إيران بشروطها تفتح باب التفاوض «غير المباشر» مع واشنطن

خرازي: فريق ترمب يشنّ حرباً نفسية ضدنا بهدف إثارة الانقسام داخلي

مستشار المرشد الإيراني في حوار سابق مع وكالة «أرنا» الرسمية
مستشار المرشد الإيراني في حوار سابق مع وكالة «أرنا» الرسمية
TT

إيران بشروطها تفتح باب التفاوض «غير المباشر» مع واشنطن

مستشار المرشد الإيراني في حوار سابق مع وكالة «أرنا» الرسمية
مستشار المرشد الإيراني في حوار سابق مع وكالة «أرنا» الرسمية

قال كمال خرازي، مستشار المرشد الإيراني، يوم الخميس، إن طهران لم تغلق جميع الأبواب لحل خلافاتها مع الولايات المتحدة، وإنها مستعدة لإجراء محادثات غير مباشرة مع واشنطن، متهماً المسؤولين الأميركيين بشن «حرب نفسية» ضد البلاد في مسعى لـ«إثارة الانقسام» في إيران.

وصرح خرازي، الذي يترأس اللجنة العليا للعلاقات الخارجية التابعة لمكتب المرشد الإيراني، في بيان بأن «الجمهورية الإسلامية لم تغلق كل الأبواب. وهي مستعدة لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، لتقييم الطرف الآخر، وذكر شروطها الخاصة واتخاذ القرار المناسب».

وأضاف بيان خرازي الذي نشره موقع اللجنة وأعادت نشره وكالات رسمية إيرانية، أن «ما نشهده اليوم في سلوك الطبقة الحاكمة الأميركية هو حرب نفسية تمارَس عبر فرض سياسة «إما الحرب وإما المفاوضات»، من خلال رسائل متناقضة يبعث بها المسؤولون الأميركيون.

كانت طهران قد رفضت حتى الآن تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لها بإبرام اتفاق أو مواجهة عواقب عسكرية، محدداً مهلة شهرين. ووصف المرشد الإيراني علي خامنئي، الرسالة بأنها خادعة، فيما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن المحادثات مستحيلة ما لم تغير واشنطن نهجها القائم على استراتيجية الضغوط القصوى.

«تفاؤل وهمي»

وأضاف خرازي أن «المواقف الأخيرة لترمب، إلى جانب التلميحات الغامضة لبعض المسؤولين الأميركيين حول رسالته، ونشرها على نطاق واسع في وسائل الإعلام الغربية والإقليمية، تهدف إلى خلق تفاؤل وهمي، وتشتيت الانتباه، وتهيئة بيئة ثنائية القطب داخل إيران».

وأشار خرازي إلى ازدياد الضغوط الداخلية المطالبة بالحوار مع الولايات المتحدة، لكنه ألقى بالكرة في ملعب ترمب وفريقه، وقال: «هناك من يعتقد داخل البلاد أن نافذة لحل المشكلات التاريخية بين إيران والولايات المتحدة قد فُتحت، وأن ترمب يسعى بصدق إلى تحسين العلاقات، لكنه يواجه معارضة داخل الهيكل الحاكم الأميركي».

ترمب يؤدي التحية عند نزوله من الطائرة الرئاسية «مارين ون» في نيوجيرسي السبت الماضي (أ.ف.ب)

ويعزز بيان خرازي من فرضية انقسام فريق ترمب حول إيران التي أثارها محللون وناشطون سياسيون إيرانيون في الولايات المتحدة، وينتقدون نهج استراتيجية الضغوط القصوى على طهران.

وقال المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الجمعة، إنّ هدف ترمب هو تجنّب نزاع عسكري عبر إقامة علاقة ثقة مع إيران. وشدّد على أنّ الرسالة لم تكن تهديداً.

وأضاف ويتكوف في مقابلة صحافية: «لسنا بحاجة إلى حلّ كل شيء عسكرياً». وأضاف: «رسالتنا لإيران هي: دعونا نجلس معاً ونرَ ما إذا كان بإمكاننا، من خلال الحوار والدبلوماسية، الوصول إلى الحل الصحيح. إذا استطعنا، فنحن مستعدون لذلك، وإذا لم نستطع، فإن البديل ليس خياراً جيداً».

