بوتين يشيد بـ«بطولات» جيش كوريا الشمالية في كورسك

الكرملين مستعد لتقديم مساعدة عسكرية «فورية» لبيونغ يانغ «إذا دعت الحاجة»

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحملان وثيقة الشراكة بين بلديهما بعد توقيعهما عليها في بيونغ يانغ في 19 يونيو 2024 (أ.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحملان وثيقة الشراكة بين بلديهما بعد توقيعهما عليها في بيونغ يانغ في 19 يونيو 2024 (أ.ب)
TT

بوتين يشيد بـ«بطولات» جيش كوريا الشمالية في كورسك

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحملان وثيقة الشراكة بين بلديهما بعد توقيعهما عليها في بيونغ يانغ في 19 يونيو 2024 (أ.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحملان وثيقة الشراكة بين بلديهما بعد توقيعهما عليها في بيونغ يانغ في 19 يونيو 2024 (أ.ب)

أشاد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بما وصفه بـ«بطولات» عسكريين من كوريا الشمالية شاركوا في معركة كورسك التي انتهت قبل يومين باستعادة الروس السيطرة عليها وإنهاء الوجود الأوكراني فيها تماماً.

وحملت عبارات بوتين إقراراً روسياً تزامن مع إقرار بيونغ يانغ بمشاركة وحدات النخبة التابعة لجيش كوريا الشمالية في العمليات القتالية في المنطقة، بعدما ظل الطرفان لأشهر يتجنبان التعليق على تقارير غربية تتحدث عن إرسال أكثر من 10 آلاف جندي كوري شمالي إلى روسيا.

وأعلن الكرملين أن التعاون الميداني المباشر على الأرض يعد تطبيقاً مباشراً لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية المبرمة بين البلدين. وقال الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف إن روسيا بدورها «مستعدة إذا لزم الأمر، لتقديم مساعدة عسكرية فورية لكوريا الشمالية وفقاً للاتفاق... لدينا اتفاق يسري مفعوله، وبموجب هذا الاتفاق، تعهدت الأطراف في الواقع بتقديم المساعدة الفورية لبعضها البعض إذا لزم الأمر»، ورأى أن «مشاركة الجنود الكوريين الشماليين في عملية تحرير منطقة كورسك أظهرت مدى فاعلية هذا الاتفاق».

شاشة تلفاز في محطة قطار أنفاق في عاصمة كوريا الجنوبية سيول تعرض صورة للقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الاثنين (أ.ب)

وسئل بيسكوف عما إذا كان بوتين يخطط لإجراء اتصالات مع الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، على خلفية إعلان الطرفين عن إنجاز المهمة المشتركة في كورسك، فقال إن جدول بوتين لا يشتمل حتى الآن على خطط من هذا النوع.

وكان رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف أبلغ بوتين قبل يومين، باستكمال عملية طرد القوات المسلحة الأوكرانية من منطقة كورسك. وأشار بشكل خاص إلى «المساعدة الفعالة التي قدمتها جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في هزيمة العدو».

وأشاد بوتين بعمل وحدات النخبة في «الجيش الشعبي الكوري»، مؤكداً أنهم «أدوا واجبهم بشرف وشجاعة، وغطوا أنفسهم بالمجد الخالد».

وقال بوتين إن العسكريين الكوريين الشماليين شاركوا في العمليات العسكرية مع الالتزام الكامل بالقانون الدولي، ووفقاً لمعاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، خصوصاً المادة الرابعة منها، التي تنص على تقديم المساعدة العسكرية الفورية في حالة وقوع هجوم مسلح على أحد الطرفين.

وأعرب الرئيس الروسي عن ثقته بأن علاقات الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين موسكو وبيونغ يانغ، «التي تم تشكيلها في ساحة المعركة، ستستمر في التطور بنجاح وديناميكية في جميع المجالات».

نيران مشتعلة في بيوت جراء غارة جوية روسية في منطقة دونيتسك الاثنين (أ. ب)

وأصدرت الحكومة الكورية الشمالية بيانا، الاثنين، رأت فيه أن «التحالف مع دولة قوية مثل روسيا شرف عظيم».

وقالت اللجنة العسكرية المركزية في البيان: «تعد حكومة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية شرفاً عظيماً أن تكون في علاقات تحالف مع دولة قوية مثل الاتحاد الروسي، وتعرب عن ارتياحها لأن مشاركة وحداتنا عززت الشراكة العسكرية بين البلدين، وأسهمت في نجاح تنفيذ العملية العسكرية الخاصة الروسية».

