استراتيجية الأمن الوطني: سياسة لبنان الدفاعية تنطلق من حصر السلاح بيد الدولة

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء (الرئاسة اللبنانية)
TT

استراتيجية الأمن الوطني: سياسة لبنان الدفاعية تنطلق من حصر السلاح بيد الدولة

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء (الرئاسة اللبنانية)

بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية التي يبذلها بالتعاون والتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام؛ لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الحدودية الخمس في جنوب لبنان، ينكب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على وضع الخطوط العريضة لاستراتيجية الأمن الوطني، التي تنبثق منها استراتيجية الدفاع الوطني، على أن تكون هذه الاستراتيجية إطاراً لحصر السلاح بيد الدولة، ووضع حدٍّ نهائي لظاهرة سلاح «حزب الله».

وبعدما كان الحزب متجاوباً مع طرح الحوار الثنائي مع الرئيس عون للبحث بمصير سلاحه، والاستراتيجية الدفاعية، خرج أمينه العام نعيم قاسم، وعدد من قيادييه في اليومين الماضيين ليربطوا أي حوار بهذا الخصوص بانسحاب إسرائيل أولاً من النقاط التي لا تزال تحتلها، بوقف الخروقات الإسرائيلية، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، ما يطرح علامة استفهام حول مصير هذه الجهود.

وكانت القيادات اللبنانية، التي جلست على طاولة حوار لسنوات، قد فشلت في التوصُّل لتفاهم حول الاستراتيجية الدفاعية؛ نتيجة رفض «حزب الله» مجرد النقاش بوضعية سلاحه. ولم يدعُ الرئيس السابق ميشال عون لأي جلسة حوار لبحث هذا الملف.

الأمن الوطني

ويستغرب رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري- أنيجما» رياض قهوجي، الحديث السياسي والإعلامي عن «استراتيجية دفاعية»، لافتاً إلى أن «الجميع يعلم أنه لا يوجد شيء اسمه (استراتيجية دفاعية) بالمعنى المطلق، بل توجد ما تُعرف بـ(السياسة الدفاعية) أو (الأمن الوطني)».

ويوضح قهوجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمن الوطني يشمل كل ما يتعلّق بأمن المواطن، سواء كان أمناً شخصياً، أو من الإرهاب، أو أمناً غذائياً، أو بيئياً، أو صحياً، أو اجتماعياً»، مشيراً إلى أن «كل هذه الجوانب تندرج ضمن ما تُعرف بسياسة الأمن الوطني، التي تتناول الإجراءات والخطط التي يجب وضعها لتأمين الأمن الوطني بكل أبعاده. فالموضوع لا يقتصر على التهديدات الخارجية أو الإرهاب».

السياسة الدفاعية

أما السياسة الدفاعية، فتضعها السلطة التنفيذية بالتعاون مع القيادة العسكرية. ويشير قهوجي إلى أنه «في لبنان، السلطة التنفيذية تتمثّل برئيس الدولة ورئيس الحكومة، بالتالي فإن سياسة الدفاع تشمل أيضاً وزراء الدفاع، والداخلية، والخارجية، والمالية، بالإضافة إلى قائد الجيش، وقادة الأجهزة الأمنية، ومدير المخابرات، ويُضاف إليهم عند الحاجة وزراء لهم علاقة بملفات الدفاع مثل النقل، والصحة، والاتصالات، والإعلام». ويضيف: «في الاجتماعات التي يتم فيها وضع السياسة الدفاعية، تُراجع التهديدات التي تحيط بلبنان: ما الدول المحيطة؟ ما طبيعة العلاقة معها؟ هل تشكِّل تهديداً مباشراً؟ وإذا اتُّفق على وجود تهديد، يبدأ النقاش: هل لدى الدولة إمكانات عسكرية للتعامل معه؟ هل لدينا القدرة على شراء السلاح اللازم؟ هل نمتلك توازناً في القوة مع الطرف الآخر؟ يتم سؤال وزير المالية: هل لدينا الموارد الكافية لشراء ما يطلبه الجيش؟ إذا قال الجيش: نحن بحاجة إلى طائرات، دفاع جوي، كذا وكذا، يدرس وزير المالية إذا كان بالإمكان تلبية هذه الحاجات، ومن أين تأتي الأموال».

