«هدنة غزة»: هل بدأ عد تنازلي نحو «انفراجة» قريبة؟

قطر تشير إلى «تقدم جزئي»... ومصدر بـ«حماس» يتحدث عن تقديم رؤية للقاهرة

رئيس مجلس الوزراء القطري (يمين) خلال مؤتمر صحافي الأحد في الدوحة مع وزير الخارجية التركي (أ.ف.ب)
رئيس مجلس الوزراء القطري (يمين) خلال مؤتمر صحافي الأحد في الدوحة مع وزير الخارجية التركي (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: هل بدأ عد تنازلي نحو «انفراجة» قريبة؟

رئيس مجلس الوزراء القطري (يمين) خلال مؤتمر صحافي الأحد في الدوحة مع وزير الخارجية التركي (أ.ف.ب)
رئيس مجلس الوزراء القطري (يمين) خلال مؤتمر صحافي الأحد في الدوحة مع وزير الخارجية التركي (أ.ف.ب)

وسط تأكيدات من الوسطاء على حدوث «تقدم جزئي» في موقف الأطراف بشأن استئناف وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال التقديرات أن الاتفاق بين «حماس» وإسرائيل لا يزال «صعباً»، خصوصاً في ظل عدم وجود اتفاق على «كيفية إنهاء الحرب».

وقال رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الأحد، خلال مؤتمر صحافي في الدوحة، مع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار في غزة «أحرزت بعض التقدم، لكن لا يزال الاتفاق بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) صعباً». وتابع: «شهدنا يوم الخميس بعض التقدم مقارنة بالاجتماعات الأخرى، لكننا بحاجة إلى إيجاد إجابة للسؤال الأهم: كيف ننهي هذه الحرب؟ هذه هي النقطة المحورية في المفاوضات كلها».

وأفاد المسؤول القطري البارز بأن «(حماس) مستعدة لإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين المتبقين إذا أنهت إسرائيل الحرب في القطاع». لكنه أضاف أن إسرائيل تريد من «حماس» إطلاق سراح الرهائن دون تقديم رؤية واضحة لإنهاء الحرب. وأشار إلى أنه «عندما لا يكون هناك هدف مشترك بين الأطراف، أعتقد أن فرص (إنهاء الحرب) تصبح ضئيلة للغاية».

من ناحيته، قال فيدان إن المحادثات التي أجراها مسؤولون أتراك مع «حماس» أظهرت أن الحركة ستكون أكثر انفتاحاً على اتفاق يتجاوز وقف إطلاق النار في غزة، ويهدف إلى حل دائم للأزمة مع إسرائيل بما في ذلك حل الدولتين.

رؤية شاملة

في المقابل تتحدث «حماس» عن دعم «إنجاح الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق» تريده «شاملاً»، وسط ضغوط نفاد المساعدات الإغاثية بالقطاع ودعوات لعصيان مدني في إسرائيل.

وتستبق تلك التطورات زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المقررة بعد نحو أسبوعين إلى المنطقة، تشى بأن «العد التنازلي نحو تحقيق تهدئة قريبة باتت فرصها أكبر بكثير عن أي مرة سابقة»، كما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مرجحين أن تحسم الضغوط الأميركية قبل الزيارة الاتفاق المحتمل، وسط تباين بشأن هل يكون شاملاً أم مؤقتاً.

ووفق مصدر مطلع بـ«حماس» تحدث لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، فإن الحركة «قدمت عبر الوسيط المصري، خلال لقاء السبت، رؤيتها الشاملة لإنهاء الحرب، متضمنة مبادرة متكاملة»، لافتاً إلى أن «تلك المبادرة التي طرحتها (حماس) عبر مصر، وعرضت على قوى إقليمية عدة، حظيت بترحيب واسع».

رجل فلسطيني يحمل طفلاً بين الأنقاض يوم الأحد بعد غارة إسرائيلية على مخيم البريج وسط غزة (أ.ف.ب)

وتنص تلك المبادرة على «تنفيذ صفقة تبادل تشمل جميع الأسرى الإسرائيليين مقابل وقف العدوان، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، وتأمين الإغاثة العاجلة للشعب الفلسطيني، والقبول بهدنة طويلة الأمد تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، والالتزام بالرؤية المصرية لإدارة قطاع غزة من خلال (لجنة إسناد مجتمعي)، مع تأكيد (حماس) على عدم مشاركتها في هذه الإدارة ودعم جهود إعادة الإعمار، وتقديم ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ بما يسهّل تطبيق الاتفاق»، بحسب المصدر المطلع.

