حرب أوكرانيا تمهّد لـ«حرب الروبوتات»

جنديان أوكرانيان في مستودع أسلحة بدونيتسك في 19 مارس (أ.ف.ب)
جنديان أوكرانيان في مستودع أسلحة بدونيتسك في 19 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب أوكرانيا تمهّد لـ«حرب الروبوتات»

جنديان أوكرانيان في مستودع أسلحة بدونيتسك في 19 مارس (أ.ف.ب)
جنديان أوكرانيان في مستودع أسلحة بدونيتسك في 19 مارس (أ.ف.ب)

تُصنّف الحرب بأنها أعنف اجتماع بشريّ. إهدار الدم فيها، هو الذي يُميّز بين المنتصر والمهزوم. وصفها كارل فون كلوزفيتز بـ«الحرباء» التي تتلوّن حسب محيطها. ويُحذّر ونستون تشرشل رجل الدولة من الذهاب إلى الحرب، فيقول: «على رجل الدولة الذي يستسلم لحمى الحرب أن يدرك أنه بمجرد إعطاء الإشارة، لن يعود سيد السياسة، بل عبد الأحداث غير متوقعة ولا يمكن السيطرة عليها».

وإذا كانت الحرب دمويّة بامتياز، فهي وفي مجالات عدّة أسهمت وبطريقة غير مباشرة، في تطوّر البشريّة عبر ما قدّمته من ابتكارات واختراعات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتبر الكثير من العلماء أن النابغة الإنجليزي آلان تورينغ أب للذكاء الاصطناعي. فهو الذي فكّ رموز آلة التشفير الألمانيّة «إنيغما» خلال الحرب العالميّة الثانيّة، الأمر الذي قصّر مدة الحرب، وقلّل من حجم الخسائر البشريّة كما يقول المؤرخون.

وصنّف القائد الألماني هلموت فون مولتكيه الأكبر الحرب بأنها «ركنٌ من أركان نظام العالم الذي شرعه الله»، فيها تتبلور أسمى فضائل البشرية: الشجاعة ونكران الذات، والإخلاص للواجب، وروح التضحية؛ فالجندي يضحّي بحياته. ويرى أن لولا الحرب، لركد العالم وضاع في المادية.

ابتكارات الحرب

ويقول الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه إن الأفكار تُسيّر العالم. هكذا الحرب التي تُنتج الابتكارات وتضعها في القطاع الخاص والأسواق. في الستينات، وبدعم من وزارة الدفاع الأميركيّة، بدأت فكرة الحاسوب، الأمر الذي أدّى إلى محاولة ربط الحواسيب ببعضها، فكانت شبكة «الإنترنت». وفي الإطار نفسه، وفي الستينات، كان البنتاغون الأميركي يحاول تعقّب الغواصات الأميركيّة التي تحمل رؤوساً نوويّة عبر الأقمار الاصطناعيّة، إلى جانب استعمال «إشارات الراديو»، فكان نظام تحديد المواقع (GPS).

فرق إنقاذ أوكرانية في موقع هجوم مسيّرة أميركية على خاركيف 29 مارس (إ.ب.أ)

تنصب الحرب الكمائن لمَن يبدأها. فتسمح له بتحقيق نجاحات مُحدّدة تتناسب مع إمكاناته العسكريّة. فإذا تجاوز هذه الإمكانات، وطمع في تحقيق مكاسب أكبر بكثير من إمكاناته، فهذا يعني أنه قد وصل إلى «الامتداد الأقصى لقدراته»، أو إلى نقطة الذروة. وبعد هذه النقطة، يأتي العقاب القاتل. هكذا حصل مع نابليون، كذلك الأمر مع هتلر.

في الحرب، كما في المنافسات الرياضيّة، هناك مرحلة الاستعداد، كما مرحلة التحمية وذلك قبل البدء بالصراع والتنافس. بدأ الرئيس بوتين قبل حربه على أوكرانيا، بعمليّة التحضير والاختبار، كما التحمية في كل من جورجيا عام 2008، وفي سوريا عام 2015.

