كيف تحافظ موسكو على «توازن دقيق» يعزز مواقعها في المواجهة الصينية - الأميركية؟

روسيا والصين «صديقان للأبد»... والتقارب مع واشنطن لا يغيِّر سياسات الكرملين

جانب من مباحثات وزيري الخارجية الروسي والصيني في موسكو الثلاثاء (رويترز)
جانب من مباحثات وزيري الخارجية الروسي والصيني في موسكو الثلاثاء (رويترز)
TT

كيف تحافظ موسكو على «توازن دقيق» يعزز مواقعها في المواجهة الصينية - الأميركية؟

جانب من مباحثات وزيري الخارجية الروسي والصيني في موسكو الثلاثاء (رويترز)
جانب من مباحثات وزيري الخارجية الروسي والصيني في موسكو الثلاثاء (رويترز)

الرسالة الأهم التي حرص وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، على توجيهها وهو يستقبل نظيره الصيني وانغ يي، الثلاثاء، أكدت أن مسار التقارب الذي انطلق في علاقات الكرملين مع الإدارة الأميركية لن يؤثر في علاقات الشراكة الاستراتيجية مع الصين.

وزير الخارجية الصيني في موسكو (إ.ب.أ)

إذ تصر روسيا على التزامها استراتيجية تعزيز «الروابط الروسية الصينية» بشكل مستدام، رغم أنها تواجه تحديات المحافظة على توازن دقيق في العلاقة مع الطرفين الأميركي والصيني.

قال الوزير إن «روسيا والصين متَّحدتان ليس فقط من خلال الأخوة التاريخية والعسكرية والحدود المشتركة الطويلة، ولكن أيضاً بتقاليد عريقة لحسن الجوار والشراكة الواسعة في إطار المصالح الوطنية. وهذا ما يرشدنا إليه الرئيسان فلاديمير بوتين وشي جينبينغ. مؤخراً، وخلال محادثة بتقنية الفيديو، مسبوقة باتصال هاتفي، أكد الزعيمان مجدداً نيتهما المشتركة تعزيز العلاقات الروسية - الصينية باستمرار. وسنبذل قصارى جهدنا لتنفيذ اتفاقياتهما بكفاءة».

وأكد لافروف أن أغلبية دول العالم ترى أن مسؤولية موسكو وبكين في التنسيق الوثيق على الساحة الدولية هي العامل الأكثر أهمية للاستقرار في هذه الأوقات الصعبة.

جانب من مباحثات وزيري الخارجية الروسي والصيني في موسكو اليوم (أ.ف.ب)

بهذه العبارات اختصر الوزير رؤية بلاده لمستوى العلاقات مع بكين، في وقت ازدادت التساؤلات عن موقف موسكو حيال تركيز إدارة الرئيس دونالد ترمب على تصعيد سياسة احتواء الصين، وإصراره على ضرورة أن تشترك بكين في أي محادثات مستقبلية لتقليص السلاح الاستراتيجي.

بدأ وانغ يي زيارةً لروسيا تمتد حتى الأربعاء، ويُنتظر أن يستقبله خلالها الرئيس الروسي، في تأكيدٍ على مستوى العلاقات بين البلدين. وبحث الوزيران تعزيز وتطوير العلاقات بين البلدين، وكذلك القضايا الدولية بما في ذلك مساعي التسوية في أوكرانيا.

في السياق نفسه، قال وزير الخارجية الصيني إن العلاقات بين موسكو وبكين «لا تقبل التدخل أو الاضطراب»، مؤكداً الروابط المتميزة بين البلدين «الصديقين للأبد».

بوتين مستقبِلاً نظيره الصيني شي جينبينغ في قازان 22 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

وأعرب الوزير عن تطابق موقف بلاده الكامل مع موقف الرئيس الروسي وتقييمه للمستوى غير المسبوق للعلاقات بين البلدين على الرغم من الوضع الصعب في العالم ومواصلة البلدين تعزيز العلاقات بينهما.