وجاءت زيارة «حماس» إلى القاهرة للمرة الثانية خلال أسبوع بعد زيارة لتركيا الأسبوع الماضي، ولقاء وزير الخارجية التركي، وتلاه تأكيد مصدرين من الحركة لـ«الشرق الأوسط»، وقتها، أن الحركة تريد دعماً من تركيا، لنقل رؤيتها إلى إدارة ترمب بشأن «الصفقة الشاملة»، في ظل «العلاقات الجيدة بينهما».

فرصة كبيرة

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، يرى أن «هناك فرصة كبيرة لتحقيق تقدم ملموس في المفاوضات بسبب قرب حضور ترمب للمنطقة الشهر المقبل مع سعيه لتكرار اتفاق مماثل لما فعله عشية تنصيبه قبل 3 أشهر»، مرجحاً أن «تكون هناك أنباء جيدة في الطريق عن إنهاء الحرب، وليس مجرد هدنة إنسانية أو مؤقتة فقط».

كما يعتقد السفير الفلسطيني الأسبق لدى القاهرة، بركات الفرا، أن «العد التنازلي نحو انفراجة قريبة بات أمراً مؤكداً خصوصاً بعد استنفاد (حماس) خياراتها بهذه الصفقة المطروحة»، مستبعداً أن «تكون الصفقة المقبلة شاملة حالياً؛ لكن مؤقتة على أن تشمل مفاوضات بشأن اتفاق شامل».

وبحسب تقديرات المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإنه «بعد مبادرة الحركة وجديتها، فالكرة باتت بالكامل في الملعب الإسرائيلي»، متوقعاً أن «يواصل الاحتلال الإسرائيلي حتى اللحظة المراوغة ورفض التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي».

سيدة فلسطينية تقف يوم الأحد بين أنقاض المنازل المدمرة في مخيم البريج وسط غزة (أ.ف.ب)

ويرجح المدهون أن «تصرّ حركة (حماس) على موقفها الثابت الرافض لأي حلول جزئية أو مؤقتة هشة تتيح للاحتلال العودة مجدداً إلى القتل والتدمير»، لافتاً إلى أن «احتمال التوصل إلى اتفاق جزئي يبدو مستبعداً في ظل موقف (حماس) الحازم».

ولم تعلق إسرائيل على المقترح المثار من «حماس» وسط استمرار العد التنازلي لزيارة ترمب للسعودية، وقطر، والإمارات، في الفترة من 13 إلى 16 مايو (أيار) المقبل، حسب إعلان البيت الأبيض أخيراً، وبينما تواجه حكومة بنيامين نتنياهو ضغوطاً بالمظاهرات المطالبة بوقف الحرب والتلويح بعصيان مدني، تخشى الحركة من تداعيات نفاد المساعدات بغزة.

عصيان مدني

ودعا رئيس الشاباك السابق، عامي أيالون، إلى عصيان مدني سلمي، واعتبره واجباً للحفاظ على إسرائيل، وذلك في تصريحات نقلتها قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية، السبت، على هامش مشاركته في مظاهرات ضمت آلاف الإسرائيليين ضد حكومة نتنياهو للمطالبة بإعادة الرهائن.

ومع إغلاق المعابر ومنع إدخال المواد الغذائية والإنسانية إلى قطاع غزة، منذ مطلع مارس (آذار) الماضي، واستئناف إسرائيل حربها على القطاع، أكد رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، جوناثان ويتال، في تصريحات صحافية، الأحد، نفاد الإمدادات.

ويرى أنور أن الضغوط الإسرائيلية الداخلية تتزايد وقد تسفر ضغوط ترمب عن قبول نتنياهو باتفاق، فيما يؤكد المدهون أن «تدخلاً أميركياً جدياً وحاسماً قد يغيّر المعادلة». ويرجح الفرا أنه في «ظل هذه الضغوط ربما يسهل قرب زيارة ترمب من إحداث انفراجة قريبة والتوصل إلى اتفاق جزئي أولاً، ثم شامل بعد ضغوط أميركية جادة وحقيقية حرصاً على مصالحها بالمنطقة».


