كيف انتقد المشاركون في تسريب «سيغنال» كلينتون بسبب قضية البريد الإلكتروني؟ 

صورة مركَّبة يظهر فيها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ونائب الرئيس جي دي فانس ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف ومستشار الأمن القومي مايك والتز ونائب كبيرة موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسة مستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر ووزير الخارجية ماركو روبيو الذين تبادلوا رسائل نصية في دردشة جماعية تضمنت خططاً لشن ضربات ضد الحوثيين في اليمن (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة يظهر فيها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ونائب الرئيس جي دي فانس ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف ومستشار الأمن القومي مايك والتز ونائب كبيرة موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسة مستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر ووزير الخارجية ماركو روبيو الذين تبادلوا رسائل نصية في دردشة جماعية تضمنت خططاً لشن ضربات ضد الحوثيين في اليمن (أ.ف.ب)
TT

كيف انتقد المشاركون في تسريب «سيغنال» كلينتون بسبب قضية البريد الإلكتروني؟ 

صورة مركَّبة يظهر فيها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ونائب الرئيس جي دي فانس ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف ومستشار الأمن القومي مايك والتز ونائب كبيرة موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسة مستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر ووزير الخارجية ماركو روبيو الذين تبادلوا رسائل نصية في دردشة جماعية تضمنت خططاً لشن ضربات ضد الحوثيين في اليمن (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة يظهر فيها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ونائب الرئيس جي دي فانس ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف ومستشار الأمن القومي مايك والتز ونائب كبيرة موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسة مستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر ووزير الخارجية ماركو روبيو الذين تبادلوا رسائل نصية في دردشة جماعية تضمنت خططاً لشن ضربات ضد الحوثيين في اليمن (أ.ف.ب)

تبدَّلت مواقف المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذين شاركوا في تسريب خطة لشن هجوم على الحوثيين من خلال إدراج رئيس تحرير مجلة «ذا أتلانتيك» بالخطأ في مجموعة رسائل نصية على تطبيق «سيغنال»، إذ دافعوا عن أنفسهم في مواجهة الانتقادات، ولكنهم هاجموا المرشحة الرئاسية السابقة للحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، بسبب استخدامها حساباً بريدياً خاصاً لإرسال رسائل رسمية عندما كانت وزيرة للخارجية. وسلَّطت وكالة «أسوشيتد برس» للأنباء الضوء على هذه المفارقة، وقالت إن محاولات ترمب وكبار قادة إدارته التقليل من شأن خرق أمني كشف عن خطط لضربة عسكرية، تتناقض بشكل صارخ مع رد فعلهم على قضية هيلاري كلينتون.

صورة مركَّبة تجمع هيلاري كلينتون والرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (رويترز)

وأضافت أنهم ركزوا غضبهم هذه المرة بشكل كبير ليس على الثغرات الأمنية المحتملة أو العقوبات المترتبة عليها، بل على الصحافي الذي أُضيف عن طريق الخطأ إلى المجموعة وأبلغ عنها، بل إن بعض المشاركين في التسريب، الذين انتقدوا كلينتون، لم يُعلقوا علناً على قضيتهم.

ولفتت إلى أن أحد المخاوف الرئيسية بشأن بريد كلينتون الإلكتروني هو عدم تأمينه بشكل كافٍ، واحتمال وقوع المعلومات الحساسة في أيدٍ غير أمينة، لكنَّ مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، جيمس كومي، صرّح في توصيته بعدم توجيه أي اتهامات إلى كلينتون بأنه لا يوجد دليل على اختراق حساب بريدها الإلكتروني من جهات معادية.

كان ترمب قد أصر، الثلاثاء، على عدم الكشف عن أي معلومات سرية في الدردشة الجماعية، على الرغم من أن غولدبرغ كتب أن الرسائل كشفت عن «معلومات دقيقة حول الأسلحة والأهداف وتوقيت» الضربات في اليمن، فيما قال مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض إنه يُجري تحقيقاً.

من جانبها، عبَّرت كلينتون عن دهشتها بشأن تقرير غولدبرغ، وقالت عبر تطبيق «إكس»: «لا بد أنك تمزح».

وقارنت الوكالة بين مواقف ترمب وأعضاء إدارته المشاركين في تسريب خطة ضرب الحوثيين وما قالوه بشأن قضية هيلاري كلينتون آنذاك.

