الحمل والإنجاب صراع هائل… كيف فقدت امرأة من غزة جنينها تحت الحصار الإسرائيلي؟

«أطباء بلا حدود»: 40 حالة إجهاض أسبوعياً في الأسابيع الأخيرة

خضعت السيدة الفلسطينية الحامل ياسمين صيام لفحص بالموجات فوق الصوتية في مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأربعاء 9 أبريل 2025 وقد أجهضت بعد أيام قليلة (أ.ب)
خضعت السيدة الفلسطينية الحامل ياسمين صيام لفحص بالموجات فوق الصوتية في مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأربعاء 9 أبريل 2025 وقد أجهضت بعد أيام قليلة (أ.ب)
TT

الحمل والإنجاب صراع هائل… كيف فقدت امرأة من غزة جنينها تحت الحصار الإسرائيلي؟

خضعت السيدة الفلسطينية الحامل ياسمين صيام لفحص بالموجات فوق الصوتية في مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأربعاء 9 أبريل 2025 وقد أجهضت بعد أيام قليلة (أ.ب)
خضعت السيدة الفلسطينية الحامل ياسمين صيام لفحص بالموجات فوق الصوتية في مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأربعاء 9 أبريل 2025 وقد أجهضت بعد أيام قليلة (أ.ب)

لم تستطع ياسمين صيام، وهي حامل في شهرها السابع تقريباً، النوم، إذ تعيش ياسمين في مخيم مزدحم في غزة، تهتز فيه باستمرار جراء القصف الإسرائيلي. لم تجد طعاماً مناسباً، ولم تأكل لحوماً لأكثر من شهر. كانت ضعيفة، وتفقد وزنها، وكانت تذهب إلى الأطباء كل يوم. لم يكن لديهم الكثير ليفعلوه.

في إحدى ليالي هذا الشهر، اجتاحها الألم. كانت قلقة من أن المخاض قد بدأ، لكنها كانت خائفة جداً من إطلاق النار لدرجة أنها لم تستطع مغادرة خيمتها. انتظرت السيدة حتى الفجر لتمشي إلى أقرب عيادة متنقلة. أخبرها المسعفون بأن تذهب إلى مستشفى ناصر، على بعد أميال.

كان على الأم أن تستقل عربة كارو يجرها حمار، تهتز من كل مطب في الطرق المدمرة. ولم تجد الفتاة البالغة من العمر 24 عاماً سوى جدار تتكئ عليه طوال ساعات انتظار الطبيب، ويهدّها الإعياء.

ياسمين صيام تخضع لفحص ما قبل الولادة في مستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

وأظهرت الموجات فوق الصوتية أن طفلها بخير. كانت صيام تعاني من التهاب في المسالك البولية، وكانت تعاني من نقص الوزن: 57 كيلوغراماً (125 رطلاً)، أي أقل بمقدار 6 كيلوغرامات (13 رطلاً) عن الأسابيع السابقة. وصف لها الطبيب دواءً، وأخبرها بما يفعله كل طبيب آخر: تناولي طعاماً أفضل.

وتقول صيام لوكالة «أسوشييتد برس» في حوار مطلع الشهر الجاري، وهي تلهث بعد عودتها إلى خيمتها خارج مدينة خان يونس الجنوبية: «من أين أحصل على الطعام؟ لست قلقة على نفسي. أنا قلقة على ابني. سيكون الأمر مريعاً إذا فقدته».

ارتفاع حالات الإجهاض

ومع تدمير غزة، ترتفع حالات الإجهاض. أصبح إجهاض حمل صيام المضطرب أمراً طبيعياً في غزة. لقد جعلت الحرب الإسرائيلية -التي استمرت 18 شهراً والتي دمرت القطاع- الحمل والولادة أكثر خطورة، بل ومخاطرة مميتة بالنسبة للنساء الفلسطينيات وأطفالهن، وفق الوكالة. وازداد الأمر سوءاً منذ 2 مارس (آذار)، عندما قطعت إسرائيل جميع المواد الغذائية والأدوية والإمدادات عن أكثر من مليوني شخص في غزة.

وتعد اللحوم والفواكه والخضراوات الطازجة شبه معدومة. والمياه النظيفة نادرة. ويقطع النساء الحوامل من بين مئات الآلاف ميلاً بحثاً عن ملاجئ جديدة بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية المتكررة. تعيش الكثيرات منهن في خيام أو مدارس مكتظة وسط مياه الصرف الصحي والقمامة.

