أصدرت منظمة حقوقية إسرائيلية، اليوم (الاثنين)، تقريراً روى فيه جنود إسرائيليون تفاصيل عن الأساليب القاسية التي انتهجتها القوات الإسرائيلية لفتح ما وصوفوها بأنها «منطقة قتل» حول قطاع غزة من خلال تدمير أراض زراعية وإخلاء أحياء سكنية بأكملها في القطاع.
وقال الجنود الإسرائيليون الذين خدموا في قطاع غزة إنهم دمروا بشكل منهجي المباني والحقول الزراعية؛ لإنشاء منطقة عازلة مترامية الأطراف داخل القطاع في الأشهر الأولى من الحرب، وهي إجراءات وصفها الجنود، بمجموعة من الوسائل منها خلال مقابلات، بأنها تفتقر إلى مبرر واضح. بينما قال خبراء قانونيون إن هذه التكتيكات يبدو أنها تنتهك القانون الدولي.
يستند التقرير، الذي نُشر الاثنين، الصادر عن منظمة «كسر الصمت» الحقوقية الإسرائيلية إلى شهادات جنود خدموا في غزة وشاركوا في عملية المنطقة العازلة، التي تم توسيعها ليكون عمقها ما بين 800 و1500 متر داخل القطاع بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2024، والتي عملت القوات الإسرائيلية على المزيد من التوسيع لها منذ ذلك الحين.
ووفقاً لموقع «واشنطن بوست»، يشرح التقرير ما يصفه بأنه جهد منهجي من قبل الجيش الإسرائيلي لتدمير الأحياء والمناطق الصناعية والمناطق الزراعية على طول السياج الحدودي، التي تعدّ «حيوية لنسيج الحياة في قطاع غزة». وذكر التقرير أن الهدف والنتيجة هما توسيع ومضاعفة المنطقة العازلة القائمة داخل غزة.

وتأتي هذه الشهادات في الوقت الذي يوسع فيه الجيش الإسرائيلي مرة أخرى عملياته البرية في غزة، مع خطط «للاستيلاء على مناطق واسعة ستضاف إلى المناطق الأمنية الإسرائيلية»، وفق ما قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الأسبوع الماضي.
وقد أصدر الجيش الإسرائيلي مزيداً من أوامر الإخلاء، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن إنشاء ممر عسكري جديد بالقرب من رفح في جنوب غزة. وقال: «نحن نقطّع القطاع، ونزيد الضغط خطوة بخطوة».
وذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، يوم الخميس، أن الجيش الإسرائيلي وسّع بالفعل في الأيام الأخيرة من الممر الحدودي، وهو يسيطر الآن على نحو 30 في المائة من أراضي غزة.
وقال جويل كارمل، وهو جندي سابق في الجيش الإسرائيلي ومدير «المناصرة» بمنظمة «كسر الصمت»، إن التكتيكات الموصوفة في التقرير يمكن أن تمثل نهجاً لما يفعله الجيش الإسرائيلي وهو يستولي على مزيد من الأراضي.
وجاء في التقرير: «على عكس كثير من مناطق القتال الأخرى بقطاع غزة، فإن تدمير البنى التحتية والمباني في المنطقة العازلة حدث أحياناً بعد السيطرة على المنطقة، عندما لم يكن هناك تهديد مباشر أو ملموس للقوات».
واستند التقرير إلى عشرات الشهادات من الجنود الذين نُشروا في المنطقة العازلة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وأغسطس (آب) 2024، بالإضافة إلى ضابط كان في غرفة العمليات خلال التخطيط للمنطقة العازلة.

وحجب التقرير أسماء الجنود الذين أدلوا بشهاداتهم، ومن بينهم أفراد من ألوية المشاة ووحدات الهندسة القتالية وسلاح المدرعات. كما تحدث اثنان منهم مع صحيفة «واشنطن بوست» ومراسلين آخرين شريطة عدم الكشف عن هويتيهما.
في بداية الحرب، أُحضرت وحدات هندسية عسكرية إلى المناطق الحدودية الشمالية والشرقية لغزة، وأُمروا بهدم أكثر من 3500 مبنى باستخدام المتفجرات أو الجرافات، وفق ما شهد به الجنود في التقرير وفي مقابلات مع مجموعة صغيرة من الصحافيين الأسبوع الماضي.