ترمب

قال ترمب، في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء، بشأن تسريب الخطة: «الأمر المهم هو أنه لم يحدث شيء. كان الهجوم ناجحاً تماماً». كما وصف مستشاره للأمن القومي، مايكل والتز، بأنه «رجل صالح للغاية»، وأصر على أنه «سيواصل أداء عمله على أكمل وجه»، مضيفاً: «أعتقد أن مهاجمتهم لمايكل ظلمٌ كبير»، واصفاً غولدبرغ بـ«الخسيس». ولاحقاً، قال في مقابلة مع قناة «نيوزماكس»، إن أحد مساعدي والتز كان لديه رقم غولدبرغ، وأن «هذا الرجل كان على اتصال به». وأضاف أيضاً أنه شعر بالارتياح لما حدث، وتابع: «لا يسعني إلا أن أعتمد على ما قيل لي... لكنني أشعر براحة بال كبيرة في الواقع».

ولكن ترمب كان قد قال عن قضية هيلاري كلينتون، في خطاب ألقاه في أكتوبر (تشرين الأول) 2016: «هيلاري هي من أرسلت واستقبلت معلومات سرية على بريد غير آمن، مما عرَّض سلامة الشعب الأميركي للخطر».

المرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون تستمع إلى المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترمب خلال المناظرة الرئاسية الثالثة 19 أكتوبر 2016 (أ.ب)

وأضاف: «رفض النظام المُزوَّر مقاضاتها على سلوكٍ وعرّضنا جميعاً وكل فرد في هذا البلد للخطر. لقد بذلت هيلاري كلينتون جهوداً حثيثة لإنشاء خادم بريد إلكتروني خاص، وتجاوزت إجراءات الأمن الحكومية، وذلك لمنع الجمهور والمسؤولين الفيدراليين من قراءة رسائلها الإلكترونية». وخلال تجمع انتخابي في فلوريدا في يوليو (تموز) 2016، حثّ قراصنة روس على المساعدة في العثور على مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني التي قيل إنها اختفت من خادم كلينتون الخاص. وقال: «روسيا، إن كنتم تُصغون، آمل أن تتمكنوا من العثور على 30 ألف رسالة بريد إلكتروني مفقودة».

والتز

قال والتز، خلال اجتماع البيت الأبيض، يوم الثلاثاء، مع ترمب: «أعتقد أن هناك دروساً كثيرة مُستفادة لكثير من الصحافيين في هذه المدينة الذين صنعوا لأنفسهم شهرة واسعة باختلاق الأكاذيب عن هذا الرئيس». وأضاف أن غولدبرغ «هذا الصحافي يريد أن يتحدث العالم عن مزيد من الأكاذيب».

وفي مقابلة لاحقة مع على قناة «فوكس نيوز»، قال والتز: «أتحمل المسؤولية كاملةً. أنا مَن أسَّس المجموعة». كما ناقض ترمب بقوله إنه لم يكن أيٌّ من موظفيه مسؤولاً، وأقرّ والتز أيضاً بأن «الأمرٌ مُحرج»، وقال: «لقد ارتكبنا خطأً». ولكنه كان قد قال في يونيو (حزيران) 2023 عن هيلاري كلينتون: «كيف يُمكن لها حذف 33 ألف رسالة بريد إلكتروني حكومية من خادم خاص، بينما يُتّهم الرئيس ترمب بحيازة وثائق يُمكنه رفع السرية عنها؟»، مشيراً إلى التهم الموجهة إلى ترمب بسوء التعامل مع وثائق سرية وقد أُلغيت القضية بعد فوز ترمب بولاية ثانية.

مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل والتز (يسار) ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (وسط) ووزير الدفاع بيت هيغسيث (يمين) يستمعون إلى سؤال من أحد الصحافيين (أ.ف.ب)

وزير الدفاع بيت هيغسيث

قال هيغسيث للصحافيين، الاثنين: «لم يُرسِل أحدٌ خطط حرب»، ووصف غولدبرغ بـ«صحافي مخادع وفاقد للمصداقية، امتهن ترويج الأكاذيب».