يعد دائماً مَن يذهب إلى الحرب بأنها الحرب التي ستنهي كل الحروب. وعلى أن عالم ما بعد الحرب سيكون حتماً أفضل مما قبلها. أثبتت التجارب عكس ذلك. يعد العاملون في قطاع الذكاء الاصطناعي بعالم أفضل إبّان سعيهم للسيطرة على البيانات (الداتا)، كما على المواد الأوليّة التي يعتمد عليها هذا القطاع. هذا مع التذكير، أن الذكاء الاصطناعي هو تقليد مباشر للعقل البشري وبكل تفاصيله. لكن الفارق بينهما، يتعلّق فقط بحجم «الداتا» المستعملة في الذكاء الاصطناعي، والسرعة الكبيرة في معالجتها لإعطاء الأجوبة والأنماط التي تساعد على اتخاذ القرار.

يقول الخبراء الاستراتيجيون إن طبيعة الحرب ثابتة، فهي تُخاض لأهداف سياسيّة. لكن المُتغيّر هو خصائص الحرب في ثلاثة أبعاد هي: الاجتماعي والسياسي والاقتصاديّ.

«روبوتات أوكرانيا»

عادة، تخدم الأسلحة المُصنّعة عقيدة عسكريّة معيّنة. لكن بعد كلّ حرب، تتظهّر حاجات جديدة لأسلحة ووظائف جديدة. وكي تؤدّي هذه الأسلحة وظيفتها، فهي تمرّ بثلاث مراحل مهمّة هي: التصميم، والاختبار، والإدماج في المنظومة القائمة. لكل سلاح اختصاص معيّن. ولكل اختصاص تدريب معيّن، وتوصيف وظيفي مختلف. تبقى الصعوبة في القتال المشترك للعديد من الأسلحة (بر وبحر جوّ).

ذخائر مسيّرات في مستودع أسلحة أوكراني بدونيتسك 19 مارس (أ.ف.ب)

في هذا الإطار، يُقدّم المسرح الحربي الأوكراني خدمة جُلّى للصناعات الحربيّة. ففي هذا المسرح، تُصمم الأسلحة، وتختبر مباشرة، ويتم تعديلها فوراً كي تتناسب مع المتطلّبات الميدانيّة. وبذلك، قد يمكن القول إن المسرح الأوكراني قلّل كثيراً، أو حتّى فرّغ دائرة الوقت التي يتطلبّها تصميم السلاح، واختباره ومن ثمّ إدماجه. بكلام آخر، أصبحت ثلاثيّة التصميم والاختبار والإدماج، ثلاثيّة آنيّة.

فما الجديد على المسرح الأوكراني، الذي قد يغيّر نظرة المفكّرين للحرب المستقبليّة؟

في مكان ما شرق مدينة خاركيف الأوكرانيّة، خطّطت وحدة أوكرانيّة متخصّصة بقتال المسيّرات عمليّة هجوميّة على مركز عسكري روسيّ. رُسم المُخطّط، تم تأمين الوسائل اللازمة للعمليّة كما يتطلّب العلم العسكريّ. لكن الفارق بين هذه العملية، والعمليات العسكريّة التقليديّة، أن القتال المشترك بين الأسلحة، سيكون بين مسيّرات جوّيّة، وأخرى بريّة، تُشغّل من مركز قيادة بعيد عن موقع العمليّة بضعة كيلومترات. جُهّزت المسيرات الجويّة بقنابل لإلقائها على الهدف، كما ساندتها مسيّرات أخرى استطلاعيّة، تنقل صورة المعركة مباشرة إلى مركز القيادة، وتسهم في تقوية (Relay) الإشارة الإلكترونيّة للمسيّرات البريّة. جُهّزت أيضاً المُسيّرات البريّة ببنادق ورشّاشات للقتال والدفاع عن نفسها في الوقت نفسه. بدأت العمليّة، واجهت المسيّرات البريّة صعوبات تتعلّق بتضاريس الأرض، كما في تركيبة ونوعيّة التربة. لكن، وعندما اقتربت هذه المنظومة من المركز الروسيّ، بدأت المسيّرات الروسيّة (FPV) بالانقضاض على المسيّرات الأرضيّة لمنعها من الوصول إلى هدفها. وبذلك، وبغض النظر عن نتيجة الاشتباك، قد يمكن القول: «أهلاً بكم إلى حرب الروبوتات، وحرب الآلات». وإذا كانت هذه الحرب الجديدة بين الآلات قد نُفّذت بسيطرة وقيادة بشريّة كاملة حتى الآن، فمَن يدري ما الذي سيأتي به مستقبل الحروب؟


