20 عاماً من المبادرات لم تغلق ملف اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا

الأنظار تتجه نحو زيارة سلام إلى دمشق لمعالجته

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)
TT

20 عاماً من المبادرات لم تغلق ملف اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)

يمثل تعهد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، بطرح ملف اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، في زيارته إلى دمشق، الاثنين، أحدث تحرك رسمي لبناني لمعالجة هذا الملف الذي لطالما كان عائقاً أمام العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا.

وبدأت قضية المخفيين قسراً في لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. خلال سنوات الحرب، اختفى آلاف اللبنانيين في ظروف غامضة. وتشير تقارير حقوقية لبنانية إلى أن عدد المخفيين قسراً خلال الحرب الأهلية قد يتجاوز 17 ألف شخص، بعضهم قُتل ودُفن في مقابر جماعية، بينما نُقل آخرون إلى خارج البلاد، خصوصاً إلى سوريا التي كانت لها اليد الطولى تحكماً في الأوضاع اللبنانية منذ عام 1976 حتى عام 2005.

وخلال فترات سابقة، أفرج النظام السوري عن لبنانيين معتقلين لديه على دفعتين؛ الأولى عام 1998 وشملت 121 لبنانياً، والثانية عام 2000 وشملت 54 لبنانياً، لكن جمعيات لبنانية قالت إنه ما زال مئات اللبنانيين موجودين في السجون السورية، فيما نفت دمشق ذلك.

سقوط النظام

وواظب النظام السوري المخلوع على إنكار وجود معتقلين سياسيين، لكن مع سقوطه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، خرج كثير من المعتقلين اللبنانيين في سجون حماة وحمص ودمشق وريفها. وبدأ القضاء اللبناني الآن استجواب 23 معتقلاً سابقاً في السجون السورية لتقصي أحوال آخرين من المفقودين. وكشف التحقيق مع 8 منهم حتى الآن عن وجود عشرات المعتقلين اللبنانيين في سوريا، كانوا من نزلاء سجون المزّة و«فرع فلسطين» وصيدنايا في دمشق، بالإضافة إلى سجن تدمر. وأفاد هؤلاء بأنهم لم يتعرفوا على أسماء اللبنانيين المعتقلين الحقيقية؛ «لأن أمراء السجون استخدموا الأرقام بدلاً من الأسماء».

وتحرك الملف بشكل جدي وفاعل على الصعيد الرسمي بعد سقوط بشار الأسد؛ إذ بحث رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي، ملف المفقودين مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال زيارته إلى دمشق في يناير (كانون الأول) الماضي، وقال إن «الجانب السوري يقوم بدوره كاملاً في إنشاء هيئة خاصة للأمور الجنائية والبحث عن كل المفقودين مع اللوائح»، لافتاً إلى أن بيروت ستزود دمشق «باللوائح الكاملة بأسماء المفقودين، وربما تكون هناك حاجة إلى القيام بفحوصات جنائية وفحوصات الحمض النووي».

الإخفاء في سوريا

ولقضية المفقودين في سوريا تاريخ أليم بالنسبة إلى اللبنانيين. وبدأت تتردد أنباء عن نقل معتقلين لبنانيين إلى السجون السورية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ودخول الجيش السوري إلى لبنان. ووفقاً لشهادات معتقلين سابقين، فإنهم احتُجزوا في سجون مثل صيدنايا وتدمر، وهي سجون اشتهرت بظروفها شديدة القساوة. وتشير تقديرات إلى أن عدد المخفيين اللبنانيين في سوريا تراوح بين 700 و1500 شخص، رغم أن السلطات السورية الدائرة في فلك نظام بشار الأسد لم تعترف مطلقاً بهذا الملف.

طرح جدّي

دخلت قضية المخفيين قسراً منعطفاً مهماً في مسارها عام 2005، وذلك بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وما تلاه من تحولات سياسية كبيرة في لبنان والمنطقة. أدى الاغتيال إلى بداية مرحلة جديدة من التحركات الداخلية والخارجية في لبنان، حيث ارتفعت المطالب بالكشف عن الحقيقة والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، خصوصاً قضية المخفيين قسراً.

لبنانيون خلال تحركات سابقة في بيروت يعرضون صور أقرباء لهم مفقودين (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

ومع تصاعد الاحتجاجات في لبنان والضغط الدولي على سوريا، شهدت تلك المدة انتقالاً كبيراً في العلاقات بين البلدين، خصوصاً انسحاب القوات السورية من لبنان بعد 29 عاماً من الوجود العسكري.

