تسجيل صوتي لناصر يستعيد الخلاف العربي بشأن مواجهة إسرائيل

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)
TT

تسجيل صوتي لناصر يستعيد الخلاف العربي بشأن مواجهة إسرائيل

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)

شهدت الساعات الماضية تداولاً على نطاق واسع لتسجيل صوتي يجمع بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وآخرين، وتسبب في جدل كبير نظراً لانطوائه على تصريحات لعبد الناصر بشأن الخلاف العربي حول مواجهة إسرائيل.

تضمن التسجيل، الذي لم تنفِ أي جهة رسمية صحته حتى الآن، قول عبد الناصر إن «هناك من يزايد على مصر» وخصّ بالذكر العراق وسوريا والجزائر واليمن وبعض المنظمات الفلسطينية، قائلاً: «إذا كان حد عايز يكافح ما يكافح... إذا كان حد عايز يناضل ما يناضل»، مؤكداً أن «العرب لا يملكون القدرة العسكرية على مواجهة إسرائيل، وأن أميركا هي الداعم لها».

وحسب ما تم تداوله من معلومات حول تاريخ التسجيل، فإنه كان في 4 أغسطس (آب) 1970 أي قبل نحو شهرين من وفاة جمال عبد الناصر، وتضمن التسجيل أيضاً «قبول ناصر بالحل الجزئي السلمي مع إسرائيل مقابل استرداد الأراضي التي تم احتلالها في عام 1967، ولكن تحدث عن مزايدات عربية على مصر، وتطالبها بكامل الأرض مرة واحدة عبر المواجهة العسكرية، بينما لا يفعلون شيئاً إلا المزايدات»، حسب وصفه.

ونقلت جريدة «الشروق» المصرية عن عبد الحكيم، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أن هذا التسجيل موجود ضمن مقتنيات عبد الناصر في مكتبة الإسكندرية، وأنه منشور على قناة «يوتيوب» تابعة لعبد الحكيم نفسه، وتحمل اسم والده، لكن مكتبة الإسكندرية نفت في بيان رسمي أن تكون مصدر التسجيل، إلا أنها لم تنفِ أو تؤكد صحته من عدمه.

وأفاد المكتب الإعلامي لمكتبة الإسكندرية رداً على استفسار «الشرق الأوسط» بأن «التسجيل بصورته المنشورة وبترتيب الحوار فيه لا يوجد في سجلات المكتبة، لكن هناك ساعات طويلة من التسجيلات لعبد الناصر بالمكتبة، وقد يكون من ضمنها، ولكن ليس بنفس الترتيب، وجارٍ التحقق من ذلك».

وبحسب نجل عبد الناصر، فإن هذا التسجيل دليل على أن والده لم يكن ديكتاتوراً، ولم يكن لديه ما يخشاه، بحسب ما يتهمه به معارضوه، بدليل أنه كان يسجل كل لقاءاته، رغم علمه بأن بعضها قد يستخدم ضده، مشيراً إلى أن التسجيل ليس به ما يضرّ بصورة عبد الناصر، ويجب النظر إليه في توقيته والظروف المحيطة به، لأنه كان يحارب إسرائيل بالفعل في حرب الاستنزاف، وقبِل بمبادرة وزير الخارجية الأميركي، وليام روغرز، لوقف إطلاق النار لكي يستعيد صفوف قواته، وكانت هذه المبادرة تنصّ على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، مع تخيير الفلسطينيين بين العودة لأراضيهم أو التعويض، ومن ثم لا يمكن اتهامه بخيانة القضية، إلا أنه وجد مزايدات كثيرة عليه، فطالب من يزايدون بالتوجه للحرب، وأنه لن يمنعهم.

تجدر الإشارة إلى أن تداول هذا التسجيل في وقت يثور فيه جدل كبير أيضاً بشأن الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة، ووجود أصوات في مصر ترى أن هناك أيضاً تحاملاً من البعض على الموقف المصري، ومطالبة القاهرة بالمواجهة، حسب تعبيرهم.

ويرى القيادي الناصري ونقيب المحامين السابق بمصر، سامح عاشور، أن «توقيت نشر هذا التسجيل يثير كثيراً من الريبة، خاصة في ظل حالة الاصطفاف الوطني التي يعيشها الشعب المصري حالياً لمواجهة الضغوط الصهيونية والأميركية بشأن قضية التهجير القسري للفلسطينيين».

وأكّد في تصريحات صحافية أن «الهدف من ترويج مثل هذه التسجيلات هو محاولة ضرب المعنويات المصرية والنيل من التماسك الشعبي»، مشيراً إلى أن مواجهة هذا النوع من الحملات تبدأ بكشفها والتعامل معها بشكل حاسم، باعتبار أن الأمر يتعلق بتاريخ مصر الوطني، وليس بشخص عبد الناصر وحده. كما أكّد أن مصر تحملت أعباء كبرى في حروب 1956 و1967 و1973 دفاعاً عن القضية الفلسطينية، دون أن تطلب من أحد القتال بدلاً عنها، لافتاً إلى أن الشعب المصري كله هو من دفع هذا الثمن، وليس فرداً أو زعيماً بعينه.

فيما يرى المفكر السياسي وعضو مجلس الشيوخ المصري، عبد المنعم سعيد، أن ما جاء في هذا التسجيل «يفهم من جوهره أن مصر كانت لديها فرصة كبرى لتحقيق السلام مقابل الأرض من خلال مبادرة روغرز، ولكن للأسف ضاعت بسبب المزايدات والخلافات العربية والفلسطينية المعتادة والمستمرة حتى الآن».

