قناة بنما إحداها... المناطق الساخنة للصراع العالمي بين الولايات المتحدة والصين

تُعَدُّ المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين سمةً بارزةً في العلاقات الدولية المعاصرة (رويترز)
تُعَدُّ المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين سمةً بارزةً في العلاقات الدولية المعاصرة (رويترز)
TT

قناة بنما إحداها... المناطق الساخنة للصراع العالمي بين الولايات المتحدة والصين

تُعَدُّ المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين سمةً بارزةً في العلاقات الدولية المعاصرة (رويترز)
تُعَدُّ المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين سمةً بارزةً في العلاقات الدولية المعاصرة (رويترز)

احتدمت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في الأيام الأخيرة الماضية مع فرض رسوم جمركية مرتفعة متبادلة بين البلدين، مما يعيد إلى الواجهة الاهتمام بنقاط المنافسة الساخنة الأميركية الصينية حول العالم، حيث من الممكن لهذا الاحتدام للحرب التجارية بينهما أن يؤدي إلى تأجيج صراعات واسعة النطاق.

تُعَدُّ المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين سمةً بارزةً في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تتنافس القوتان العُظميان على النفوذ في مجالات متعددة تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والدبلوماسية. وفيما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها الريادي في النظام الدولي، تطمح الصين لتكون القوة العالمية الرائدة بحلول عام 2049 مع مرور 100 عام على تأسيس النظام الشيوعي في البلاد.

من تايوان وبحر الصين الجنوبي ودول جزر المحيط الهادئ، مروراً بأفريقيا فأميركا اللاتينية وصولاً إلى قناة بنما، تشكّل هذه المناطق، أرضاً خصبة للصراع الجيوسياسي والاقتصادي بين واشنطن وبكين.

صورة جوية تُظهر سفينة شحن تمر في قناة بنما 1 فبراير 2025 (رويترز)

قناة بنما

تُعَدُّ قناة بنما ممراً مائياً حيوياً يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، مما يجعلها ذات أهمية استراتيجية لكل من الولايات المتحدة والصين.

وتتمتع الولايات المتحدة، التي بنت قناة بنما مطلع القرن الماضي وأدارتها إلى أن تسلّمتها بنما عام 1999، بنفوذ اقتصادي كبير على بنما. وبصفتها المستخدم الرئيسي للقناة وأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في بنما - 3.8 مليار دولار سنوياً - تستطيع الولايات المتحدة التأثير على عملية صنع القرار البنمي، وفق مركز الدراسات الأميركي «المجلس الأطلسي» Atlantic Council.

وتسعى الصين إلى تعزيز مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في منطقة قناة بنما من خلال عدة وسائل، حيث تستثمر بكين في البنية التحتية للقناة عن طريق شركات صينية، وأثار هذا الوجود مخاوف في واشنطن بشأن إمكانية استخدام هذه المواني لتعزيز النفوذ الصيني في المنطقة.​

في عام 2017، قطعت بنما علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان وأقامت علاقات رسمية مع الصين، مما فتح الباب أمام مشاركة بنما في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية. هذا التحول أتاح للصين توسيع نفوذها في البنية التحتية والمشاريع التنموية في دولة بنما.

تُشغّل الشركة الصينية سي كيه هاتشيسون القابضة ومقرها هونغ كونغ، ميناءين على طرفي قناة بنما. يثير هذا الوجود الصيني مخاوف بشأن البنية التحتية للقناة والمناورات الاستراتيجية المحتملة لبكين، لا سيما في ظل تعميق علاقات الصين مع دول أميركا اللاتينية، حسب «المجلس الأطلسي».

قدرة على التجسس

هذه التحركات الصينية، أثارت قلق الولايات المتحدة، حيث صرّح وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، خلال زيارته لبنما، أمس الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة تسعى لاستعادة السيطرة على القناة من النفوذ الصيني. وأشار إلى تعزيز التعاون الأمني مع بنما لضمان عدم استخدام الصين لعلاقاتها التجارية لأغراض التجسس أو التأثير على العمليات في القناة. ​

ويتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصين بأنها تسيطر على قناة بنما، وقال في مناسبات عدة إن بلاده لم تسلمها للصين بل لبنما، وطالب باستعادة واشنطن السيطرة على القناة.