وأضاف أن بكين وموسكو ستساعدان على تعزيز النظام العالمي العادل. وشدد على أن بكين تتفهم موقف موسكو وتدعمه بشكل كامل «لأن روسيا تدافع عن حقوقها ومصالحها المشروعة بالوسائل الدبلوماسية».

وفي رسالة مباشرة، انتقد الوزير إشارة ترمب إلى أنه يحاول توظيف دعم بلاده لموقف موسكو ووضعها في خلاف مع بكين. وشدد على أن العلاقات الروسية - الصينية لا تشكل تهديداً للآخرين، وأن موسكو وبكين ليستا بصدد المواجهة مع دول ثالثة.

وأكد أن العلاقات الروسية - الصينية ليست عُرضة للتدخل وتمثل فقط مثالاً حديثاً لنوع جديد من العلاقات بين القوى العظمى، وعامل استقرار مهماً في عالم مضطرب.

صورة أرشيفية للرئيسين ترمب وبوتين خلال قمة العشرين في اليابان يونيو 2019 (أ.ب)

وأضاف: «روسيا والصين بصفتهما قوتين عالميتين وعضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، تتحملان مسؤولية خاصة في الحفاظ على السلم والتنمية في جميع أنحاء العالم».

ومع تطابق مواقف الطرفين في هذا المجال، وتأكيد عدم تأثر العلاقات بانطلاق مسار التطبيع بين موسكو وواشنطن، بدا أن تركيز الجانبين انصبَّ على عدد من العناصر التي يشكل بعضها قضايا خلافية مباشرة مع واشنطن. وبالدرجة الأولى موضوع انضمام بكين إلى أي مفاوضات لتقليص التسلح مستقبلاً.

في هذا المجال تنطلق بكين من «تفهم روسي كامل لمواقفها» وفقاً لتأكيدات الكرملين أكثر من مرة. وقال وانغ يي، في مقابلة مع وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية، إن الصين لديها ترسانة نووية أصغر بشكل لا يقارن مع الولايات المتحدة، ولذلك ترى طلب واشنطن الانضمام إلى محادثات نزع السلاح النووي غير عادل وغير واقعي. ووفقاً له: «ترسانة الصين النووية أدنى بكثير من القوات الأميركية، وسياستهما النووية وبيئتهما الأمنية الاستراتيجية تختلفان اختلافاً جوهرياً، لذا فإن مطالبة الولايات المتحدة بانضمام الصين إلى محادثات نزع السلاح النووي الثلاثية غير عادلة وغير واقعية حالياً. علاوة على ذلك، دعت روسيا مراراً وتكراراً في هذا الصدد إلى احترام حقوق الصين في المجال النووي».

صورة مركَّبة لرؤساء الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا (أ.ب)

وشدد الوزير على التزام بلاده استراتيجية الدفاع النووي، وأنها «لا تنوي الدخول في سباق تسلح نووي».

هذا الموقف أكدت الخارجية الروسية عدة مرات في السابق، أن موسكو تتفهمه وتدعمه. وتنطلق موسكو في هذا المجال بإقامة التوازن في العلاقة بين الجانبين، من ضرورة «إشراك كل أعضاء النادي النووي في الحديث عن ملفات التقليص أو الرقابة على تقليص السلاح»، في إشارة مباشرة إلى ضرورة أن تقوم واشنطن بالضغط على حلفائها خصوصاً في لندن وباريس للانضمام إلى أي مفاوضات مستقبلية بدلاً من التركيز على الصين وحدها. وهذا الملف كما أكد خبراء مقربون من الكرملين «سيكون مطروحاً على طاولة أي حوار مستقبلي بين بوتين وترمب».