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن أبداً فهم الأمر بأنه خيانة أو تنازل عن المواجهة من جانب عبد الناصر، فقد كان في مواجهة فعلاً، هي حرب الاستنزاف، وطبيعة الأمور تقول إنه لا بد من هدنة لاستعادة الصفوف والترتيب للمستقبل، وهذا ما أوصلنا لحرب أكتوبر التي تحقق فيها الانتصار، ثم حينما فرضت الظروف على الرئيس الراحل أنور السادات السلام أيضاً حتى لا يضيع ما تحقق، ذهب للقدس، وأراد أيضاً حلاً عربياً وليس مصرياً، ولكن تمت المزايدة عليه كذلك، وكانت النتيجة ما وصلنا له الآن».

التسجيل حقّق رواجاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر. وعن ذلك، قال خبير الإنترنت، محمد فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «ردود الفعل على التسجيل تباينت بين من قال إنها مفبركة وصنعت بالذكاء الاصطناعي وبين من تحدث عن نظرية مؤامرة، خاصة مع انتشار التسجيلات ونشرها في هذا التوقيت. ومنهم من طالب بوضع أطر ونظام لنشر التسجيلات الرئاسية السرية، وربطها بسياق سياسي وزمني لفهمها بشكل أفضل».

وأوضح فتحي أنه «بالرغم من أن قناة (Nasser TV) التي نشرت التسجيل على (يوتيوب) تأسست عام 2018، وحقّقت نحو 11 مليون مشاهدة حتى الآن، فإن هذا التسجيل انتشر بشكل أكبر، وأحدث ضجة واسعة أثارت عدة تساؤلات، أبرزها مصير آلاف الساعات من التسجيلات الكاملة للاجتماعات السرية، وقانون حرية تداول المعلومات، وأحقية أسرة الرئيس الراحل في نشرها من عدمه».

وأعلنت عضو مجلس النواب المصري، مها عبد الناصر، عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»، أنها بسبب هذا التسجيل تشدد «على أهمية وجود قانون حرية تداول المعلومات، الذي يتيح الكشف عن أرشيف الحروب التي مرّت بها مصر بعد مرور أكثر من 50 عاماً على آخر حرب، ما سيتيح لكل الباحثين الملفات والتسجيلات الصوتية كاملة من دون أي اجتزاء، ويسهم من دون أدنى شك في كتابة أكثر إنصافاً للتاريخ وفهماً أكثر عمقاً لمسار الأحداث».

وعلى الطرف الآخر، رأى مؤيدو الرئيس الراحل أنور السادات أن هذا التسجيل يبرئ ساحته من اتهامه بالتخاذل عن الاستمرار في مواجهة إسرائيل واللجوء للتطبيع، رغم انتصار مصر عسكرياً في حرب أكتوبر 1973، وفي نظرهم أن ناصر نفسه كان من نفس مدرسة السادات، التي تؤمن بالتطبيع والسلام حال عدم القدرة على المواجهة، وهو ما يدعم موقف الدول التي تتخذ هذا المنحى حالياً.

وقال الخبير العسكري المصري، العميد سمير راغب، إن «هذا التسجيل ليس جديداً، ولكن انتشاره الآن، وخاصة وضعه على قناة تابعة لأسرة عبد الناصر، إنما هو يعيد الاعتبار للسادات، وأنه لم يخرج عن المنهج المصري الموجود من قبله باللجوء للسلام حينما تكون الظروف تقتضي ذلك، وكل منهما فعل واجبه في الحرب والسلم كما تقتضي الأحوال».

وشدّد على أن «هذا هو المنهج الدائم للدولة المصرية بالتعامل وفقاً للظروف المتاحة وبرؤية واقعية شاملة، ومن ثم هذا التسجيل ينهي الجدل الدائر بين من يرون السادات مخطئاً وأن عبد الناصر كان يتخذ منهج الحرب دون غيرها، وأيضاً يقطع الطريق على من يزايدون على الدولة المصرية حالياً ويطلبون من الرئيس عبد الفتاح السيسي المواجهة، بدعوى أن ذلك كان منهج عبد الناصر».

وأشار راغب إلى أن «مسألة دعم هذا التسجيل لخيار التطبيع العربي مع إسرائيل غير حقيقي، لأن التطبيع هو قرار مستقل لكل دولة، وأي دولة تريد التطبيع ستفعله حتى في وجود عبد الناصر نفسه».


مقالات ذات صلة

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز) p-circle

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل 3 فلسطينيين في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية نظام اعتراض الصواريخ بالليزر «الشعاع الحديدي» الذي طورته إسرائيل في 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تجرّب «مدفع ليزر» حديثاً في إسقاط الصواريخ والمسيّرات

بدت الصناعات الحربية الإسرائيلية مبتهجة، يوم الاثنين، عندما عبرت تجربة نظام الليزر القتالي «أور إيتان» (Iron Beam) بنجاح في إسقاط طائرات مسيّرة انطلقت من لبنان.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

بعد تحذير إسرائيلي... لبنان يخشى استهداف بنيته التحتية حال التصعيد مع إيران

يخشى لبنان من ضربات قد تشنها إسرائيل على بنيته التحتية في حال التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، كما صرّح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي من جنيف الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.