عقارات الرياض تشهد ركوداً ترقباً لمفاعيل إجراءات الحد من ارتفاع الأسعار

مختصون توقعوا لـ«الشرق الأوسط» استمرار الوضع على حاله إلى حين توازن السوق

عقارات سكنية وتجارية في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
عقارات سكنية وتجارية في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

عقارات الرياض تشهد ركوداً ترقباً لمفاعيل إجراءات الحد من ارتفاع الأسعار

عقارات سكنية وتجارية في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
عقارات سكنية وتجارية في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تعيش السوق العقارية في السعودية راهناً حالة من الترقب فرضتها قرارات وخطوات غير مسبوقة أعلنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشأن القطاع، والهادفة إلى زيادة حجم المعروض في السوق وإعادة التوازن إليها، من أجل معالجة ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات. وهو ما تُظهره البيانات الواردة من السوق التي تشير إلى ركود في شراء العقارات من المواطنين بانتظار تأثير هذه القرارات وانعكاسها في خلق التوازن لأسعار العقارات في الرياض، وخفضها.

كان ولي العهد قد وجّه في مارس (آذار) الماضي باتخاذ حزمة من الإجراءات التنظيمية تشمل رفع الوقف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي شمال الرياض، وتوفير عشرات الآلاف من القطع السكنية سنوياً بأسعار ميسّرة للمواطنين، وذلك بعدما شهدت الرياض ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار عقاراتها. وبموجب الإجراءات المعلن عنها، سيتم ضخ أراضٍ شمال الرياض بمعدل 10 آلاف إلى 40 ألف قطعة سنوياً، لضمان توازن العرض والطلب في السوق، وفق ما كشف عنه وزير البلديات والإسكان السعودي ماجد الحقيل.

ويوم الاثنين، قدّم ولي العهد تبرعاً بمبلغ مليار ريال لمؤسسة الإسكان التنموي الأهلية (سكن) ممثلةً بـ«جود الإسكان»؛ بهدف دعم تمليك الإسكان للمُستفيدين والأسر المستحقة، ووجّه بأن يتم إنجاز المشروعات السكنية المُخصصة في التبرع خلال فترة لا تتجاوز 12 شهراً، وأن يتم تنفيذها على يد شركات وطنية.

من جهته، أكد الحقيل أنه سيصار إلى ضخ وحدات سكنية جديدة بمتناول الجميع، منها أكثر من 70 ألفاً في الرياض.

وزير البلديات والإسكان السعودي ماجد الحقيل متحدثاً في مؤتمر صحافي الاثنين (الشرق الأوسط)

وعن حال السوق اليوم، أكد مختصون لـ«الشرق الأوسط»، أن البيانات الواردة من السوق، تُظهر ركوداً في شراء العقارات من المواطنين؛ ترقباً لتأثير القرارات وانعكاسها في خلق التوازن في المدينة. فمن الملاحظ لدى كثير من الشركات والمكاتب العقارية، وجود تراجع في عمليات الشراء، في وقت يواجه المسوّقون في المنتجات العقارية صعوبة في تشجيع المشترين الذين يفضلون تأجيل هذه الخطوة إلى ما بعد بدء مفاعيل قرارات ولي العهد.

خطوة إيجابية نحو تحقيق التوازن

وقال الخبير والمسوِّق العقاري عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن الركود الحالي في أسعار العقارات بالرياض يأتي نتيجة مباشرة لتوجيهات ولي العهد التي تسعى إلى زيادة المعروض العقاري، بما يؤدي إلى خلق توازن في الأسعار، بعد الفترة الماضية من الارتفاعات الكبيرة في أسعار العقارات بمدينة الرياض، مشيراً إلى أن هذا التراجع يُعد خطوة إيجابية نحو تحقيق التوازن بين العرض والطلب، ويُسهم في جعل السوق أكثر استدامة وعدالة لجميع الأطراف المتعاملين في السوق العقارية.

ويتوقع الموسى أن يستمر تأثير هذا الركود حتى استكمال تنفيذ جميع القرارات والتوجيهات خلال الأشهر المقبلة، مضيفاً أنه مع تنفيذ الخطط الحكومية لزيادة المعروض العقاري، قد تشهد السوق انتعاشاً تدريجياً على المدى الطويل، خصوصاً مع استمرار النمو السكاني والاقتصادي في المدينة.

ويرى الموسى أن أبرز العوامل قد تُسهم في استمرار حالة الركود، هي بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، مما يقلل من القدرة الشرائية للمواطنين، وزيادة المعروض العقاري بشكل يفوق الطلب، وكذلك التقلبات الاقتصادية العالمية التي قد تؤثر على الاستثمارات، لافتاً إلى أن النمو السكاني المستمر في مدينة الرياض، وتحسن الاقتصاد الوطني وارتفاع دخل الفرد، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل مترو الرياض، واستمرار الدعم الحكومي لبرامج الإسكان، سوف تُسهم في عودة الانتعاش للسوق العقارية.