النقطة الثانية، البارزة في التصريحات التي رافقت زيارة الوزير الصيني، تقوم على أن بكين تدعم خفض التصعيد حول أوكرانيا، وتدعم مطالب موسكو، لكنها لا ترى أن خطوات الرئيس ترمب يمكن أن تُفضي إلى سلام حقيقي في أسرع وقت، خلافاً لتعهداته المعلنة.

وقال الوزير الصيني إن بلاده ما زالت لا ترى خطوات فعلية لإنهاء النزاع. هذا الموقف رغم أن موسكو لا تعلق عليه رسمياً فإنه يدعم موقفها العام في المفاوضات، وكرر الكرملين أكثر من مرة أنه يرحب بمناقشة كل الأفكار «التي يطرحها الشركاء» وعلى رأسهم الصين.

صورة من عام 2019 للرئيسين ترمب وشي جينبينغ خلال مشاركتهما في قمة «العشرين» بأوساكا (أ.ب)

وكان لافتاً أن موسكو وبكين سرعتا وتيرة النقاشات الثنائية الهادفة إلى «ضبط الساعات» وتوحيد السياسات في التعامل مع المتغيرات الجارية حولهما بما في ذلك على صعيد التعامل مع سياسات ترمب.

وخلال اليومين الماضيين نُظمت في الصين أعمال مؤتمر «فالداي» للحوار الاستراتيجي الذي يضم نخبة مهمة من الخبراء المقربين من الكرملين، بالتعاون مع مركز الدراسات الروسية في جامعة شرق الصين في شنغهاي، وجرى خلال المؤتمر مناقشة أوجه العلاقة بين موسكو وبكين، وتأثيرات المتغيرات السياسية بما في ذلك على صعيد التقارب الروسي - الأميركي المحتمل.

في هذا المؤتمر قال أحد أبرز الخبراء الروس، فاسيلي كاشين، مدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد التابعة لجامعة الأبحاث الوطنية، إن الولايات المتحدة تدرك قوة العلاقات بين روسيا والصين.

وزاد: «هناك وجهة نظر تبسيطية مفادها أن الأميركيين يعتمدون على التأثير بطريقة ما على العلاقات بين روسيا والصين، لكنهم في الواقع يدركون قدراتهم بشكل واقعي، ويدركون أن العلاقات بين روسيا والصين متينة للغاية. بل إن المسألة تكمن في أنه بتقليل المواجهة والتناقضات مع روسيا في أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، يمكنهم (الولايات المتحدة) توفير الموارد لتركيز جهودهم على المحيط الهادئ».

وحسب رأيه، فإن العملية الأساسية ستكون تغيير دور الولايات المتحدة وحلفائها في المجال الاستراتيجي في آسيا.

ووفقاً له فإن الولايات المتحدة تُبدي اهتماماً بالغاً بالإمكانات النووية الصينية. وقد «شهدت التوقعات الأميركية بشأن نمو القوات النووية الصينية موجاتٍ من التغييرات. وهذه التقييمات، التي تُشير إلى أن الصين ستصبح قوةً نوويةً تُضاهي الولايات المتحدة وروسيا بحلول عام 2035، لها بالفعل عواقب وخيمة على علاقات الولايات المتحدة مع عددٍ من شركائها».

الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين خلال افتتاح مؤتمر الشعب (أ.ف.ب)

وأشار إلى بدء عملية إعادة تقييم التفاعل في المجال الاستراتيجي بين اليابان والولايات المتحدة، في الوقت الذي يتم فيه تعزيز التعاون بين البلدين في مجال التخطيط النووي. ورأى أن هذا «قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة للغاية في الوضع الاستراتيجي في آسيا ويصبح سابقة خطيرة للغاية للشراكات الأميركية الأخرى في آسيا».

يوضح هذا الحديث كيف تنطلق موسكو في تقييم سياساتها وهي تعزز التقارب مع الصين وفي الوقت نفسه تسعى إلى تقارب مع واشنطن.

