ماذا يريد رئيس التشيك من زيارته إلى موريتانيا؟

رافقته شركات تشيكية للصناعة العسكرية

الرئيس محمد ولد الغزواني مستقبِلاً الرئيس التشيكي بيتر بيفيل (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس محمد ولد الغزواني مستقبِلاً الرئيس التشيكي بيتر بيفيل (الرئاسة الموريتانية)
TT

ماذا يريد رئيس التشيك من زيارته إلى موريتانيا؟

الرئيس محمد ولد الغزواني مستقبِلاً الرئيس التشيكي بيتر بيفيل (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس محمد ولد الغزواني مستقبِلاً الرئيس التشيكي بيتر بيفيل (الرئاسة الموريتانية)

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وتزايد التنافس الدولي في القارة السمراء، تبرز زيارة الرئيس التشيكي بيتر بيفيل إلى نواكشوط، والتي اختُتمت، الثلاثاء، وهي زيارة قد تبدو على السطح اقتصادية الطابع، لكن ما بين السطور يكشف عن أبعاد أمنية واستراتيجية أعمق.

الرئيس الموريتاني خلال استقبال رئيس التشيك والوفد المرافق له (الرئاسة الموريتانية)

الزيارة التي استمرت 3 أيام، تدخل ضمن جولة أفريقية كانت موريتانيا محطتها الأولى، وقد أسفرت عن مباحثات على انفراد أجراها رئيسا البلدين، وتم خلالها توقيع «بروتوكول اتفاق للتعاون والشراكة في مجال الأعمال» بين القطاع الخاص في البلدين، وقالت الرئاسة الموريتانية إن البروتوكول يشمل «مجالات التجارة والاستثمار، والتكوين ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات»، دون تقديم تفاصيل أكثر.

شريك استراتيجي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وصف التشيك بأنها «شريك استراتيجي»، وقال إنه «بفضل الخبرة الصناعية التشيكية والطموح الموريتاني في مجال التحول الاقتصادي، يمكن للبلدين توحيد جهودهما لما فيه مصلحتهما المشتركة»، مؤكداً أن الهدف هو «بناء شراكات قوية تكون قاعدة صلبة لتعاون اقتصادي مثمر وبنَّاء».

الرئيس الموريتاني مرحِّباً بالرئيس بيتر بيفيل (الرئاسة الموريتانية)

وأوضح ولد الغزواني أن موريتانيا «بحكم ما تنعم به من استقرار وموارد طبيعية ورأس مال بشري واعد، تسعى لأن تصير وجهة مفضلة للاستثمارات المنتجة المسؤولة والمستدامة»، وفق تعبيره.

أما الرئيس التشيكي فقد أعلن أن بلاده مهتمة بموريتانيا «كشريك ينعم بالاستقرار في المنطقة، ويتوفر على فرص استثمارية عديدة»، قبل أن يشدد على «أهمية تنويع التعاون ليشمل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية».

ما وراء الاقتصاد

رغم أن التشيك ليست من القوى الكبرى المؤثرة في أفريقيا، فإن تحرُّكها الأخير اتجاه موريتانيا، الواقعة على تخوم الساحل المتوتر، يعكس إدراكاً متزايداً في أوروبا الوسطى لأهمية «الموقع الجيو-استراتيجي» لموريتانيا في السياق الأمني والاقتصادي.

لكن قبل أن يبرز الملف الاقتصادي خلال زيارة الرئيس التشيكي لنواكشوط، كان الملف الأمني هو الوجه الوحيد للعلاقة بين بلدين لا يملك أي واحد منهما سفارة لدى الآخر، حيث إن موريتانيا تتبع لسفير التشيك لدى المغرب، والتشيك تتبع لسفير موريتانيا لدى ألمانيا.

من حفل توقيع الاتفاقات بين موريتانيا والتشيك (الرئاسة الموريتانية)

وسبق أن وافق البرلمان التشيكي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 على إرسال 30 جندياً من القوات الخاصة إلى موريتانيا لتدريب الجيش، وهو قرار يدخل في إطار برنامج حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتعزيز قدرات الجيوش الصديقة في مناطق النزاع، ومواجهة التحديات التي تهدد الأمن الأوروبي، انطلاقاً من الجنوب.