في هذا السياق، بدأ ملف المخفيين قسراً يأخذ أبعاداً جديدة، فقد بدأت العائلات والمجتمع المدني يطالبون علناً بالكشف عن مصير أبنائهم المفقودين، مع تضامن دولي واسع. وضغطت المنظمات الدولية والحكومات الغربية على الحكومة السورية للكشف عن مصير المخفيين اللبنانيين في السجون السورية.

عون

أحدث الزعيم المسيحي ميشال عون عام 2008، خرقاً شكلياً في ملف المخفيين قسراً، فرغم أن قضية اللبنانيين المخفيين في السجون السورية كانت من القضايا الحساسة في العلاقات اللبنانية - السورية، فإن عون قد صرّح بُعيد زيارته الرئيس السوري آنذاك بشار الأسد بأن «هناك لجاناً تعمل وستتوصل إلى نتيجة؛ لأن هناك بحثاً جدياً عن لوائح أسماء المفقودين».

لبنانية خلال تحرك بذكرى المخفيين قسراً في بيروت تحمل صورة ابنها المفقود (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

ولكن، بعد أن أصبح ميشال عون رئيساً للجمهورية في لبنان عام 2016، تغيرت بعض الديناميكيات السياسية في معالجة ملف المخفيين قسراً. في البداية، كانت مواقفه تجاه هذا الملف متوافقة مع مساعي توثيق هذا الملف، فقد أكد في أكثر من مناسبة على ضرورة إيجاد حل لهذه القضية، مشدداً على أهمية العدالة للضحايا وعائلاتهم. وبعد توليه الرئاسة، تعهد ميشال عون بالعمل على الكشف عن مصير المخفيين قسراً في السجون السورية، ومع ذلك، لم تُترجم التصريحات إلى خطوات عملية فعالة على الأرض، ولم يحدث تقدم ملموس على صعيد هذا الملف.

الحريري

وخلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، سعد الحريري، إلى سوريا عام 2009، جرى التطرق إلى قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. لكنّ الجانب السوري أكد أن الموجودين في السجون محكومون بجرائم جنائية، نافياً وجود معتقلين سياسيين لبنانيين؛ الأمر الذي أعاد هذه القضية الإنسانية إلى مربع المراوحة والتمييع مجدداً.

نصر الله

بدوره، أدلى الأمين العام الراحل لـ«حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله، عام 2013 بتصريح أثار جدلاً واسعاً، حين أشار إلى قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية باستخدام مصطلح «مفقودين»، وهو تصنيف أثار استياءً وانتقادات من قبل معارضين يرون أن هذه التسمية تُغطي على حقيقة الاعتقال والاختطاف، وتعهد بالتواصل مع الحكومة السورية لمعالجة هذا الموضوع.

وردّت القوى المعارضة لـ«الحزب»، مثل النائب سامي الجميل، على تصريحات نصر الله بتأكيدها أن اللبنانيين المحتجزين في السجون السورية ليسوا «مفقودين» بالمعنى الحرفي، بل هم معتقلون ومخطوفون؛ إذ أشار جميل إلى أن القائمة الرسمية التي تتضمن نحو 622 اسماً تُثبت أنهم تحت حجز النظام السوري وليسوا «ضائعين» كما وصفهم نصر الله.

خطوة نحو الإنصاف

وشقّت هذه القضية طريقها داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية، فبعد عقود من مثابرة أهالي المفقودين، أقرّ البرلمان اللبناني عام 2018، قانوناً يتعلق بالمفقودين والمخفيين قسراً، وهو قانون «105»، الذي نصّ على «الاعتراف بحق العائلات في معرفة مصير ذويهم»، و«إنشاء هيئة وطنية مستقلة للكشف عن مصير المفقودين»، و«تجريم الإخفاء القسري»، و«حفظ الأدلة وصون المقابر الجماعية».

لبنانية خلال تحرك في بيروت تحمل لافتة تدعو إلى الكشف عن مصير المفقودين (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

واجه تطبيق القانون، رغم إقراره، كثيراً من التحديات، من أبرزها ضعف الدعم السياسي والمالي؛ مما أدى إلى تأخر خطوات تنفيذية حقيقية. لكن شُكلت «الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً» عام 2020، التي ضمت حقوقيين وأعضاء من العائلات.

ويأمل أهالي المفقودين أن تنجح التحركات الرسمية، بعد سقوط النظام السوري السابق، في كشف مصير هؤلاء.