وقالت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية، إنّ «وحدات فرعية» من القوات المسلحة الكورية الشمالية «شاركت في العمليات لتحرير المناطق المحتلة في كورسك»، مؤكدة أن المجهود الحربي لهؤلاء الجنود «تكلل بالانتصار».

ونقلت الوكالة عن كيم جونغ أون قوله إن «أولئك الذين قاتلوا من أجل العدالة هم جميعاً أبطال وممثلون لشرف الوطن الأم»، مضيفا أنه سيتم قريباً تشييد نصب تذكاري لـ«مآثر المعركة» في العاصمة بيونغ يانغ.

بينما أكد بيان صادر عن الكرملين أن «الأصدقاء الكوريين تصرّفوا انطلاقاً من شعور بالتضامن والعدالة والرفقة الحقيقية». وأضاف: «نقدِّر ذلك كثيراً ونشعر بالامتنان الصادق شخصياً للرفيق كيم جونغ أون... وللشعب الكوري الشمالي».

كذلك، أشاد بـ«بطولة وتفاني الجنود الكوريين الشماليين، وبمستوى عالٍ من التدريب الخاص الذي خضعوا له»، مشيراً إلى أنّهم «شاركوا بشكل نشط» في القتال في منطقة كورسك، و«دافعوا عن وطننا كما لو كان وطنهم».

وفي كوريا الجنوبية، نددت وزارة الدفاع بانتهاك قرارات مجلس الأمن الدولي. وقال المتحدث باسمها، الاثنين: «من خلال الاعتراف الرسمي بذلك، أقرت (كوريا الشمالية) بأفعالها الإجرامية».

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته جو أي خلال تدشين مدمرة جديدة السبت الماضي (أ.ف.ب)

وأتى التأكيد الكوري الشمالي بشأن نشر قوات في روسيا، بعدما أعلنت موسكو استعادة السيطرة الكاملة على منطقة كورسك الحدودية، إلا أن كييف وصفت هذا الإعلان بأنّه «كاذب» و«دعاية».

وبدورها، أعلنت أن «موقفها بشأن قضية الأزمة الأوكرانية متّسق وواضح». متجنبة الإعلان بشكل مباشر عن موقف حيال المشاركة الكورية الشمالية في العمليات القتالية مع أوكرانيا.

ومنذ أشهر عدة، تدين كييف وسيول والدول الغربية مشاركة آلاف الجنود الكوريين الشماليين في القتال بأوكرانيا، الأمر الذي لم تؤكده أو تنفيه موسكو وبيونغ يانغ.

ووقَّع زعيما روسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، العام الماضي، خلال زيارة بوتين إلى بيونغ يانغ. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في نهاية العام، بعد تبادل وثائق التصديق. وحلت هذه الاتفاقية محل الاتفاقية الأساسية بشأن الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين روسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية المبرمة في عام 2000. وتنص المادة الرابعة من الاتفاقية على قيام كل طرف بتقديم مساعدة عسكرية فورية إلى الطرف الآخر في حال تعرُّض لهجوم مسلح من جانب دولة أو دول عدة، ووجد نفسه في حالة حرب.

على صعيد آخر، أعلن الرئيس الروسي، الاثنين، وقفاً لإطلاق النار بمناسبة اقتراب حلول الذكرى الثمانين للنصر على النازية.

ووفقاً للقرار الرئاسي، فإن الهدنة المعلنة سوف يسري مفعولها من منتصف ليل السابع إلى الثامن من شهر مايو (أيار) حتى منتصف ليل العاشر إلى الحادي عشر من الشهر نفسه.

وخلال هذه الفترة، سوف تتوقف جميع العمليات العسكرية وفقاً للإعلان الروسي؛ الذي نص على أن موسكو «تنطلق من أن الجانب الأوكراني يجب أن يحذو حذوها».

وأكد القرار الرئاسي أنه «في حالة انتهاك كييف لوقف إطلاق النار، ستقدم القوات الروسية رداً مناسباً وفعالاً».

وتضمن قرار بوتين إشارة إلى أن «موسكو تعلن مجدداً استعدادها لإجراء محادثات سلام من دون شروط مسبقة، بهدف القضاء على الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية، والتفاعل البنَّاء مع الشركاء الدوليين».


