مصر تجاهلت دعوة سفير إسرائيل لحفل استقبال الدبلوماسيين الجدد

مصادر: القاهرة لم توافق على ترشيحه حتى الآن بسبب «حرب غزة»

سفيرة الاتحاد الأوروبي أنجيلينا إيخهورست لدى مصر تُقدم أوراق اعتمادها للرئيس السيسي (الرئاسة المصرية)
سفيرة الاتحاد الأوروبي أنجيلينا إيخهورست لدى مصر تُقدم أوراق اعتمادها للرئيس السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجاهلت دعوة سفير إسرائيل لحفل استقبال الدبلوماسيين الجدد

سفيرة الاتحاد الأوروبي أنجيلينا إيخهورست لدى مصر تُقدم أوراق اعتمادها للرئيس السيسي (الرئاسة المصرية)
سفيرة الاتحاد الأوروبي أنجيلينا إيخهورست لدى مصر تُقدم أوراق اعتمادها للرئيس السيسي (الرئاسة المصرية)

في الوقت الذي تحدَّثت فيه تقارير صحافية إسرائيلية عن حالة غضب تجاه القاهرة بسبب تجاهل الرئاسة المصرية دعوة السفير الإسرائيلي الجديد لحفل استقبال واعتماد السفراء الجدد بمصر، فإن مصادر مصرية مطلعة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «سفير إسرائيل ليس موجوداً في مصر، ولم يحصل على الموافقة الرسمية من القاهرة على قبول ترشيحه حتى الآن».

وكانت الرئاسة المصرية قد أقامت في 24 مارس (آذار) الحالي حفل استقبال تسلَّم خلاله الرئيس عبد الفتاح السيسي أوراق اعتماد 23 سفيراً جديداً لدى مصر، لم يكن من بينهم سفير إسرائيل.

وصرح المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، بأن الرئيس السيسي رحَّب بالسفراء الجدد، معرباً عن خالص تمنياته لهم بالتوفيق في أداء مهامهم، مؤكداً حرص مصر على تعزيز العلاقات الثنائية مع دولهم في مختلف المجالات، وأهمية استمرار التواصل والتنسيق والتشاور إزاء مختلف الموضوعات والقضايا الإقليمية والدولية التي تحظى باهتمام مشترك.

وكشفت مصادر مصرية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن «تل أبيب سحبت سفيرتها السابقة، أميرة أورون، من القاهرة نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بعد أيام من هجوم (حماس)، كما سحبت جميع القيادات الدبلوماسية والأمنية المهمة، وأبقت فقط على موظفين في درجات عادية لتسيير الأعمال بسفارتها في مصر».

وأوضحت المصادر أنه منذ هذا التوقيت لم تَعُد السفيرة الإسرائيلية لمصر حتى انتهت مهامها في آخر أسبوع من أغسطس (آب) 2024، ورشحت تل أبيب بعدها أوري روتمان سفيراً جديداً لها لدى مصر، وأرسلت خطاب ترشيحه للخارجية المصرية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتسلَّم أوراق اعتماد سفراء جدد لدى مصر في 24 مارس (الرئاسة المصرية)

وأشارت المصادر إلى أنه «حتى الآن لم ترد القاهرة على خطاب الترشيح الإسرائيلي، ولم تمنح الموافقة على السفير الجديد، ويبدو الأمر مرتبطاً بالتوتر في العلاقات بين البلدين بسبب الخلافات حول الحرب في غزة».

المصادر نفسها أشارت إلى أن «القاهرة طلبت منذ أشهر من سفيرها في تل أبيب خالد عزمي الحضور لمصر، ولم يَعُد لإسرائيل بعد، في حين أن مدة تعيينه في المنصب لم تنتهِ بعد، وفي الوقت نفسه لم تعلن القاهرة سحبه بشكل رسمي».

وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية قد نشرت في تقرير حديث أن الحكومة المصرية لم توجه الدعوة للسفير الإسرائيلي الجديد أوري روتمان لحضور حفل استقبال السفراء في القاهرة الأسبوع الماضي.