مقالات ذات صلة

طلاب غزة يستأنفون الدراسة داخل خيام قرب «الخط الأصفر»

المشرق العربي طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)

طلاب غزة يستأنفون الدراسة داخل خيام قرب «الخط الأصفر»

استأنف طلاب فلسطينيون دراستهم في قطاع غزة بخيام قرب «الخط الأصفر» بعد غياب عامين جراء الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص طلاب فلسطينيون نازحون يتجمعون خارج خيمة قرب «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة يوم 6 يناير الحالي (رويترز) play-circle 02:44

خاص إسرائيل تقتل 3 فلسطينيين لاحقوا منفِّذي اغتيال ضابط من «حماس»

صعَّدت عصابات مسلحة تعمل في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة من عملياتها ضد حركة «حماس»، واغتالت -صباح الاثنين- مدير جهاز المباحث في شرطة خان يونس.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل فلسطيني يجلس أمام خيمة في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

وزير الخارجية المصري: قطاع غزة يواجه «وضعاً مأساوياً»

دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، محذراً من أن القطاع يواجه «وضعاً مأساوياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة - غزة)
العالم الكاتبة الفلسطينية الأسترالية رندة عبد الفتاح (صورة من حسابها الشخصي على «إكس») play-circle

انسحابات واستقالات من مهرجان أسترالي بعد استبعاد كاتبة فلسطينية

شهد مهرجان أديلايد الرائد في أستراليا سلسلة من الانسحابات والاستقالات بعد إلغاء دعوة كاتبة فلسطينية أسترالية بررته إدارته بـ«حساسيات ثقافية».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
خاص (من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب) play-circle

خاص «حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

كشفت مصادر قيادية في حركة «حماس» أن الحركة قررت إرجاء انتخاب رئيس مكتبها السياسي العام الذي كان من المقرر إجراؤه خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

سوريون بنوا أوضاعاً مستقرة بمصر مترددون في العودة

محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)
محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)
TT

سوريون بنوا أوضاعاً مستقرة بمصر مترددون في العودة

محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)
محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)

منذ أيام عاد رجل الأعمال السوري الشاب هيثم عثمان (31 عاماً) إلى منزله في مدينة «6 أكتوبر» غرب العاصمة المصرية القاهرة، بعد جولة عمل خارجية تضمنت عدة دول، من بينها وطنه سوريا، والتي زارها منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، عدة مرات، ومع ذلك «لا ينوي أن يودع مصر» التي استقر بها منذ العام 2018، وتزوج وأنجب فيها.

يقول عثمان لـ«الشرق الأوسط»: «رغم محاولة عائلتي إعادة نشاطها الصناعي في سوريا، والذي يتطلب السفر إليها كل فترة، لكنهم قرروا البقاء في مصر، والتي توفر لهم ألفة، وحياة مستقرة بعيدة عن المشاحنات، والتوترات»، خصوصاً مع قدرتهم على تقنين أوضاعهم بالإقامة الاستثمارية، وتتجدد كل 5 سنوات.

نجاح لافت لمشاريع الطعام السوري في مصر (الشرق الأوسط)

وعلى عكس بعض السوريين الذين قرروا العودة إلى سوريا بعد سقوط بشار، فإن آلاف العائلات السورية الأخرى -خاصة أصحاب المشاريع الاستثمارية الكبيرة- ما زالت تتردد في العودة، وفق رجل الأعمال السوري المقيم في مصر، أنس محمد ربيع.

يقول ربيع الذي يعمل في مجال الصناعات الغذائية لـ«الشرق الأوسط»: «ليس من السهل الاستغناء عن النجاح الذي حققه المستثمرون السوريون في مصر، والعودة إلى بلدهم».

وجاء ربيع إلى مصر مع أسرته عام 2015، وافتتح مشروعاً غذائياً لتصنيع الشوكولاته، ومع الوقت توسع مشروعه واكتسب شركاء مصريين وسوريين آخرين، ووصل حالياً لـ3 مصانع في منطقتي «بدر» و«العاشر من رمضان». يقول إن «غالبية رجال الأعمال السوريين باقون في مصر، بعدما وفرت لهم بيئة خصبة للاستثمار، فحتى لو رغبوا في افتتاح مشاريع بسوريا لن يستغنوا عن نجاحهم واستقرارهم هنا».