ياسمين صيام في خيمتها في خان يونس بقطاع غزة (أ.ب)

ووفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان، تعاني ما يصل إلى 20 في المائة من النساء الحوامل في غزة، والبالغ عددهن 55000 امرأة، من سوء التغذية، وتواجه نصفهن حالات حمل عالية الخطورة. في فبراير (شباط) ومارس، وُلد ما لا يقل عن 20 في المائة من المواليد الجدد قبل أوانهم، أو يعانون من مضاعفات، أو سوء تغذية.

ومع نزوح السكان، وتعرضهم للقصف، يستحيل الحصول على إحصاءات شاملة عن حالات الإجهاض، وولادة جنين ميت. تُظهر السجلات في مستشفى ناصر بخان يونس أن حالات الإجهاض في شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير كانت ضعف ما كانت عليه في نفس الفترة من عام 2023.

ووثّقت الدكتورة ياسمين شنينة، مشرفة القابلات في منظمة «أطباء بلا حدود» بمستشفى ناصر، 40 حالة إجهاض أسبوعياً في الأسابيع الأخيرة. وقد سجّلت وفاة خمس نساء شهرياً أثناء الولادة، مقارنةً بنحو حالتين سنوياً قبل الحرب. وقالت: «لسنا بحاجة إلى انتظار التأثير المستقبلي. المخاطر آخذة في الظهور الآن».

حب في زمن الحرب

وبالنسبة لصيام وعائلتها، كان حملها -بعد زواج مضطرب في زمن الحرب– ووصفت الوكالة زواجها بأنه «فرحة نادرة». وبعد نزوح الأسرة من مدينة غزة، انتقلت ثلاث مرات قبل أن تستقر في مدينة الخيام الممتدة عبر منطقة المواصي الساحلية القاحلة. وفي أواخر الصيف الماضي، تناولت وجبة طعام مع الجيران. وقد أُعجب بها شاب من الخيمة المقابلة.

في اليوم التالي، طلب حسام يد ياسمين للزواج. رفضت في البداية. قالت: «لم أتوقع الزواج في ظل الحرب. لم أكن مستعدة للقاء أحد». ولم يستسلم حسام. اصطحبها في نزهة على شاطئ البحر. أخبر بعضهما البعض عن حياتهما. قالت: «قبلت».

في 15 سبتمبر (أيلول)، زيّنت عائلة العريس خيمتها. شاهدت صديقاتها المقربات من مدينة غزة، والمنتشرات في أنحاء القطاع، حفل الزفاف عبر الإنترنت. وفي غضون شهر، حملت ياسمين صيام.

جيلان زروق البالغة من العمر ثلاثة أشهر تنام في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في المواصي على مشارف خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ب)

ويعتبر الطفل المنتظر عزيزاً لأسرتها، فكان لوالدتها أحفاد من ابنيها، لكنها كانت تتوق لطفل من ابنتيها. كانت شقيقة صيام الكبرى تحاول الحمل منذ 15 عاماً. أرسلت والدتها وشقيقتها -اللتان عادتا الآن إلى مدينة غزة- مستلزمات الطفل.

ومنذ البداية، عانت صيام من أجل الحصول على تغذية سليمة، معتمدة على الطعام المعلب. بعد بدء وقف إطلاق النار في يناير، انتقلت هي وحسام إلى رفح. في 28 فبراير، تناولت وجبة نادرة: دجاجة، تقاسمتها مع أصهارها. كانت هذه آخر مرة تأكل فيها لحماً. وبعد أسبوع، سار حسام لأميال باحثاً عن دجاج. عاد خالي الوفاض.

«حتى الأساسيات مستحيلة»

سوّت إسرائيل جزءاً كبيراً من غزة بالأرض في حربها الجوية والبرية، وأدت الحرب لقتل أكثر من 51000 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً لوزارة الصحة في غزة.

وفي غزة، يُعدّ الحمل صراعاً هائلاً. إذ لا يتعلق الأمر بكمية الطعام فحسب، كما قالت روزالي بولين، من «اليونيسف»، «بل يتعلق أيضاً بالتنوع الغذائي، وحقيقة أنهم يعيشون في ظروف قاسية، وغير صحية، ينامون على الأرض، وينامون في البرد، ويعلقون في هذه الحالة الدائمة من التوتر الشديد».