مقالات ذات صلة

روسيا: سنردّ على قرار الاتحاد الأوروبي تقليص بعثتنا في بروكسل

أوروبا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز)

روسيا: سنردّ على قرار الاتحاد الأوروبي تقليص بعثتنا في بروكسل

قالت روسيا، ​اليوم الخميس، إنها ستردّ على قرار الاتحاد الأوروبي تقليص ‌تمثيلها ‌الدبلوماسي ​في بروكسل.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا صورة نشرتها الناطقة باسم الوزارة الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»

روسيا: نشر قوات بريطانية في أوكرانيا سيطيل أمد الحرب

قالت المتحدثة ​باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، اليوم الخميس إن أي عملية ‌نشر للقوات ‌البريطانية ​في ‌أوكرانيا ⁠لن ​ينهي الصراع ⁠بل سيطيل أمد الحرب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جندي أوكراني ينظر إلى طائرة ثقيلة دون طيار أثناء تحليقها بالقرب من خط المواجهة في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

تقرير: حجب «ستارلينك» عن روسيا يقلّص فاعلية مسيّراتها ويمنح أوكرانيا دفعة «هائلة»

في حرب باتت التكنولوجيا فيها عنصراً حاسماً لا يقل أهمية عن الجنود والأسلحة الثقيلة، يمكن لقرار تقني واحد أن يُحدث تحولاً ميدانياً واسع النطاق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة غينادي غاتيلوف (أ.ف.ب)

وزراء غربيون يقاطعون خطاب ممثل موسكو في جنيف

قاطعت دول غربية خطاب روسيا أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، الثلاثاء، في الذكرى السنوية الرابعة لغزو موسكو لأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم بافيل دوروف مؤسس تطبيق ​تلغرام (أ.ف.ب)

مؤسس تطبيق «تلغرام» يتهم روسيا بقمع الخصوصية 

قال بافيل دوروف، مؤسس تطبيق ​تلغرام، اليوم (الثلاثاء)، إن موسكو تواصل حملتها على الخصوصية وحرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

فرنسا: في حال تأكد صلة روسيا بمسيَّرة قرب حاملة طائراتنا فسنعتبره «استفزازاً»

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال رسوها في مالمو بالسويد (رويترز)
حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال رسوها في مالمو بالسويد (رويترز)
TT

فرنسا: في حال تأكد صلة روسيا بمسيَّرة قرب حاملة طائراتنا فسنعتبره «استفزازاً»

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال رسوها في مالمو بالسويد (رويترز)
حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال رسوها في مالمو بالسويد (رويترز)

قال ‌وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الجمعة، إن باريس ليس لديها دليل على ​أن روسيا تقف وراء طائرة مسيَّرة مجهولة تم تحييدها قرب حاملة الطائرات «شارل ديغول» الراسية في السويد، لكن إذا كان الأمر كذلك، فسيكون «استفزازاً سخيفاً».

وصرح الجيش الفرنسي، لوكالة «رويترز»، بأن الجيش السويدي أسقط، يوم الأربعاء، طائرة مسيَّرة ‌مجهولة المصدر ‌تم رصدها على ​بُعد ‌أكثر من ​عشرة كيلومترات من الحاملة. وتقوم الحاملة والمجموعة المرافقة لها حالياً بمهمة في المنطقة، ورست هذا الأسبوع في مدينة مالمو.

وقال بال جونسون وزير الدفاع السويدي، أمس الخميس، إن المجال الجوي لبلاده تعرض على الأرجح لانتهاك من طائرة مسيرة «مرتبطة بسفينة عسكرية ‌روسية» في المياه ‌الإقليمية للسويد.

وذكر بارو للصحافيين ​في مالمو، ‌اليوم الجمعة: «إذا كان هناك بالفعل، كما أشار ‌وزير الدفاع (السويدي)، احتمال أن يكون لهذه الواقعة صلة بروسيا، فإن الاستنتاج الوحيد الذي يمكنني استخلاصه هو أن هذا استفزاز سخيف». وأضاف أن ‌أمن السفينة الحربية الفرنسية لم يتعرض للتهديد.

وقالت القوات المسلحة السويدية إن سفينة تابعة لقواتها البحرية رصدت الطائرة المسيرة محل الاشتباه خلال دورية بحرية جارية، أمس الخميس.

وبادرت السويد باتخاذ إجراءات مضادة لاعتراض سبيل الطائرة المسيَّرة التي لم يتم انتشالها، ولم يتم رصد أي جسم آخر منذ ذلك الحين.

وتلك الواقعة هي الأحدث في سلسلة من أنشطة الطائرات المسيَّرة في عدة ​دول أوروبية من ​أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتم ربطها بموسكو.