وأضافوا أنهم أيضاً سَوَّوا البساتين وحقول المحاصيل بالأرض، التي كان الفلسطينيون يستخدمونها لزراعة القمح والشعير والزيتون واللوز والفراولة والحمضيات.
ابتداءً من أواخر أكتوبر 2023، قال رقيب احتياط، إن وحدته الهندسية القتالية «بدأت تتلقى تكليفات بمهام تتعلق بتفجير المنازل، أو ما تبقى منها على أي حال» في مدينة بشمال غزة.
وأضاف أنه لأسابيع عدة، اتبعت أيامهم نمطاً متكرراً: «يستيقظون في الصباح. تحصل كل فصيلة على 5 أو 6 أو 7 مواقع (منازل) من المفترض أن يعملوا عليها». كانوا يزوَّدون بالمتفجرات، بما فيها الألغام المضادة للدبابات والألغام اللاصقة لزرعها، ثم تتراجع القوات إلى مسافة آمنة، وتفجر منازل عدة في وقت واحد.
من نقطة مراقبة في جنوب إسرائيل الأسبوع الماضي، شاهد مراسلو «واشنطن بوست» خطاً من «المباني المهدمة الممتدة على طول الطرف الشرقي لمدينة غزة شمالاً باتجاه جباليا وبيت حانون. وعلى مد البصر، كانت المنطقة الحدودية مشهداً من الخراب، ولا يكسر الصمت إلا دوي نيران المدفعية من حين لآخر من موقع دبابة إسرائيلية إلى الشمال».

كانت أكوام من المعدن والخرسانة تقع مباشرة خلف ساتر ترابي طويل على بعد مئات عدة من الأمتار من السياج الحدودي. هذا هو كل ما تبقى مما كان في السابق منطقة صناعية.
جندي احتياط آخر في أحد ألوية المشاة عمل في شمال قطاع غزة أواخر عام 2023، قال للصحافيين إنه كان جزءاً من وحدة تحمي المهندسين العسكريين خلال تدميرهم المباني الصناعية في المنطقة «واحداً تلو الآخر، بطريقة منهجية للغاية». وذكر أنه رأى جبالاً من الزجاج المكسور حيث كان يوجد مصنع «كوكا كولا».
وكان التبرير الذي قدمه الضباط للجنود بشأن عمليات التدمير في معظم الأحيان هو أن ترك المباني على مقربة من الحدود أمر خطير للغاية؛ حيث يمكن لمقاتلي «حماس» استخدام المباني للاختباء أو إخفاء الأسلحة أو شن هجمات، على حد قولهم.
هذا المنطق أزعج رقيب الهندسة القتالية. وقال: «يمكنك أن تقول إنك بحاجة إلى إخلاء غزة من الناس لتكون إسرائيل آمنة، أو إن كل المباني يجب تدميرها، لكن هل هذا مبرَّر ومتناسب مع مستوى الخطر الذي يأتي من هذه الأماكن؟».
كتب عادل حق، أستاذ القانون الدولي في جامعة روتجرز، في رسالة بالبريد الإلكتروني، أن القانون الدولي الإنساني «يحظر أي تدمير من قبل دولة الاحتلال للممتلكات المدنية، إلا في حالة الضرورة القصوى للعمليات العسكرية». وقال إن «هذا المعيار لم يتحقق في هذه الحالة».
وأضاف أن الأراضي الزراعية، التي يُنظر إليها على أنها ضرورية لإعالة السكان المدنيين، تتمتع بحماية إضافية بموجب القانون الدولي. بالإضافة إلى ذلك، فإنه «من غير القانوني نقل المدنيين قسراً، ويجب أن تكون أي عمليات إجلاء مؤقتة». أما إذا كانت دائمة، فقد حذرت منظمة «كسر الصمت» بأنه «سيكون من الصعب وصف ذلك بغير (التطهير العرقي)».