يحمل أحد العاملين في مجال الصحة بالمستشفى جثمان الطفلة سيلا زيدان البالغة من العمر 15 يوماً والتي توفيت بسبب تعفن الدم بعد أيام قليلة من وفاة شقيقتها التوأم في أعقاب ولادة ياسمين زقوت المبكرة للتوأم في مستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

لا تزال تسعة مستشفيات تعمل من أصل 14 كانت تقدم خدمات صحة الأم قبل الحرب، وإن كان ذلك بشكل جزئي فقط، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان. ونظراً لأن العديد من المرافق الطبية قد هُجرت بسبب الحرب، أو اضطرارها لإعطاء الأولوية للمرضى ذوي الحالات الحرجة، فإن النساء غالباً لا يحصلن على فحوصات تكشف المشكلات في مرحلة مبكرة من الحمل، كما قالت كاتي براون، من منظمة «أطباء بلا حدود». ويشير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن ربع حالات الولادة، التي تبلغ نحو 130 حالة ولادة يومياً في شهري فبراير ومارس، تطلبت عمليات جراحية. وقالت براون: «حتى الأساسيات مستحيلة».

في ظل الحصار، نفدت أكثر من نصف أدوية رعاية الأمومة والمواليد الجدد، بما في ذلك أدوية تنظيم النزيف، وتحفيز المخاض، وفقاً لوزارة الصحة. الحفاضات نادرة. يقول عمال الإغاثة إن بعض النساء يُعدن استخدامها، مما يؤدي إلى تقلبها، وذلك يؤدي إلى التهابات جلدية حادة.

«تكتيك التجويع»

وتقول إسرائيل إن الحصار يهدف إلى الضغط على «حماس» لإطلاق سراح الرهائن المتبقين. وتصفه جماعات حقوق الإنسان بأنه «تكتيك تجويع» يعرض جميع السكان للخطر، وجريمة حرب محتملة.

في قسم الولادة بمستشفى ناصر، قال الدكتور أحمد الفرا إن الأمور تتجه من سيئ إلى أسوأ. إذ داهمت القوات الإسرائيلية المستشفى في أوائل عام 2024، مدعية أنه يؤوي مقاتلين من «حماس». ودُمرت حاضنات في أحد المستودعات. أُعيد بناء قسم الولادة ليصبح أكبر مستشفى في غزة وأفضلها تجهيزاً لحالات الطوارئ. ومنذ أن انتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين في 18 مارس، امتلأ المستشفى بالجرحى.

أطباء يزنون طفلاً فلسطينياً في عيادة «أطباء بلا حدود» في المواصي بالقرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ب)

ويحتاج ما يصل إلى 15 طفلاً من الخُدج في المرة الواحدة إلى أجهزة تنفس صناعي، لكن المستشفى لا يملك سوى جهازي ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) للحفاظ على تنفس الأطفال الخدج. ويُوضع بعضهم على أجهزة تنفس للبالغين، مما يؤدي غالباً إلى الوفاة، وفقاً للفرا.

ووفقاً للأمم المتحدة، هناك عشرون جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر خارج غزة، غير قادرة على الدخول بسبب الحصار، إلى جانب 54 جهازاً بالموجات فوق الصوتية، وتسع حاضنات، ومستلزمات التوليد.

ويؤدي نقص لوازم التنظيف إلى جعل النظافة شبه مستحيلة. وبعد الولادة، غالباً ما تعاني النساء والمواليد الجدد الذين يُضعفهم الجوع من التهابات تُسبب مضاعفات طويلة الأمد، أو حتى الوفاة، وفقاً للفرا.

عدوى شديدة

نُقلت ياسمين زقوت على وجه السرعة إلى مستشفى ناصر في أوائل أبريل بعد أن أنجبت قبل أوانها فتاتين توأماً. توفيت إحداهما في غضون أيام، وتوفيت شقيقتها الأسبوع الماضي، وكلتاهما بسبب تعفن الدم. قبل الحرب، قال الفرا إنه ربما كان يرى طفلاً واحداً سنوياً مصاباً بالتهاب رئوي نخري، وهو عدوى شديدة تقتل أنسجة الرئة. وقال الفرا: «في هذه الحرب، عالجتُ 50 حالة». أزال أجزاءً من الرئتين لدى ما يقرب من نصف هؤلاء الأطفال. مات أربعة منهم على الأقل، مضيفاً أن من بين الجرحى نساء حوامل بانتظام.