المملكة المتحدة تتجه للتحقيق فيما إذا كان إبستين استخدم قواعد سلاح الجو لتهريب فتيات

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي (د.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي (د.ب.أ)
TT

المملكة المتحدة تتجه للتحقيق فيما إذا كان إبستين استخدم قواعد سلاح الجو لتهريب فتيات

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي (د.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي (د.ب.أ)

أمر وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، بمراجعة الملفات العسكرية بحثاً عن أي دليل قد يفيد بأن رجل الأعمال الراحل المدان بارتكاب جرائم جنسية، جيفري إبستين، استخدم قواعد سلاح الجو الملكي لتهريب الفتيات إلى المملكة المتحدة.

وقام هيلي بتكليف مسؤولين بمراجعة سجلات وزارة الدفاع على مدار أكثر من عقدين وتسليم الشرطة أي سجلات على صلة بإبستين، حسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

نسخ مطبوعة من ملفات جيفري إبستين في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)

ويأتي ذلك بعدما كتب رئيس الوزراء السابق جوردون براون لست من قوات الشرطة يطالب بإجراء تحقيقات فيما إذا كان الأمير السابق أندرو ماونتباتن-ويندسور، شقيق ملك بريطانيا، استخدم طائرات يمولها دافعو الضرائب، وقواعد سلاح الجو الملكي، خلال ولايته كمبعوث تجاري، للقاء إبستين.

وألقي القبض على أندرو والسفير البريطاني السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون، ثم الإفراج عنهما بكفالة أوائل الشهر الحالي بناء على صلات مزعومة مع المعتدي الجنسي المدان.


التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
TT

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

كلما سئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن كوبا كرر الإجابة: «أعتقد أنها باتت وشيكة السقوط»، وفاخر بأنها من غير النفط الفنزويلي «ليست قادرة على البقاء».

لكن ترمب ليس أول رئيس أميركي يتوقع السقوط الوشيك لنظام الأخوين كاسترو، وقد سبقه 66 عاماً من الحصار والضغوط المتواصلة، ونهاية الحرب الباردة التي كانت كوبا خلالها حلقة مفصلية في الاستراتيجية السوفياتية، وتعاقب قبله على البيت الأبيض اثنا عشر رئيساً راهنوا على استحالة استمرار النظام الكوبي الذي ينازع منذ سنوات، لكن من غير أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

صورة أرشيفية للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يلقي خطاباً في هافانا (أ.ف.ب)

بعد نجاح العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على نيكولاس مادورو في كاراكاس فجر الثالث من يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، رأى دونالد ترمب أن قطع الإمدادات النفطية الفنزويلية (28 ألف برميل يومياً) سيكون القشّة التي تقصم ظهر النظام الكوبي، وأضاف مهدداً بفرض عقوبات على الدول التي يمكن أن تصدِّر محروقات إلى الجزيرة، مستهدفاً المكسيك تحديداً، ومدركاً أن هذا القرار يشكِّل ضربة قاسية جداً بالنسبة لبلد يواجه أشدّ أزمة اقتصادية منذ قيام الثورة عام 1959، ويعاني من انقطاع التيّار الكهربائي لساعات طويلة كل يوم، ونقص حاد في المواد الغذائية الأساسية والأدوية، وتضاؤل احتياطه من العملة الصعبة.

يلجأ غالبية الكوبيين إلى الألواح الشمسية وسط انقطاعات مستمرّة للطاقة (رويترز)

هموم كوبا ومتاعبها لم تعد فحسب مقتصرة على الحصار الاقتصادي وأزمة التموين الحادة التي تعاني منها؛ إذ إن تأثيرها في الأوساط اليسارية الدولية يتراجع بشكل ملحوظ منذ سنوات؛ فالبرازيل مثلاً، والمكسيك وتشيلي وروسيا والصين، اكتفت بإدانة الحصار الأميركي، ووعدت بتقديم مساعدات إنسانية؛ ما يؤكد انحسار شرعية الثورة الكوبية على الساحة الدولية بسبب فقدان الديمقراطية، وقمعها الممنهج للحريات الأساسية. يضاف إلى ذلك أن الحلفاء التقليديين للثورة الكوبية يقفون عاجزين عن المساعدة في الظروف الدولية الراهنة، وأمام الحزم الذي تبديه واشنطن في تطبيق «عقيدة دونرو » التي ترى أن للولايات المتحدة وحدها الكلمة الفصل في شؤون القارة الأميركية. ومن الأدلّة الساطعة على ذلك، أن البرازيل لم تحرّك ساكناً حتى الآن لنجدة النظام الكوبي، بينما اكتفت المكسيك بإرسال مساعدات غذائية، وقررت نيكاراغوا إقفال باب الهجرة أمام مواطني الجزيرة، وأعلنت غواتيمالا ترحيل جميع الأطباء الكوبيين الذين يؤدون خدماتهم هناك منذ سنوات.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مشاركته بقمة المجموعة الكاريبية «كاريكوم» في سانت كيتس ونيفيس (أ.ف.ب)