ولفت إلى آخر البيانات المنشورة حول تسجيل بعض الأحياء في الرياض، تراجعات في أسعار الأراضي السكنية، وانخفاضها في بعض الأحياء، مثل حي بدر بنسبة 15 في المائة، وفي حي النظيم بنسبة 14 في المائة، وفي حي النرجس بنسبة 12 في المائة، وفي حي الخير بنسبة 11 في المائة، وذلك خلال الفترة من 1 إلى 9 أبريل (نيسان) 2025 مقارنةً بالربع الأول من العام نفسه.

وبين أن هذا الركود يُظهر تأثير السياسات الحكومية الهادفة إلى تحقيق التوازن في السوق، مضيفاً أنه ومع استمرار التنفيذ ومراقبة السوق، من المتوقع أن يشهد القطاع العقاري تحسناً في المستقبل.

من جهته، قال الخبير والمسوِّق العقاري صقر الزهراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأخبار تشير إلى وجود ركود نسبي في السوق العقارية بمدينة الرياض خلال عام 2025، مع تسجيل انخفاضات ملحوظة في أسعار الأراضي السكنية في بعض الأحياء، وصلت في بعضها إلى 55 في المائة، خلال أبريل، مع تعثر بعض الصفقات والمزادات العقارية بسبب تدني الأسعار عن التقييمات المعتمدة، خصوصاً في أحياء مثل العريجاء الغربي وغبيراء حسبما نُشر في بعض التقارير الإعلامية.

وتوقع استمرار التصحيح السعري على المدى القصير، مع احتمالية انتعاش السوق بحلول نهاية 2025، خصوصاً مع التوجه الحكومي لطرح أراضٍ بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر.

نموذج توضيحي لمشروع «ضاحية خزام» السكني التابع للشركة الوطنية للإسكان (الشرق الأوسط)

وحسب الزهراني، فإن أبرز عوامل الركود الحالية تتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين وحالة الترقب التي تعيشها السوق، مضيفاً أن العوامل التي قد تسهم في عودة الانتعاش للسوق العقارية، وتتمثل في زيادة المعروض عبر مشاريع مثل «ضواحي الرياض»، وتعديل رسوم الأراضي البيضاء، إضافةً إلى الطلب المتوقع نتيجة الفعاليات الكبرى التي سوف تشهدها مدينة الرياض، خلال السنوات القادمة ومن أبرزها معرض «إكسبو الرياض 2030» ونهائيات كأس العالم 2034.

كان الحقيل قد توقع يوم الاثنين، صدور قرار بشأن رسوم الأراضي البيضاء خلال وقت قريب، قائلاً: «إنه كان مخططاً له 60 يوماً. نتوقع صدوره قبل هذه المدة».

وأكمل الزهراني أن الإحصائيات الأخيرة تشير إلى تسجيل انخفاض في أسعار الأراضي بنسبة 55 في المائة، في حي العريجاء الغربي، و54 في المائة في غبيراء، و50 في المائة في اليرموك خلال أبريل 2025. كما ارتفع مؤشر أسعار العقارات بنسبة 4.3 في المائة، خلال الربع الأول من 2025 مقارنةً بالفترة نفسها من 2024، ويتوقع أن يصل حجم السوق العقارية إلى 69.51 مليار دولار في 2024، مع معدل نمو سنوي يقدّر بـ8 في المائة، حتى عام 2029.


مقالات ذات صلة

أرباح «الرمز للعقارات» السعودية ترتفع بنسبة 77.3 % إلى 74.8 مليون دولار خلال 2025

الاقتصاد أحد المشروعات التي نفَّذتها شركة «الرمز» في السعودية (الشركة)

أرباح «الرمز للعقارات» السعودية ترتفع بنسبة 77.3 % إلى 74.8 مليون دولار خلال 2025

ارتفعت أرباح شركة «الرمز للعقارات» بنسبة 77.33 في المائة بنهاية عام 2025، مُحقِّقة 280.9 مليون ريال، وأقرَّت توزيعات بواقع 1.75 ريال للسهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد مخطط مشروع وجهة «مسار» بمكة المكرمة (موقع الشركة الإلكتروني)

المبيعات ترفع أرباح «أم القرى» العقارية 97 % خلال 2025

قفز صافي أرباح شركة «أم القرى للتنمية والإعمار» السعودية، المختصة بتطوير وجهة «مسار» في مكة المكرمة، بنسبة 97 % خلال عام 2025 ليصل إلى 983.4 مليون ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متسوق يمرُّ أمام إعلان للرهن العقاري معروض على نافذة في سندرلاند (رويترز)

البنوك البريطانية تسحب قروض الرهن العقاري بأعلى وتيرة منذ 2022

أظهرت بيانات شركة «ماني فاكتس» أن البنوك البريطانية سحبت يوم الاثنين عدداً من منتجات قروض الرهن العقاري، يفوق أي يوم آخر منذ أزمة الموازنة في عام 2022.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى «دار الأركان» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

المبيعات ترفع أرباح «دار الأركان» السعودية 40 % خلال 2025

ارتفع صافي أرباح شركة «دار الأركان» السعودية للتطوير العقاري بنسبة 40.5 في المائة خلال عام 2025 ليصل إلى 1.13 مليار ريال (300.6 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.