على الرغم من أن الشركة الصينية المستثمرة في القناة ليست مملوكة للدولة الصينية، كما يقول رايان بيرغ، مدير برنامج الأميركتين في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن هناك مخاوف في واشنطن بشأن مدى سيطرة بكين على الشركة، حيث تتدفق عبر هذين الميناءين (اللذين تديرهما الشركة الصينية) ثروة من المعلومات الاستراتيجية المفيدة المحتملة حول السفن المارة عبر الممر المائي.

ويقول بيرغ: «هناك توتر جيوسياسي متزايد ذو طابع اقتصادي بين الولايات المتحدة والصين. وسيكون هذا النوع من المعلومات المتعلقة بالبضائع مفيداً للغاية (إذا تسرّب للصين) في حال نشوب حرب في سلسلة التوريد»، وفق ما نقلته شبكة «بي بي سي» البريطانية.

تايوان

يُعدّ مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي من أبرز مناطق الصراع بين الولايات المتحدة والصين، مما يُشكّل تهديدات كبيرة للاستقرار الإقليمي والأمن العالمي ومستقبل النظام الدولي.

من منظور استراتيجي، تُعدّ تايوان موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية نظراً لموقعها بين بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، وهما من أهم الممرات البحرية في العالم. تحتوي هذه المنطقة على بعض من أهم ممرات الشحن العالمية، مما يجعل تايوان لاعباً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والأمن التجاري.

تُبدي الصين حساسيةً بالغةً تجاه تايوان، وتعدّها مقاطعة منشقة عن الصين. كما صرّح القادة الصينيون برغبتهم في أن تُصبح تايوان جزءاً من الصين بحلول عام 2049. وتطلق الصين أيضاً تدريبات عسكريةً دورية في محيط تايوان، بما في ذلك تدريبات بالذخيرة الحية واختبارات صاروخية. وقد حذّرت الصين كبار المسؤولين الأميركيين من زيارة تايوان، قائلةً إنّ مثل هذه الخطوات من شأنها أن تنتهك السيادة الصينية وتهدد بشكلٍ مباشر سياسة «الصين الواحدة» التي تنتهجها واشنطن تجاه الجزيرة. وتهدف بكين من التدريبات العسكرية استعراض القوة العسكرية الصينية، وثني تايوان عن نيل إعلان استقلالها، وتحذير الولايات المتحدة ودول أخرى من تأييد استقلال تايوان.

وتسعى الصين إلى موازنة الوجود البحري الأميركي في مضيق تايوان، كما عززت الصين أسطولها البحري، مركزةً على زيادة عدد السفن الحربية وتحديث أسطولها البحري بشكل عام، حسب موقع «مودرن دبلوماسي» (الدبلوماسية الحديثة) المتخصص.

يُشار إلى أن تايوان كانت تحت السيطرة الكاملة لإمبراطورية كينغ الصينية منذ سنة 1683، ثم مستعمرة يابانية في عام 1895. وفي عام 1945، استولت الصين على الجزيرة، وأصبحت تايوان تحت سلطة حكومة قومية في الصين بقيادة الجنرال تشيانغ كاي تشيك. وبعد هزيمة القوميين في الحرب الأهلية الصينية وإعلان الشيوعيين قيام «الصين الشعبية» في البر الصيني، تمركز القوميون في تايوان وأطلقوا عليها اسم «جمهورية الصين».

من الجانب الأميركي، ينبع اهتمام واشنطن بتايبيه من عاملين رئيسيين: اعتبارات اقتصادية واستراتيجية.

مصدر قلق للأمن القومي

تلعب تايوان دوراً محورياً في سلاسل التوريد العالمية، حيث تُنتج أكثر من 60 في المائة من أشباه الموصلات في العالم، وأكثر من 90 في المائة من أحدث الرقائق الإلكترونية. تُعدّ هذه الرقائق أساسية في كل صناعة حديثة تقريباً، حيث تُحفّز الابتكارات في مجالات الاتصالات والحوسبة والرعاية الصحية والأنظمة العسكرية والنقل والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، وفق «معهد تحليل العلاقات الدولية» الإيطالي.