ويبدو أن الطرف الصيني ينطلق من الرؤية ذاتها، وقال مدير مركز الدراسات الروسية في جامعة شرق الصين للمعلمين في شنغهاي، ليو جون، خلال أعمال المؤتمر نفسه، إن إقامة الحوار بين روسيا والولايات المتحدة لن يضر بالتطور المستقر للعلاقات الصينية - الروسية.

ووفقاً له فإن «التقارب بين روسيا والولايات المتحدة لن يكون له تأثير كبير على التطور الصحي والمستقر للعلاقات الصينية - الروسية على المدى الطويل، وستواصل الصين وروسيا المضي قدماً بثبات على المسار المقصود»، منطلقاً من أن «الوضع الحالي بين الصين وروسيا والولايات المتحدة يختلف اختلافاً جوهرياً عن نموذج الحرب الباردة».

ترمب هدد بفرض «رسوم جمركية ثانوية» على النفط الروسي وقال إنه يخطط للتحدث مع بوتين الأسبوع المقبل (أ.ف.ب)

كان المنطق الأساسي لعلاقات المثلث الكبير خلال الحرب الباردة هو التحالفات الثنائية أو شبه التحالفات لمواجهة أطراف ثالثة. ومع ذلك، لا الصين ولا روسيا تدعوان حالياً إلى إنشاء تحالفات، ولا تعارضان فقط العودة إلى لعبة القوى العظمى التي سادت في حقبة الحرب الباردة. بل تدعوان إلى رفض التكتلات والمواجهة واستهداف الدول الثالثة».

لكن هذا المدخل لا يعني أن موسكو لا تراقب بحذر سياسات كل من الصين والولايات المتحدة في مناطق حدودها. وكان لافتاً على هذا الصعيد تنظيم المنتدى الدولي السادس «القطب الشمالي: أرض الحوار» قبل أيام معدودة، وحرص بوتين على حضور أعماله. خلال المناقشات برزت إشارات إلى أنه «ليس الاتحاد الروسي وحده الذي يعزز نشاطه في القطب الشمالي؛ فالصين لديها أيضاً خطط كبيرة لهذه المنطقة». ويواصل ترمب بدوره الحديث عن نيته وضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية.

وتشعر موسكو بأن التنافس على المنطقة يحتدم وأن الطرفين الصيني والأميركي سرَّعا وتيرة تحركاتهما فيها.

وحسب مايكل بول، الخبير في الأمن البحري في مؤسسة العلوم والسياسة في برلين فإن كلاً من موسكو وواشنطن تخشيان النفوذ الصيني المفرط في هذه المنطقة، وهنا أيضاً يبرز ملف حوار ثنائي يلبِّي مصالحهما.


مقالات ذات صلة

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

أوروبا ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب) play-circle

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف، الخميس، وتقارير تتحدث عن عرقلة اتفاق ما بعد الحرب في أوكرانيا بسبب أزمة غرينلاند

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد محطة معالجة النفط في حقل ياراكتا النفطي التابع لشركة إيركوتسك للنفط في منطقة إيركوتسك - روسيا (رويترز)

روسيا: توقعات بعجز كبير في الميزانية العامة بفعل نقص عائدات النفط

من المرجح أن تظهر الميزانية الفيدرالية الروسية عجزاً كبيراً مع بداية هذا العام، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نقص عائدات النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية بانقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، القادة الذين «يزدرون القانون الدولي»، وذلك فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه في «منتدى دافوس» في سويسرا.

وقال غوتيريش عبر منصة «إكس»: «عندما يتعامل القادة بازدراء مع القانون الدولي، وينتقون القواعد التي يطبقون ويتجاهلون غيرها، فإنهم يقوّضون النظام العالمي ويؤسسون لسابقة خطيرة».

وأضاف: «وحين تتمكن قلة من الأفراد من تشويه السرديات العالمية للأحداث، والتأثير في الانتخابات، أو فرض اتجاهات النقاش العام، نكون أمام حالة من اللامساواة وفساد يطال المؤسسات وقيمنا المشتركة».

