تقرير طبي يكشف سبب وفاة مراهق فلسطيني في سجن إسرائيلي: جوع حتى الموت

اعتقل في سبتمبر الماضي بتهمة إلقاء الحجارة على جنود

الأسير وليد أحمد (17 عاماً) الذي توفي في سجن «مجدو» الإسرائيلي (شبكة «قدس»)
الأسير وليد أحمد (17 عاماً) الذي توفي في سجن «مجدو» الإسرائيلي (شبكة «قدس»)
TT

تقرير طبي يكشف سبب وفاة مراهق فلسطيني في سجن إسرائيلي: جوع حتى الموت

الأسير وليد أحمد (17 عاماً) الذي توفي في سجن «مجدو» الإسرائيلي (شبكة «قدس»)
الأسير وليد أحمد (17 عاماً) الذي توفي في سجن «مجدو» الإسرائيلي (شبكة «قدس»)

أشار تقرير طبي إلى أن الجوع هو السبب الرئيسي في وفاة مراهق فلسطيني توفي بسجن إسرائيلي، وفقاً لطبيب إسرائيلي أشرف على تشريح الجثة.

وأفاد تقرير كتبه الدكتور دانيال سولومون، الذي أشرف على تشريح الجثة الذي أجراه خبراء إسرائيليون بناءً على طلب عائلة الصبي، بأن وليد أحمد، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي احتُجز لمدة 6 أشهر دون توجيه تهمة إليه، عانى من سوء تغذية حاد، كما ظهرت عليه علامات التهاب القولون والجرب.

وحصلت وكالة «أسوشييتد برس» على نسخة من تقرير سولومون من العائلة. لم يخلص التقرير إلى سبب الوفاة، لكنه قال إن أحمد كان في حالة فقدان شديد للوزن وهزال عضلي. كما أشار التقرير إلى أن أحمد قد اشتكى إلى السجن من عدم كفاية الطعام منذ ديسمبر (كانون الأول) على الأقل، مستشهداً بتقارير من العيادة الطبية في السجن.

واعتقل أحمد يوم 30 سبتمبر (أيلول) الماضي من منزله في بلدة سلواد شرقي رام الله، وظل محتجزاً حتى وفاته في 22 مارس (آذار).

وتوفي أحمد الشهر الماضي بعد انهياره في سجن مجدو الإسرائيلي وارتطام رأسه، حسبما قال مسؤولون فلسطينيون، مستشهدين بروايات شهود عيان من سجناء آخرين. وقالت مصلحة السجون الإسرائيلية إنه تم تعيين فريق للتحقيق في وفاة أحمد، وسيتم إرسال نتائج التحقيق إلى السلطات المختصة.

الفتى الفلسطيني وليد أحمد (هيئة شؤون الأسرى والمحررين)

وأحمد هو أصغر سجين فلسطيني يموت في سجن إسرائيلي منذ بدء حرب غزة، وفقاً لمنظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» في إسرائيل، التي وثقت وفيات السجناء الفلسطينيين. وقالت عائلة أحمد إنه تم احتجازه من منزله في الضفة الغربية المحتلة خلال مداهمة قبل الفجر في سبتمبر بتهمة إلقاء الحجارة على الجنود.

«هيئة شؤون الأسرى»: لم يحصل على كمية كافية من الطعام

وقالت «هيئة شؤون الأسرى والمحررين» التابعة لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» و«نادي الأسير» في بيان مشترك: «أظهرت الفحوص وجود انتفاخ هوائي، وتكتلات هوائية كثيفة تمتد إلى غشاء القلب، والرقبة وجدار الصدر والبطن والأمعاء، إلى جانب وجود ضمور شديد، وبطن غائر، وغياب تام لكتلة العضلات والدهون تحت الجلد في الجزء العلوي من الجسم والأطراف». وأضاف البيان أن التشريح كشف أيضاً عن «وجود بقع عدة من الطفح الجلدي الناتج عن إصابته بالجرب، وتحديداً على الأطراف السفلية، ومناطق أخرى من جسده».

وجاء في البيان المشترك أن الوفاة حدثت رغم «معاينة وليد في شهر ديسمبر 2024، وشهر فبراير (شباط) 2025، إثر إصابته بمرض الجرب، ومعاينته مرة أخرى لشكواه بعدم حصوله على كمية طعام كافية». وأضاف البيان أنه لم ينقل لعيادة السجن سوى يوم 22 مارس بعدما فقد الوعي حيث «فشلت محاولة إنعاشه»، وتم الإعلان عن وفاته، حسبما نقلت وكالة «رويترز» للأنباء.

آراء طبية تؤكد معاناته من الجوع

إلى ذلك، أكدت محامية عائلة أحمد، نادية دقة، لوكالة «أسوشييتد برس»، أن سليمان، وهو جراح جهاز هضمي، قد حصل على إذن بمراقبة التشريح من قِبَل محكمة مدنية إسرائيلية.

ووفقاً لتقرير الدكتور سليمان، فإن تشريح الجثة أظهر أن أحمد ربما عانى من التهاب في الأمعاء الغليظة، وهي حالة تعرف باسم التهاب القولون التي يمكن أن تسبب الإسهال المتكرر، ويمكن أن تسهم في الوفاة في بعض الحالات. لكنّ خبراء طبيين قالوا إن التهاب القولون لا يسبب عادةً الوفاة لدى المرضى الصغار، ومن المرجح أنه تفاقم بسبب سوء التغذية الحاد، وفقاً للوكالة الأميركية.