وقدر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون سوري، ممن يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى اتخاد الغرف التجارية باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال الملتقى الاقتصادي السوري-المصري، الذي استضافته دمشق الأحد.

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

ويرى رئيس تجمع رجال الأعمال السوري بمصر ورئيس لجنة المستثمرين السوريين في الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، المهندس خلدون الموقع، أن «التحرير في سوريا خلق حالة من الأمل لدى مجتمع الأعمال السوري بمصر بإمكانية حدوث تغيير في النهج، والأداء، والسياسة الاقتصادية في سوريا، بما يتيح لهم فرصة جديدة للمساهمة في العمل الاقتصادي السوري، وفي عملية إعادة الإعمار والبناء، وفي نفس الوقت أعطى ارتياحاً على مستوى الأمن الشخصي لهم ولعائلاتهم في حالة أي زيارة، أو عودة».

وأضاف الموقع لـ«الشرق الأوسط»: «رجال الأعمال السوريون الذين أسسوا ونجحوا في مصر لم يفكروا ولن يفكروا في إغلاق استثماراتهم بمصر، وإنما في إمكانية فتح استثمارات جديدة بسوريا، أو إعادة تدوير ما هو قائم من مصانع هناك، فرأس المال يستقر ويستمر في المكان الذي يجد فيه الفائدة والأمان»، معتبراً أن «قبول الدولة المصرية والشعب للسوريين كمستثمرين ومجتمع أجنبي يعيش بينهم أهم عوامل القناعة في استمرار الاستثمارات والمستثمرين والوجود السوري بمصر».

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وفد غرفة القاهرة التجارية في دمشق 11 يناير 2026 (غرفة القاهرة التجارية)

وأثنى الرئيس السوري أحمد الشرع على استضافة المصريين للسوريين خلال السنوات الماضية، قائلاً خلال استقباله وفد رجال الأعمال المصري ضمن أعمال ملتقى دمشق: «أشكر الشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب، أنتم مشهود لكم بالكرم والأخوة»، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أكثر الأماكن التي شعر فيها السوريون بالراحة».

وعلى مدار الأعوام الماضية، اختبر السوري هيثم عثمان -هو وعائلته الكبيرة المكونة من أشقائه وأبناء عمومته، ممن استقروا في مصر- هذه الحفاوة، حتى بات قرار مغادرة مصر «ليس وارداً لديهم الآن، في ظل استقرار عائلي، وتوسع استثماري».

يعمل عثمان وعائلته في قطاع الكيماويات، وتحديداً في المنظفات، ولديهم مصنعان في مدينة «6 أكتوبر»، وسيفتتحون الثالث قريباً. وكانت مصر خيارهم الأول حين تدمرت أعمالهم بسوريا، نظراً لوجود صلات تجارية قديمة لأسرته مع رجال أعمال مصريين منذ الثمانينات، ومع الوقت تأكدت العائلة من صواب اختيارها مع «الأخوة وحسن معاملة المصريين لهم والعيش بأمان دون تهديد».

الحفاوة نفسها والشعور بـ«الألفة» في القاهرة ضمن الدوافع الرئيسة التي تشجع رجل الأعمال السوري أنس ربيع على الاستقرار هنا، قائلاً: «رغم ارتفاع تكلفة الإقامة، والتي تصل لنحو 130 ألف جنيه مصري (الدولار نحو 48 جنيهاً) له ولأسرته التي تضم 3 أبناء، فأنا أستطيع تحملها، عكس أصحاب المشاريع الصغيرة ممن فضلوا العودة ونقل تجارتهم لسوريا».

أطفال سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

وإلى جانب مجال الأغذية والكيماويات بشقيها في المنظفات والعطور التي برع السوريون وثبتوا استثماراتهم فيها بمصر، يوجد مجال المنسوجات على أنه واحد من أكثر المجالات ارتباطاً بالسوريين في مصر. ويشهد مجال المنسوجات السورية انتشاراً كبيراً في كافة المولات والأسواق الكبيرة بمصر تقريباً.

