بعد قصف إسرائيل ضد «المعمداني»... ماذا تبقى من مستشفيات غزة؟

الاحتلال استهدف 36 مستشفى... ومليون شخص شمال القطاع باتوا بلا خدمات طبية حقيقية

TT

بعد قصف إسرائيل ضد «المعمداني»... ماذا تبقى من مستشفيات غزة؟

امرأة تقف وسط الأنقاض في أعقاب الغارة الإسرائيلية على المستشفى المعمداني في غزة (أ.ف.ب)
امرأة تقف وسط الأنقاض في أعقاب الغارة الإسرائيلية على المستشفى المعمداني في غزة (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل استهداف المستشفيات والمراكز الطبية المختلفة في غزة، في ضغط إضافي على حركة «حماس» عبر تدمير المنظومة الصحية بشكل كامل، ومنع المنظمات الأممية والدولية من إدخال أي مواد طبية أو معدات، وحتى الوقود المخصص لتشغيلها منذ نحو شهر كامل.

واستهدفت طائرات حربية إسرائيلية، فجر الأحد، مبنى الاستقبال والطوارئ في مستشفى الأهلي العربي «المعمداني» الذي ترعاه وتديره الكنيسة الأسقفية الإنجليكانية، التي تتخذ مقراً رئيسياً لها في مدينة القدس المحتلة، وذلك بعد أن طلبت من إدارته إخلاء المبنى.

وجاءت الغارة الإسرائيلية، لتضاف إلى قصف آخر استهدف في الثالث والعشرين من مارس (آذار) الماضي، غرفة طبية داخل مجمع ناصر الطبي، وأسفر عن اغتيال إسماعيل برهوم عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، الذي كان يتلقى العلاج نتيجة إصابته بجروح بالغة إثر قصف طاله قبل أيام من تلك الغارة.

«المعمداني» خارج الخدمة

وأكدت وزارة الصحة بغزة، وكذلك إدارة المستشفى «المعمداني»، أنه خرج عن الخدمة بالكامل مؤقتاً بعد قصفه، وخشية تجدد قصف أي مبان أخرى بداخله.

وتعرض قسم الطوارئ والاستقبال لتدمير كامل، فيما تضررت أقسام منها المختبر، والصيدلية، وقسم الأشعة، بنسب متفاوتة تسببت في وقف العمل بشكل كامل فيها.

وتسبب القصف في نقل غالبية المرضى إلى مستشفيات أخرى، بعد أن أصبح «المعمداني» خالياً من الطواقم الطبية خشية على حياتهم.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض لها المستشفى لهجمات إسرائيلية، حيث تم استهدفه في الأسابيع الأولى للحرب، وتحديداً في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بهجوم دام، قتل وأصيب على إثره مئات من الفلسطينيين، وكان مواكباً لأول زيارة يجريها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لإسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر، الذي رفض حينها تحميل إسرائيل مسؤولية عن الهجوم.

ونفت إسرائيل آنذاك مسؤوليتها، وزعمت أن صاروخاً أطلقته حركة «الجهاد الإسلامي» كان سبباً في الحادثة، وبعد أشهر اعتقلت عناصر من الحركة ونشرت لهم مقاطع فيديو قالوا فيها إن الحادث نتيجة الصاروخ، فيما نفت الحركة مراراً وتكراراً تلك الروايات، وأكدت أن الاحتلال من ارتكب المجزرة، وأكدت أن الاعترافات جاءت تحت التعذيب للمعتقلين.

كما تعرض «المعمداني» إلى اقتحام من قبل قوات برية إسرائيلية وصلت إليه من حيي الزيتون والشجاعية، ومناطق أخرى قريبة، وذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إذ اعتقلت عدداً من الأطباء والممرضين، والجرحى والمرضى والمرافقين لهم، من داخله.

وبقي المستشفى بعد هاتين الحادثتين خارج الخدمة لأشهر، قبل أن تنجح «منظمة الصحة العالمية» في إعادة تأهيله عبر تزويده ببعض المعدات لتشغيله، حتى أصبح المشفى الوحيد في مدينة غزة والشمال الذي يعمل بشكل شبه كامل، بعد أن تعرضت مستشفيات أخرى للقصف والتدمير وللاقتحام ما أخرجها عن الخدمة فعلياً.