ونتيجة كل ما سبق «وإذا تبيّن أن لبنان لا يمتلك الإمكانات المالية اللازمة لتحقيق توازن عسكري، يتم اللجوء إلى مصادر القوة الأخرى. فكل دولة تملك 4 أدوات قوة: الدبلوماسية، والاقتصاد، والإعلام، والعسكر. تتم عندها مناقشة كيفية استخدام هذه الأدوات للتعامل مع التهديدات».

ويوضح قهوجي أن «السياسة الدفاعية تتضمَّن الجانب العسكري أيضاً، وهنا يأتي دور الجيش لوضع (الاستراتيجية العسكرية) أو (الاستراتيجية الدفاعية) للتعامل مع تهديد محدد»، لافتاً إلى أن «كل ما قيل في لبنان خلال السنوات الماضية حول الاستراتيجية الدفاعية، كان في معظمه كلاماً فارغاً، هدفه كسب الوقت، وتبرير وجود سلاح (حزب الله) لمواجهة إسرائيل. ولكن الحرب الأخيرة أثبتت أن هذا الكلام غير صحيح، وأنه مجرد وهم». ويضيف: «لم يعد هناك أي دور أو مكان لسلاح (حزب الله) بعد أن تحوّل من (سلاح مقاومة) إلى قوة عسكرية تخدم مصالح خارجية، تنطلق من الأراضي اللبنانية. هو لم يعد يُصنَّف سلاحَ مقاومة. وحتى لو كان سلاح مقاومة، فيجب أن يكون تحت إشراف الدولة. في كل الدول التي شهدت احتلالاً وكانت فيها مقاومة، مثل روسيا خلال الاحتلال النازي، أو فرنسا في الحرب العالمية الثانية، كانت المقاومة تأخذ أوامرها من قيادة مركزية وطنية، وليست من أحزاب داخلية. في فرنسا مثلاً، كانت المقاومة تأخذ أوامرها من الجيش الحر بقيادة ديغول في الخارج، وليس من جهات حزبية. لذلك، ما تُسمّى (المقاومة) في لبنان لا ينطبق عليها أي من المبادئ التاريخية للمقاومة، بل هي نموذج شاذ».

طاولة حوار

من جهته، يشير العميد المتقاعد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى «اليونيفيل» إلى أن استراتيجية الأمن الوطني التي يتحدث عنها الرئيس عون «هي الخطة التي تضعها أي دولة في العالم للحفاظ على أمنها من كل المخاطر، سواء كانت داخلية أو خارجية، سواء كانت من عدو أو من تهديد إرهابي»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من هذه الاستراتيجية هو الاستفادة من كل عناصر القوة، ومن ضمنها المقاومة العسكرية، ولكن تحت سلطة الدولة، بحيث يكون السلاح وقرار استخدامه بيد الدولة وحدها».

ويعدّ شحادة أن «استراتيجية الأمن الوطني يجب أن تُبحث على طاولة حوار تضم كل مكوّنات الوطن، حتى تكون كل الأطراف اللبنانية شريكةً في صياغتها. وعند التوافق عليها، تُوزَّع المسؤوليات على الجميع لتنفيذها».