وأوضحت الصحيفة أن هذا الإجراء يأتي في إطار التوترات الحالية بين البلدين، مشيرة إلى أن مصر لم تمنح بعد الموافقة الرسمية على تعيين روتمان، رغم تقديم إسرائيل الطلب في أبريل (نيسان) الماضي.

وأفادت الصحيفة بأن التأخير المصري في منح الموافقة للسفير الجديد يعكس تذمر القاهرة من السياسات الإسرائيلية الحالية، خصوصاً فيما يتعلَّق باستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وإصرار تل أبيب على خطة تهجير الفلسطينيين من أرضهم، مشيرة إلى أن سفير مصر يتغيب عن تل أبيب في إجازة طويلة بالقاهرة، ضمن خطوات مصر الاحتجاجية ضد السياسات الإسرائيلية.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، لـ«الشرق الأوسط» أنه «ليس منطقياً أن تمنح القاهرة موافقة على ترشيح سفير جديد لإسرائيل لدى مصر، وتتم دعوته لحفل اعتماد السفراء، ويظهر مع الرئيس المصري، في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بكل هذه الخروقات للقانون الدولي والإنساني، وتواصل حربها المستعرة ضد الفلسطينيين، وكذلك تحتل محور فيلادلفيا بالمخالفة لاتفاقية السلام مع مصر، وتغلق المعابر، وتمنع المساعدات من مصر إلى غزة».

وشدد على أن «إسرائيل تُغلق كل أبواب السلام، وتهدد مبادئ حسن الجوار مع مصر، ومن ثم لا يمكن أن تتعامل القاهرة بشكل طبيعي معها وتقبل أوراق سفيرها الجديد وكأن شيئاً لم يكن، وفي ظل عدم موافقة مصر على أوراق ترشيح السفير الإسرائيلي الجديد فلا يمكنه الحضور للقاهرة».

ولم تشهد العلاقات بين مصر وإسرائيل توتراً كما الحادث تلك الفترة منذ بدء الحرب الحالية في غزة، خصوصاً بعدما أخلَّت إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار مع حركة «حماس» الذي تم التوصل له بوساطة رئيسية من مصر؛ حيث استأنفت قوات الاحتلال الإسرائيلي قصف غزة، ولم تُنفذ تعهداتها بالانسحاب من محور فيلادلفيا والمعابر الفلسطينية.

سفير تايلاند لدى مصر مقدماً أوراق اعتماده للرئيس السيسي (الرئاسة المصرية)

وسيطرت القوات الإسرائيلية على طول حدود غزة مع مصر، بما فيها محور فيلادلفيا، وكذلك معبر رفح، في مايو (أيار) 2024، واتهمت مصر بأنها «لم تقم بما يكفي لمنع وصول السلاح عبر الأنفاق على حدودها إلى قطاع غزة»، وهو ما نفته القاهرة.

ويُعدّ محور فيلادلفيا منطقة عازلة ذات خصوصية أمنية، كما يمثل ممراً ثلاثي الاتجاهات بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة، يمتد على مسافة 14 كيلومتراً. وجغرافياً، يمتد هذا الشريط الحدودي من البحر المتوسط شمالاً حتى معبر كرم أبو سالم جنوباً.

وبموجب ملحق معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، فإن محور فيلادلفيا هو منطقة عازلة كان يخضع لسيطرة وحراسة إسرائيل قبل أن تنسحب الأخيرة من قطاع غزة عام 2005، فيما عُرف بخطة «فك الارتباط».

