مخاوف الليبيين تتصاعد من مقترح «رفع الدعم عن الوقود»

أبدوا خشيتهم من غلاء السلع وحدوث «غضبة شعبية»

اجتماع سابق لمصرف ليبيا المركزي في بنغازي (المصرف)
اجتماع سابق لمصرف ليبيا المركزي في بنغازي (المصرف)
TT

مخاوف الليبيين تتصاعد من مقترح «رفع الدعم عن الوقود»

اجتماع سابق لمصرف ليبيا المركزي في بنغازي (المصرف)
اجتماع سابق لمصرف ليبيا المركزي في بنغازي (المصرف)

تسيطر على الليبيين راهناً حالة من الجدل والمخاوف بشأن مقترح لرفع الدعم عن الوقود، مدعوماً بتوجه للحكومتين المتنازعتين على السلطة، وسط مخاوف من احتمال غلاء السلع.

وما بين الموافقة «المشروطة» والرفض القاطع للمقترح، كانت ردة فعل ساسة ليبيين على دعوة ناجي عيسى، محافظ المصرف المركزي، إلى «مراجعة سياسة دعم المحروقات واستبدال الدعم النقدي بها»، خلال لقائه رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان بشرق البلاد، أسامة حماد.

المصرف المركزي دعا إلى «مراجعة سياسة دعم المحروقات واستبدال الدعم النقدي بها» (رويترز)

يُشار إلى أن سعر لتر البنزين في ليبيا يعد ثاني أرخص سعر في العالم، إذ يبلغ 0.150 دينار فقط (0.03 دولار)، حسب موقع «غلوبال بترول برايسيز».

مسألة وقت

بدا لمتابعين أن تحريك أسعار الوقود بات مسألة وقت، بعد إعلان عضو برلماني عن «موافقة المحافظ المبدئية على اقتراح نواب بجعل دعم المحروقات نقدياً، بدلاً من الدعم العيني»، ضمن لقاء عيسى مع أعضاء باللجنة المالية، وعدد من نواب البرلمان بالعاصمة.

واشترط النائب محمد تامر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» «تقديم مشروع خطة بديلة إلى مجلس النواب لدراستها»، مشدداً على ضرورة أن تكون «مدروسة وبآلية محددة، وعلى نحو تدريجي؛ بحيث لا يتضرر المواطن».

وتبلغ نفقات دعم المحروقات 13 في المائة من إجمالي نفقات الدولة، إذ سجَّلت 16.1 مليار من إجمالي نفقات بلغت 123.2 مليار دينار العام الماضي، وفق أرقام رسمية صادرة عن المصرف المركزي.

الليبيون أبدوا مخاوفهم من تأثير مقترح «رفع الدعم عن الوقود» على غلاء الأسعار (أ.ف.ب)

وتمسَّك بعض السياسيين بشروط «جوهرية» أخرى قبل رفع الدعم عن المحروقات، من بينها «إقرار نظام مرتبات عادل ومجزٍ، على أساس حجم العمل والمسؤولية»، وهي رؤية يتبناها وزير النفط الموقوف عن عمله، محمد عون، الذي أشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ضرورة «مراعاة ذوي الدخل المحدود».

ويخيِّم الغموض على الآلية المقترحة، وسط الجدل الشعبي الذي تصاعد عقب حديث كل من رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، وخصمه في بنغازي أسامة حماد عن الخيار ذاته، خلال العامين الماضيين.

وتداول نشطاء عبر صفحات تواصل ليبية مقطع فيديو، قيل إنه لموظف يعاين بطاقات دعم وقود، من المعتقد أنها ستُمكِّن المواطن من تعبئة نحو 200 لتر، بينما لم يتسنَّ التأكد من صحة هذا المحتوى المُصوَّر، الذي عدَّه مراقبون «جس نبض من الحكومة».

تخوفات من الغلاء

التسريبات المتواترة بشأن اقتراب «رفع سعر المحروقات» قوبلت بمخاوف مواطنين ليبيين من موجة تضخم، ومن بينهم صلاح المغربي (من أجدابيا)، الذي قال: «الغلاء سيحرق جيوبنا حال صدور هذا القرار، بدءاً من المواصلات، وصولاً إلى الخبز».

ومن بين السياسيين الرافضين لأي مساس بدعم الوقود، نائب رئيس حزب «الشعب الحر»، محمد حسن مخلوف، الذي فسَّر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» معارضته لهذا التوجه بأن «الوضع المعيشي للمواطن الليبي لا يلائم تمرير هذا القرار».

مخلوف أكد أن «تمتع المواطن بالوقود الرخيص في بلد نفطي حقٌ وضرورة في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وحذَّر مخلوف، الذي يعمل أيضاً أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة بنغازي، من «غضبة شعبية»، مع الانعكاسات المتوقعة لرفع الدعم على أسعار السلع والأدوية، وتكلفة نقل الطلاب للمدارس والمعاهد والجامعات، محذراً من معاناة مضاعفة متوقعة ستثقل كاهل «العمالة الحرة التي تتقاضى أجرها يومياً».