وعلى خلاف لهجة ويتكوف الدبلوماسية، قال مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز، الأحد، إن واشنطن تسعى إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، مضيفاً أن «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وحان الوقت لإيران للتخلي تماماً عن طموحاتها النووية بطريقة يراها العالم أجمع».

ومنذ توليه منصبه في يناير (كانون الثاني)، أثار ترمب مرات عدة احتمال قصف إسرائيل لإيران، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام إبرام صفقة مع إيران تمنعها من تطوير سلاح نووي.

وتجد طهران نفسها أمام خيار التفاوض مع ترمب، وسط انتكاساتٍ لنفوذها الإقليمي، وسخط داخليّ مزداد بسبب الاقتصاد. ويرى ترمب أن تراجع القوة العسكرية الإيرانية جعلها في موقع دفاعي ضعيف؛ مما يزيد من احتمال لجوئها إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من التصعيد العسكري.

إعادة النظر

وتساءل خرازي في جزء من بيان: «لكن ما الاستراتيجية الحقيقية لأميركا؟»، وأجاب: «إنها تقوم على الدعوة إلى المفاوضات تحت وطأة العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، لدفع إيران إلى طاولة حوار تفتقر إلى الضمانات، حيث لا يمكن بناءً على الخبرات السابقة الوثوق بوعود وتوقيعات الطرف الآخر. ونتيجة هذه الاستراتيجية ليست سوى فرض إرادة طرف على آخر في بيئة قائمة على التسلط والضغط».

وأضاف خرازي: «لو كان السيد ترمب يفهم إيران وشعبها، لتعلّم من الماضي، ولو كان يسعى حقاً -سواء بحسن نية أو بدافع المصلحة الاقتصادية لبلده- لحل المشكلات التاريخية بين إيران والولايات المتحدة، لاتبع نهجاً مختلفاً».

وتابع: «الإيرانيون يرفضون التسلط والاستبداد، لكنهم في المقابل يستجيبون للتواضع والصدق من الطرف الآخر بما يتناسب معه». وزاد: «الجمهورية الإسلامية لم تقتصر على تجاوز الحروب والضغوط والعقوبات، بل عززت مكانتها قوة إقليمية راسخة في أمنها واستقلالها، مما يوجب على الولايات المتحدة إعادة النظر في نهجها بدلاً من الصدام».

وقال: «بدلاً من تكرار الأخطاء السابقة كان ترمب سيقبل بمبادئ تحكم أي مفاوضات حقيقية، وهي: المساواة، والاحترام المتبادل، وتجنب التهديد والضغط، مما كان سيُكسبه ثقة الإيرانيين في نياته لتحقيق مفاوضات عادلة، لا لفرض الهيمنة».

لكنه أضاف: «الواقع أن المسؤولين الأميركيين الجدد، وهم يفتقرون إلى الذاكرة التاريخية لفشل أساليب الماضي، يواصلون تكرار سياساتهم المتسلطة، معتقدين أنهم قادرون على جرّنا إلى مفاوضات محكومة مسبقاً بنتائج محددة».

بموازاة ذلك، أعاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إحدى الرسائل المتبادلة بين المسؤولين الأميركيين، في تطبيق «سيغنال»، حول ضرب اليمن، والتي نشرتها مجلة «أتلانتيك»، الأربعاء.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»، إن «الناس في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم الأمريكيون، باتوا يرون بوضوح كيف يتعامل المسؤولون الأمريكيون مع الشؤون العالمية». وأضاف: «يشير البعض إلى مستوى عالٍ من عدم الكفاءة، لكن الأهم من ذلك هو التجاهل التام لحياة البشر عند صنع القرار».

أما فيما يخص إيران، فقد قال عراقجي: «فقد أصبح لدينا سبب إضافي يدعونا إلى التعامل مع المبادرات السياسية الأخيرة بحذر بالغ».

جاء ذلك، في وقت يسود الترقب بشأن الرد الذي من المقرر أن ترسله إيران قريباً رداً على رسالة ترمب. وقال عراقجي الثلاثاء، إن إيران تعكف على إعداد الرد، و«سيتم تقديمه قريباً بالطريقة المناسبة».

وقال عراقجي: «أجريت قبل أسبوعين ونشرت تفاصيلها الأحد الماضي. إن استراتيجية طهران الحالية هي (التفاوض غير المباشر) عبر الوسطاء، إلا إذا (تغير بعض المعطيات الأساسية)».