ووفق بنود اتفاق وقف إطلاق النار مع «حماس» الذي نقضته إسرائيل، كان من المفترض أن تبدأ الانسحاب من محور فيلادلفيا في اليوم الأخير من المرحلة الأولى للاتفاق؛ أي اليوم الأول من مارس 2025، على أن تستكمل الانسحاب خلال 8 أيام، ولكنها لم تفعل، واستأنفت القصف على غزة، كما أعلنت عن تشكيل إدارة وصفتها بأنها لتسهيل «المغادرة الطوعية» لأهل غزة، وهو ما رفضته القاهرة وعبَّرت عن إدانته رسمياً؛ حيث تصر مصر على استمرار الفلسطينيين في أرضهم، وقدمت خطة لإعادة إعمار غزة، وتحقيق حل الدولتين، وتمت الموافقة عليها في قمة عربية طارئة قبل 3 أسابيع.

وقال سفير مصر السابق لدى الأمم المتحدة، معتز أحمدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا يمكن فصل عدم موافقة مصر على أوراق ترشيح سفير إسرائيل الجديد عن التوتر والخلافات بين البلدين حول حرب غزة، والخروقات الإسرائيلية على الحدود مع مصر».

منظر عام لمحور فيلادلفيا على الحدود بين جنوب قطاع غزة ومصر (أ.ف.ب)

ولفت إلى أنه «بروتوكولياً لا يوجد وقت معين ملزم للدولة بأن توافق على أوراق ترشيح سفير دولة أخرى، وهذه مسألة متروكة لحرية كل دولة، ومن ثم فلا يمكن لإسرائيل أن تلوم مصر على شيء»، منوهاً في الوقت نفسه بأنه «لا يحضر السفير للبلد المرشح له إلا بعد إبلاغ بلده بالموافقة عليه رسمياً من البلد المستضيف، وإذا حضر يكون حضوره غير رسمي، ولا يمكنه التعامل بالصفة الرسمية للسفير إلا بعد الموافقة».

وأشار إلى أن «تقديم أوراق الاعتماد أمام رئيس الدولة يكون بأسبقية الموافقة، أي أن مَن تتم الموافقة على ترشيحه أولاً يأخذ دوراً متقدماً وهكذا، ومن حق الدولة أيضاً أن تُقيم حفل اعتماد أوراق أمام الرئيس لعدد من السفراء الذين وافقت عليهم بأسبقية أدوارهم، وتؤخر بعض من وافقت عليهم لحفل آخر؛ حيث إن الدولة تُقيم مراسم اعتماد السفراء الجدد كل 3 أو 4 أشهر».


مقالات ذات صلة

شتاء قاسٍ ينتظر سكان قطاع غزة وسط تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية

المشرق العربي أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

شتاء قاسٍ ينتظر سكان قطاع غزة وسط تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية

وفقاً لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية فإن أكثر من 1000 موقع ومخيم لإيواء النازحين قد تتعرض للغرق خلال فصل الشتاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

كما تابعت القوى السياسية في قطاع غزة والمنصات التابعة لها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، اهتمت أيضاً بالانتخابات الأميركية؛ وتنوعت ردود فعلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر والبحرين تؤكدان دعم جهود حل الأزمة الإيرانية سلمياً

أكدت مصر والبحرين «ضرورة خفض التوتر الإقليمي الراهن»، وكذا «دعم الجهود الرامية لإيجاد حل سلمي للأزمة الإيرانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)

تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

تتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة جراء القيود الإسرائيلية على المعابر، تزامناً مع استمرار الهجمات الميدانية للعصابات المدعومة من الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الدفاع المدني الفلسطيني يعمل على إخماد حريق في سيارة أصيبت بضربة عسكرية إسرائيلية في مدينة غزة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل خمسة فلسطينيين جراء غارات إسرائيلية استهدفت أماكن مختلفة من قطاع غزة الاثنين، وفق ما أفاد الدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
TT

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)

لاقى إعلان الحكومة المصرية، الخميس، تبني إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق، ترحيباً من مواطنين وخبراء اقتصاديين، باعتباره ترجمة لمبدأ «تقاسم الأعباء»، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وتنعكس تداعياتها على حياة المواطنين.

