في ذلك الحق في أن يطلق عليه أمير.

وفي ضربة أخرى للأمير السابق، تدرس الحكومة البريطانية استبعاده رسمياً من قائمة تولي العرش. وعلى الرغم من فقدانه ألقابه ومكانته، فإن أندرو ما زال ترتيبه الثامن في تولي العرش، وهو ما لا يمكن تغييره إلا بإقرار تشريع.

وقال بيتر هنت، المراسل السابق لشؤون الملكية بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن أفضل نتيجة للملكية ستكون أن يركز تحقيق الشرطة فقط على المعلومات الواردة في ملفات إبستين ومدى ارتباطها بماونتباتن وندسور. وأضاف أن أسوأ نتيجة ستكون في حال وسعت الشرطة تحقيقاتها لتشمل مدى ما كانت تعلمه المؤسسة الأوسع نطاقاً، ومتى علمت به.


الجيش الدنماركي يجلي أحد أفراد طاقم غواصة أميركية

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)
جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)
TT

الجيش الدنماركي يجلي أحد أفراد طاقم غواصة أميركية

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)
جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

أعلنت قيادة القطب الشمالي، السبت، أنها قامت بإجلاء أحد أفراد طاقم غواصة أميركية قبالة سواحل نوك عاصمة غرينلاند.

وقالت الهيئة المكلفة مراقبة سيادة الدنمارك في القطب الشمالي وحمايتها، في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي: «أجلت قيادة القطب الشمالي أحد أفراد طاقم غواصة أميركية بعد ظهر اليوم».

وبحسب البيان «كان أحد أفراد الطاقم في حاجة إلى علاج طبي عاجل» ونقل إلى مستشفى نوك.

ونفّذت عملية الإجلاء «مروحية أرسلت من سفينة Vaedderen»، وهي فرقاطة دنماركية متمركزة في نوك وتقوم بمهمات مراقبة بين غرينلاند وجزر فارو، وهما منطقتان تتمتعان بالحكم الذاتي تابعتان للدنمارك.

وتؤكد واشنطن بانتظام أن السيطرة على غرينلاند أمر ضروري لأمن الولايات المتحدة وتتهم الدنمارك والأوروبيين بعدم حماية هذه المنطقة الاستراتيجية بشكل كافٍ ضد الطموحات الروسية والصينية.

إلا أن دونالد ترمب توقف عن تهديداته بعد توقيع اتفاق إطاري مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يهدف إلى تعزيز النفوذ الأميركي وتمهيد الطريق لإجراء محادثات بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة.


روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)
رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)
TT

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)
رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز)

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذَّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي.

وأعلنت الإدارة العسكرية للعاصمة الأوكرانية «حالة تأهب جوي في كييف؛ بسبب تهديد العدو باستخدام الأسلحة البالستية»، وذلك قبل سماع دوي الانفجارات قرابة الساعة 04:00 بالتوقيت المحلي (02:00 بتوقيت غرينتش)، وطلبت من السكان البقاء في الملاجئ حتى يتم رفع حالة التأهب.

وبعدها أعلن رئيس الإدارة العسكرية المحلية تيمور تكاتشنكو على «تلغرام» أن «العدو يهاجم العاصمة بالأسلحة الباليستية».

وأشار إلى أن 5 مناطق في محيط العاصمة تضرَّرت جراء القصف.

وأُدخلت امرأة وطفل المستشفى في العاصمة بعد إصابتهما جراء سقوط حطام في المنطقة المحيطة، وفق ما ذكره رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو.

كما أفادت السلطات في منطقتَي دنيبرو (وسط أوكرانيا الشرقي) وأوديسا (جنوب) بوقوع قصف؛ ما تسبب بإصابة شخصين في دنيبرو، بينما تعرضت البنية التحتية في أوديسا لغارات جوية بطائرات مسيّرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال الليل، أعلنت القوات الجوية حالة التأهب في كل أنحاء الأراضي الأوكرانية؛ بسبب خطر وقوع قصف صاروخي.

أسوأ أزمة طاقة

وتقصف روسيا، التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية، مناطق مدنية وبنى تحتية بشكل يومي؛ ما تسبَّب أخيراً في أسوأ أزمة طاقة في البلاد منذ بدء الغزو عام 2022.

وانخفضت درجات الحرارة إلى قرابة 10 درجات مئوية تحت الصفر، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية عندما استُهدفت مجدداً، مع انتشار خدمات الطوارئ في مختلف أنحاء المدينة.

وقال تكاتشنكو لاحقاً إن الهجمات تسببت في اندلاع حريق على سطح مبنى سكني.

كما دفعت هذه الضربات إلى تشديد حالة التأهب على طول الحدود الغربية لأوكرانيا.

وأعلنت القيادة العملياتية البولندية، فجر الأحد، نشر طائرات مقاتلة بعد رصدها طائرات روسية تشن غارات على الأراضي الأوكرانية.

يأتي ذلك بعدما أسفرت انفجارات في لفيف الواقعة قرب الحدود البولندية عن مقتل شرطية وإصابة 15 شخصاً على الأقل، ليل السبت - الأحد، بحسب ما أفاد رئيس بلدية المدينة مندداً بـ«عمل إرهابي».

ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، استُهدف عسكريون أو مسؤولون أوكرانيون بتفجيرات في مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة.

وقتل عشرات وربما مئات الآلاف من الجانبين منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، في الحرب الأكثر فتكاً وتدميراً في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبّدتها، فإن القوات الروسية تواصل تقدمها ولو ببطء، خصوصاً في منطقة دونباس، مركز القتال في الشرق.