وأصبح المستشفى يخدم سكان مدينة غزة وشمال القطاع الذين كان يقدر عددهم بنحو 350 ألف نسمة بعد أن نزح أكثر من 800 ألف من سكان تلك المناطق إلى وسط وجنوب القطاع تحت ضربات الجيش الإسرائيلي.

ماذا تبقى؟

في أعقاب الاستهداف الجديد لمستشفى «المعمداني»، يكون الجيش الإسرائيلي قد استهدف فعلياً 36 مستشفى ومركزاً طبياً في غزة خلال الحرب، وأعيد بعضها للعمل بشكل جزئي بعد تأهيلها وتشغيلها من منظمات دولية.

وخصصت وزارة الصحة في غزة، عقب الاستهداف، مجمع الشفاء الطبي الذي يعمل جزئياً بعد إعادة تأهيل عيادته الخارجية ليكون مركزاً للحالات الطارئة مثل جرحى القصف الإسرائيلي، إلى جانب مستشفى الهلال الأحمر الميداني في ساحة «السرايا» وسط مدينة غزة، الذي يعمل وفق إمكانات محدودة.

مجمع الشفاء الطبي بغزة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منه (د.ب.أ)

كما جاء في القائمة مستشفى القدس التابع أيضاً للهلال الأحمر في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، الذي يعمل جزئياً بفعل استهدافه سابقاً.

وبذلك تكون كل المستشفيات القادرة على التعامل مع الحالات المرضية والطارئة والجرحى إثر العدوان الإسرائيلي تعمل بكفاءة جزئية، في مناطق مدينة غزة وشمال القطاع التي يقطنها حالياً بعد عودة النازحين ما لا يقل عن مليون شخص.

كما يعمل في تلك المناطق، مستشفى الحلو الدولي، ومستشفى أصدقاء المريض، ومجمع الصحابة الطبي، وهي عبارة عن مستشفيات خاصة، لكنها تعرضت لأضرار نتيجة قصف إسرائيلي واقتحامها عدة مرات سابقاً، حيث تخدم بشكل أساسي النساء الحوامل، والمواليد، والأطفال بشكل عام، وغير مجهزة لاستقبال أي حالات نتيجة القصف الإسرائيلي، وعدم توفر طواقم طبية وإمكانات لذلك.

كما يعمل مستشفى العودة الخاص، ومستشفى الإندونيسي الحكومي، في منطقة شمال القطاع، وتحديداً تل الزعتر وبيت لاهيا، لكنهما يعملان بشكل محدود جداً نتيجة استهدافات إسرائيلية متكررة لهما، وبالكاد لا يمكنهما سوى استقبال جثث الضحايا، وبعض الجرحى ممن يستطيعون تقديم العلاج لهم، فيما كان غالبيتهم يتم تحويلهم لمستشفى «المعمداني».

أما مناطق وسط القطاع وجنوبه، فما زالت تعمل فيها مستشفيات مركزية، هي «شهداء الأقصى» و«العودة» في منطقتي دير البلح والنصيرات (على الترتيب) وسط القطاع، ومجمع ناصر الطبي، ومستشفى غزة الأوروبي في خان يونس جنوباً.

وفي منطقة المواصي غرب القطاع توجد بعض المستشفيات الميدانية، مثل «الهلال الأحمر، والكويتي، والإماراتي، والقطري، والأميركي»، لكن خدماتها محدودة في استقبال الجرحى والمرضى.

وتؤكد وزارة الصحة بغزة أن ما تبقى من المستشفيات في القطاع غير مكتمل الخدمات، ولا يمكن أن يقدم الخدمات الطبية والجراحية المطلوبة، مشيرة إلى أن مليون شخص في مدينة غزة وشمالها باتوا بلا خدمات حقيقية تتعلق بالإسعاف والطوارئ بشكل أساسي بعد قصف المستشفى «المعمداني».

ادعاءات إسرائيلية

وادعت إسرائيل أن المبنى الذي استهدفته فجر الأحد، في «المعمداني» تستخدمه «حماس» بوصفه مقر قيادة وتحكم لتنفيذ هجمات ضدها.