وبموجب القرار الأخير والممتد طوال 3 شهور، تم «وقف الإنفاق على أي مشروعات جديدة، باستثناء ما يصدر من توجيهات رئاسية أو من مجلس الوزراء، ووقف السفر للعاملين في الدولة ما لم تكن الجهة الداعية هي التي تتحمل النفقات، ووقف المؤتمرات والفعاليات المختلفة، وترشيد الطاقة في الجهاز الإداري والأجهزة المحلية بنسبة 20 في المائة، وخفض استهلاك الوقود 30 في المائة للمركبات الحكومية».

ولا يعدّ هذا أول قرار بالتقشف تعلنه الحكومة المصرية؛ إذ سبق وأعلنت في نهاية مارس (آذار) الماضي، خطة تقشفية لمدة شهر لترشيد استهلاك الطاقة، نتيجة الحرب الإيرانية وتأثيراتها في أسواق الطاقة عالمياً، لكن الخبير الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، يرى أن «الخطة التقشفية الأخيرة هي الأكثر وضوحاً، وتتضمن العديد من المستهدفات والخطوات الواضحة، ولمدة محددة، عكس الإجراءات التقشفية الانتقائية الماضية».

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»، أن التقشف الحكومي يأتي استجابة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن من جهة، والضغوط التي تعاني منها الحكومة نفسها من جهة أخرى، في ظل تعدد الالتزامات والعجز التجاري وأزمة الدولار، معتبراً أن «الحكم على تأثير هذه القرارات يحتاج إلى وقت، وإلى تطبيق جاد لها».

واتفق معه الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن ملف التقشف الحكومي وترشيد الإنفاق العام من أكثر السياسات الاقتصادية حساسية وتأثيراً في المزاج العام واستقرار الشارع، وتعتمد قدرة هذه الإجراءات على مدى شعور المواطن بأن العبء موزع بعدالة، وأن الحكومة تبدأ بنفسها أولاً قبل أن تطالب الشارع بتحمل تبعات الأزمات».

الحكومة توافق خلال اجتماعها في 5 نوفمبر 2026 على مشروع قرار لترشيد الإنفاق العام (رئاسة مجلس الوزراء)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أثنى على تحمل المواطن المصري أعباء الأوضاع الاقتصادية، قائلاً في تصريح له في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي: «أعلم يقيناً أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم».

ونبه الشافعي إلى ضرورة تنفيذ الخطة التقشفية بحذافيرها، قائلاً: «تاريخياً واقتصادياً، لا تنجح خطط التقشف في تهدئة الرأي العام إلا إذا ترافقت معها شفافية مطلقة وخطاب سياسي صريح يوضح أن هذه التضحيات مؤقتة وضرورية لعبور مرحلة حرجة، وفي حال اقتصر التقشف على المظاهر الشكلية وبقي المواطن وحده يحمل وزر التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن ذلك يولد نتائج عكسية تماماً وتتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة».

ورحب مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقرارات التقشف الحكومي، واقترح بعضهم تقليل الحراسات للوزراء لتوفير استهلاكهم للطاقة، واستحضر آخرون الأوضاع الإقليمية المضطربة في دول عدة، بينما تتمتع مصر بالأمن، معتبرين أن التحديات الاقتصادية فاتورة طبيعية ومقبولة في هذا الإطار.

في المقابل، انتقد آخرون تأخر هذه الإجراءات التقشفية، وأشار بعضهم إلى «البذخ» في مظاهر الإنفاق ببعض المؤسسات الحكومية، متمنين أن يتم تطبيق ما جاء في القرارات الأخيرة، وتوضيح حجم التوفير في الإنفاق منها.

وفي السياق، رحب عضو مجلس الشيوخ، رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» ناجي الشهابي، بإعلان الحكومة الإجراءات التقشفية، «باعتبار أنها تعكس إدراكها لحجم التحديات والضغوط التي تواجه الاقتصاد المصري في ظل الاضطرابات الإقليمية والدولية»، مشدداً على أن ترشيد الإنفاق الحكومي «خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، ما لم تصاحبها مراجعة جادة للسياسات التي أدت إلى تفاقم الأعباء على الدولة والمواطنين».