وأشار رقيب المشاة إلى أنه عندما شارك في تدمير المنطقة الصناعية، أخبرهم الضباط أن «حماس» شنت هجوماً من هناك في 7 أكتوبر 2023. ولكن على أرض الواقع، كما قال، «لم نقابل أي أحد من (حماس) هناك، ولم نجد أي شيء يتعلق بـ(حماس) على الإطلاق».
وتابع: «تقدر قيمة هذه المنشآت الصناعية بمليارات الدولارات. كان ذلك كثيراً جداً. لقد كان مبالغاً فيه».
وفي الوقت نفسه، قال رقيب الهندسة العسكرية إن ضباط القيادة أشاروا إلى أن اثنين أو 3 فقط من عشرات المنازل التي فجرتها وحدته في غزة تعود إلى مقاتلي «حماس». ولكن في الغالب، «لم يقولوا أي مبرر»، على حد تعبيره.
وأضاف، في مقابلة، إن الوحدة لم تعثر على دلائل على وجود نشاط للمقاتلين في المكان، إلا في وقائع قليلة، مثل العثور على قنابل يدوية في سيارة، ومدخلين لنفقين.
ووفق ما قال الجنود لمنظمة «كسر الصمت»، فقد كانت قواعد الاشتباك غير واضحة في كثير من الأحيان، في حال رصدوا شخصاً بمحيط المكان. وذكر كثير منهم أنهم تلقوا تعليمات بإطلاق النار على أي شخص يدخل المنطقة. لكن لم تكن هناك علامات واضحة على الأرض تشير إلى من أين تبدأ بالضبط المنطقة العازلة الموسعة، التي تتراوح مساحتها بين 800 متر وأكثر من كيلومتر في نقاط مختلفة. ونقل التقرير عن نقيب في سلاح المدرعات عمل في جنوب غزة خلال أكتوبر ونوفمبر (تشرين الثاني) 2023، قوله: «لم يهتم أحد» بما إذا كان الأشخاص الذين أطلقوا النار عليهم مدنيين أم مسلحين.
وأضاف «الخط الحدودي منطقة قتل.. منطقة أكثر انخفاضاً.. أرض منخفضة... لدينا رؤية شاملة لها.. وهم كذلك».
وأوضح: «لقد رسمنا خطاً هو خط حدود (لمنطقة العمل)، من يعبره يعدّ مشتبهاً فيه، ولكن ليس من الواضح بالنسبة إليّ مدى معرفة الفلسطينيين بهذا الخط».
وقال إلياف ليبليخ، أستاذ القانون الدولي في جامعة تل أبيب، إن مثل هذه الأوامر «ستكون غير قانونية».
وكتب: «يجب على الأطراف التمييز بين المدنيين والمقاتلين في جميع الأوقات، ويجب أن يكون هذا التمييز مبنياً على تقييم ملموس. لا يمكن الافتراض أن جميع الأشخاص في منطقة معينة هم مقاتلون».
وجاءت هذه الشهادات من جنود كانوا يخدمون في غزة أواخر 2023، بعد دخول القوات الإسرائيلية القطاع مباشرة وحتى أوائل 2024. ولم تشمل أحدث العمليات لتوسيع الأراضي التي يسيطر عليها الجيش بشكل كبير.
وقال جنود إن القوات استخدمت في المراحل المبكرة لتوسيع المنطقة الجرافات والحفارات الثقيلة، إلى جانب آلاف الألغام والمتفجرات، في تدمير نحو 3500 مبنى، بالإضافة إلى مناطق زراعية وصناعية كان من الممكن أن تكون حيوية في إعادة الإعمار بعد الحرب.
وكان تقرير منفصل صادر عن منظمة «جيشاة-مسلك» الحقوقية الإسرائيلية قد أشار إلى تدمير نحو 35 في المائة من الأراضي الزراعية في غزة، ومعظمها على أطراف القطاع.
ونقل التقرير عن جندي احتياط خدم في سلاح المدرعات قوله: «في واقع الأمر، كنا نأتي على الأخضر واليابس... كل شيء... كل مبنى وكل منشأة». وقال جندي آخر إن المنطقة بدت «مثل هيروشيما».