كان هيغسيث قد قال عن رسائل كلينتون في 2016: «أي متخصص أمني، سواءً كان عسكرياً أو حكومياً أو غير ذلك، سيُفصل فوراً بسبب هذا النوع من السلوك، وسيُحاكم جنائياً لتهوره في هذا النوع من المعلومات». وفي العام نفسه، سأل هيغسيث على قناة «فوكس نيوز» التي كان يعمل بها: «ما مدى الضرر الذي يُلحقه ذلك بقدرتك على تجنيد أو بناء حلفاء مع الآخرين عندما يشعرون بالقلق من تسريب المعلومات». وفي حلقة أخرى قال هيغسيث: «لو كان أي شخص آخر غير هيلاري كلينتون، لكان في السجن الآن على ما فعله. لأن الافتراض السائد في مجتمع الاستخبارات هو أنه إذا استخدمت وسائل غير سرية، فهناك احتمال أن تستهدفها حكومات أجنبية وتجمع معلومات استخباراتية منها».

وزير الخارجية ماركو روبيو

لم يعلق علناً على قضية تسريب الخطط العسكرية، ولكنه قال لـ«فوكس نيوز» في 2016 عن قضية كلينتون: «لا أحد فوق القانون، ولا حتى هيلاري كلينتون - حتى لو كانت تعتقد ذلك»، وقال لاحقاً إنه «تهور وانعدام كفاءة تامَّان».

الولايات المتحدة تستخدم أحدث أسلحتها في مطاردة قادة الحوثيين (الجيش الأميركي)

نائب كبير موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسات ستيفن ميلرلم يعلق علناً على التسريب الحالي، ولكنه قال في عام 2022 عن قضية هيلاري كلينتون عبر منصة «إكس»: «يمكن للخصوم الأجانب اختراقه بسهولة من أي مكان في العالم».

مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف

قال راتكليف في جلسة استماع في الكونغرس، يوم الثلاثاء: «للتوضيح، كانت اتصالاتي في مجموعة (سيغنال) قانونية تماماً، ولم تتضمن معلومات سرية». ولكنه كان قد قال لقناة «فوكس نيوز» عام 2018، عن المسؤولين الذين يسيئون التعامل مع المعلومات الحساسة: «من الجيد دائماً أن نرى تحقيقاً وملاحقة قضائية للأشخاص الذين لا يتعاملون مع هذه المعلومات بشكل صحيح».

مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد

قالت غابارد، في جلسة الاستماع في الكونغرس: «هناك فَرق بين النشر غير المقصود وتسريب المعلومات السرية بإهمال وسوء إدارة وسوء نية». ولكنها كانت قد قالت في وقت سابق من هذا الشهر عبر منصة «إكس»: «أي نشر غير مصرح به لمعلومات سرية يُعد انتهاكاً للقانون، وسيُعامل على هذا الأساس».


مقالات ذات صلة

رئيس فنلندا: أخشى أن تؤدي قضية غرينلاند إلى «تسميم» الأجواء في دافوس

أوروبا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب يتحدث خلال مقابلة في هلسنكي عاصمة فنلندا - 17 سبتمبر 2024 (رويترز)

رئيس فنلندا: أخشى أن تؤدي قضية غرينلاند إلى «تسميم» الأجواء في دافوس

عبّر الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، الاثنين، عن خشيته من أن تتسبب قضية غرينلاند في «تسميم» الأجواء بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي)
آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يلوّح بيده بعد خطابه في قاعة الشعب الكبرى ببكين... الصين 23 أكتوبر 2022 (رويترز) play-circle

سياسات ترمب تمنح الصين فرصة ذهبية لرسم صورتها كقطب استقرار عالمياً

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بدا أن الرئيس الأميركي ترمب لا يكتفي بإرباك خصومه، بل يمنح الصين، من خلال سياسته، فرصة لإعادة تموضعها على الساحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا جنود دنماركيون يهبطون من سفينة بميناء «نوك» في غرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

الدنمارك وغرينلاند تقترحان إرسال بعثة من «حلف الأطلسي» إلى القطب الشمالي

قال وزير الدفاع الدنماركي ‌ترولز ‌بولسن، ​الاثنين، ‌إن بلاده وغرينلاند ناقشتا إمكان وجود ⁠بعثة ‌من «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في غرينلاند ‍والقطب الشمالي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتبنى موقف اليمين ويطلب عدم الانسحاب من غزة

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن الانتقادات في المؤسسة الأمنية عموماً وفي الجيش الإسرائيلي بشكل خاص تزداد ضد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة «إن بي سي» بأن على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت محطة تلفزيون «إن بي سي نيوز»، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض التعليق على سؤال حول إمكانية اللجوء إلى القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وذلك مع تصاعد التوتر بعد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على بعض الدول الأوروبية إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة الدنماركية التي تتمتع بحكم ذاتي.