إسلام شيخ العيد 27 عاماً وهي حامل في شهرها السادس تخضع لفحص بالموجات فوق الصوتية في عيادة «أطباء بلا حدود» في المواصي بالقرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ب)

وفي سياق متصل، تحدث خالد السر، وهو جراح في مستشفى ناصر، عن علاج امرأة حامل في شهرها الرابع بعد غارة جوية في 16 أبريل. مزقت الشظايا رحمها. وقال إنه لا يمكن إنقاذ الجنين، وسيكون الحمل محفوفاً بالمخاطر لبقية حياتها. وأضاف أن اثنين من أطفالها كانا من بين 10 أطفال قُتلوا في الغارة.

وُلد الجنين ميتاً

وتحت وطأة ضغوط الحرب في شهرها السادس من الحمل، سارت صيام، وركبت عربة يجرها حمار لأميال عائدةً إلى خيمة في المواصي بعد أن أمرت إسرائيل بإخلاء رفح.

مع ازدياد ندرة الطعام، لجأت صيام إلى مطابخ خيرية، أو التكيات التي توزع وجبات من الأرز، أو المعكرونة. وبعد أن أصابها الضعف، سقطت كثيراً. تصاعد التوتر -بؤس الحياة في الخيمة، والانفصال عن والدتها، ورعب الغارات الجوية، والزيارات غير المثمرة للعيادات، وقالت لوكالة «أسوشييتد برس»، وهي تكاد تتوسل: «أتمنى لو يقول لي طبيب: وزنك جيد. أنا دائماً أعاني من سوء التغذية».

إسلام قشطة امرأة فلسطينية حامل تبلغ من العمر 30 عاماً تصل لإجراء فحص ما قبل الولادة في عيادة «أطباء بلا حدود» في المواصي بالقرب من خان يونس (أ.ب)

بعد ساعات من خوفها في 9 أبريل، كانت صيام لا تزال تعاني من الألم. قامت بزيارتها الخامسة للعيادة المتنقلة في غضون يومين. طلبوا منها الذهاب إلى خيمتها والراحة. بدأت تلاحظ نزيفاً. حملتها حماتها أثناء سيرهما إلى مستشفى ميداني في جوف الليل. في الساعة الثالثة صباحاً، قال الأطباء إنه لا يوجد شيء يمكنها فعله سوى الانتظار. وصلت والدتها من مدينة غزة. وبعد ثماني ساعات، وُلد الجنين ميتاً.

أخبرتها والدتها ألا تنظر إلى الطفل. قالت حماتها إنه جميل. أخذ زوجها ابنهما إلى القبر. بعد أيام، قالت والدتها إنها انهارت عندما رأت صوراً لها وهي حامل. لا تطيق رؤية أي شخص، وترفض اقتراحات زوجها بالتنزه على شاطئ البحر، حيث عقدا قرانهما. تتمنى لو يعود الزمن، ولو لأسبوع واحد فقط. وتقول: «سأضمه إلى قلبي، وأخفيه، وأتمسك به». تخطط السيدة المكلومة لمحاولة إنجاب طفل آخر.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)

مقتل فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في رفح

لقي فلسطينيان حتفهما، ظهر الخميس، برصاص القوات الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت سفوح التلال قرب قرية الكطراني جنوب لبنان 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يصدر تحذيراً لإخلاء بعض المباني في بلدة لبنانية

أصدر ​متحدث عسكري إسرائيلي تحذيراً لسكان بعض المباني في قرية سحمر اللبنانية، اليوم الخميس، ‌قبل ‌ضربات ‌ما ⁠وصفها ​بأنها ‌بنية تحتية تابعة لجماعة «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي في غزة أصبح الحمل والولادة بالنسبة لمعظم النساء يسببان التوتر والخوف (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تحصد الدعم... واشنطن تعلن بدء «المرحلة الثانية»

في الوقت الذي حصدت فيه «لجنة إدارة غزة» دعماً وتوافقاً، أعلن المبعوث الأميركي ، ستيف ويتكوف، «إطلاق المرحلة الثانية من (خطة ترمب) لإنهاء الصراع في غزة»

«الشرق الأوسط» (غزة - القاهرة)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون حديثو الولادة في حاضنة واحدة في مستشفى الحلو بسبب أزمة الوقود في مدينة غزة (رويترز) play-circle

انخفاض المواليد في غزة بنسبة 41 % جراء الحرب

كشفت تقارير جديدة عن تأثير الحرب في غزة على النساء الحوامل والأطفال وخدمات الأمومة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
TT

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان يقوم على دعم مؤسسات الدولة لاستعادة السيطرة الفعلية على مرافقها الحيوية، وفي مقدّمتها المرافئ والمعابر الحدودية.