بالنسبة للولايات المتحدة، تُمثل هيمنة تايوان على تصنيع أشباه الموصلات شريان حياة اقتصادياً ومصدر قلق للأمن القومي في آنٍ واحد، لا سيما في حال وقعت الجزيرة تحت سيطرة جمهورية الصين الشعبية.

وبينما تُمثل أشباه الموصلات ركيزة التكنولوجيا الحديثة، فهي بالتالي مهمة أيضاً لأنظمة الدفاع الحيوية، بما في ذلك أنظمة الأسلحة المتقدمة، والأمن السيبراني، والبنية التحتية للاستخبارات. قد يؤثر أي خلل في إنتاج الرقائق في تايوان بشدة على التفوق التكنولوجي والعسكري للولايات المتحدة.

وبقاء جزيرة تايوان في تحالف مع واشنطن وخارج سيطرة الصين، يحافظ على سلسلة الجزر الأولى First Island Chain التي تشكل جزيرة تايوان جزءاً منها. هذه السلسلة تمثّل خط دفاع أولياً للولايات المتحدة بوجه الصين وتحد من قدرة بكين على توسيع نفوذها البحري في عمق منطقة المحيط الهادئ، وهي منطقة حليفة لواشنطن وتتمركز فيها قواعد عسكرية أميركية.

وفيما أبقت الولايات المتحدة اعترافها بحكومة تايوان ممثلاً رسمياً للصين على مدى عقود، حوّلت واشنطن هذا الاعتراف إلى جمهورية الصين الشعبية عادّة إياها حكومة شرعية وحيدة للصين في الأول من يناير (كانون الثاني) عام 1979.

ومنذ ذاك الحين تساءلت تايوان باستمرار عما إذا كانت واشنطن ستتدخل عسكرياً في حال تعرضها لعدوان من بكين. ورغم عدم اعترافها رسمياً بتايوان دولة مستقلة، دأبت الولايات المتحدة على دعم دفاعات الجزيرة ضد أي غزو محتمل من جمهورية الصين الشعبية من خلال تزويدها بالأسلحة. وقد أُضفي الطابع الرسمي على هذا الدعم بموجب قانون العلاقات مع تايوان، الذي يُلزم الولايات المتحدة بتقديم المساعدة لتعزيز القدرات الدفاعية لتايوان، ولكنه لا يُلزم القوات الأميركية صراحةً بالتدخل في حال نشوب حرب بين الصين وتايوان.

بحر الصين الجنوبي

أثارت مطالبات الصين بالسيادة على بحر الصين الجنوبي - وما يُقدر بـ11 مليار برميل من النفط غير المستغل و190 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في هذا البحر - حفيظة الدول الآسيوية المتنافسة على السيادة في المنطقة، بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام. فمنذ أوائل سبعينات القرن الماضي، بدأت دول المنطقة بالمطالبة بجزر ومناطق مختلفة في بحر الصين الجنوبي، مثل جزر سبراتلي، التي تزخر بموارد طبيعية ومناطق صيد غنية، بحسب مركز أبحاث «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي Council on Foreign Relations.

في السنوات الأخيرة، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية تزايد جهود الصين لاستصلاح الأراضي في بحر الصين الجنوبي من خلال زيادة حجم الجزر أو إنشاء جزر جديدة كلياً. فبالإضافة إلى أكوام الرمال على الشعاب المرجانية القائمة، شيّدت الصين مواني ومنشآت عسكرية ومهابط طائرات - لا سيما في جزر باراسيل وسبراتلي - حيث لديها عشرات المواقع. كما عسكرت الصين جزيرة وودي بنشر طائرات مقاتلة وصواريخ كروز ونظام رادار.

يثير هذا النشاط التوسعي للصين في بحر الصين الجنوبي مخاوف الولايات المتحدة التي تخشى هيمنة بكين على منطقة اقتصادية حيوية وممر تجاري عالمي.

ولحماية مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة، تحدت الولايات المتحدة المطالبات الإقليمية الصينية الحازمة وجهود استصلاح الأراضي من خلال إجراء دوريات بحرية لأسطولها تأكيداً على حرية الملاحة وتعزيزاً لدعم شركاء واشنطن في جنوب شرقي آسيا.