مقالات ذات صلة

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

أوروبا جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لتزويد أوكرانيا بأسلحة أميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز) p-circle

بالمال و«تلغرام»... روسيا جندت آلاف الجواسيس الأوكرانيين

جنّد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وأجهزة استخبارات روسية أخرى آلاف الأوكرانيين للتجسس على بلادهم... 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب) p-circle

لافروف: مستعدون لتنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا

موسكو مستعدة لتقديم تنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا... والبرلمان الأوروبي يوافق على قرض بقيمة 90 مليار يورو لمساعدة أوكرانيا

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة جوية لناقلة نفط تنتمي لأسطول الظل الروسي قبالة سواحل ميناء سان نازير غرب فرنسا 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الدنمارك تعلن عن عبور يومي ﻟ«أسطول الظل الروسي» في مياهها الإقليمية

قالت الدنمارك إن ناقلات تابعة لـ«أسطول الظل الروسي»، الذي يتحايل على العقوبات الأوروبية، عبرت المياه الدنماركية بمعدل ناقلة واحدة تقريباً يومياً خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا صورة ملتقطة في 5 فبراير 2026 في العاصمة الأوكرانية كييف تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي (د.ب.أ)

زيلينسكي: لا انتخابات قبل الضمانات الأمنية ووقف النار

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، أن أوكرانيا لن تجري انتخابات إلا بعد ضمانات أمنية ووقف إطلاق نار مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

الحلف الأطلسي يعلن إطلاق مهمته الدفاعية الجديدة في المنطقة القطبية الشمالية

أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
TT

الحلف الأطلسي يعلن إطلاق مهمته الدفاعية الجديدة في المنطقة القطبية الشمالية

أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)

أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الأربعاء، إطلاق مهمته الجديدة لتعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية؛ في خطوة تهدف إلى تهدئة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي تراجع عن تهديداته بضم غرينلاند.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أكد القائد الأعلى للقوات المتحالفة في أوروبا الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش في بيان أن هذه المهمة التي أُطلق عليها اسم «أركتيك سنتري» Arctic Sentry (حارس القطب الشمالي)، تُبرز التزام الحلف «بالحفاظ على الاستقرار في إحدى أهم المناطق الاستراتيجية».


موسكو ستطلب توضيحاً من واشنطن بشأن قيود فرضتها على النفط الفنزويلي

مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)
مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)
TT

موسكو ستطلب توضيحاً من واشنطن بشأن قيود فرضتها على النفط الفنزويلي

مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)
مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)

قال الكرملين، الأربعاء، إن روسيا تعتزم طلب توضيح من الولايات المتحدة بشأن قيود جديدة فرضتها على تجارة النفط الفنزويلية.

وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، ترخيصاً عاماً لتسهيل استكشاف وإنتاج النفط والغاز في فنزويلا. ولم يسمح الترخيص بإجراء معاملات تشمل مواطنين أو كيانات روسية أو صينية.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف لصحافيين، إن روسيا ستستوضح الأمر مع الولايات المتحدة من خلال قنوات الاتصال المتاحة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف: «لدينا بالفعل استثمارات في فنزويلا، ولدينا مشاريع طويلة الأجل، وهناك اهتمام من جانب شركائنا الفنزويليين ومن جانبنا. وبالتالي، كل هذه أسباب لمناقشة الوضع مع الأميركيين».

منشآت في مصفاة إل باليتو التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA مع مرافق شركة الكهرباء الوطنية Corpoelec بالخلفية في بويرتو كابيلو 22 يناير 2026 (رويترز)

وتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب صراحة عن السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، وهي الأكبر في العالم، بالاشتراك مع شركات نفط أميركية، وذلك بعد الإطاحة برئيس البلاد نيكولاس مادورو.

وأشارت شركة «روس زاروبيج نفت» الروسية للطاقة، التي تعمل في فنزويلا، الشهر الماضي، إلى أن كل أصولها في فنزويلا هي ملك لروسيا، وأنها ستلتزم بتعهداتها تجاه شركائها الدوليين هناك.

وتحافظ روسيا على علاقات وثيقة مع فنزويلا منذ فترة طويلة، وتعاونت معها في مجال الطاقة والروابط العسكرية والاتصالات السياسية رفيعة المستوى، ودعمتها دبلوماسياً لسنوات.


عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».