وقال عراقجي الخميس الماضي، إن طهران ستراعي في ردها كلاً من تهديد ترمب والفرص المتاحة.

وحذّر علي لاريجاني، مستشار المرشد الإيراني، الثلاثاء، الولايات المتحدة من التفكير في السيناريو العسكري، قائلاً: «إذا كانت تهديدات ترمب جدية، فهو يغامر بحياة الجنود الأميركيين».

وفي ولايته الأولى (2017-2021)، انسحب ترمب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، الذي فرض قيوداً صارمة على الأنشطة النووية المثيرة للجدل في طهران مقابل تخفيف العقوبات.

وبعد انسحاب ترمب في 2018، وإعادة فرض عقوبات أميركية واسعة النطاق، خرقت الجمهورية الإسلامية تلك القيود وتجاوزتها منذ ذلك الحين في برنامجها المتصاعد لتخصيب اليورانيوم.

وفي حين تقول إيران إن أهدافها سلمية تماماً، وإن لها الحق في التخصيب إلى مستويات عالية لأغراض مدنية، تقول القوى الغربية إنه لا يوجد تفسيرٌ مدنيٌّ موثوقٌ للتخصيب إلى هذا المستوى، وتقول «الذرية الدولية» إن أي دولة لم تفعل ذلك دون إنتاج قنبلة نووية.

وحذَّرت أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن إسرائيل تدرس تنفيذ ضرباتٍ كبيرة ضد المنشآت النووية الإيرانية، خلال النصف الأول من العام الحالي، مستغلّةً حالة الضعف التي تمر بها إيران، نتيجة انتكاسات إقليمية، نتيجة تفكك حلفائها، وسقوط الأسد، وضربات استهدفت «حزب الله» اللبناني، وسخط داخلي مزداد بسبب تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي.

رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية (التلفزيون الرسمي)

وكشف «الحرس الثوري» الإيراني هذا الأسبوع عن ترسانة من الصواريخ الباليستية المسيَّرة، في رسالة إلى الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.

وتبادلت إيران وإسرائيل الضربات في أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، دون أن تؤدي إلى حرب.

والأسبوع الماضي، وجه الرئيس السابق حسن روحاني توصية إلى مراكز صنع القرار والقادة العسكريين، قائلاً: «أخطأتم حساباتكم بحرب إسرائيل، عودوا للمفاوضات. إسرائيل هي أميركا؛ حربها تعني دعماً أميركياً كاملاً بالطائرات والصواريخ. ألم نتفاوض مع أمريكا سابقاً في أفغانستان والعراق؟».

وقال روحاني، خلال لقائه وزراء سابقين، إن «المرشد (علي خامنئي) لا يعارض المفاوضات حول البرنامج النووي، تأثراً بالظروف الراهنة، ولكن بعد بضعة أشهر قد يوافق مع ظروف مختلفة»، واصفاً الأوضاع في بلاده بـ«الخطيرة».

وتخشى القوى الغربية من تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني، بعدما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مخزون إيران من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة بات يكفي لإنتاج 6 قنابل، إذا أرادت طهران رفع نسبة التخصيب إلى 90 في المائة المطلوب لإنتاج الأسلحة.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، ذكر تقرير نشرته وكالات المخابرات الأميركية، أن إيران لا تصنع سلاحاً نووياً في الوقت الحالي، لكنها أشارت إلى تهديدات وردت على لسان المسؤولين الإيرانيين تطالب المرشد الإيراني بإصدار تعديل لفتوى مزعومة عن تحريم إنتاج الأسلحة.

وقال خرازي في مايو (أيار) العام الماضي: «لم نتخذ بعد قراراً بصنع قنبلة نووية، لكن إذا أصبح وجود إيران مهدداً فلن يكون هناك أي خيار سوى تغيير عقيدتنا العسكرية».


مقالات ذات صلة

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية سفينة تقل عناصر من مشاة البحرية الأميركية من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى رصيف قرب ميناء فوكيت البحري خلال استراحة بعد انتشار طويل في الشرق الأوسط (رويترز)

واشنطن تستعد لاستئناف قتال واسع ضد إيران

بين استعداد البنتاغون لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، وقدرة طهران على تهديد القواعد والسفن بأسلحة منخفضة التكلفة، يواجه ترمب معضلة موعد الضربة.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)

طهران ترفع لهجتها ضد التهديدات الأميركية

رفعت إيران، الخميس، لهجتها في مواجهة التهديدات الأميركية باستئناف العمليات العسكرية ضدها.