مقالات ذات صلة

انتهاء ولاية «اليونيفيل» يضع أمن جنوب لبنان أمام اختبار صعب

المشرق العربي احتفال قوات «اليونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات «اليونيفيل»)

انتهاء ولاية «اليونيفيل» يضع أمن جنوب لبنان أمام اختبار صعب

يستنفر لبنان الرسمي في محاولة لتلقف فراغ أمني قد ينتج عن مغادرة القوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) مع انتهاء ولايتها نهاية العام الحالي.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

سلام يتوعّد بمحاسبة المتورطين في قضية المتفجرات

أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أنه «لا تساهل ولا تغاضٍ، بل الحقيقة والمحاسبة»، متوعّداً بملاحقة جميع المتورطين في شحنة المتفجرات...

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

حوّل الاستهداف الإسرائيلي لمؤهل أول متقاعد في الجيش اللبناني أثناء تفقده منزله وكرم الزيتون في بلدة ياطر، الأحد، موسم القطاف في جنوب لبنان إلى خطر

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي ونائبة رئيسة المفوضية الأوروبية كايا كالاس تتحدث إلى الصحافيين خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ يوم 12 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

إنشاء مهمة أوروبية جديدة دعماً للبنان

اعتمد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، قراراً بإنشاء مهمة دعم جديدة في لبنان تهدف إلى تقديم المشورة للجيش وقوى الأمن الداخلي في البلاد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

ضبط «سي ــ 4» يوقظ مخاوف الاغتيالات في لبنان

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)
TT

ضبط «سي ــ 4» يوقظ مخاوف الاغتيالات في لبنان

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)

أعلن الجيش اللبناني ضبط شحنة متفجرات حاول مهربون نقلها من الأراضي السورية، مما أثار مخاوف من الاغتيالات في البلاد. وأوضح الجيش في بيان أن هذه الشحنة هي الثالثة منذ مطلع الشهر الجاري، وبلغت نحو 200 كيلوغرام، وبينها مادة «سي - 4» الشديدة الانفجار. وقال إن الشحنة ضُبطت مرتبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى لبنان، مشيراً إلى أن المهربين فرّوا إلى الداخل السوري.

وضُبطت الشحنة في منطقة الهرمل بالبقاع، وهي متجهة إلى بيروت، علماً بأن مادة «سي - 4» استخدمت في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وعدد من الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان في العقدين الماضيين.

بدوره، أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أنه «لا تساهل ولا تغاضي» عن ملاحقة جميع المتورطين في تهريب شحنات من المتفجرات، مشدداً على أن حكومته لن تتهاون مع أي سلاح خارج إطار الشرعية. وقال سلام إن الحكومة لن تتهاون في متابعة التحقيق والتوسع فيه «بهدف تحديد هوية جميع المتورطين والجهات التي تقف وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا العقاب الذي يستحقونه».


مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
TT

مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)

قدّر مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا توجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، رغم الدعوة الفرنسية الصريحة لذلك، مضيفاً أن «تقديم موعدها (المقرر في سبتمبر/أيلول 2027) إذا سمحت الظروف، مسألة محتملة».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» مشترطاً عدم ذكر اسمه، إن «توافقاً فصائلياً واسعاً، وعقبات جوهرية كانت تقف وراء القرار، وقد تم إبلاغ الفرنسيين تحديداً مع أطراف أخرى بكل التفاصيل».

وأضاف: «صحيح أن الرئيس عباس تعهد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإجراء الانتخابات، وهو يدرك ضرورتها بالتأكيد، وأهمية الموقف الفرنسي في دعم السلطة ومسار حل الدولتين؛ لكن لا يمكن إجراء الانتخابات فعلاً الآن، وستجري في موعدها الجديد».

وبحسب المصدر، فقد «أبلغت القيادة الفلسطينية فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، وجهات أخرى بقرار التأجيل وأسبابه قبل إصداره، وكانت تتوقع من الجميع تفهم أسباب ومنطلقات القرار وخصوصية الحالة الفلسطينية».

وأصدر عباس، السبت الماضي، مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، في 11 سبتمبر من العام المقبل 2027، ملغياً بذلك الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر المقبل.

وقدر مراقبون محليون أن عباس لجأ إلى إصدار مرسوم يجمع الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، للبرهنة على الجدية في إتمام الاستحقاق وطمأنة الأطراف الدولية والإقليمية.