استراتيجية سرية

أما بالنسبة للاستراتيجية الدفاعية، فهي جزء من استراتيجية الأمن الوطني، ويجب أن تكون، وفق شحادة، «سرّية، لأنها تتعلق بأسرار الأمن القومي. لذلك يجب أن تتم دراستها من قِبل خبراء عسكريين واستراتيجيين فقط، للوصول إلى صيغة تُمكِّن من دمج قدرات المقاومة العسكرية ضمن الجيش اللبناني، بحيث تصبح هذه القدرات تحت إشراف الدولة، ويكون قرار السلم والحرب بيد السلطة السياسية اللبنانية»، مضيفاً: «الاستراتيجية الدفاعية، كونها تتعلق بأمن الدولة، تُعدّ من أسرار البلد، ولا يجب تداول تفاصيلها علناً. المسؤولون الأمنيون وأعضاء اللجنة المكلّفة وضع هذه الاستراتيجية يُعيِّنهم رئيس الجمهورية، ويجب أن يكون عددهم محدوداً من الخبراء العسكريين، مع مراعاة التمثيل المتوازن لمختلف مكونات المجتمع اللبناني. وعند انتهاء هذه اللجنة من عملها، تُعرض النتائج على السلطة السياسية للموافقة، مع الحفاظ التام على سريّة الوثيقة».


مقالات ذات صلة

نشطاء في جنوب لبنان يبدأون أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»

المشرق العربي لبناني يوثق الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

نشطاء في جنوب لبنان يبدأون أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»

فتح نشطاء في جنوب لبنان أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»، بإطلاق نداءين باسم مدينتي صور والنبطية، طالبوا فيهما باعتبار المدينتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي صورة التُقطت من منطقة مرجعيون جنوب لبنان حيث يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية كفر تبنِت (أ.ف.ب) p-circle

الجيش اللبناني يعلن إصابة عسكريين بجروح بغارة إسرائيلية في الجنوب

أعلن الجيش اللبناني اليوم (السبت) إصابة عسكريين اثنين بجروح جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة كانا يستقلانها قرب مدينة النبطية في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت )
المشرق العربي ينتهي تفويض قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المنتشرة في جنوب لبنان هذا العام (رويترز)

ما الخيارات المطروحة مع اقتراب خروج قوة الأمم المتحدة من لبنان؟

يسعى لبنان إلى إيجاد قوة دولية تحلّ مكان قوة حفظ السلام الأممية المنتشرة في جنوبه وينتهي تفويضها هذا العام، فيما تستمر الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت )
المشرق العربي تصاعُد الأدخنة من جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي اليوم (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يُصدر أوامر إخلاء لسبع قرى في جنوب لبنان والبقاع

أصدر الجيش الإسرائيلي اليوم (السبت)، أوامر بإخلاء سبع قرى في جنوب لبنان والبقاع.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان بالإصرار على التمدد العسكري

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من الأراضي اللبنانية، توسيع الاحتلال.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نشطاء في جنوب لبنان يبدأون أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»

لبناني يوثق الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (د.ب.أ)
لبناني يوثق الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

نشطاء في جنوب لبنان يبدأون أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»

لبناني يوثق الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (د.ب.أ)
لبناني يوثق الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

بدأ نشطاء في جنوب لبنان أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»، بإطلاق نداءين باسم مدينتي صور والنبطية، طالبوا فيهما باعتبار المدينتين «مفتوحتين» و«خاليتين من السلاح» ووضعهما «تحت سلطة وحماية الدولة اللبنانية»، بهدف حمايتهما من القصف الإسرائيلي، ومنع إفراغهما والقرى المحيطة بهما من السكان.

وفي ذروة الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان وما تخلّفه من دمار واسع وخسائر بشرية ومادية غير مسبوقة في الجنوب اللبناني، بدأت ترتفع أصوات من داخل البيئة الجنوبية نفسها، تطالب بإنهاء الحرب ووضع حدّ لتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الإنساني لتلامس جوهر النقاش الدائر حول مستقبل الجنوب ودور السلاح فيه.