شؤون إقليمية صورة نشرتها وكالة «ميزان» من اضطرابات مدينة زاهدان عاصمة محافظة بلوشستان في 8 يوليو الماضي

قتلى وجرحى في أحداث أمنية جنوب شرقي إيران

شهدت محافظتا سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، مساء الأربعاء، تصعيداً أمنياً متزامناً في عدة نقاط، مع تسجيل هجمات مسلحة ضد قوات الشرطة والجيش الإيراني.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رامشتاين هي أكبر قاعدة جوية أميركية في أوروبا (د.ب.أ)

تقرير: إيران تضع قواعد عسكرية أميركية في ألمانيا ضمن دائرة الاستهداف

ذكرت مجلة فيرتشافتسفوخه الألمانية، اليوم الخميس، أن أجهزة المخابرات الإيرانية تستهدف قواعد عسكرية أميركية في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
TT

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان، وجدد له استعداد موسكو للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أفادت وكالات الأنباء الروسية.

وقال بوتين: «نحن مستعدون لبذل كل ما في وسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، عادّاً أن إيران تبذل «جهوداً حقيقية لإنهاء النزاع» الذي اندلع بضربات أميركية-إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

يأتي ذلك وسط تواصل المساعي الإقليمية لدفع الحوار بين واشنطن وطهران وخفض التصعيد، في وقت شدّدت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوّحة بالرد على أي هجوم جديد، بينما أبقت في الوقت نفسه على استعدادها للتفاوض بشأن برنامجها النووي مع تأكيدها أنها لن تتنازل عن حقوقها «تحت أي ظرف»..


تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

وجّهت الولايات المتحدة تحذيراً لرعاياها في إثيوبيا من هجمات محتملة، وسط نزاع مسلح بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، التي تزعم أديس أبابا أنها تتلقى دعماً من الجارة إريتريا، رغم نفي أسمرة.

ويعني ذلك التحذير أن مستوى المخاطر وتوسعها لا يزالان قائمين ويثيران قلقاً، ويفتحان سيناريوهات عدة، أبرزها حرب استنزاف إثيوبية داخلية، أو صدام إثيوبي-إريتري، أو احتواء للتصعيد بوساطة دولية، بحسب تقديرات خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط».

واندلعت المعارك بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، ما أثار مخاوف من عودة الحرب الأهلية المدمرة التي شهدتها البلاد بين عامَي 2020 و2022، ومن اتساع نطاق النزاع إقليمياً.

وتثير المعارك مخاوف من اندلاع حرب أوسع نطاقاً، خصوصاً في حال انسحاب مقاتلي «جبهة تحرير تيغراي» عبر الحدود إلى إريتريا، المتهمة بدعمهم في هذه الجولة من النزاع.

ووسط تلك المعطيات، أصدرت السفارة الأميركية في إثيوبيا تحذيراً أمنياً، الأربعاء، لرعايا بلادها من «احتمال وقوع هجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت عسكرية إثيوبية في عدة مناسبات خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)»، داعية إياهم لعدم السفر إلى أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر.

ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، أنه «لا يمكن قراءة التحذيرات الأميركية من هجمات محتملة داخل إثيوبيا بمعزل عن التصعيد العسكري في تيغراي والتدهور المتسارع للعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة».

وأعرب خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة قرب وقوع هجوم، لكنها تعكس ارتفاع مستوى المخاطر واتساع نطاق التهديدات المحتملة، وتزيد القلق الواسع بشأن الفترة المقبلة».

اتهامات لإريتريا

وشنت طائرات مسيّرة إثيوبية عدة غارات استهدفت قوات إريترية كانت قد وصلت إلى مدينة في شمال إقليم تيغراي، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، نقلاً عن منظمة «أكليد» المعنية برصد النزاعات وعن شهود عيان.

وتدهورت العلاقات بقوة في الآونة الأخيرة بين البلدين الجارين اللذين خاضا حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000. ومع الاتهامات الإثيوبية لإريتريا بدعم المتمردين في إقليم تيغراي بشمال البلاد، قطعت الجارتان علاقاتهما الدبلوماسية الأسبوع الماضي.