يأتي الاهتمام الدولي بموازاة تدابير لبنانية لتعزيز التجهيزات الأمنية في المعابر الحدودية؛ وذلك لمكافحة التهريب ومكافحة التهرب الضريبي أيضاً. وكشف مصدر وزاري، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ الحكومة اللبنانية «تعمل على تركيب أجهزة كشف متطوّرة تعمل بالذكاء الاصطناعي في المرافئ، قادرة على التدقيق الشامل في محتوى جميع الحاويات، ورصد حجم حمولتها بدقة، وتحديد طبيعة المواد المستوردة والمصدّرة».

وأوضح المصدر أنّ «هذه الأنظمة، إلى جانب دورها الأمني، ستمنع أي تلاعب في التصاريح الجمركية أو في تقدير الأحجام والقِيم، ما يضع حدّاً للهدر في التحصيل الضريبي والرسوم الجمركية العائدة للدولة، ويشكّل خطوة أساسية في مسار استعادة السيطرة المالية والإدارية على أحد أهم شرايين الاقتصاد اللبناني».

السفير الأميركي في المرفأ

وجالَ سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، في مرفأ بيروت، مُطّلعاً على الإجراءات والتجهيزات التقنية التي أُدخلت حديثاً المرفأ، ولا سيما أجهزة المسح الضوئي (السكانر).

وصرّح عيسى، في ختام الزيارة، بأن الجولة كانت مَدعاة للفخر، وعَدَّ أن ما لمسه من تنظيم في العمل وأساليب الإدارة «يضاهي المعايير المعتمَدة في الولايات المتحدة».

وقال إن «الإدارة الجديدة والعاملين في المرفأ قدَّموا نموذجاً مُشرِّفاً في الأداء»، مؤكداً أن بلاده ستدعم كل ما يحتاج إليه المرفأ نظراً للوتيرة السريعة التي يسير بها العمل، ولا سيما فيما يتعلق بموضوع آلات الكشف التي ستسهم في تسهيل الإجراءات وتسريع حركة العمل». وأكد أن «المرفأ يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، ما يعني أن عائداته يجب أن تعود إلى الدولة اللبنانية».

السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى جانب وزير الأشغال فايز رسامني خلال جولته في مرفأ بيروت (المركزية)

وعايَنَ عيسى سير العمل والإجراءات التشغيلية المتبَعة في محطة الحاويات، قبل الانتقال إلى موقع أجهزة السكانرز (scanners) الموضوعة حالياً في مراحلها التجريبية، استعداداً لانطلاق تشغيلها، حيث قُدمت للوفد شروحات تقنية حول آلية عمل هذه الكاشفات ودورها في تعزيز الشفافية، وتشديد الرقابة على البضائع، والحد من التهريب، وتسريع وتيرة العمل بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأكد عيسى أن الدعم للبنان لم يتوقف قط، وأن زيارته تندرج في إطار الاطلاع على سَير العمل والتطورات الحاصلة، لافتاً إلى أن الجميع كان ينتظر وصول «السكانرز»؛ لما لها من دور أساسي في تعزيز أداء المرفأ إلى مستوى عالمي.

دعم أوروبي

بالتوازي مع الحراك الأميركي، أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي أنّ الاتحاد الأوروبي وقّع مع الحكومة اللبنانية ستة اتفاقات تمويل جديدة بقيمة 110.5 مليون يورو على شكل هِبات مخصّصة لدعم قطاع الأمن، والتعافي في المناطق المتضرّرة من النزاع، إضافة إلى أولويات الإصلاح الأساسية.

وجرى توقيع الاتفاقات مع وزير المالية ياسين جابر، في خطوة تعكس إعادة تفعيل قنوات التعاون المؤسساتي بين لبنان والاتحاد الأوروبي بعد فترة من الجمود.

وزير المالية اللبناني ياسين جابر وسفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دي وال يوقّعان الاتفاقيات (الاتحاد الأوروبي)

وأشار البيان الأوروبي إلى أنّ هذه الهِبات تندرج ضمن حزمة دعم بقيمة مليار يورو كانت قد أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها إلى بيروت في مايو (أيار) 2024، مؤكداً التزام الاتحاد الأوروبي بدعم استقرار لبنان وسيادته وأمنه في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي والاقتصادي.