وقال الرئيس الأميركي، في خطابه أمام «منتدى دافوس»، إن الولايات المتحدة هي «محرّك» الاقتصاد العالمي، مضيفاً: «عندما تزدهر أميركا يزدهر العالم... وعندما تسوء أحوالها، تسوء أحوال الجميع»، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحاول الرئيس الأميركي التركيز على جهوده لكبح التضخم وتحفيز الاقتصاد الأميركي. لكن ظهوره في هذا التجمع الذي ضمّ نخبة العالم، ركّز أكثر على شكواه من الدول الأخرى. وكرّر مراراً أن الولايات المتحدة هي الأقدر على السيطرة على غرينلاند، وسخر من معظم دول أوروبا لمعارضتها الفكرة.

وقال ترمب: «أنا أحب أوروبا وأريد أن أراها مزدهرة، لكنها لا تسير في الاتجاه الصحيح». وأضاف: «نريد حلفاء أقوياء، لا حلفاء ضعفاء».


الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)
TT

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

من المتوقع أن يجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف في موسكو، الخميس.

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، لوكالة «تاس» للأنباء: «نتوقع هذا اللقاء غداً، فهو مدرج على جدول أعمال الرئيس»، من دون تحديد مكان انعقاده.

أما ويتكوف فأشار في تصريح لوكالة «بلومبرغ» خلال وجوده في منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا، إلى أنه يعتزم السفر إلى موسكو، مساء الخميس، برفقة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبل التوجه إلى الإمارات. وذكر ويتكوف أن الجانب الروسي طلب عقد اجتماع، معتبراً ذلك إشارة مهمة. وقال ويتكوف لوسائل إعلام أميركية إنه يرغب في مقابلة بوتين.

وكان ويتكوف وكوشنر قد التقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو مطلع ديسمبر (كانون الأول)، لتقديم مقترحات ترمي إلى إيجاد مخرج للنزاع الذي اندلع عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأفادت تقارير، في وقت سابق، بأن ممثلين عن روسيا والولايات المتحدة ناقشوا العلاقات الثنائية وتسويةً بشأن السلام في أوكرانيا على هامش المنتدي دافوس. وأفادت وسائل إعلام روسية بأن ويتكوف وكوشنر والمفاوض الروسي كيريل ديمترييف عقدوا اجتماعاً، مساء الثلاثاء.

ولم يتم الإعلان عن نتائج، ولم يدل ويتكوف بتصريحات عبر قنواته المعتادة، لكن صحيفة «إيفيزتيا» الروسية نقلت عنه قوله إن الاجتماع كان إيجابياً للغاية. وأشار ويتكوف أيضاً إلى أنه يعتزم لقاء مسؤولين أوكرانيين كبار في دافوس، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

ومنذ أشهر، يجري الموفدون الأميركيون مفاوضات منفصلة مع كييف وموسكو للتوصل إلى اتفاق يهدف إلى وضع حد لنحو أربع سنوات من القتال، إلا أن قضايا عدة لا تزال عالقة، من بينها مسألة الأراضي التي تسيطر عليها روسيا والضمانات الأمنية لأوكرانيا. وتطالب كييف بالحصول على ضمانات واضحة من حلفائها الغربيين بشأن أمنها في حال التوصل لوقف لإطلاق النار.

ويريد ترمب إنهاء الحرب في أوكرانيا التي استمرت نحو أربع سنوات. وقد اقتصرت محادثات مبعوثيه حتى الآن بشكل رئيسي على الجانب الأوكراني، بمشاركة دول أوروبية في بعض جولات المحادثات. ولا تشارك القيادة الروسية برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين بشكل مباشر في المحادثات، ولكن من خلال علاقاتها مع ويتكوف وكوشنر.