ولم تلاحظ المصرية بسمة إبراهيم (30 عاماً)، التي تقيم في منطقة الحسين السياحية بوسط القاهرة، تراجعاً في مشاريع السوريين بمنطقتها خلال العام الماضي، سواء التي تتعلق بالطعام أو العطور أو المنسوجات، وجميعها موجودة في محيطها. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «حسن تجارتهم وألسنتهم تجعلهم وجهة مفضلة لكثير من المصريين، ما تجعل تجارتهم تنمو ووجودهم يستمر».

وبخلاف الإقامة الاستثمارية التي تتيح لكبار رجال الأعمال السوريين البقاء في مصر بشكل قانوني، يعتمد آخرون على الكارت الأصفر الذي تمنحه مفوضية اللاجئين أو أنواع أخرى من الإقامات للدراسة أو السياحة، ويفتحون مشاريع صغيرة ومتوسطة في مصر، ويرغبون في الاستقرار بها، غير أن جزءاً منهم «مهدد بترحيله» كما يقول ربيع.


آثار سودانية تعود من قلب الحرب

واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)
واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)
TT

آثار سودانية تعود من قلب الحرب

واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)
واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)

تستعد الحكومة السودانية لفتح صندوق ظل مغلقاً طوال الحرب... صندوق آثار تاريخية ثمينة غابت أو «نُهبت» ثم ظهرت من جديد.

فبعدما تعرضت المتاحف والمؤسسات التاريخية والثقافية للسطو والنهب والتدمير خلال الحرب، واختفت لُقى أثرية وتماثيل صخرية ومشغولات ذهبية يعود بعضها إلى ما قبل الميلاد، أعلنت الحكومة، الاثنين، أنها على وشك الكشف رسمياً عن استعادة مجموعات من هذه الآثار والمقتنيات ذات القيمة التاريخية.

وقال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن حكومته ستكشف عن الآثار المستعادة، الثلاثاء، في احتفال رسمي كبير يهدف إلى تعزيز التماسك المجتمعي، وحماية الموروثات الثقافية، التي وصفها بأنها «ركائز أساسية للهوية الوطنية».

ورسم الإعيسر صورة لما حدث من استعادة لهذه المقتنيات، بوصفها تمثّل «اختراقاً مهماً ونوعياً» يعزز السيادة الوطنية ويصون الهوية، وفقاً لما نشرته «وكالة السودان للأنباء».

وفي تفاصيل العملية، قال الوزير إنها تمت في صمت وسرية بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة، وإن الجهود أثمرت الوصول إلى مجموعات كبيرة من المقتنيات والآثار ذات القيمة التاريخية والثقافية.

«ذاكرة الأمة»

ولا تقف القصة عند حدود الاسترداد، فقد اتهم الوزير «قوات الدعم السريع» و«أعوانها داخل السودان وخارجه» باستهداف منهجي للهوية الوطنية «عبر محاولات الإحلال والإبدال وإحداث تغييرات ديموغرافية، إلى جانب السعي لمحو الذاكرة الإنسانية المتراكمة عبر التاريخ، بما تحمله من ثقافات وإرث مجتمعي وآثار وطنية».

جانب من مشاهد التخريب في قاعات المتحف (الشرق الأوسط)

وقال الإعيسر إن وزارته وبالتنسيق مع الجهات المختصة «عملت خلال الفترة الماضية في سرية تامة وبجهد متواصل، من أجل تحصين الهوية الوطنية وحماية التراث الثقافي والتاريخي».

وتابع: «الشعب السوداني يملك إرثاً حضارياً يحق له أن يفخر به»، مشدداً على أن الحفاظ على الآثار والمقتنيات التاريخية «يمثّل جزءاً لا يتجزأ من حماية السيادة الوطنية وصون ذاكرة الأمة السودانية».

«بيت الزمن»

يقف متحف السودان القومي، أحد أقدم المعالم الثقافية التاريخية في أفريقيا، خلف هذه الحكاية؛ فقد كان يُعد «بيتاً للزمن» قبل أن يتحول إلى ساحة قتال تخللته عمليات نهب وتخريب واسعة منذ الأيام الأولى للحرب التي اندلعت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

كان المتحف تاريخاً كاملاً معروضاً على العلن، يضم مقتنيات وآثاراً يعود تاريخها إلى آلاف السنين، قبل أن يتحول إلى قاعات خاوية وأطلال.