وترتبط الولايات المتحدة والفليبين بمعاهدة دفاعية، مما يزيد احتمال جرّ واشنطن إلى صراع عسكري محتمل بين الصين والفلبين حول رواسب الغاز الطبيعي الكبيرة أو مناطق الصيد المربحة في المنطقة البحرية المتنازع عليها بين مانيلا وبكين.

فرقاطة صواريخ موجهة أسترالية (يسار) مع سفينة هجومية برمائية أميركية وطراد صواريخ كروز موجّه أميركي ومدمِّرة أميركية مجهّزة بصواريخ موجّهة في بحر الصين الجنوبي 18 أبريل 2020 (رويترز)

ما بين الصين وأميركا

وتُبدي دول جنوب شرقي آسيا، وخاصةً دول رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، حذراً في تعاملها مع كلٍّ من الولايات المتحدة والصين. فالتوترات الأميركية الصينية بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي تضع دول جنوب شرقي آسيا في موقف حرج. فهي تعتمد بشكل كبير على الصين في التجارة وعلى الولايات المتحدة في الأمن بشكل خاص.

وتكتسب الولايات المتحدة وصولاً متزايداً إلى المواقع العسكرية في دول مثل الفلبين، ومع ذلك، تُعرب دول رابطة دول آسيان عن قلقها أيضاً من التورط في نزاع بين الولايات المتحدة والصين، مما قد يُلحق الضرر بالاستقرار الإقليمي والتجارة.

وعلى نحو مماثل، يربط الحوار الأمني ​​الرباعي (كواد)، الذي يضم الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا، أهدافه بشكل غير مباشر بضمان الأمن الإقليمي بشكل عام، على اعتبار أن عدم استقرار مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي من شأنه أن يزعزع الاستقرار في المنطقة.

صورة من قرية سيروا في جزيرة فيجي إحدى دول جزر المحيط الهادئ 15 يوليو 2022 (رويترز)

جزر المحيط الهادئ

تقع دول جُزر المحيط الهادئ بين الولايات المتحدة والصين وأستراليا، وتتمتع بأهمية استراتيجية أمنية دفاعية. حافظت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على نفوذها ووجودها العسكري في منطقة المحيط الهادئ. في المقابل، وعلى مدى العقد الماضي، ركّزت الصين على تعزيز علاقاتها في هذه المنطقة من خلال زيادة المساعدات والتنمية والدبلوماسية والتعاون الأمني، وفق تقرير سابق لصحيفة «الغارديان» البريطانية.

على الرغم من صغر مساحة دول جزر المحيط الهادئ، انتقلت هذه المنطقة من فترة الإهمال الاستراتيجي قبل عقد من الزمن فقط لتصبح موضع اهتمام ومنافسة جيوسياسية على النفوذ في المنطقة بين الولايات المتحدة والصين.

أفاد تقرير عن مؤسسة «فردريش إيبرت» الألمانية للدراسات السياسية، بأن الاهتمام الدبلوماسي الغربي تلاشى بمنطقة المحيط الهادئ بعد الحرب الباردة، وفي فترة ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بدأت المصالح الصينية وقتذاك في النمو بالمنطقة حيث دعمت الصين مجموعة من الاقتصادات النامية من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، من خلال تقديم قروض للبنى التحتية منخفضة الفائدة لهذه الدول التي تعاني من ضعف البنى التحتية. وقد سمح ذلك بتوسيع النفوذ الصيني في المحيط الهادئ.

أثارت القروض المقدمة من الصين لهذه الدول مخاوف دبلوماسية؛ لأن هذه القروض تجلب معها النفوذ الصيني، وفق تقرير «فردريش إيبرت»، وقد رجّح خبراء أن تستخدم الصين نفوذها المتزايد في المحيط الهادئ لزيادة عزل تايوان عن الدعم الدبلوماسي الذي تتلقاه من دول المنطقة.