وشدد الشهابي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «التقشف الحقيقي يجب أن يبدأ من الحكومة وأجهزتها، لا من جيوب المواطنين»، مؤكداً رفضه القاطع «لأي إجراءات تمس مخصصات التعليم والصحة أو الأجور والمعاشات أو برامج الحماية الاجتماعية»، ومحذراً من أن الطبقة المتوسطة «التي تمثل رمانة الميزان وصمام الأمان الاجتماعي للدولة المصرية، تعرضت لضغوط معيشية شديدة، ولم تعد تحتمل مزيداً من التراجع في مستوى معيشتها».

زيادة الأعباء على المواطنين مع ارتفاعات الأسعار المستمرة (وزارة التموين المصرية)

واستثنت القرارات التقشفية الحكومية، وفق بيان رسمي الخميس، ما يتعلق بشكل مباشر بالمواطنين، مثل مخصصات الدعم والتموين، وبرنامج «تكافل وكرامة»، ومشروع «حياة كريمة» لتطوير قرى مصرية، وكذلك ما يتعلق بصحة المواطنين، والتعليم، وما يتعلق بقطاع الأمن والأمن القومي.

وأضاف الشهابي أن «ترشيد الإنفاق العام يجب ألا يتحول إلى تقليص للاستثمارات الإنتاجية، أو تعطيل للمشروعات الصناعية والزراعية التي تزيد الإنتاج وتوفر فرص العمل وتحد من الاستيراد، لأن مواجهة الأزمة الاقتصادية لا تتحقق بخفض المصروفات وحده، وإنما بزيادة موارد الدولة الحقيقية وتعظيم قدرتها على الإنتاج والتصدير».

لكن ذلك ما يعده الخبير الاقتصادي خالد الشافعي تحدياً، قائلاً إن «حزم التقشف الحكومي تحمل مؤشرات إيجابية وسلبية مزدوجة؛ فالمؤشرات الإيجابية تأتي غالباً على مستوى الاقتصاد الكلي والمالية العامة للدولة، في خطوات تعكس رغبة رسمية في إرسال رسائل اطمئنان إلى المؤسسات الدولية والمستثمرين بأن الدولة جادة في إصلاح مسارها المالي وإدارة أزمتها بكفاءة، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على استقرار سعر الصرف ومحاولة السيطرة على معدلات التضخم على المدى المتوسط».

في المقابل، يرى الشافعي أن «تأجيل المشروعات الاستثمارية وتبطئة عجلة بعض الإنفاق الرأسمالي، قد يؤديان إلى تباطؤ مؤقت في معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل المتاحة، ما ينعكس سلباً على سوق العمل ويرفع ضغوط البطالة وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين، لتصبح المحصلة النهائية معركة معقدة تتوازن فيها فوائد استقرار الاقتصاد الكلي مع قسوة التكاليف المعيشية التي يتحملها المواطن في تفاصيل يومه».


هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
TT

هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

في تحرك جديد لمصر والسودان بشأن مواجهة أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، أعلنت دولتا المصبّ تشكيل لجنة مشتركة لـ«حصر أضرار» مشروع «السد» على حقوقهما المائية، في خطوة تثير تساؤلاً حول تحرك الأزمة إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا.

ويرى خبراء أن حصر التأثيرات السلبية للسد الإثيوبي «خطوة مهمة في مسار تدويل قضية السد»، وأشاروا إلى أن «تقييم الخسائر يمهد الطريق لإجراءات قانونية ودبلوماسية أخرى، من بينها طلب التعويض على ما لحق بدولتَي المصبّ من أضرار».

وهناك خلاف بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً حول مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي.

وأمام استمرار الخلاف بين دولتَي المصبّ وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل «السد»، أعلن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «تشكيل لجنة مشتركة لحصر وتقييم التأثيرات السلبية الناجمة عن السد الإثيوبي»، وقال في منشور عبر حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي، مساء الخميس، إن «السد غير شرعي، والتحرك لحصر آثاره السلبية خطوة جديدة لتعزيز التعاون المائي بين مصر والسودان».