باريس غير مقتنعة

يبدو أن تلك المحاولات من رام الله لم تقنع باريس؛ إذ قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين في لوكسمبورغ، إن تأجيل الانتخابات الفلسطينية هو «أسوأ ما يمكن تقديمه للفلسطينيين الذين يحق لهم التعبير عن تطلعهم إلى تقرير المصير، والقيام بذلك عبر انتخابات حرّة وديمقراطية».

وجدّد بارو دعوة السلطات الفرنسية الرئيس عباس إلى التراجع عن قراره، وقال إنه طلب إرسال بعثة من الاتحاد الأوروبي إلى الأراضي الفلسطينية «لتقييم العقبات المادية والسياسية التي تحول دون إجراء هذه الانتخابات».

وكانت فرنسا، أحد أبرز داعمي السلطة الفلسطينية، دعت الأحد، قادتها إلى «التراجع عن قرارهم» تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى سبتمبر 2027، و«تنظيم هذه الانتخابات في أقرب وقت»، وفق بيان لوزارة الخارجية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمسك بيد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لدى وصوله الثلاثاء إلى قصر الإليزيه (د.ب.أ)

وفيما بدا رداً على وزير الخارجية الفرنسي، قال حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني، إن «السلطة ملتزمة بتطبيق القانون الأساسي والجزء المتعلق بإجراء الانتخابات العامة إيماناً بالتعددية وتداول السلطة بالطرق السلمية، وتجديد القيادات وشرعيتها عبر طريق واحد وهو صندوق الاقتراع».

وطالب الشيخ بالضغط على سلطات الاحتلال لخلق مناخ يساعد في إجراء هذه الانتخابات بالقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

وتابع: «نتعهد بتقديم موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن ومترابط فور توفر الظروف المناسبة التي تضمن نزاهة وشفافية ومصداقية العملية الانتخابية. الانتخابات ليست استعراضاً شكلياً؛ بل مسألة جوهرية تعبر عن إرادة شعب يجب أن تمارس بالحد الأدنى من الكرامة والاستقلالية».

وكان عباس برر قراره بتأجيل الانتخابات، بالاتفاق بين الفصائل الفلسطينية على التأجيل ومن أجل إتاحة الفرصة لإجراء حوار وطني فلسطيني، وحتى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة في الضفة وغزة والقدس.

وبخلاف التأجيل السابق، حظي قرار عباس بموافقة فلسطينية نادرة من مختلف الأطراف بما فيها المعارضة.

وكانت حركة «فتح» أوصت بتأجيل الانتخابات، ثم عدّت «حماس» قرار عباس «خطوة في الطريق الصحيح». كما وافقت «الجبهة الشعبية» و«الجهاد الإسلامي»، وفصائل أخرى في «منظمة التحرير»، على هذا التأجيل. ولأول مرة تؤيد النقابات الفلسطينية تأجيل الانتخابات.

لافتة عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية في شارع قرب مدينة جنين بالضفة الغربية (أرشيفية - إ.ب.أ)

لكن «التيار الإصلاحي» المنشق عن «فتح» الذي يقوده محمد دحلان، هاجم قرار التأجيل، وعدّه «ازدراءً صريحاً للإرادة الشعبية». كما رفضت الجبهة الديمقراطية قرار التأجيل، وقالت إنه «قفزة في الهواء».

وكتب عضو مجلس نقابة المحامين الفلسطينيين، المحامي أنس الكسواني، أن التوافق الفصائلي لا يشكّل سنداً قانونياً لتأجيل الانتخابات، ولا يمنح أي جهة صلاحية تعطيل إرادة المواطنين أو مصادرة حقهم في اختيار ممثليهم، مشدداً على أن «التفاهمات السياسية لا تعلو على القانون، والشعب هو مصدر الشرعية والسلطات».


إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى وعودة العالقين من وإلى غزة عبر الحدود مع مصر، كما فرضت قيوداً جديداً على إجلاء المسافرين بمن فيهم المرضى والجرحى عبر معبر كرم أبو سالم باتجاه الأردن، ومنها إلى دول أخرى عربية وأوروبية.

وتمنع قوات الاحتلال الإسرائيلي خروج المسافرين والمرضى والجرحى ومرافقيهم، دون توضيحات، في وقت تشير فيه معلومات متداولة في القطاع إلى خلافات تتعلق بترتيبات جديدة حول إمكانية نشر شركة أمن خاصة لتأمين عملية نقل المرضى من القطاع إلى بوابة معبر رفح.