وتمكنت الصين بالفعل من أن تنتزع اعتراف عدد من دول جزر المحيط الهندي بتايوان لصالح بكين، وهو مطلب صيني أساسي. وحصلت بكين على وصول موسع لأسطول الصيد الخاص بها، وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

الرئيس الأميركي حينها جو بايدن يلتقط صورة مع قادة منتدى جزر المحيط الهادئ في البيت الأبيض بواشنطن 25 سبتمبر 2023 (أ.ب)

مساعدات دفاعية

ولكن أكثر ما يقلق المراقبين الغربيين هو إمكانية استفادة بكين من نفوذها المتنامي في جزر المحيط الهادئ لزيادة انتشار الجيش الصيني. ويخشى بعض القادة العسكريين الغربيين من أن يؤدي النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة إلى بناء المزيد من القواعد العسكرية الصينية في الخارج مما يهدد بعزل أستراليا، وقطع خطوط الإمداد من الخارج عنها، في حين أن كانبيرا حليف حيوي للولايات المتحدة في المحيط الهادئ.

لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المحيط الهادئ، كثّفت الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مساعداتها الدفاعية والأمنية للمنطقة. ووقّعت واشنطن اتفاقيات أمنية مع بابوا غينيا الجديدة وفيجي، وجدّدت اتفاقيات الارتباط الحر مع بالاو، وولايات ميكرونيزيا الموحدة، وجزر مارشال، وافتتحت سفارة في جزر سليمان، وفق شبكة «سي إن إن» الأميركية.

أفريقيا

تشهد القارّة الأفريقية صراع نفوذ متصاعداً بين الصين والولايات المتحدة، حيث تسعى كلتا القوتين إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي والعسكري في المنطقة. ولطالما عُدّت أفريقيا ساحة تنافس دولية لما تمتلكه من موارد طبيعية غنية وأسواق ناشئة، واليوم يتجلى هذا التنافس بشكل أوضح من خلال الاستثمارات التي تقودها كل من بكين وواشنطن.

وفي السنوات الماضية، رسخت الصين مكانتها بوصفها أكبر شريك لأفريقيا في المساعدات والقروض والاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة، متجاوزة الولايات المتحدة، وفق موقع «أكاديمية الأعمال الدولية» AIB Insights الأميركي المتخصص.

اعتمدت الصين منذ سنوات سياسة «القوة الناعمة» في القارة الأفريقية، عبر مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تمولها في إطار مبادرة «الحزام والطريق». أنشأت بكين مواني، وطرقاً، وسككاً حديدية، ومستشفيات، وقدّمت قروضاً بمليارات الدولارات لدول أفريقية، ما جعلها شريكاً اقتصادياً أساسياً. في المقابل، يرى بعض المراقبين أن هذه القروض قد تؤدي إلى وقوع بعض الدول في «فخ الديون» وتمنح الصين نفوذاً سياسياً طويل الأمد.

تعزيز التعاون الأمني

أما الولايات المتحدة، فقد أعادت في السنوات الأخيرة تركيز اهتمامها بأفريقيا، بعدما لاحظت تنامي الحضور الصيني بشكل غير مسبوق. وتسعى واشنطن إلى استعادة مكانتها من خلال تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى تشجيع الشراكات الاقتصادية القائمة على «الشفافية والاستدامة».

لمواجهة النفوذ الصيني في القارة السمراء، بدأت الولايات المتحدة استثمارات كبيرة في القارة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك إحياء مشروع سكة ​​حديد ممر لوبيتو في أنغولا. أولاً، تم دعم المشروع بتمويل صيني لتعزيز الاتصال الإقليمي وتسهيل التصدير. رداً على ذلك، زار الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أنغولا في ديسمبر (كانون الأول) 2024، حيث أعلن عن استثمار بقيمة 600 مليون دولار في ممر لوبيتو بديلاً للتمويل الصيني.