توجّه دولي واضح لتثبيت لبنان

وفي قراءة سياسية لهذه التطورات، قال النائب أشرف ريفي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «زيارة السفير الأميركي إلى المرفأ، بالتوازي مع صدور بيان عن الاتحاد الأوروبي، اليوم، يتضمّن تخصيص ملايين اليوروهات لضبط المعابر الحدودية ومكافحة التهريب ودعم القرار، تعبّر عن توجّه واضح لدى المجتمعيْن العربي والدولي، الأوروبي والأميركي، لدعم لبنان وتثبيت وضعه».

وعَدَّ ريفي أنّ «هذه الزيارات وهذا الدعم يهدفان إلى تثبيت الوضع في لبنان وتنشيط الدولة، وإخراجه من كونه ساحة توظيف لمشاريع (حزب الله) والواجهة الإيرانية، بدل أن يكون دولة، بكل معنى الكلمة».

وأضاف أنّ «المطلوب، اليوم، هو ضبط المعابر البحرية والجوية والبرية، وضبط التهريب، وتثبيت الوضع الداخلي من خلال الجيش اللبناني والقوى الرسمية حصراً»، مشدداً على أنّ «الدولة يجب أن تكون صاحبة السيادة الوحيدة على كامل الأراضي اللبنانية».

خريطة التمويل

وخُصّصت حزمة الدعم الأوروبية 30 مليون يورو لتعزيز قدرات قوى الأمن الداخلي في مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية، ودعم الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب وتمويله والتهريب. كما رُصد مبلغ 25 مليون يورو لتعزيز الإدارة المتكاملة للحدود في المعابر البرية والمطارات وتحسين الأمن البحري، إضافة إلى 8 ملايين يورو لتأمين حلول طاقة مستدامة تضمن استمرارية عمل المنشآت الأمنية الحيوية دون انقطاع.


إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها، في واقعة تتكرر أخيراً بعد أن أثبتت كشوفات الجيش اللبناني على مبانٍ سابقة معرضة لإنذارات، بخلوها من أي ذخائر، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط».

ووجّه الجيش الإسرائيلي، الخميس، إنذاراً لسكان سحمر الواقعة في البقاع الغربي في جنوب شرقي لبنان، طالباً إخلاء مبنيين في القرية قبل قصفهما، متهماً «حزب الله» باستخدامه منشأةً عسكرية. وبعد قصف المبنيين، أصدر إنذاراً آخر في بلدة مشغرة الواقعة في البقاع الغربي أيضاً، وهما بلدتان تتعرضان لإنذارات إخلاء للمرة الأولى منذ بدء الحرب في 2023.

إسرائيل تستبق كشوفات الجيش

وتحرّك الجيش اللبناني على الفور باتجاه المباني المستهدفة للإنذارات، وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن وحدات الجيش «وصلت إلى المبنى الأول وفتشته، ولم تعثر فيه على أي أسلحة أو وسائل قتالية»، مضيفاً أن وحدات الجيش «لم تستطع أن تفتش المنزل الثاني؛ لأن المهلة كانت قصيرة جداً، وتم استهدافه».

وقال المصدر إن الجيش «لم يقصر بتاتاً في تفتيش المنازل، وينسق مع الميكانيزم (لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار) ويجري اتصالاته سريعاً، لكن إسرائيل لا تستمهل، بدليل أنها في إنذارات الأسبوع الماضي، لم يُسمح لنا بتفتيش المواقع المهددة، وكانت المهلة قصيرة جداً رغم طلبنا من (الميكانيزم) مهلة للتفتيش، مما يمنعنا من الوجود في المبنى المستهدف»، لافتاً إلى أن الجيش «أبلغ قبل عشر دقائق من استهداف موقع تعرض لإنذار في بلدة عين التينة في البقاع الأسبوع الماضي، ليتمكن من إخلاء موقعه العسكري القريب من موقع الاستهداف».

وقال المصدر: «ساهم تحرك الجيش في الأسابيع الماضية، بالكشف عن المنشآت بالتنسيق والمتابعة مع الميكانيزم، في منع استهداف منازل بعدما ثبت خلوها من أي وسائل قتالية، وانكشفت مزاعم إسرائيلية على هذا الصعيد... أعتقد أنه لهذا السبب، لا تمنحنا إسرائيل فرصة لتفتيش المنازل المهددة، وتسارع إلى قصفها».