ويقول مسؤول بوزارة الدفاع التشيكية في هذا السياق إن موريتانيا «بوابة مهمة، وروسيا تسعى لزعزعة استقرار المنطقة لإخراج الغرب منها»، وذلك في إشارة واضحة إلى التنافس الروسي-الغربي على النفوذ في أفريقيا، لا سيما بعد تمدد موسكو في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وفقدان فرنسا نفوذها في هذه المنطقة التي ظلت عقوداً ساحة نفوذها التقليدي.

الصناعة العسكرية

من جانبها، تسعى موريتانيا لتعزيز مكانتها بوصفها شريكاً موثوقاً به في المنطقة، مستفيدة من استقرارها الأمني النسبي مقارنة بجيرانها، ومن قدراتها الاقتصادية في مجالات الطاقة (الغاز، الهيدروجين الأخضر)، والموقع الجغرافي الرابط بين المغرب العربي وبلدان الساحل.

كما أن موريتانيا بقيت الشريك الوحيد لحلف شمال الأطلسي في منطقة الساحل، وهي الأقرب إلى الشواطئ الأوروبية، وتسعى إلى تبنِّي سياسة شراكة أمنية وعسكرية مع دول الحلف، في إطار التصدي للمخاطر الأمنية المشتركة.

وترى نواكشوط في تعزيز التعاون مع التشيك، وفي انفتاحها على الشركات التكنولوجية والعسكرية التشيكية، فرصة لتعويض تأخرها في سباق التسلح الذي تشهده المنطقة، خصوصاً بعد حصول دول الساحل المتحالفة مع روسيا على أسلحة متطورة وتكنولوجيا جديدة على المنطقة.

ومن الواضح أن نواكشوط تهدف من خلال التقارب مع براغ إلى نقل التكنولوجيا العسكرية والمدنية، وتكوين الجيش وتطوير قدراته القتالية، وجذب استثمارات في قطاعات الأمن السيبراني والبنية التحتية العسكرية.

وعلى الرغم من أن هذا التعاون العسكري لا يزالُ صامتاً، فإن طبيعة الوفد التشيكي المرافق للرئيس خلال زيارته لنواكشوط، كشفت النيات الحقيقية، في ظل حضور ممثلين عن شركات تصنيع السلاح، وتكنولوجيا الحروب الجديدة، مثل شركة (OMNIPOL، CZ، EXCALIBUR INTERNATIONAL).

وتتنوع اختصاصات هذه الشركات، لكنها تشملُ صناعة الأسلحة والمعدات العسكرية، وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيَّرة، والأنظمة الاستخباراتية، بالإضافة إلى الأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات الآمنة، وتوريد وصيانة الدبابات وناقلات الجند وأنظمة المدفعية.

وكان من الواضح، بحسب مراقبين، أن هذه ليست شركات «تجارة عادية»، بل أذرع صناعية دفاعية للدولة التشيكية، وهو ما يلمّح إلى رغبة براغ في تأسيس موطئ قدم دفاعي على أطراف الساحل، يتيح لها المساهمة – وربما التأثير – في المشهد الأمني المضطرب.

الرئيس محمد ولد الغزواني مستقبِلاً الرئيس التشيكي (الرئاسة الموريتانية)

ورغم أنه لم يكشف عن عقد هذه الشركات أي لقاء مع القادة الأمنيين أو مسؤولي الجيش الموريتاني، خلال الأيام الثلاثة التي قضتها في نواكشوط، فإن زيارتها أعادت إلى الأذهان زيارة وزير الدفاع الموريتاني للتشيك في فبراير (شباط) الماضي. وقد أعلن الجيش الموريتاني آنذاك أن الزيارة كانت بدعوة من وزيرة الدفاع التشيكية، يانا تشير نوتشوفا، دون كشف أي تفاصيل أكثر، باستثناء أنهما تباحثا حول «التحديات الأمنية في منطقة الساحل، بالإضافة إلى السبل الكفيلة بتعزيز وتطوير التعاون العسكري الثنائي».