لكن الوضع، رغم صعوبته، قابل لمزيد من التعقيدات بالنسبة لسكان الجزيرة، كما يقول دبلوماسي أوروبي في هافانا، يخشى أن يؤدي وقوف النظام الكوبي على شفا الانهيار مدة طويلة إلى إحراج الإدارة الأميركية إذا أصرّت على ما يسمّيه «العقاب الجماعي الذي يشكّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي». ويذكّر هذا الدبلوماسي بأن الأزمات الإنسانية السابقة التي عصفت بالجزيرة، تسببت في هروب الآلاف نحو شواطئ فلوريدا، ويتساءل: هل الولايات المتحدة مستعدة لتكون هي المسؤولة عن مجاعة عشرات الآلاف من الأطفال على مسافة أميال من سواحلها؟

وتفيد دراسة وضعتها السفارة السويسرية في هافانا، وهي التي تقوم بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وكوبا، بأن الأزمة الاقتصادية الراهنة في الجزيرة هي الأقسى في تاريخها، وأن السبيل الوحيد للخروج منها مرهون بموقف واشنطن، وباستعداد النظام الكوبي للتجاوب مع المطالب الداخلية بمزيد من الحرية، والشروط السياسية التي تمليها الإدارة الأميركية. في أي حال، كل الخيارات اليوم أصبحت مُرّة بالنسبة للنظام الكوبي الذي طوال عقود جعل من قدرته على مقاومة الجارة اللدود مأثرة تشهد على صلابته: إما أن يتنازل أمام واشنطن ويتخذ تدابير من شأنها أن تكتب نهايته، مثل إجراء انتخابات حرة، وإما أن يواجه أزمة إنسانية لا تُحمد عقباها.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

المسألة الكوبية هي أيضاً «مسألة شخصية» بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية؛ فالرجل الذي يدير وزارة الخارجية في واشنطن، ماركو روبيو، هو من أبوين كوبيين هاجرا بعد وصول كاسترو إلى السلطة، ويعد سقوط النظام الكاستري تحقيقاً لحلم راوده منذ الطفولة. وخلال مثوله مؤخراً أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي قال إن الضغط على الجزيرة لا يستهدف إسقاط النظام، لكنه استدرك بسرعة ليقول: «إننا نتطلع إلى تغيير النظام»، كغيره من أعضاء الجالية الكوبية - الأميركية النافذة جداً، والتي تعد أحد الخزّانات الانتخابية الرئيسية للحزب الجمهوري. أما الرئيس ترمب من ناحيته، فقد توقع «أن يأتوا إلينا راغبين في التوصل إلى اتفاق... وسنكون أسخياء معهم».

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

لكن كوبا ليست فنزويلا؛ فمنذ صعود فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959 حاولت الولايات المتحدة بكل الوسائل إسقاط النظام، بما في ذلك اللجوء إلى القوة عندما قامت بذلك الإنزال العسكري الفاشل في «خليج الخنازير » عام 1962، وكادت تشعل مواجهة نووية مع موسكو، كما أن وكالة الاستخبارات الأميركية اعترفت بأنها حاولت اغتيال كاسترو عدة مرات، ومنذ تسعينيات القرن الماضي تفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستغل الأصول الأميركية التي أممتها الثورة في كوبا.

ناقلة نفط في ميناء ماتانزاس... كوبا 17 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

القوات المسلحة الكوبية على درجة من الدربة أعلى من القوات الفنزويلية، والحزب الشيوعي الكوبي يُحكم سيطرته كاملة على جميع مفاصل البلاد، وبعكس فنزويلا، لا توجد معارضة سياسية منظمة في كوبا، ولا منظمات مدنية قوية، فضلاً عن أن غالبية المنشقين البارزين قد غادروا الجزيرة إلى بلدان المنفى، ومعهم 3 ملايين كوبي آخر منذ قيام الثورة. يضاف إلى ذلك أنه لا توجد دلسي رودريغيز (رئيسة فنزويلا بالإنابة) في هافانا... وهي إن كانت موجودة، فإن الولايات المتحدة لا تعرف من هي، ولا كيفية الاتصال بها من غير علم المخابرات الكوبية، كما يقول دبلوماسي مكسيكي في هافانا.