إنذارات إخلاء

وبعد أربعة أيام على إنذار بإخلاء مواقع حيوية في بلدة كفرحتى في الجنوب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاري إخلاء متفرقين في بلدتين في البقاع الغربي، في جنوب شرقي لبنان. وكتب الناطق أفيخاي أدرعي إنذاراً في قرية سحمر، مشيراً إلى أن الجيش سيهاجم على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة.

ولاحقاً، أصدر إنذار إخلاء أيضاً في بلدة مشغرة، وقال إنها تحتوي على بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، واضعاً الاستهداف ضمن «التعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة».

وسجلت عمليات نزوح من البلدتين بعد تهديدهما، في وقت توجه فيه الجيش اللبناني إلى المبنيين المهددين في سحمر للكشف عليهما. ولاحقاً، استهدفت غارتان المبنيين.

وتأتي الإنذارات بعد أسبوع من إعلان الجيش اللبناني إنجاز نزع سلاح «حزب الله» من المنطقة الممتدة من الحدود الجنوبية مع إسرائيل حتى نهر الليطاني، في خطوة شككت بها الدولة العبرية واعتبرتها «غير كافية».

وقال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إن «اتفاق وقف إطلاق النار... ينصّ بوضوح على أنه يجب نزع سلاح (حزب الله) بالكامل»، معتبراً أن الجهود اللبنانية في هذا المجال «تُعد بداية مشجعة، لكنها غير كافية».

وواصلت إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وشنّت إسرائيل، الأحد، «سلسلة غارات جوية عنيفة» على مناطق في جنوب لبنان هي: جزين والمحمودية والدمشقية والبريج، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام».

انتهاكات متكررة

والخميس، سجّل قضاء مرجعيون خلال ساعات الليل سلسلة عمليات للجيش الإسرائيلي في عدد من بلدات القضاء. ففي بليدا، استهدف أجهزة إرسال للإنترنت مثبتة على سطحي منزلين ما أدى إلى تدميرهما. وفي كفركلا، أقدم على تفجير أحد المباني وسط البلدة.

ونسف منزلين في العديسة. ولاحقاً، استهدفت محلقة إسرائيلية حي المسارب في العديسة بقنبلة صوتية في أثناء قيام الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» الدولية بتفكيك العبوات التي تم تفخيخ المنزلين بهما.


حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
TT

حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

أثارت ردود «حزب الله» على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون له «بالتعقّل» على خلفية أن «السلاح صار عبئاً على بيئته ولبنان كله»، تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء مبادرة عدد من مسؤوليه لتنظيم حملة إعلامية تجاوزتهم لتشمل ناشطين يدورون في فلكه أفرغوا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما في جعبتهم من انتقادات عالية السقف.

وسأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟ وهل أخطأ بدعوته الحزب ليقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا كأساس لمراجعة مواقفه آخذاً بالتحولات في المنطقة؟ ليرد عليه نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بتلويحه بورقة الحرب الأهلية، مع أنه يدرك سلفاً أنه لن يجد من يستجب لتهديده، ليس لافتقاده القدرة العسكرية فحسب، وإنما لعدم الرغبة باستحضارها مجدداً ولو من باب التهويل.

عون أمهل الحزب

كما سأل المصدر الوزاري، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: أين أخطأ عون في تشخيصه للواقع السياسي للحزب، وهو كان أمهله، بحسب قول المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أكثر من عام ليراجع مواقفه ويعيد النظر في حساباته تمهيداً لانخراطه في مشروع الدولة، وأبدى كل انفتاح نحوه لطمأنته، وشرّع الأبواب للدخول معه في حوار تولاه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بتكليف من قيادته وبتشجيع من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أسهم في تنقية الأجواء وتحضيرها لحوار منتج يتناول القضايا العالقة، وتبادَل الرسائل بواسطة مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال الذي يتواصل مع رعد أو مع فريقه المكلف بمتابعة الحوار؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن الحوار لم يحقق الأهداف المرجوّة منه؛ لأن الحزب لا يزال يتصرف كما كان عليه قبل أن يقرر إسناده لغزة، ويرفض الاعتراف بأن نفوذه في الإقليم أخذ يتقلص، وأن دخوله في مواجهة غير محسوبة النتائج مع إسرائيل أفقدته توازن الردع وقواعد الاشتباك والاختلال في ميزان القوى. وقال إن الحزب كان فوّض رئيس مجلس النواب نبيه بري، للتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، وبادر إلى تأييده، ووافق بملء إرادته على إخلاء منطقة جنوب الليطاني بما مكّن الجيش من السيطرة على القسم المحرر منها.