توجه نحو موريتانيا

التشيك التي أغلقت سفارتها لدى مالي عام 2022، قررت التوجه بقوة نحو موريتانيا، فيما يمكن وصفه بأنه «إعادة تموضع استراتيجي في غرب أفريقيا»، في ظل توجُّس تشيكي من «الدور الروسي» المتعاظم في المنطقة، عبر مجموعة «فاغنر»، أو البدائل النظامية لها.

ويقول الخبراء إن موريتانيا تشكل في هذا السياق «خط الدفاع الأخير» للغرب في الساحل، لذا تحاول دول حلف شمال الأطلسي تعزيز قدرات الجيش الموريتاني، بينما تدفع التشيك جاهدة نحو توطيد شراكاتها الأمنية مع موريتانيا، في إطار استراتيجية أوسع لـ«احتواء التمدد الروسي».


مقالات ذات صلة

مسلحون يقتلون 11 شخصاً خلال حفل منزلي بجنوب أفريقيا

أفريقيا يعمل خبراء الأدلة الجنائية التابعون للشرطة في موقع شهد مقتل وإصابة أشخاص عدة في بلدة كواماخوثا بالقرب من ديربان بجنوب أفريقيا (رويترز)

مسلحون يقتلون 11 شخصاً خلال حفل منزلي بجنوب أفريقيا

أطلق ثلاثة رجال مسلحين النار على المشاركين في حفل منزلي في بلدة تقع إلى الجنوب من مدينة ديربان بجنوب أفريقيا ليل؛ ما أسفر عن مقتل 11 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

سلطات تيغراي في إثيوبيا: نتصدى لغزو تشنه القوات الفيدرالية

سيطر المتمرّدون في تيغراي بشمال إثيوبيا على مطار عاصمة الإقليم، وفق ما أفادت مصادر أمنية ومحلية، الأربعاء، في وقت تتصاعد التوترات مع الحكومة الفيدرالية.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها.

محمد الريس (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يناقش تحضيرات منتدى «العلمين - أفريقيا» مع رئيس «البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد» (الخارجية المصرية)

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

تستعد مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال غربي مصر)، لاستضافة النسخة الأولى من منتدى «العلمين - أفريقيا»، لدعم تطوير الشراكات الاقتصادية مع دول القارة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة جماعية للقادة المشاركين في «قمة بريكس» (الرئاسة المصرية)

السيسي وآبي أحمد لم يجتمعا في «بريكس»... والأزمة مستمرة

اختتمت «قمة بريكس» في نيودلهي، الأحد، دون أن تشهد لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد

محمد محمود (القاهرة )

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».


تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
TT

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال الرئيسية في السودان، في مقابل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستمرار مناوشات محدودة على عدد من المحاور، وذلك بعد التقدم الذي حققه الجيش وتراجع «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان خلال الأيام الماضية.

ووفقاً لشهود ومصادر ميدانية، شهدت محاور العمليات تراجعاً نسبياً في حدة القتال البري، عقب الجولة الأخيرة من المعارك الواسعة في شمال كردفان، التي أحدثت تغييرات مهمة في خريطة السيطرة، وحقق الجيش خلالها تقدماً ملحوظاً، أحكم من خلاله سيطرته على عدد من البلدات، وعزز تأمين مدينة بارا ومحيطها وطريق الصادرات، كما فتح خط الإمداد الرابط بين أم درمان والنيل الأبيض وشمال كردفان وصولاً إلى مدينة الأُبيّض، في حين تراجعت «قوات الدعم السريع» باتجاه الشمال والشمال الغربي.

وذكرت المصادر أن اندفاعة الجيش غرب مدينة الأُبيّض توقفت بصورة مفاجئة بعد وصول قواته إلى بلدة أم صميمة، إثر تعرضها لضغط عسكري مضاد أجبرها على التراجع باتجاه مشارف الأُبيّض. ولم تُسجل منذ ذلك الحين محاولة كبيرة جديدة للتقدم على هذه الجبهة.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرقاً) يوم 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وفي تطورات ميدانية أخرى، أفاد نشطاء بأن الجيش تراجع من محيط مدينتَي سودري والمزروب، بعد أن كان قد وسّع خطوطه الدفاعية في عدد من البلدات المحيطة بهما، في حين عادت «قوات الدعم السريع» إلى بلدة المزروب الاستراتيجية التي كانت قد انسحبت منها خلال العملية العسكرية الواسعة للجيش.