وقالت وزيرة الاتصال الحكومي الإثيوبية إيناتاليم ميليسي لوكالة «بلومبرغ»، الأربعاء: «يجب على جميع القوات العسكرية الأجنبية العاملة داخل أراضينا السيادية الانسحاب فوراً. وعلى وجه الخصوص، يتعين على القوات الإريترية العاملة في تيغراي مغادرة الأراضي الإثيوبية دون تأخير».

وقاتلت إريتريا إلى جانب إثيوبيا ضد الجبهة «الشعبية لتحرير تيغراي» خلال الحرب الأهلية التي استمرت من 2020 إلى 2022، غير أن العلاقات سرعان ما تدهورت وسط اتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم الجبهة، على خلفية مخاوف لدى إريتريا من أن تكون إثيوبيا تخطط لغزو أراضيها للحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

أفراد من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يتفقدون مركزاً للشرطة في تيغراي (أ.ف.ب)

ويقول الباحث شيخو: «التطورات الميدانية المرتبطة بوجود قوات إريترية داخل شمال إثيوبيا تشير إلى أن الأزمة قد تتجاوز حدود الصراع الداخلي، لتكتسب بُعداً عسكرياً مباشراً بين دولتين، رغم النفي الإريتري لهذه التقارير».

وكان مصدر إريتري مسؤول قد نفى، الأربعاء، وجود قوات لبلاده في إقليم تيغراي، لكنه لم يستبعد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الصدام مع إثيوبيا لو مسَّت حدود بلاده. وقال المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه: «لا قوات إريترية في تيغراي، ولكن الاحتكاك والصدام واردان، إذا تم المساس بالحدود الإريترية، فهذا طبيعي».

3 سيناريوهات

ورغم هذا النفي، يعتقد شيخو أن أمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات، تتمثل في «احتواء التصعيد عبر الضغوط الدبلوماسية، أو استمرار حرب استنزاف في تيغراي، أو الانزلاق إلى مواجهة إثيوبية–إريترية مفتوحة».

أما إقليمياً، فقد تمتد التداعيات إلى السودان وعفر وأمهرة، وتزيد التوترات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والتنافس على النفوذ.

وإلى جانب إريتريا، تشهد العلاقات بين إثيوبيا والسودان توتراً على خلفية اتهام الخرطوم لأديس أبابا بدعم ميليشيات مسلحة ضد الجيش، واتهام إثيوبي بدعم سوداني لـ«جبهة تحرير تيغراي» وتحالف مسلح دُشن الشهر الماضي لإسقاط حكومة آبي أحمد.

وإزاء تلك التعقيدات، يعتقد شيخو أن «الخطر الأكبر ليس في تعدد الأزمات وحده، بل في احتمال تداخلها وتحولها إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه».


اتهامات لنتنياهو بتزييف وثائق رسمية حول «7 أكتوبر»

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
TT

اتهامات لنتنياهو بتزييف وثائق رسمية حول «7 أكتوبر»

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)

بعد اتهام السكرتير العسكري السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، اللواء آفي غيل، الذي كان في منصبه صباح 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لدى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتزييف بروتوكولات ووثائق تتعلق بالحرب وغيرها، توجه رئيس حزب «يشار»، رئيس الأركان الأسبق للجيش، غادي آيزنكوت، إلى المستشارة القانونية للحكومة مطالباً بفتح تحقيق جنائي ضد نتنياهو ومساعديه.

وقال آيزنكوت، الذي ينافس نتنياهو على رئاسة الحكومة في الانتخابات القريبة المقبلة، إنه بغض النظر عن الانتخابات ومن دون أي علاقة بها، فإن أموراً خطيرة جرت وتجري تهدد أسس منظومة الحكم وأركان الدولة إذا لم تعالج مثل هذه التجاوزات الخطيرة بالشكل المناسب؛ فالحديث يجري عن «تحريف وثائق أو شهادات وتزوير الحقيقة وإعادة كتابة تاريخ أحداث ما قبل هجوم 7 أكتوبر».

وأضاف: «تشكيل لجنة تحقيق رسمية سيكون أول قرار للحكومة التي سنقيمها بعد الانتخابات، لأن كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات هو ضرورة حيوية لاستعادة ثقة الجمهور بالقيادة التي سبقت 7 أكتوبر. ولكن في قضايا التزوير يجب محاسبة الجناة قضائياً».