حملة منظمة على عون

وأكد أن الحملة المنظّمة التي رعاها الحزب واستهدفت عون، لن تلقى أي رد فعل، لا منه ولا من الذين يدورون في فلكه، وبالتالي يرفض الانجرار لسجال ليس في محله ولا يخدم توحيد الجهود لإنقاذ البلد وتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وأن أبوابه ما زالت مفتوحة أمام الحوار، شرط أن يقرر الحزب ماذا يريد بعيداً عن الإنكار لما حلّ بلبنان بتفرده بقرار السلم والحرب بإسناده لغزة.

وقال إن أمين عام «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مضطراً للتأكيد في جميع المناسبات أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وأنه يرفض تسليم سلاحه. وسأل: هل كان مضطراً للتباهي بذلك؟ وهل يخدم بكلامه هذا الحوار؟ وأين تكمن مصلحته في توفير الذرائع لإسرائيل التي تواصل خروقها، مع أنها ليست بحاجتها لمواصلة اعتداءاتها للضغط بالنار على لبنان للتسليم بشروطها؟

الدولة وحدها من يحتكر السلاح

فالمطلوب من «حزب الله»، كما يقول المصدر، أن يتواضع ويقرر الوقوف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية وانعطافه نحو القوى السياسية لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة ولو من موقع تنظيم الاختلاف، وإنما على قاعدة إقراره بأن الدولة وحدها هي من تحتكر السلاح، وإلا فكيف يوفّق بين مشاركته في الحكومة على أساس بيانها الوزاري الذي نص على حصريته، ويصر الآن على الاحتفاظ بسلاحه؟

وأكد أن عون تعرض لحملات نُظمت ضده في الداخل والخارج على خلفية تساهله وتراخيه ومراعاته للحزب، لكنه لم يأخذ بها وأصر على الحوار، رافضاً استخدام القوة لإرغامه على تسليم سلاحه، وسأل الحزب: ما الفائدة من عدم تجاوبه مع حصرية السلاح التزاماً منه باتفاق «الطائف» وتطبيق الـ1701؟ فيما يسعى لشراء الوقت وهدر الفرص المتاحة لإنقاذ لبنان، رغم أن لا طائل من رهانه على عامل الوقت في حال قرر الدخول في تقييم للأبعاد السياسية والأمنية المترتبة على التحوّلات في المنطقة واستخلاص النتائج وأخذ العبر ليعيد النظر في مواقفه التي لا تراعي المزاج الشيعي، ولا تُصرف لتأمين عودة النازحين لقراهم وإعمار المدمر منها.

تحولات المنطقة

فالتحولات في المنطقة، بحسب المصدر، بدءاً بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واشتداد الحصار على جماعة الحوثي في اليمن، وتراجع محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم، ألا تشكل جميعها حافزاً للحزب ليراجع حساباته ويدقق في خياراته ويقرر تخليه عن سلاحه الذي فقد قدرته لردع إسرائيل والدفاع عن لبنان، خصوصاً أنه اعترف بقدرة إسرائيل على خرق الحزب من أعلى المستوى إلى أدناه، باغتيالها لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله، وخلفه هاشم صفي الدين، وقيادات أمنية وعسكرية؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال استقباله السفير سيمون كرم في قصر بعبدا (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

فـ«حزب الله» اليوم هو غير ما كان عليه قبل إسناده لغزة، وإصراره على تمسكه بسلاحه لا يخدمه، إلا إذا قرر القفز فوق الكوارث التي حلّت بلبنان، وعدم الاعتراف بأنه أخطأ في قراره هذا واضطر بملء إرادته للموافقة على وقف النار، وأن بمزايداته الشعبوية على الحكومة، ظناً منه بأن يحاكي بيئته ويطمئنها باحتفاظه بسلاحه، لن يصمد طويلاً ولن يخدم إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل شرط الالتزام بما تعهد به لبنان أمام المجتمع الدولي بحصرية السلاح.

وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي

ولفت المصدر إلى أن ما يطالب به الحزب بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل يحظى بمتابعة يومية من عون وسلام، وهذا ما يصر عليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق المحامي سيمون كرم إلى لجنة الـ«ميكانيزم»؛ لأن من شأنهما المساعدة في تسريع الأمور وصولاً لاستكمال تطبيق المرحلة الثانية من حصرية السلاح التي تشمل شمال نهر الليطاني حتى الأولي، على أن يليها ما تبقى من مراحل حددتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.