وتشهد بعض الدول الأفريقية التي تتعاون بشكل وثيق مع الولايات المتحدة تراجعاً في مشاركة الصين في مشاريع البنية التحتية والاستثمار الأجنبي المباشر. على سبيل المثال، بينما استفادت كينيا من المبادرات المالية والتعاون الأمني ​​المدعوم من الولايات المتحدة، تراجعت فيها الاستثمارات الصينية في قطاعات رئيسية مثل الاتصالات والطاقة، بحسب «أكاديمية الأعمال الدولية».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب - حينها مرشحاً جمهورياً للانتخابات الرئاسية - يزور حدود ولاية تكساس مع المكسيك 19 نوفمبر 2023... يتهم ترمب الصين بإدخال مخدر الفنتانيل إلى الولايات المتحدة عبر حدود المكسيك (رويترز)

أميركا اللاتينية

امتدت المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين أيضاً إلى أميركا اللاتينية. وعلى مدى العقدين الماضيين، نمت مصالح الصين في أميركا اللاتينية بشكل كبير. أهداف بكين في المنطقة ثلاثية الأبعاد: اقتصادية، ودبلوماسية، وجيوسياسية. مع تطلعاتها نحو مزيد من الانخراط الاقتصادي، نمت تجارة الصين مع أميركا اللاتينية - بما في ذلك واردات المواد الخام والإمدادات الغذائية وصادرات السلع المصنعة - من نحو 18 مليار دولار في عام 2002 إلى أكثر من 450 مليار دولار في عام 2022. بالتوازي مع ذلك، سعت الصين إلى الاستفادة من هذا النفوذ الاقتصادي المتنامي لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية وعزل تايوان.

وفي بعض البلدان، انخرطت بكين في محاولات أكثر استفزازية لموازنة الوجود الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. على سبيل المثال، كشف تقرير صادر عن باحثين في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» عن أدلة على وجود منشآت تجسس صينية مشتبه بها في كوبا، مصممة لجمع إشارات استخباراتية حول الأنشطة الأميركية، بحسب معهد «بروكينغز» الأميركي للدراسات.

وتشمل جهود الصين تعزيز العلاقات العسكرية مع نظيراتها في أميركا اللاتينية عن طريق مبيعات الأسلحة والتبادلات العسكرية وبرامج التدريب.

ولا تزال فنزويلا أكبر مشترٍ للمعدات العسكرية كما اشترت الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور وبيرو طائرات عسكرية صينية ومركبات أرضية ورادارات دفاع جوي وبنادق هجومية بقيمة ملايين الدولارات. وعلى سبيل المثال، نقلت الصين معدات عسكرية رئيسية بقيمة 634 مليون دولار تقريباً إلى تلك الدول الخمس بين عامي 2009 و2019. وبالمثل، سعت كوبا إلى تعزيز علاقاتها العسكرية مع الصين، حيث استضافت جيش التحرير الشعبي الصيني في عدة زيارات للمواني، حسب تقرير لمركز دراسات «المجلس الأطلسي».

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع في قاعة الشعب الكبرى ببكين 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

استثمارات واسعة

بين عامي 2000 و2018، استثمرت الصين 73 مليار دولار أميركي في قطاع المواد الخام في أميركا اللاتينية، بما في ذلك بناء مصافٍ ومعامل معالجة في دول غنية بالفحم والنحاس والغاز الطبيعي والنفط واليورانيوم. وركزت بكين كذلك على الاستثمار في إنتاج الليثيوم فيما يُعرف بدول «مثلث الليثيوم» (الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي)؛ حيث تحتوي هذه الدول مجتمعةً على ما يقرب من نصف احتياطي العالم من الليثيوم، وهو معدن أساسي للسيارات الكهربائية والبطاريات. وشاركت الصين في تمويل مشاريع بنى تحتية من موانٍ وسكك حديدية في عدد من دول أميركا الجنوبية.

من ناحية أخرى، حافظت الولايات المتحدة لقرون على مصلحة راسخة في أميركا اللاتينية. ونظراً للقرب الجغرافي لهذه المنطقة من البر الأميركي، غالباً ما ينعكس عدم الاستقرار الإقليمي في المنطقة على واشنطن عبر الحدود الجنوبية مع المكسيك. ونتيجةً لذلك، غالباً ما يركّز التدخل الأميركي على الجهود الفورية لتعزيز الاستقرار والحد من تدفقات الهجرة، مثل أمن الحدود.