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، أن معارضة أوروبا لمساعي الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب للسيطرة على غرينلاند ولمبادرته المعروفة باسم «مجلس السلام»، عطلت خطط إعداد حزمة دعم اقتصادي لأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب.

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس (أ.ب)

ونقلت الصحيفة عن ستة ‌مسؤولين أنه ‌تم تأجيل ‌إعلان ⁠مزمع عن ​خطة ازدهار ‌بقيمة 800 مليار دولار كان من المقرر الاتفاق عليها بين أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة، على هامش منتدى دافوس هذا الأسبوع.

وقال مسؤول للصحيفة: «لا أحد في حالة تسمح بإقامة استعراض كبير حول اتفاق مع ترمب في الوقت ​الراهن»، مضيفاً أن الخلافات حول غرينلاند ومجلس السلام طغت ⁠على التركيز السابق على أوكرانيا في اجتماع دافوس.

وذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، أنه مستعد للسفر إلى دافوس، حيث يجتمع قادة العالم في المنتدى، فقط إذا كانت واشنطن مستعدة للتوقيع على وثائق تتعلق بالضمانات الأمنية لأوكرانيا ‌وخطة للازدهار بعد الحرب.

ويتخوف حلفاء كييف الأوروبيون من أن تطالب الولايات المتحدة أوكرانيا بالتنازل عن أراض. وقال كيريل دميترييف، مبعوث بوتين، بعد محادثات مع ويتكوف وكوشنر في دافوس: «الحوار كان بنّاءً، ويتفهم عدد أكبر من الناس سلامة الموقف الروسي». ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن ويتكوف قوله: «عقدنا اجتماعاً إيجابياً للغاية». وذكر مصدر، اشترط عدم نشر اسمه، ​أن الاجتماع استمر ساعتين.

المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي ينتظران وصول ترمب إلى مطار في نيوجيرسي (أ.ب)

وتسيطر روسيا على نحو 19 في المائة ⁠من أوكرانيا، بما يشمل شبه جزيرة القرم ومعظم منطقة دونباس وجزءاً كبيراً من منطقتي خيرسون وزابوريجيا، وأجزاء من أربع مناطق أخرى.

وتقول روسيا إن شبه جزيرة القرم ودونباس وخيرسون وزابوريجيا أصبحت الآن تابعة لها. وتؤكد أوكرانيا أنها لن تقبل بذلك أبداً، ويعتبر معظم دول العالم ‌هذه المناطق جزءاً من أوكرانيا.

ميدانياً، أعلنت كل من أوكرانيا وروسيا، الثلاثاء، سقوط قتلى وجرحى جراء تبادل الهجمات بين الجانبين. وقال حاكم مدينة زابوريجيا الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا، إيفان فيدوروف، إن ثلاثة مدنيين قتلوا في ضربة روسية استهدفت المدينة.

وأضاف فيدوروف، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»، أن الهجوم أدى أيضاً إلى انقطاع التيار الكهربائي عن نحو 1500 مشترك، في وقت تواصل فيه القوات الروسية تكثيف ضرباتها على منظومة الطاقة الأوكرانية.

من جانبها، أفادت السلطات الروسية بسقوط قتلى كذلك؛ ففي مقاطعة بيلغورود، قتل أحد العاملين لدى رئيس أمن المنطقة في هجوم بطائرة مسيرة في منطقة جرايفورون، بحسب ما قاله حاكم المقاطعة فياتشيسلاف جلادكوف. كما أعلن حاكم مقاطعة بريانسك المجاورة، ألكسندر بوجوماز، عن مقتل شخصين آخرين جراء ضربة بطائرة مسيرة منفصلة.