وذهب مخلوف إلى التأكيد على أن «تمتع المواطن بالوقود الرخيص في بلد نفطي حقٌّ وضرورة، في ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعيشها البلاد».

أما رئيس المجلس الأعلى السابق لقبائل ورشفانة، المبروك أبو عميد، وهو من بين الرافضين أيضاً للمقترح، فقد أوصى ببدائل أخرى، من بينها «وقف الإنفاق الحكومي على المشروعات التنموية»، التي وصفها بـ«الوهمية»، و«خفض رواتب المسؤولين، وتقليص الإنفاق على السفارات».

وكان المصرف المركزي قد حمَّل حكومتَي ليبيا مسؤولية تدهور قيمة الدينار؛ بسبب إنفاقهما الذي تجاوز 224 ملياراً خلال العام الماضي. لافتاً إلى أن حكومة الدبيبة بطرابلس أنفقت 123 ملياراً، بينما أنفقت نظيرتها في شرق ليبيا برئاسة حمّاد نحو 59 ملياراً.

ويرجح الباحث الاقتصادي، محمد الشحاتي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، وجود «دوافع سياسية وراء الحديث عن رفع دعم المحروقات في هذا التوقيت، يحركها صراع على الموارد المالية»، وفق تعبيره.

المصرف المركزي حمَّل حكومتَي ليبيا مسؤولية تدهور قيمة الدينار أمام الدولار (أ.ف.ب)

ومن منظور الشحاتي فإن «الغموض الحالي هو محصلة التخبط، بعد خفض سعر الصرف، في ظل عدم وجود خطة واضحة لرفع الدعم، واستغلال الفروقات الناتجة عنه، وهل سيتم تحويلها نقداً أم توظيفها إنتاجياً».

في ظل هذه الأوضاع، يشكِّك مراقبون في «دور خفي» لصندوق النقد الدولي، يقف وراء تجدُّد طرح فكرة رفع الدعم عن المحروقات في ليبيا، خصوصاً بعد لقاء أجراه فريق حكومي ليبي، برئاسة محافظ المصرف المركزي، مع خبراء بالمؤسسة النقدية الدولية في تونس.

وسبق أن أوصى تقرير لخبراء في صندوق النقد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإجراءات لإصلاح دعم الطاقة في ليبيا. وفي هذا السياق يرى الشحاتي أن صندوق النقد الدولي «يحاول ترسيخ نموذجه في ليبيا، الذي يتضمَّن رفع الدعم عن المحروقات، وتقليص الإنفاق الحكومي على المرتبات»، لكنه يشير إلى أن «الصندوق لم يستطع تمرير أجندته رغم محاولاته الناعمة».

وأوضح أن «الوضع الاقتصادي والمالي في ليبيا لا يزال هشاً في قدرته على تحمُّل هذا التحول الدراماتيكي».


مقالات ذات صلة

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

شمال افريقيا حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

من دون توضيح أي تفاصيل بشأنها، قال المشير خليفة حفتر إن «رؤية 2030» لتطوير القوات المسلحة «ليست محطة نهائية، بل بداية مرحلة أكثر طموحاً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حماد رئيس حكومة شرق ليبيا خلال كلمة متلفزة الأربعاء (الحكومة المكلفة من مجلس النواب)

دعوة حماد للدبيبة إلى «الحوار أو المغادرة معاً» تُبقي الأزمة الليبية معلّقة

قال أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي: «أوجه دعوة صادقة وأخوية لنفسي وللدبيبة بتغليب المصلحة العامة ومغادرة المشهد، بدلاً من تبادل الاتهامات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال افتتاح مجمع «عيادات اقزير» بمصراتة 18 فبراير (مكتب الدبيبة)

تباينات ليبية بشأن «خطة» الدبيبة لإصلاح القطاع الصحي

تباينت ردود الفعل في ليبيا حيال إطلاق رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، استراتيجية «100 يوم» لأولويات إصلاح قطاع الصحة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

البعثة الأممية تقربفشل وساطتها في ليبيا

أقرت هانا تيتيه، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أنسميل» الممثلة الخاصة للأمين العام أنطونيو غوتيريش، بفشل الوساطة التي تقودها بين مجلس النواب والمجلس.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

استعرضت مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن، الأربعاء، مسارات ومآلات «خريطة الطريق» التي أقرها المجلس في أغسطس الماضي لحل الأزمة.

علاء حموده (القاهرة )

اتهام أممي لـ«الدعم السريع» بالإبادة الجماعية في الفاشر

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهام أممي لـ«الدعم السريع» بالإبادة الجماعية في الفاشر

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

نددت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، أمس، بوقوع «أعمال إبادة جماعية» في مدينة الفاشر السودانية التي شهدت فظائع كثيرة منذ سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وخلصت البعثة التابعة للأمم المتحدة في تقرير، إلى أن «نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي الذي تتبعه (قوات الدعم السريع)» في هذه المدينة الواقعة في إقليم دارفور غرب السودان.