وقد انضم إلى هذا الطلب أيضاً «مجلس أكتوبر»، الذي يضم غالبية العائلات التي ثكلت أبناءها وبناتها في 7 أكتوبر وخلال الحرب. وكشف هذا المجلس عن أن كبار المسؤولين في مكتب نتنياهو لم يكتفوا بالتزوير بل هددوا السكرتيرات، اللواتي يعملن في كتابة البروتوكولات واختزالها، واعترضن على بعض عمليات التزوير. وأكد أن هذه التصرفات جنائية ويجب التحقيق فيها في النيابة ومحاكمة جميع المسؤولين عنها.

نتنياهو يدلي بصوته داخل مركز الاقتراع الرئيسي لحزب «الليكود» بالقدس خلال الانتخابات التمهيدية قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية... يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وكانت تقارير عديدة نشرها الإعلام العبري في اليومين الماضيين، تكشف عن الأساليب التي اتبعها نتنياهو وفريقه لكي تبعد عنه تهمة الاستخفاف بالتحذيرات التي تلقاها عن قرب هجوم من «حماس» على إسرائيل.

وأكدت أن عمليات التزوير كانت منظمة ومنهجية. وشملت البروتوكولات السرية التي توثق اجتماعات الكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة).

نتنياهو استخف بتحذيرات أمنية

ومن أبرز التقارير ما سينشر في ملحق السبت لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، وتم نشر ملخص عنه الأربعاء، وما نشر في صحيفة «يسرائيل هيوم»، الخميس، ويتحدث كلاهما عن «قلق شديد في قيادة الجيش والمخابرات من عمليات تشويه الحقائق». ويستند التقريران إلى شهادة السكرتير العسكري، آفي غيل، وفيها يكشف عن «تحذيرات من أجهزة الأمن عن الوضع في قطاع غزة، التي تستوجب اتخاذ خطوات ضد قيادة (حماس)، واستخف بها نتنياهو ورفض المصادقة على اغتيالات لقادتها». وقد تبين أن البروتوكولات التي تتعلق بهذه التوصيات زُيفت، بينما تعرضت النسخة التي قدمها نتنياهو إلى المؤسسات الرسمية لعمليات «شطب وتحرير وتغيير»؛ فاختفت منها التحذيرات لغرض «تبرئة نتنياهو» من تهمة تقوية «حماس».

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحمل إكليل ورد في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في مقبرة بالقدس يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتشير الوثائق، حسبما جاء في تقرير «يديعوت أحرونوت» إلى أن مسؤولين أمنيين حذروا خلال أشهر الصيف والخريف، قبيل أكتوبر 2023، من اتساع التهديد واحتمال تداخل عدة جبهات، بينما ركز نتنياهو في توجيهاته على الحفاظ على الهدوء والاستقرار. وتقول الصحيفة: «هذه التحذيرات لا تعني أن أجهزة الأمن توقعت هجوم 7 أكتوبر تحديداً، ولا تعفيها من مسؤولية الإخفاق. لكنها تفضح حقيقة موقف نتنياهو».

أكاذيب كثيرة في الأجواء

وقال غيل، في مقابلة مع «يسرائيل هيوم»، نُشرت مقتطفات منها الخميس، على أن تُنشر كاملة يوم الجمعة، وفي مقابلة أخرى تنشر الليلة مع «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، وصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن هناك وثيقة قدمها نتنياهو إلى مراقب الدولة «هي جزء من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كاملة»، مضيفاً: «هناك أكاذيب كثيرة جداً في الأجواء. كنت آمل أن تُقام لجنة تحقيق رسمية تحقق في كل شيء، وللأسف هذا لا يحدث، وأشك في أنه سيحدث».

وأوضح غيل أن غياب لجنة تحقيق رسمية مستقلة هو أحد الأسباب التي دفعته إلى الحديث علناً في هذه المرحلة.

وكشف غيل للمرة الأولى عن تفاصيل تتعلق بقضية الاشتباه بتغيير وتعديل بروتوكولات في مكتب رئيس الحكومة، وقال إنه لاحظ، بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، أن مقربين من نتنياهو يقومون بـ«جمع مواد بصورة غير متناسبة».