لكن شهوداً ومترددين على المستشفى أكدوا أن المستهدف مبنى صغير يستقبل الحالات الطارئة للمعاينة الأولية مثل جرحى الغارات الإسرائيلية، ومعاينة جثث القتلى قبل تحويلها لثلاجات الموتى، فيما يتم لاحقاً نقل الجرحى إلى أقسام تخصصية لتلقي العلاج فيها.

وقال إداريون في المستشفى لـ«الشرق الأوسط» إن قسم الاستقبال والطوارئ «كان لا يتوقف عن العمل تقريباً بسبب كثافة حركة المرضى والجرحى والطواقم وكذلك ازدحام الممرضين والأطباء بداخله»، وأضافوا أنه «بافتراض صحة المزاعم الإسرائيلية فإن أي حركة لعناصر من الفصائل ستكون مكشوفة وكنا سنعلم بها، وهو ما لم يحدث، ويؤكد كذب رواية جيش الاحتلال».

وفي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم تسلم أي من مستشفيات القطاع من أي غارات جوية أو عمليات برية أو حتى قصف مدفعي، وتعرضت جميعها للاستهداف المتكرر بحجج أمنية، منها أن حركة «حماس» تتخذها مقرات لقياداتها، أو أسفلها أنفاق، أو أنها مقرات تحكم وقيادة، وهو ما لم يثبت فعلياً في جميع العمليات، مروراً بما جرى في مستشفيي الشفاء أو الرنتيسي بمدينة غزة، وصولاً لمجمع ناصر الطبي ومستشفى الكويتي في خان يونس ورفح جنوب القطاع.

وتقدر مصادر ميدانية في غزة أن هدف القصف هو «الضغط أكثر على (حماس) على هامش المفاوضات التي تجري في القاهرة بشأن وقف إطلاق النار، لإحكام الأزمة الإنسانية في ظل تصاعد موجة الجوع واتساع الأزمات المتلاحقة على مختلف المستويات».

فلسطينيون يوزعون وجبات غذائية وسط تصاعد المخاوف من مجاعة في قطاع غزة (رويترز)

وفي عدة مرات خرج الجيش الإسرائيلي بمقاطع فيديو ادعى فيها العثور على أنفاق أسفل بعض تلك المستشفيات مثل الشفاء والرنتيسي، إلا أنه تبين لاحقاً عبر تأكيدات من مصادر إسرائيلية ومنها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، أنها «مجرد ممرات أو ملاجئ، بنيت أثناء الحكم البريطاني أو الاحتلال العسكري الإسرائيلي للقطاع». إلى جانب أن ما عثر عليه في مستشفى الرنتيسي للأورام، كان مخزناً أسفل الأرض لصالح آبار المياه، وتشغيل محطات الأوكسجين وغيرها. وأكدت «حماس» وفصائل أخرى، إلى جانب وزارة الصحة بغزة، عدم صحة الروايات الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج عن مواطنها الناشط في «أسطول الصمود»

أوروبا سفن من «أسطول الصمود» العالمي اعترضتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا في جزيرة كريت (أ.ف.ب)

إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج عن مواطنها الناشط في «أسطول الصمود»

طالبت مدريد، اليوم (الجمعة)، إسرائيل بـ«الإفراج الفوري» عن الناشط الإسباني سيف أبو كشك بعدما اعتقلته إثر اعتراضها قبالة سواحل اليونان سفن «أسطول الصمود» العالمي

«الشرق الأوسط» (مدريد)
المشرق العربي فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

بينت المصادر أن اللقاءات في القاهرة ستتواصل رغم أنه كان من المفترض أن تنتهي الجمعة، ويبذل الوسطاء جهوداً كبيرة لمحاولة إيجاد مقاربات تعمل على حل الأزمات العالقة

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني يوم الأحد (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة تندد بمحاولة «أسطول الصمود» الوصول الى غزة

ندّدت الولايات المتحدة الخميس بـ«أسطول الصمود العالمي» الذي كان متّجها إلى غزة واعترضته إسرائيل، وقالت إنه كان يتعيّن على الحلفاء إبحار سفنه من سواحلهم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز) p-circle

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من فعاليات عالمية متعاطفة مع القضية الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخميس، أن النشطاء الذين كانوا على متن "أسطول الصمود العالمي" المتجه الى غزة سيُنقلون إلى اليونان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.