نداء صور

فقد أصدر عدد من أهالي وسكان مدينة صور وجوارها نداءً طالبوا فيه بـ«إنقاذ مدينتهم من التدمير المستمر جراء العدوان الإسرائيلي الذي حصد عشرات الضحايا من أبنائها، ويسعى إلى إفراغها من سكانها وإخراجها من التاريخ والجغرافيا عبر استهداف المدنيين والبنى التحتية بشكل ممنهج». ورأى أصحاب النداء أن مسؤوليتهم الأخلاقية «تفرض رفع الصوت عالياً ومن دون مواربة»، مؤكدين أن هدفهم «يتمثل في الوصول إلى وقف نهائي للحرب وتحرير الأرض اللبنانية بالكامل، بعيداً عن سياسات المحاور وحروب الآخرين، بحيث لا يبقى الجنوب ورقة في مفاوضات إقليمية لا علاقة للبنانيين بها». كما شددوا على «ضرورة فرض سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها».

لبناني يعبر فوق الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (د.ب.أ)

وطالب الموقعون على النداء بـ«وضع حدّ لتدمير مدينة صور، والعمل على تثبيت وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، وإطلاق الحكومة اللبنانية مبادرة دبلوماسية وسياسية عاجلة، عربية ودولية، لحماية المدينة التاريخية من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة». كما دعوا إلى «تعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية داخل المدينة ومحيطها، وتكريس حضور مؤسسات الدولة فيها بما يحفظ الأمن والاستقرار ويحمي السكان». وذهب النداء إلى حد المطالبة بإعلان صور «مدينة مفتوحة» خالية من السلاح، بما يسمح بعودة أبنائها إليها وتأمين الحماية للنازحين والوافدين، إضافة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية واستمرار الخدمات الأساسية».

نداء النبطية

ولم تمضِ ساعات على هذا الموقف، حتى التقط أبناء مدينة النبطية المبادرة، فأطلقوا نداءً مماثلاً وقّعه نحو 220 شخصية من ناشطين ووجهاء وفعاليات اجتماعية وثقافية وأكاديمية واقتصادية، طالبوا عبره الحكومة اللبنانية بـ«إطلاق تحرك دبلوماسي وسياسي عاجل لحماية النبطية وقضائها من التدمير والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة». كما دعوا إلى «تعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية على مداخل المدينة وفي محيطها، وتثبيت حضور مؤسسات الدولة بما يحمي المدنيين ويطمئن الأهالي والنازحين».

قلعة الشقيف الأثرية كما تظهر من مدينة مرجعيون بعد تعرضها لقصف إسرائيلي بموازاة تقدم القوات الإسرائيلية إليها (أ.ف.ب)

وشدد أبناء النبطية على ضرورة «إعلان المدينة ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة تحت رعاية الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، وخالية من كل ما قد يعرّض سكانها للخطر، بما يتيح عودة الأهالي إلى منازلهم ويجنب المدينة مزيداً من الدمار». وناشدوا الدولة «اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية قلعة الشقيف وسائر المعالم التاريخية والتراثية في المنطقة، والعمل على فرض وقف لإطلاق النار في النبطية والجنوب أسوةً بمناطق أخرى شهدت تهدئة نسبية».

تبدل في المزاج الشعبي

وأثار هذان النداءان اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، باعتبارهما مؤشرين إلى تبدل محتمل في المزاج الشعبي داخل الجنوب اللبناني. ورأى الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور حارث سليمان أن النداءين الصادرين عن أبناء صور والنبطية «يعكسان تراجعاً في الثقة الشعبية بالدور العسكري لـ(حزب الله)، ويؤشران إلى قناعة متنامية لدى شريحة من الجنوبيين بأن الخيار العسكري لم ينجح في حماية المناطق الجنوبية أو منع التوغلات الإسرائيلية».

ويشير سليمان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «لطالما روّج لفكرة امتلاكه الأفضلية في أي مواجهة برية مع إسرائيل، إلا أن الوقائع الميدانية الأخيرة أظهرت اختلالاً واضحاً في موازين القوى لمصلحة إسرائيل، فضلاً عن تراجع قدرة الحزب على إلحاق خسائر تجعل أي توغل بري مرتفع الكلفة». ويعتبر أن هذه النداءات «تمثّل في جوهرها رسالة سياسية تفيد بأن شريحة من أبناء الجنوب باتت تعتبر الدولة اللبنانية وحدها الملاذ القادر على توفير الحماية والاستقرار».