أوروبا في مواجهة ترمب: هل تطلق النار على نفسها باسم الردع؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

أوروبا في مواجهة ترمب: هل تطلق النار على نفسها باسم الردع؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

في ظل تصاعد الخطاب الأوروبي الداعي إلى مواجهة سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاقتصادية والأمنية بصرامة، مع مطالبة ترمب بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك مقابل المعارضة الأوروبية للطرح، تعود إلى الواجهة فكرة استخدام ما يُسمّى «سلاح الردع التجاري» أو «البازوكا» الأوروبي بوجه الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح، على جاذبيته السياسية والشعبوية، يخفي وراءه مخاطر قد تكون أشدّ وطأة على قارة أوروبا نفسها، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، اليوم الأربعاء.

اعتماد متبادل لا يمكن تجاهله

يَسهُل على القادة الأوروبيين وصف ترمب بالـ«فجّ» أو «المتنمّر»، كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ويبدو الخطاب الذي يرفض «الخضوع للبلطجة» جذاباً لجمهور غاضب من السياسات الأميركية المتقلبة. لكن المشكلة أن أوروبا، رغم كل شيء، لا تزال بحاجة ماسّة إلى الولايات المتحدة.

فالعلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي ليست تفصيلاً ثانوياً: جزء كبير من أرباح الشركات الأوروبية الكبرى يأتي من السوق الأميركية، كما تمثّل الصادرات نحو الولايات المتحدة نسبة معتبرة من الناتج الأوروبي. وفي الاتجاه المعاكس، تعتمد أوروبا على التكنولوجيا الأميركية ورؤوس الأموال والطاقة المقبلة من حلفاء واشنطن. أي تصعيد غير محسوب قد ينعكس مباشرة على الوظائف والنمو والاستقرار الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء حضوره الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 20 يناير 2026 (رويترز)

كلفة الحرب التجارية الشاملة

نظرياً، تستطيع أوروبا الردّ عبر فرض قيود مؤلمة على قطاعات أميركية حسّاسة. لكن السؤال هو: ماذا بعد؟ هل يتوقع أصحاب هذا الطرح أن تتراجع واشنطن دون ردّ؟ حرب تجارية مفتوحة قد تدفع الاقتصاد الأوروبي، الذي يعاني أصلاً من نمو ضعيف، نحو الركود، فيما الاقتصاد الأميركي لا يزال أكثر ديناميكية.

الأسوأ من ذلك أن توسيع المواجهة لتشمل الاستثمارات ورؤوس الأموال قد يتحوّل إلى أزمة مالية عالمية، تضرّ بالمصارف الأوروبية أكثر مما تضرّ بواشنطن نفسها. وهنا، يتحوّل «سلاح الردع» إلى رصاصة مرتدة.

المشكلة أعمق من ترمب

ثمّة مفارقة أخرى: كثيرون من دعاة المواجهة الصلبة هم أنفسهم من يعرقلون تعميق التكامل الأوروبي. فغياب سياسة مالية موحّدة، وتباطؤ الإصلاحات، واستمرار الحواجز داخل السوق الأوروبية، كلها نقاط ضعف بنيوية لا علاقة لها بترمب، وفق «لوفيغارو».

حتى لو اختفى ترمب غداً عن الساحة، ستبقى مشكلات أوروبا قائمة: فجوة تكنولوجية، هشاشة دفاعية، وغياب رؤية موحّدة للسيادة الاقتصادية.

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، في مؤتمر دافوس الاقتصادي في سويسرا، أنه لن يستخدم القوة للاستحواذ على غرينلاند بعد أن هدد سابقاً بالجوء إلى خيار عسكري. لكنه قال إنه ليس بوسع أي دولة أخرى ​غير الولايات المتحدة حماية ⁠الجزيرة.

ووصف ترمب الدنمارك بـ«الناكرة للجميل» لرفضها التخلي عن الجزيرة، عادّاً أن أوروبا «لا تسير في الاتجاه الصحيح»، في حين تُهدد طموحاته في انتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك حليفة أميركا في الناتو، بتمزيق العلاقات مع العديد من أقرب حلفاء واشنطن.