وأضاف: «قررت التوجه إلى المستشارة القضائية للحكومة. قلت لها إننا في حرب، وإنني لا أبحث عن مذنبين ولا أريد أن يتحول الأمر إلى مسألة شخصية. طلبت منها أن توضّح التعليمات بشأن ما يجوز وما لا يجوز فعله بالنصوص المفرغة والبروتوكولات، وهذا ما حدث».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وبعد توجه غيل إلى المستشارة القضائية للحكومة، شرعت الشرطة في التحقيق بشبهة محاولة مسؤولين كبار في مكتب نتنياهو تغيير بروتوكولات لاجتماعات المجلس الوزاري المصغر التي عقدت خلال الحرب، إلى جانب عمليات تفريغ لمكالمات هاتفية أجراها صناع القرار، بينهم نتنياهو، خلال الأيام الأولى للحرب.

ومن بين المشتبه بهم في القضية رئيس طاقم مكتب نتنياهو، تساحي برافرمان، وهو أكبر المقربين من نتنياهو. وقد اضطر إلى ترك منصبه، بعد فتح ملف تحقيق ضده، فقرر نتنياهو ترقيته بتعيينه سفيراً في لندن، لكن هذا التعيين يواجه عراقيل دبلوماسية من طرف بريطانيا.

وقال غيل بشأن ما جرى: «نتحدث عن نمط عمل إجرامي لأشخاص يعتقدون أن كل شيء مسموح لهم، ورئيس الطاقم تصرف كمن يعتقد أن كل شيء مباح له». وأضاف: «قد يكونون عملوا منذ ذلك الوقت على الرواية التي نراها اليوم، ومفادها أن رئيس الحكومة كان الوحيد الذي عمل عندما بدأت الفوضى، والدليل أنه أعطى منذ اللحظة الأولى جميع التعليمات. هذا سيناريو خطير، لكنه معقول. وهناك سيناريو آخر شديد الخطورة».

وتطرق غيل كذلك إلى التحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر، لكنه لم يؤكد وجود تحذير مصري محدد بشأن تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، تبدأ بهجوم ما لـ«حماس»، وتؤدي إلى حرب مدمرة.

وقال: «طائرة تابعة للاستخبارات المصرية هبطت في إسرائيل، وبقيت هنا أكثر بقليل من 60 دقيقة. هذه حقيقة. طائرة كهذه لا تأتي من دون سبب». وأضاف: «إما أن شخصاً وصل على متنها للقاء شخص ما، وإما أن شخصاً جاء بها لتسليم شيء؛ رسالة أو مغلف». وتابع: «شخص ما التقى بشخص ما، أو تلقى شيئاً، ولم يبلغ عن ذلك. وإذا حدث ذلك، ويبدو أنه حدث، فكان يجب الإبلاغ عنه. ومن التقى أو تلقى شيئاً يخفي ذلك حتى اليوم».

«ثقافة الكذب تتفكك»

وفي تعقيبه على تصريحات غيل، قال رئيس حزب «يَشار»، غادي آيزنكوت، إن «ثقافة الكذب لدى نتنياهو تفكك إسرائيل وتعرضها للخطر». وأضاف أن نتنياهو وصل إلى صباح 7 أكتوبر «وهو متعال أمام التحذيرات المتكررة التي تلقاها من الداخل والخارج، ويستخف بالتنبيهات وخطط الأجهزة الأمنية». وتابع: «خلال ذلك الصباح، وبينما كان سكان البلدات المحاذية لغزة يقاتلون على حياتهم، انشغل نتنياهو ومحيطه بصياغة واقع بديل ينظفه من المسؤولية عن أكبر إخفاق في تاريخ إسرائيل».

من جانبه، هاجم الليكود مقابلة غيل، واعتبرها «جزءاً من حملة دعائية كاذبة وسياسية ضد رئيس الحكومة نتنياهو والليكود، هدفها إسقاط حكم اليمين وقيادة حكومة يسارية تقيم دولة فلسطينية». وعاد الحزب إلى تكرار روايته بأن «رئيس الحكومة نتنياهو لم يتلقَ أي تحذير مسبق قبل 7 أكتوبر بشأن هجوم لـ(حماس) من قطاع غزة». وختم الليكود بالقول إنه «لو تم إبلاغ رئيس الحكومة نتنياهو في الوقت الحقيقي، لكان كل شيء قد بدا مختلفاً».