وأشار سويلم إلى أن «اللجنة ستتولى تحديد جميع الأضرار الناتجة عن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إثيوبيا، تمهيداً للمطالبة بالتعويضات المستحقة وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وجاء الإعلان عن اللجنة المشتركة لحصر أضرار السد الإثيوبي بعد أيام من انعقاد الجولة الثالثة لاجتماعات آلية التشاور السياسية والأمنية (2+2) لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، في القاهرة، الاثنين الماضي.

وشدد البيان المشترك الصادر في ختام الاجتماعات حينها على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، وتم الاتفاق على «ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتَي مصب نهر النيل، والحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة بموجب اتفاقية 1959، وعدم السماح بأي افتئات على تلك الحقوق»، حسب «الخارجية المصرية».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعدّ وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام تشكيل لجنة مشتركة لحصر الأضرار الناجمة عن السد الإثيوبي «خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط على المستوى الفني، إنما أيضاً على المستويين السياسي والقانوني»، وقال إنها «تعكس وجود رؤية مشتركة وتنسيق استراتيجي بين دولتَي المصبّ في التعامل مع تداعيات السد والسياسات الإثيوبية في إدارة مياه النيل الأزرق».

ويرى علام أن «نتائج أعمال اللجنة ستكون أساساً لتحديد الخطوات المقبلة، سواء المطالبة بالتعويضات عن الأضرار وفقاً للقواعد القانونية الدولية و(إعلان المبادئ) الموقع عام 2015، أو اللجوء إلى المسارات القانونية المتاحة».

وسبق أن لجأت مصر والسودان لمجلس الأمن الدولي بسبب عدم التوصل لاتفاق مع الجانب الإثيوبي ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، وأصدر المجلس بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 عقب مناقشة قضية السد، حثّ فيه «مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل (سد النهضة) ضمن إطار زمني معقول».

ويعتقد علام أن توثيق أضرار السد الإثيوبي «لا يقتصر على معالجة التداعيات الحالية، بل يحمل رسالة ردع واضحة للمستقبل، مفادها أن الإضرار بمصالح دولتَي المصبّ لن يمر دون توثيق أو مساءلة، بما يحد من (الممارسات الإثيوبية الأحادية) التي تلحق الضرر بمصالح دولتَي المصبّ».

وزير الخارجية المصري مع نظيره السوداني في لقاء بالقاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، فإن «اللجنة المشتركة خطوة تعكس جدية دولتَي المصبّ في التعامل مع ملف السد من الناحية القانونية».

ويرى أن «مصر والسودان لديهما بالفعل معرفة بطبيعة المخاطر والأضرار المحتملة والناجمة عن السد، لكن أهمية تشكيل لجنة مشتركة تكمن في تحويل هذه المعرفة إلى ملف متكامل يتضمن الموقف القانوني وبيانات وأدلة وتوثيقاً رسمياً للأضرار».

وأوضح وزير الري المصري، مساء الخميس، أن «التعاون مع السودان يشمل تنفيذ مشروعات تنموية، وإعادة تأهيل خزان جبل الأولياء، واستئناف أعمال البعثة المشتركة ببحيرة السد العالي بعد توقفها منذ عام 2013»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في إدارة السدود وتبادل البيانات، ومواصلة العمل من أجل تحقيق التوافق بين جميع دول حوض النيل».

واتفقت مصر والسودان على «تفعيل الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، وفق اتفاقية عام 1959، لدراسة وصياغة الرأي الموحد الذي تتبناه الدولتان في كافة الشؤون المتعلقة بمياه النيل، ولتنسيق الرؤى وتبني مواقف موحدة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية المرتبطة بالحقوق المائية للبلدين»، حسب بيان اجتماع وزراء الخارجية والري بالبلدين، الاثنين الماضي.