وكانت «الشرق الأوسط» قد نقلت في وقت سابق عن لجنة لحصر الأضرار أنها تعمل على توثيق الآثار المنهوبة وحصر ما تحطم. ووصفت اللجنة ما حدث بأنه «كارثة ثقافية طالت واحدة من أقدم الذواكر الأفريقية الحضارية».

بموازاة ذلك أبدت رئيسة لجنة استعادة الآثار المنهوبة، إخلاص عبد اللطيف، تفاؤلاً حذراً بإمكانية استرداد قطع أثرية حجرية رجحت أنها هُرِّبت عبر الحدود.

وقالت إن السلطات رصدت شاحنات محملة بصناديق تُخزن داخلها آثار تتجه غرباً قبل أن تعبر الحدود، وإن هناك آثاراً قيِّمة كثيرة تعرضت للتدمير والتحطيم.

وفي قلب الخراب، نجا تمثال الملك «تهارقا»، أحد أعظم ملوك «مملكة كوش»، من الحرب التي لم يخضها؛ فالتمثال كان محفوظاً في إطار حديدي متين يحميه، ولا يسمح حجمه الكبير بتحريكه ونقله بسهولة.

تمثال الملك «تهارقا» في سياجه الحديدي (الشرق الأوسط)

وما زال تهارقا الذي حكم مصر والسودان بين عامَي 690 و664 قبل الميلاد، يقف بشموخ في المتحف شاهداً على عمق حضارة السودان.

ماذا يخبّئ المستقبل للتاريخ؟

هناك شهود صامتون آخرون على ما حدث؛ فعند مدخل المتحف، تقف ستة تماثيل حجرية للإله الكوشي «أبو دماك» تدمرت أو تشوّهت، بعد أن كانت تُزيّن المدخل، وهي عبارة عن منحوتات حجرية على هيئة «أسد رابض».

تماثيل الإله الأسد «أبو دماك» (الشرق الأوسط)

يُعرف عن «أبو دماك» بأنه «إله الحرب والخصوبة»، وكان يُعبد في كل من ممالك «مروي ونبتة»، بصفته حامياً للمملكة ومحاربها الأسطوري، وتُعد تماثيله الحجرية من الآثار عالية القيمة.

ومع إعلان الكشف عن الآثار المستردة، سيقول السودانيون: «استرددنا آثاراً ومقتنيات ظن كثيرون أنها ضاعت»؛ لكنهم سيصمتون عن إجابة أسئلة يصعُب الرد عليها: «ماذا بقي في الذاكرة؟ وماذا فُقد في الطريق؟ وماذا يخبّئ المستقبل للتاريخ؟».


«الدعم السريع» تستهدف مركزاً للجيش السوداني في مدينة سنجه

اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيَّرة على بورتسودان (رويترز)
اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيَّرة على بورتسودان (رويترز)
TT

«الدعم السريع» تستهدف مركزاً للجيش السوداني في مدينة سنجه

اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيَّرة على بورتسودان (رويترز)
اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيَّرة على بورتسودان (رويترز)

استهدفت «قوّات الدعم السريع»، الاثنين، مركزاً للجيش بمسيّرات في مدينة سنجة جنوب شرقي السودان، حسبما أفاد به مصدر عسكري لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويّته، إن «مسيّرات ميليشيا آل دقلو استهدفت قيادة الفرقة 17 في مدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار». وأفاد أحد مواطني سنجة وكالة الصحافة الفرنسية، بسماع «أصوات انفجارات وإطلاق مضادات».

وأودت الحرب التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بعشرات الآلاف، ودفعت أكثر من 11 مليوناً آخرين إلى النزوح، سواء داخل السودان أو إلى خارج حدوده.

مقاتلون من «الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتقع سنجة على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب شرقي الخرطوم، وعلى محور يربط بين المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش في شرق السودان ووسطه.

وتشهد ولاية سنار هدوءاً نسبياً منذ عاود الجيش سيطرته على مدن رئيسية أواخر عام 2024، في تقدّم سمح له باستعادة العاصمة الخرطوم. واستُهدفت المنطقة بمسيّرات في أكتوبر (تشرين الأول).

تأتي هذه الضربة غداة إعلان الحكومة الموالية للجيش العودة إلى الخرطوم، بعد نحو ثلاث سنوات من انتقالها إلى بورتسودان.