وأعرب صانعو السياسات والمسؤولون العسكريون الأميركيون في مناسبات عديدة عن مخاوفهم بشأن تنامي الوجود الصيني في أميركا اللاتينية. وفي عام 2021، صرّح الأدميرال كريغ إس الرئيس السابق للقيادة الجنوبية الأميركية، قائلاً: «إننا نفقد ميزتنا التموضعية في هذا النصف من الكرة الأرضية، ونحتاج إلى تحرك فوري لعكس هذا الاتجاه».

ويتهم الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب الصين بالاتفاف على الرسوم الجمركية عبر فتح مصانع في المكسيك، ويتهم ترمب بكين كذلك بتصدير مخدر الفنتانيل إلى الولايات المتحدة عبر الحدود المكسيكية، في حين ترفض الصين هذا الاتهام.

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال زيارة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا... يعد ميلي من الحلفاء الوثيقين لإدارة ترمب (رويترز)

في مواجهة «الحزام والطريق»

ولطالما جادل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي قاد سياسة أميركا اللاتينية خلال فترة ولايته بصفته نائباً للرئيس باراك أوباما، بأن على الولايات المتحدة تجديد دورها القيادي في المنطقة لمواجهة صعود الصين. أطلق بايدن مبادرة «إعادة بناء عالم أفضل» في عام 2021 مع نظرائه في مجموعة الدول السبع، واصفاً الصين بـ«المنافس الاستراتيجي» ومتعهداً بتعزيز الشراكات الأميركية في نصف الكرة الأرضية الغربي. هدفت المبادرة إلى مواجهة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية من خلال تطوير البنية التحتية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، بما في ذلك في أميركا اللاتينية. وفي قمة الأميركتين لعام 2022، أعلن بايدن عن مجموعة من المبادرات الاقتصادية الجديدة، بما في ذلك إنشاء «شراكة الأميركتين من أجل الرخاء الاقتصادي»، التي تسعى إلى جعل المنطقة أكثر تنافسية اقتصادياً.

وسعى مشروع قانون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، قدّمه السيناتور بوب مينينديز (ديمقراطي عن نيوجيرسي) والسيناتور ماركو روبيو (جمهوري عن فلوريدا وهو وزير الخارجية الحالي في إدارة ترمب) عام 2022، إلى مواجهة «النفوذ الخبيث» للصين في أميركا اللاتينية من خلال تعزيز التعاون الأمني ​​المتعدد الأطراف وجهود مكافحة المخدرات. وتشمل المقترحات التشريعية الأخرى دعوات إلى الولايات المتحدة لإقامة شراكات تجارية دائمة مع دول في نصف الكرة الغربي لتشجيع «إعادة توطين» سلاسل التوريد من الصين إلى دول أقرب للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أحد المشاة يلقي بظلاله على لافتة جامعة هارفارد (رويترز) p-circle

«البنتاغون» ينهي برامج التدريب والزمالة مع جامعة هارفارد

كشف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، عن أن وزارته قررت إنهاء جميع برامج التدريب العسكري والزمالات والشهادات مع جامعة هارفارد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يودعان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل لدى مغادرتهما عقب تنصيب ترمب في مبنى الكابيتول بواشنطن عام 2017 (رويترز) p-circle

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتذار عن مشاركته مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صور للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون خلال حديث رئيس لجنة الرقابة بمجلس النواب جيمس كومر في اجتماع للتصويت على ما إذا كان سيتم اعتبار بيل وهيلاري كلينتون مُخالفين لأوامر الكونغرس لرفضهما الإدلاء بشهادتهما في تحقيق اللجنة بشأن قضية إبستين (رويترز) p-circle

بيل كلينتون يدعو إلى جلسة استماع علنية في تحقيقات إبستين

سيمثل الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون أمام لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي للإدلاء بشهادته بشأن قضية إبستين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي ​جي. دي فانس وزوجته أوشا يشاهدان حفلة افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في ميلانو - كورتينا بإيطاليا (د.ب.أ)

توجيه تهمة التهديد بقتل نائب الرئيس الأميركي لرجل من أوهايو

أصدرت هيئة محلفين اتحادية لائحة اتهام بحق رجل يبلغ من العمر 33 عاماً بتهمة التهديد بقتل نائب الرئيس الأميركي ​جي. دي فانس خلال زيارته لأوهايو في يناير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».