«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
TT

«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)

انضم مجلس النواب الليبي إلى التحذيرات الأميركية بشأن معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية من معرقلي العملية السياسية في البلاد. وطالب بعثة الأمم المتحدة، مساء الخميس، بـ«اتخاذ إجراءات رادعة بحقهم»، في موقف يتقاطع مع تلويح مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بـ«فرض عقوبات على الأطراف التي تعطل التسوية السياسية»، في حين أكد نائب القائد العام للجيش الوطني صدام حفتر دعمه للمبادرة الأميركية لتوحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات.

وبحثت رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، مساء الخميس، مع قيادات سياسية وعسكرية وتنموية في شرق ليبيا، مستجدات العملية السياسية وجهود توحيد مؤسسات الدولة، في سلسلة لقاءات بمدينة بنغازي، أعقبت تمديد ولاية البعثة الأممية لمدة عام.

صدام حفتر مع المبعوثة الأممية (الجيش الوطني)

والتقت تيتيه رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، وصدام حفتر، وشقيقه بالقاسم حفتر، مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، في إطار تحركات البعثة الأممية لدفع مسار التسوية السياسية، ومعالجة الانقسام المؤسسي.

وذكر مجلس النواب أن عبد النبي أكد خلال لقائه تيتيه «انفتاحه على جميع الليبيين، وحرصه على توحيد المؤسسات، ولا سيما السيادية والرقابية والقضائية»، مطالباً الأمم المتحدة بـ«اتخاذ خطوات رادعة تجاه معرقلي العملية السياسية».

وأكد رئيس المجلس دعمه اتفاق اللجنة المصغرة (4+4)، مشدداً على «ضرورة الإسراع في تنفيذه»، كما تناول اللقاء تداعيات الهجرة غير النظامية على ليبيا، بصفتها دولة عبور، والحاجة إلى حلول اقتصادية في دول المنبع للحد من تدفقات المهاجرين.

من جانبها، قالت تيتيه إن هناك تقارباً ملحوظاً بين المؤسسات الليبية خلال الفترة الأخيرة، وأوضحت أن عدداً من الملفات بات في طريقه إلى الحل، داعية الأطراف الليبية إلى «مواصلة التعاون لتحقيق الاستقرار»، ومؤكدة أن «دور البعثة الأممية يتمثل في تقديم الدعم والمشورة للجهات الليبية».

وكان بولس قد وجّه، الأربعاء، تحذيراً مباشراً إلى الأطراف، التي تعرقل الانتقال السياسي في ليبيا، قائلاً إن «من يختارون تعطيل العملية السياسية أو تقويضها سيواجهون عواقب، من بينها احتمال إدراجهم على قوائم العقوبات»، وحملهم مسؤولية حرمان جيل كامل من فرص الاستقرار والازدهار بسبب «مصالح شخصية ضيقة».

وأكد صدام حفتر خلال لقاء تيته «ضرورة توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام في المؤسسات الوطنية»، مشيراً إلى أن «توحيد السلطات السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية يمثل أساساً لاستعادة وحدة الدولة، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

وقال صدام إنه يدعم جهود البعثة الأممية، بالتوازي مع انخراطه في المبادرة الأميركية، مؤكداً «ضرورة البناء على تفاهمات اللجنة المصغرة (4+4)، وتجاوز العقبات التي تعترض تنفيذها، وفق خطوات واضحة وجدول زمني محدد». وأضاف صدام أن استمرار الانقسام يفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية، مشدداً على رفض إبقاء مستقبل البلاد رهناً للخلافات، ومحاولات تعطيل المسار السياسي.

مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، بحث مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بالقاسم حفتر، مع تيتيه سبل التعاون في مجالات التنمية وإعادة الإعمار، واستعرضا مشروعات البنية التحتية والمرافق الخدمية المنفذة في عدد من المدن، خصوصاً بنغازي ودرنة. وأكد الجانبان أهمية استمرار التنسيق، بما يدعم التنمية الاقتصادية، ويحسن الخدمات المقدمة للمواطنين. كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، حيث اطلعت على أعمال تطوير المرافق التعليمية.