وفي محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على مواقعه، وقالت مصادر موالية له إن قواته صدت هجمات لـ«الدعم السريع»، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية حالت دون تحقيقها تقدماً جديداً، في حين لا تزال «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها تسيطر على مدينتَي الكرمك وقيسان.

وشهد هذا المحور أيضاً خلال الأيام الأخيرة تراجعاً في حدة المواجهات البرية المباشرة، في حين استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية.

حرب المسيّرات

وأعلن الجيش، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» طويلة المدى من طراز «FH-95». وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة في بيان إن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرة، وذلك بعد أيام من تعرض مدينة الأُبيّض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية.

ويقول سكان في ولاية شمال كردفان إن «قوات الدعم السريع» كثفت هجماتها بالطائرات المسيّرة على مدن خاضعة لسيطرة الحكومة في الولاية، ما أدى إلى تعطيل جوانب من الحياة اليومية، وفاقم الشعور بانعدام الأمن لدى السكان.

وسجلت «رويترز» لقطات تظهر آثار هجمات كبيرة وقعت خلال الشهر الحالي على مدينتين تقعان على خط المواجهة. ووصف سكان تلك الهجمات بأنها جزء من موجة جديدة واضحة من الضربات، بعد أسابيع بدا خلالها أن «قوات الدعم السريع» قلّصت استخدام المسيّرات تحت وطأة ضغوط دولية.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في الحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؛ إذ يستخدم كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تقنيات حديثة باتت جزءاً أساسياً من حروب أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا.

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها طرفا الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر على تزايد التكلفة البشرية لهذا النوع من الهجمات مع اتساع نطاق استخدامها بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في مدينة أم روابة، الخاضعة لسيطرة الحكومة في شمال كردفان، وهي الولاية الواقعة في وسط السودان، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تعرف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معنيّ بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 أشخاص قُتلوا وأصيب عشرات آخرون في استهداف المحكمة التي تعرضت لدمار واسع، في حين تناثرت أعمدة الواجهة وأجزاء من أحد أبرز مباني المدينة في محيط المكان. وبعد ذلك بيوم واحد، استهدفت طائرة مسيّرة كلية التنمية والعلوم التكنولوجية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى تدمير سقفها وإلحاق أضرار واسعة بمبانيها.

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ، وهو يقف وسط الدمار في حين كان عمال يزيلون الأنقاض، إن حارس أمن قُتل في الهجوم، وإن ثماني قاعات للمحاضرات تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: «فقدنا غفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف ثماني قاعات، حصل فيها دمار كامل»، مشيراً إلى أن أجزاء أخرى من الكلية تعرضت بدورها لدمار واسع. وعبرت أمنية أبو القاسم، وهي طالبة كانت قد أدت امتحاناً في الكلية قبل يوم واحد من الهجوم، عن حزنها وهي تقف بجانب الأنقاض، وقالت: «تدمرت كل الكلية، نحس أن أحلامنا تدمرت ومستقبلنا تدمر!».

مبنى محكمة في مدينة أم روابة بشمال كردفان تعرض لقصف بمسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في 16 سبتمبر (رويترز)

وفي مستشفى بمدينة أم روابة، روى صلاح بخيت، الذي سُحقت ذراعه وأصيب جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، أنه لجأ إلى المدينة بحثاً عن الأمان بعدما فرّ من الأُبيّض، التي تعرضت على مدى أشهر في وقت سابق من العام لهجمات بالمسيّرات، في خضم محاولة «قوات الدعم السريع» تشديد الضغط عليها.

وهكذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المواجهات البرية المباشرة على عدد من الجبهات، باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دوراً متزايداً في الحرب، سواء في استهداف المواقع العسكرية أو في ضرب مدن ومنشآت مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، بما ينقل جانباً متزايداً من تكلفة الحرب إلى السكان والمنشآت الحيوية.