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت محيط مدينة النبطية بجنوب لبنان (رويترز)

وتحمل هذه المطالب في جوهرها موقفاً سياسياً، يؤشر إلى قناعة أبناء الجنوب بأن الدولة وحدها ملاذهم. ووفق تقدير الأكاديمي والباحث السياسي حارث سليمان، إن هذه المواقف «تشكل سقوطاً شعبياً للدور العسكري الذي اضطلع به الحزب طوال السنوات الماضية، وتعكس ميلاً متزايداً لدى اللبنانيين لتسليم مصيرهم للدولة وخياراتها الدبلوماسية بعدما تراجع الرهان على الحلول العسكرية»، مؤكداً أن الجنوبيين «يحملون الحزب مسؤولية الخيارات التي قادت إلى الخسائر البشرية والدمار العمراني الذي أصاب المنطقة». وقال: «ما يجري في الجنوب من كارثة بشرية وعمرانية، هو ترجمة للخيارات الإيرانية، التي لا تأبه لمصير الشيعة، وللأسف إن المأساة التي تحلّ بأبناء الجنوب واللبنانيين، لا تضيف شيئاً لإيران في ظلّ موازين القوى التي لا تميل إلى صالحها».

نكبة إنسانية

وفي المقابل، يؤكد الموقعون على نداء صور أن مطلب إعلان المدينة خالية من السلاح لا ينطلق من خلفية سياسية بقدر ما يهدف إلى حماية السكان ومنع استخدام المدينة ذريعة للاستهداف الإسرائيلي. ويشدد أحد الموقعين على النداء لـ«الشرق الأوسط»، على أن مدينة صور «تعيش ما يشبه النكبة الإنسانية منذ اندلاع الحرب الأخيرة، بعدما تحولت إلى مركز رئيسي لاستقبال النازحين القادمين من القرى والبلدات المحيطة».

ويشير إلى أن المدينة استقبلت خلال الأشهر الماضية أعداداً كبيرة من النازحين الذين توزعوا على الأحياء القديمة والمدارس والمنشآت العامة، ما فرض أعباءً إنسانية وخدماتية هائلة على سكانها. ويؤكد أن الهدف الأساسي من الدعوة لجعل المدينة خالية من السلاح «يتمثل في توفير الحماية لها عبر مؤسسات الدولة الشرعية ومنع استخدامها مبرراً للغارات الإسرائيلية التي يدفع المدنيون ثمنها الأكبر». ويختم بالقول إن «أكثر من نصف مدينة صور تعرض للدمار، فيما بات الحفاظ على المدينة وسكانها ودورها التاريخي والوطني أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر».


الجيش اللبناني يعلن إصابة عسكريين بجروح بغارة إسرائيلية في الجنوب

صورة التُقطت من منطقة مرجعيون جنوب لبنان حيث يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية كفر تبنِت (أ.ف.ب)
صورة التُقطت من منطقة مرجعيون جنوب لبنان حيث يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية كفر تبنِت (أ.ف.ب)
TT

الجيش اللبناني يعلن إصابة عسكريين بجروح بغارة إسرائيلية في الجنوب

صورة التُقطت من منطقة مرجعيون جنوب لبنان حيث يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية كفر تبنِت (أ.ف.ب)
صورة التُقطت من منطقة مرجعيون جنوب لبنان حيث يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية كفر تبنِت (أ.ف.ب)

أعلن الجيش اللبناني اليوم (السبت) إصابة عسكريين اثنين بجروح جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة كانا يستقلانها قرب مدينة النبطية في جنوب لبنان، مع استمرار الضربات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار المعلن في 17 أبريل (نيسان).