وتزامناً مع ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على ثلاثة من قادة «الدعم السريع» بسبب انتهاكاتهم في الفاشر. وقالت الوزارة إن هؤلاء الأفراد متورطون في حصار الفاشر الذي استمر 18 شهراً قبل سيطرتهم على المدينة.


الحكم على نائب تونسي بالسجن ثمانية أشهر لانتقاده الرئيس قيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
TT

الحكم على نائب تونسي بالسجن ثمانية أشهر لانتقاده الرئيس قيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)

أصدرت محكمة تونسية الخميس حكما بالسجن ثمانية أشهر على النائب في البرلمان أحمد سعيداني لانتقاده الرئيس قيس سعيّد على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الفيضانات الأخيرة في البلاد، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية.

وأوقف سعيداني في وقت سابق من هذا الشهر بعد نشره على «فيسبوك» منشورا علّق فيه على اجتماع سعيّد بوزيرين إثر هطول أمطار استثنائية نجمت عنها سيول ألحقت أضرارا في البنى التحتية في أنحاء مختلفة من تونس «الرئيس قرر توسيع اختصاصه رسميا إلى الطرقات والمواسير على ما يبدو اللقب الجديد سيكون القائد الاعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الامطار».

وقال محامي سعيداني، حسام الدين بن عطية، لوكالة الصحافة الفرنسية إن موكله يُحاكم بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات الذي يعاقب بالسجن مدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين وبغرامة بمئة إلى ألف دينار (نحو 300 يورو) «كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات».

وقُتل خمسة أشخاص على الأقل ولا يزال آخرون مفقودين بعدما شهدت تونس الشهر الماضي أمطارا قياسية منذ أكثر من 70 عاما.


إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً وضعوا عليه أطباقاً من الطعام عند غروب الشمس، ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب قبل نحو 3 سنوات.

عاد بشير (53 عاماً) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن هُجّر منه بسبب الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف جراء الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

يقول بشير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجوداً خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة».

ويضيف: «اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام)... بعد ما شاهدته خلال الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة».

في اليوم الأول من شهر الصوم المبارك، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من 10 أسر يرتدون «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ»، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان المبارك من دقيق الذرة.

وتمزّق المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وانتشار المجاعة في بعض المناطق، وتدمير المدن والبنية التحتية.

توزعت أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ» بالإفطار الجماعي في أم درمان (أ.ف.ب)

وكانت الخرطوم، التي تشمل مناطق أم درمان وبحري، مركزاً للحرب طيلة عامين، وعاد إليها الهدوء منذ سيطر عليها الجيش في مارس (آذار) الماضي؛ مما فتح الباب أمام عودة بطيئة للحياة وسط المباني المهدمة وأطلال الحرب.

ويقول عبد القادر عمر، الذي كان يعمل في التجارة، إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح 3 مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.

ويضيف: «لم يكن هنا أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم؛ نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معاً، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي».

وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معاً على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب.

غير أن عمر يُذكّر بأنه «صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعباً». ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا إن «السودانيين يساعد بعضهم بعضاً عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها».

وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة مائة في المائة.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً؛ إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

الوضع اختلف

في السوق المركزية بالخرطوم، يعرض الباعة الخضراوات والفواكه في أكياس صغيرة؛ إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.

ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر؛ المؤن والعمالة والنقل».

رغم ذلك، فإن عمر لا يخفي سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن «هجرناه مدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمناً والناس عادوا إلى بيوتهم».

أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طيلة فترة الحرب. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوضع اختلف تماماً مقارنة برمضان عام 2025». ويضيف: «شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط، والآن هنا 16 عائلة».

ارتدى السودانيون المشاركون بالإفطار الجماعي في أم درمان «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة (أ.ف.ب)

ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان «كنا نجلس متوجسين؛ قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقة مدفع) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا».

على مسافة نحو 400 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية، ويكثَّف القصف بالطائرات المسيّرة التي يقتل بعضها العشرات في هجوم واحد. ومع ذلك، فإن السودانيين افترشوا الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معاً.

ويقول أحمد بلة، الذي يسكن حي البترول في الأبيّض؛ عاصمة شمال كردفان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «نحن 17 أسرة اعتدنا تناول الإفطار معاً في رمضان الكريم، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر».

وتحاول «قوات الدعم السريع» إعادة تطويق الأبيض منذ كسر الجيش حصاراً طويلاً عليها في فبراير (شباط) 2025.

ويتنازع الطرفان، في معارك ضارية بشمال كردفان، السيطرةَ على محور رئيسي لطرق الإمداد الحيوية بين شرق البلاد وغربها يمرّ بالأُبيّض.

في جنوب كردفان، حيث يستمر القصف العنيف، أعلنت أداة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التي تضم حكومات ووكالات دولية، المجاعة في العاصمة كادوقلي التي كانت تحاصرها «قوات الدعم السريع» حتى بداية الشهر الحالي، وحذّرت من ظروف مشابهة في الدلنج بالولاية ذاتها.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق الأمم المتحدة.