واجهة سجن «مجدو» الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)

قالت الدكتورة لينا قاسم حسن، رئيسة مجلس إدارة «منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان» في إسرائيل، التي راجعت التقرير بناءً على طلب وكالة «أسوشييتد برس»: «لقد عانى (أحمد) من الجوع الذي أدى إلى سوء تغذية حاد، بالإضافة إلى التهاب القولون غير المعالج الذي تسبب في الجفاف واضطرابات في مستويات الأملاح في دمه، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في معدل ضربات القلب والوفاة». وأضافت لينا حسن أن النتائج أشارت إلى إهمال طبي تفاقم بسبب عدم قدرة أحمد على مكافحة المرض أو العدوى بسبب سوء التغذية والضعف الذي كان يعاني منه.

وقال فراس الجبريني، محامي أحمد، إن السلطات الإسرائيلية رفضت طلباته لزيارة موكله في السجن، لكن ثلاثة سجناء محتجزين هناك أخبروه أن أحمد عانى من إسهال شديد وقيء وصداع ودوار قبل وفاته. وقال المحامي إنهم يشتبهون في أن سبب ذلك هو المياه الملوثة، بالإضافة إلى الجبن والزبادي الذي أحضره حراس السجن في الصباح وظل في الخارج طوال اليوم بينما كان المعتقلون صائمين في شهر رمضان.

وفي سياق متصل، قال الدكتور آرن ستراي بيدرسن، أستاذ الطب الشرعي بجامعة أوسلو في النرويج، الذي لم يشارك في تشريح الجثة، لوكالة «أسوشييتد برس»، إن التقرير يشير إلى وجود فترة طويلة من سوء التغذية والمرض استمرت لبضعة أسابيع أو أشهر على الأقل. وأضاف: «بناءً على التقرير، أفسر السبب الكامن وراء الوفاة على أنه هزال».

وذكر التقرير أيضاً أنه لوحظت طفح جلدي ناتج عن الجرب على ساقيه ومنطقة الأعضاء التناسلية. وأضاف التقرير أنه كان هناك أيضاً هواء بين رئتيه امتد إلى رقبته وظهره، مما قد يسبب العدوى. وأضاف أن الهواء يمكن أن يأتي من تمزقات صغيرة في الرئتين، والتي يمكن أن تحدث بسبب القيء الشديد أو السعال.

عائلة أحمد لم تستلم شهادة وفاته

وقالت عائلة أحمد إنه كان طالباً في المدرسة الثانوية يتمتع بصحة جيدة، وكان يستمتع بلعب كرة القدم قبل احتجازه. وقال والده، خالد أحمد، إن ابنه حضر أربع جلسات استماع قصيرة في المحكمة عبر الفيديو، ولاحظ في إحداها، في فبراير، أن ابنه بدا في حالة صحية سيئة. قال أحمد الأكبر، الجمعة، إن العائلة لم تستلم بعدُ شهادة وفاة من إسرائيل، ويأملون أن يساعد تقرير الدكتور سليمان في إعادة جثمان ابنه إلى الوطن. وأضاف: «سنطالب بجثمان ابننا لدفنه. ما يحدث في السجون الإسرائيلية مأساة حقيقية، إذ لا قيمة للحياة».

أوضاع قاسية للمحتجزين الفلسطينيين

وتقول جماعات حقوق الإنسان إن هناك انتهاكات واسعة النطاق في السجون الإسرائيلية، وفي مرافق الاحتجاز الإسرائيلية، التي تحتجز آلاف الفلسطينيين الذين تم اعتقالهم بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي أشعل الحرب في قطاع غزة.

وتقول السلطة الفلسطينية إن إسرائيل تحتجز جثث 72 أسيراً فلسطينياً لقوا حتفهم في السجون الإسرائيلية، من بينهم 61 لقوا حتفهم منذ بداية الحرب. وكثيراً ما تحتفظ إسرائيل بجثث القتلى الفلسطينيين، متعللة بأسباب أمنية أو من أجل الضغط السياسي. وقال معتقلون سابقون لوكالة «أسوشييتد برس»، إن الأوضاع في السجون الإسرائيلية قد تدهورت منذ بدء الحرب. ووصفوا الضرب والاكتظاظ الشديد والرعاية الطبية غير الكافية وتفشي الجرب وسوء الظروف الصحية.

ويشتكي المعتقلون الفلسطينيون المفرج عنهم من السجون الإسرائيلية خلال الفترة الماضية من عدم وجود طعام كافٍ، إضافة إلى الازدحام في غرف الحبس، وتكشف صور لمعتقلين قبل اعتقالهم وبعد الإفراج عنهم عن نقص واضح في أوزانهم.

وقال ناجي عباس، رئيس قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» في إسرائيل، إن سجن مجدو، وهو منشأة أمنية مشددة يُحتجز فيها العديد من المعتقلين الفلسطينيين، بمن فيهم المراهقون، دون تهمة، يُعدُّ من أقسى السجون.

وأكدت مصلحة السجون الإسرائيلية أنها تعمل وفقاً للقانون، وأن جميع السجناء يتمتعون بحقوقهم الأساسية، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتشير الإحصاءات الفلسطينية الرسمية إلى أن إسرائيل تعتقل في سجونها ما يقرب من «عشرة آلاف فلسطيني بينهم 350 طفلاً و26 أسيرة».


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».