وقال الجيش في بيان: «إصابة عسكريَّين في الجيش بجروح بليغة نتيجة استهدافهما داخل سيارة بمسيّرة إسرائيلية معادية على طريق عام عبا (النبطية)، وجرى نقلهما إلى أحد المستشفيات للمعالجة»، وذلك غداة عقد وفدين عسكريين لبناني وإسرائيلي محادثات أمنية مباشرة في واشنطن.

وتتواصل الهجمات شبه اليومية المتبادلة، التي لم تتوقف رغم اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في الحرب بين إسرائيل و«حزب الله». وبلغ عدد قتلى أحدث جولة من القتال بين إسرائيل و«حزب الله» 3355 قتيلاً، وجرى مؤخراً تمديد الهدنة التي توسطت فيها الولايات المتحدة، والسارية منذ 17 أبريل، لمدة 45 يوماً إضافية.


«سرايا» الصدر تضع خطة للاندماج... و«الكتائب» مستعدة لشراء المسيّرات

قوة تابعة لـ«الحشد الشعبي» خلال دورية في صحراء كربلاء جنوب البلاد يوم 12 مايو 2026 (موقع الهيئة)
قوة تابعة لـ«الحشد الشعبي» خلال دورية في صحراء كربلاء جنوب البلاد يوم 12 مايو 2026 (موقع الهيئة)
TT

«سرايا» الصدر تضع خطة للاندماج... و«الكتائب» مستعدة لشراء المسيّرات

قوة تابعة لـ«الحشد الشعبي» خلال دورية في صحراء كربلاء جنوب البلاد يوم 12 مايو 2026 (موقع الهيئة)
قوة تابعة لـ«الحشد الشعبي» خلال دورية في صحراء كربلاء جنوب البلاد يوم 12 مايو 2026 (موقع الهيئة)

أثار إعلان صادر عن المسؤول الأمني في «كتائب حزب الله» بالعراق، السبت، جدلاً جديداً بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، في وقت تُتداول فيه معلومات عن توجه عدد من الفصائل المسلحة إلى تسليم أسلحتها بدءاً من الأسبوع المقبل.

وقال المسؤول الأمني في «الكتائب» أبو مجاهد العساف، في بيان، إن فصيله «مستعد لتسلم بعض الأسلحة الخاصة التي لا يوجد لها مختصون في أجهزة الدولة، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة والمضادة للدروع» مع «الاستعداد لدفع ثمنها».

وأوضح العساف، في بيان عبر «إكس»، أن «العمل الجهادي اليوم واجب كفائي، وسنؤديه نيابة عن الذين قرروا تركه، وفي حال احتجنا إليهم فإنهم قريبون، ولن يقصروا»، مؤكداً «الاستعداد للتعاون وأخذ دور بنَّاء لتقديم بعض التسهيلات والإرشادات بين تلك الجهات وقيادة (الحشد الشعبي)»، المعنية بهذا الملف.

لكن العساف شدد على «البراء ممن أساء أو يسيء لأي مجموعة أو فصيل قرر سابقاً أو حالياً أو سيقرر مستقبلاً ترك العمل الجهادي، والانصراف إلى أعمال أخرى، فهذا شأنهم وقرارهم؛ بل ونثني على التخلي عن سلاحهم لمصلحة الدولة؛ (لكونهم لم ينخرطوا في عمل المقاومة الإسلامية كما أسلفنا)».

في موازاة ذلك، تشير معطيات سياسية متداولة في بغداد إلى أن 5 فصائل مسلحة تعتزم بدء تسليم سلاحها في 4 يونيو (حزيران) المقبل، في خطوة لا تزال تفاصيلها وآليات تنفيذها غير واضحة، في ظل غياب إعلان رسمي عن لجنة مشتركة أو برنامج حكومي مفصل لعملية «حصر السلاح بيد الدولة».