وقالت منظمة «كسر الصمت»، التي أسستها مجموعة من الجنود الإسرائيليين السابقين تهدف إلى رفع مستوى الوعي بتجربة الجنود التي تخدم في الضفة الغربية المحتلة وغزة، إنها تحدثت إلى جنود شاركوا في عملية الخط الحدودي ونقلت أقوالهم دون ذكر أسمائهم.
ووصف جندي من وحدة الهندسة القتالية الصدمة التي شعر بها عندما رأى الدمار الذي خلفه بالفعل القصف الأولي للمنطقة الشمالية من قطاع غزة عندما أُرسلت وحدته لأول مرة لبدء عمليتها للتطهير.
وقال: «كان الأمر يتخطى حدود الواقع، حتى قبل أن ندمر المنازل عندما دخلنا. كان يبدو غير واقعي كما لو كنت في فيلم».
وأضاف: «ما رأيته هناك حسبما بدا لي كان يتجاوز ما أستطيع تبريره إذا احتجت لفعل ذلك. الأمر يرتبط بمدى تناسب ذلك مع الواقع».
«مجرد كومة من الركام»
تحدث الجنود عن تجريف للأراضي الزراعية ومنها أشجار الزيتون وحقول الباذنجان وغيرها، وذلك علاوة على تدمير مناطق ومنشآت صناعية وشركة للصناعات الدوائية.
وحكى أحد الجنود عن «منطقة صناعية ضخمة ومصانع كبيرة تحولت إلى مجرد كومة من الركام والخرسانة المحطمة».
وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية حتى الآن عن مقتل أكثر من 50 ألف فلسطيني، وفقاً لبيانات السلطات الصحية في غزة التي لا تفرق بين المدنيين والمسلحين. ويقدر الجيش الإسرائيلي أنه قتل نحو 20 ألفاً من المسلحين.
وأدى القصف إلى تدمير مساحات واسعة من القطاع ونزوح مئات الآلاف إلى خيام أو الإقامة في عقارات تضررت بفعل القذائف.
وقال القائد في سلاح المدرعات: «يتخذ قادة السرايا قرارات متنوعة بهذا الشأن؛ لذا فالأمر في النهاية يعتمد على شخصياتهم. لكن لا يوجد نظام للمساءلة عموماً».

في بيان مطول نشرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني خلال ديسمبر 2023، في ذروة عمليات التطويق بمحيط قطاع غزة، كتبت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الجيش ملتزم باتباع القانون الدولي وتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
وجاء في البيان: «من أجل توفير إنذار مسبق فعال وتخفيف الأضرار التي تلحق بالمدنيين، شجع الجيش الإسرائيلي المدنيين على الإخلاء المؤقت من المناطق التي تشهد الأعمال العدائية المكثفة، ومن بعض الأهداف الفردية».
وقال كارمل إن الدمار، خصوصاً تدمير الأراضي الزراعية، ستكون له تداعيات طويلة الأمد على الحكم الذاتي في غزة.
وأضاف: «نحن نتحدث عن 35 في المائة من الأراضي الزراعية في غزة التي تم محوها بالكامل. هذا يعني أن فرصة اعتماد السكان الفلسطينيين في غزة على أنفسهم تتضاءل كثيراً».
وأصبحت مزرعة الفراولة التي يملكها محمود الشافعي في بيت لاهيا من ضحايا عمليات التطهير الإسرائيلية. كان المزارع البالغ من العمر 42 عاماً والأب لأربعة أطفال قد انتهى للتو من زراعة الشتلات قبل أن تشن «حماس» هجماتها على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
وقال الشافعي، لموقع «واشنطن بوست»، إنه سمع إطلاق الصواريخ وهو في طريقه إلى المزرعة في ذلك الصباح وإنه عاد أدراجه. وقد نزح مع عائلته مرات عدة خلال الحرب التي تلت ذلك، وعاش مع عائلته معتمداً على المساعدات وبعض الدخل من أعمال غير ثابتة.
لم يرَ الشافعي مزرعة الفراولة مرة أخرى، وعندما زار أصدقاؤه المنطقة خلال وقف إطلاق النار في نوفمبر 2023، أخبروه أنها جرفت بالكامل.