ولم تُحدَّد، حتى إعداد هذا التقرير بعد ظهر الاثنين، أي معلومات عن موعد إعادة فتح المعبر، بينما رجحت مصادر في القطاع إمكانية تشغيله خلال يوم الثلاثاء أو بعده بأيام قليلة.

كانت وزارة الصحة بغزة قد قالت منذ أيام إن «القائمة الحالية من المرضى والجرحى والبالغ عددهم 21 ألف مريض، تحتاج إلى 4 سنوات كاملة كمدة مطلوبة لإجلائهم في ظل الآلية المتبعة للسفر، من دون حساب أي حالات مرضية جديدة».

وبيَّنت أنه «مع استمرار اعتماد التحويلات الطبية الجديدة شهرياً، تتطلب عملية السفر 4 سنوات إضافية للتعامل مع الحالات المتراكمة حديثاً»، مبينةً أن «الإجمالي التقريبي المروّع لسفر المرضى يمتد إلى 8 سنوات كاملة، وهو ما يمثل حكماً بالإعدام المباشر والبطيء على آلاف المرضى الذين لا تحتمل أجسادهم الانتظار لأيام أو أسابيع».

يأتي إغلاق معبر رفح البري مع فرض إسرائيل قيوداً جديدة على حركة إجلاء المرضى والجرحى عبر معبر كرم أبو سالم، وهي عملية تنظمها «منظمة الصحة العالمية» مرتين أو ثلاثاً أسبوعياً في الأفضل الأحوال، أو مرة على الأقل، وكانت تشمل جرحى ومرضى وحالات إنسانية من طلاب وغيرهم، ويتم نقلهم من القطاع إلى الأردن ومنها إلى دول مختلفة، وتشمل العشرات وأحياناً يقترب العدد من 100 فأكثر.

ووفقاً لمصدر أمني معنيّ بحركة المعابر في غزة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «تم تقليص عدد رحلة الإجلاء التي غادرت القطاع يوم الأحد، إلى 10 مرضى ومرافقيهم فقط، فيما تم إرجاع مرضى آخرين وطُلب من حالات إجلاء أخرى عدم التوجه إلى نقطة اللقاء تمهيداً لنقلهم إلى معبر كرم أبو سالم من دون إبداء أي أسباب.

وأوضح المصدر أن بعض الجهات التي تشرف على عملية السفر أوضحت أن هناك قيوداً جديدة ستُفرض على الأعداد التي سيسمح لها بالسفر لأسباب أمنية لم توضحها إسرائيل.

في سياق متصل، تواصلت الهجمات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وقُتل 6 فلسطينيين منذ وقت متأخر من مساء الأحد حتى ظهر الاثنين، من بينهم 5 قُتلوا بغارتين منفصلتين في مواصي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة.

فلسطينيون يتفقدون مبنى دُمِّر جراء غارة جوية إسرائيلية في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة 11 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وهاجمت طائرة مسيَّرة إسرائيلية، خيمة للنازحين بمواصي خان يونس، مما أدى إلى مقتل 3 فلسطينيين بينهم نشطاء من «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل ناشطان آخران من «حماس» بغارة استهدفتهما في أثناء وجودهما في منطقة مواصي رفح، وذلك فجر الاثنين. كما أُعلن عن مقتل فلسطيني سادس متأثراً بجروحه الحرجة التي أُصيب بها قبل أيام في غارة استهدفته بمدينة غزة. وأُصيب 4 فلسطينيين بإطلاق نار من آليات ومسيَّرات إسرائيلية في مناطق متفرقة قرب الخط الأصفر.

وشاهد سكان من قطاع غزة، إقدام جرافات إسرائيلية على هدم منازل في المنطقة الموسعة حديثاً داخل الخط الأصفر شرق دير البلح وسط القطاع، وذلك تزامناً مع إطلاق نار وقصف مدفعي طال المناطق الغربية من المدينة.

في السياق، أعربت المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة، عن بالغ قلقها من ارتفاع وتيرة النزوح القسري للمواطنين، وتضرر مئات خيام النازحين، وتصدع كثير من المنازل المستهدفة سابقاً الواقعة في محيط «الخط الأصفر» شرقي قطاع غزة.

وحذرت من أن استمرار هذا العدوان الإسرائيلي زاد من معاناة آلاف النازحين، ودفعهم للبحث عن أماكن إيواء جديدة، كما أنه يضعهم أمام خطر حدوث انهيارات في منازلهم بسبب تصدعها، مناشدةً دول العالم والضامنين لاتفاق وقف النار في القطاع التدخل العاجل، والضغط على الاحتلال لوقف هذه الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات بحق المواطنين.