وتشمل الفصائل التي يُتوقع أن تمضي في هذا المسار، وفق المعطيات المتداولة، كلاً من: «عصائب أهل الحق» بقيادة قيس الخزعلي، و«منظمة بدر» بقيادة هادي العامري، إضافة إلى «كتائب سيد الشهداء» و«حركة ثأر الله» و«كتائب الإمام علي».

في المقابل، أعلن فصيل «حركة النجباء» رفضه تسليم السلاح، فيما لم يصدر موقف واضح حتى الآن من «كتائب حزب الله» بشأن الخطة الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة.

وظلّت الحكومات العراقية المتعاقبة تواجه إشكالية «ازدواجية القرار» بين مؤسسات الدولة الرسمية، وفصائل مسلحة تتمتع في الوقت نفسه بغطاء مؤسساتي وانتماءات عقائدية وسياسية؛ مما جعل ملف حصر السلاح بيد الدولة أحد أعلى الملفات حساسية في البلاد.

دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت في أحد شوارع بغداد يوم 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

لجنة اندماج «سرايا السلام»

في سياق متصل، أعلن «التيار الصدري»، بزعامة مقتدى الصدر، خطوات لإعادة هيكلة جناحه المسلح «سرايا السلام»، عبر فصل «السرايا» تنظيمياً عن «التيار» وتحويل العناصر المرتبطة بها إلى مؤسسات مدنية، في خطوة عُدّت جزءاً من توجه أوسع لإعادة ضبط العلاقة بين العمل السياسي والعمل العسكري داخل بعض القوى الشيعية.

وقال بيان من مكتب «الصدر» إنه «تطبيقاً لقرار إكمال إجراءات انفكاك الجانب العسكري لـ(سرايا السلام) عن (التيار الشيعي الوطني)، وبمدة أقصاها أسبوع واحد، باشرت اللجنة المكلفة متابعة إكمال إجراءات الانفكاك».

وأضاف البيان أن «اجتماعاً ضم كلاً من: مدير المكتب الخاص حيدر الجابري، والمستشار العسكري أبو دعاء العيساوي، والمعاون الجهادي تحسين الحميداوي، ومسؤول (البنيان المرصوص) محمد العبودي، استعرض أهم الإجراءات الخاصة بتطبيق قرار الصدر».

ويقول أعضاء في «التيار الصدري» إن ما يعرف بـ«البنيان المرصوص» مؤسسة خيرية تقدم خدمات إعانة اجتماعية لفئات وشرائح مختلفة، داخل العراق وخارجه، بينما «سرايا السلام» منضوية في «هيئة الحشد الشعبي» عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة؛ أبرزها مدينة سامراء.

وكان زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، قد حدد الجمعة مهلة أسبوع لإكمال انفكاك جناحه العسكري وإلحاقه بالمؤسسات الحكومية، في حين وصف قيادي بارز بتحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم «المقاومة المسلحة» في العراق بأنها «عبء على المجتمع».

وكان رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، قد رحب بقرار الصدر، عادّاً أنه يمثل «مساراً مهماً لتعزيز الاستقرار الداخلي، وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة».

ودعا الزيدي جميع الفصائل إلى العمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، مؤكداً أن الدولة «هي الجهة المخوَّلة حصراً حمل السلاح وإنفاذ القانون».

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

خطة نزع السلاح

كانت «الشرق الأوسط» كشفت في 9 مايو (أيار) 2026 عن لجنة عراقية تضم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، ورئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وهادي العامري، تعمل على إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة.

وكانت اللجنة قد عرضت على قادة ميليشيات «أفكاراً بشأن كيفية نزع السلاح»، لكن بعض الاجتماعات «لم تكن تمر بهدوء»، على حدّ وصف مطلعين.

وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات.

لكن مصادر سياسية شكّكت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، عادّةً أنه قد يهدف إلى «شراء الوقت». في المقابل، أعلنت فصائل بارزة، بينها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، رفضها تسليم السلاح «مهما كان الثمن».