وقالت «إن بي سي نيوز» إن ترمب انتقد خلال المقابلة القادة الأوروبيين الذين عارضوا مساعيه لضم غرينلاند، التي يقول إنها ضرورية لحماية الأمن القومي الأميركي من التهديدات الخارجية.

وقال الرئيس الأميركي: «على أوروبا أن تركّز على الحرب مع روسيا وأوكرانيا، لأنكم ترون ما آلت إليه الأمور. هذا ما يجب أن تركز عليه أوروبا، وليس غرينلاند».

كان ترمب قد أعلن هذا الأسبوع فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على بعض الدول الأوروبية بدءاً من أول فبراير (شباط) المقبل على أن تزيد إلى 25 في المائة اعتباراً من الأول من يونيو (حزيران) القادم.

وعندما سُئل عما إذا كان سينفّذ خططه لفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند، قال ترمب لـ«إن بي سي نيوز»: «سأفعل ذلك، بنسبة 100 في المائة».

من جهته، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي الشاسع.

وقال بيسنت للصحافيين في اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة بتاتاً». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي لأنه يعتبره «أصلاً استراتيجياً»، و«لن نوكل أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».


مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالبته باستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، مُوسّعاً بذلك نطاق الخلافات مع الدنمارك وبقية الدول في أوروبا، ليواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» أزمة لا سابق لها منذ إنشائه قبل 77 عاماً.

ورغم الرفض القاطع من رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تقع غرينلاند ضمن سيادة بلدها، والزعماء الغرينلانديين، وكذلك من كبار المسؤولين الأوروبيين وبينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، جدد الرئيس ترمب حملته الكلامية للمطالبة بالحصول على أكبر جزيرة في العالم، فكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «لطالما طالب حلف الناتو الدنمارك، طوال 20 عاماً، بضرورة إبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند». وأضاف: «للأسف، لم تتمكن الدنمارك من فعل أي شيء حيال ذلك. والآن حان الوقت، وسيتم ذلك!».

وهو كان يشير في هذا المنشور إلى أن أعضاء «الناتو» لم يستثمروا بشكل كافٍ في أمن القطب الشمالي لسنوات، في وقت تتحوّل فيه المنطقة - التي تشهد ذوباناً للأنهار الجليدية ونشاطاً بحرياً متزايداً لكل من الصين وروسيا وممراً لكابلات الاتصالات البحرية الحيوية - إلى بيئة خصبة لتجدد الصراع بين القوى العظمى.

ولم يُبدِ ترمب حتى الآن أي اهتمام بالبحث عن حلول دبلوماسية، أو بنوع الشراكات الدفاعية التي لطالما عززها «الناتو»، بما في ذلك بناء المزيد من القواعد الأميركية لمراقبة الشحن الصيني والروسي، وتوسيع مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي الذي لا يزال في مراحله الأولى، ليشمل غرينلاند البالغة مساحتها 836 ألف ميل مربع، أي نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس.

وكذلك لم يعر ترمب أي اهتمام حتى الآن بمعاهدة استراتيجية وقّعتها الدنمارك عام 1951 لمنح الولايات المتحدة حقوقاً تشمل فتح نحو 16 قاعدة عسكرية في غرينلاند، علماً بأنها أُغلقت لاعتقاد الإدارات الأميركية السابقة بأن عصر التنافس الاستراتيجي على القطب الشمالي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي. ولم يبقَ من هذه القواعد سوى واحدة حالياً. وصرح ترمب مراراً بأن بلاده بحاجة إلى غرينلاند الشاسعة والغنية بالمعادن من أجل «الأمن القومي» للولايات المتحدة.

أكبر من صفقة ألاسكا

أرشيفية لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال جولة عسكرية في قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند (أ.ف.ب)

وإذا تمكن ترمب من الوصول إلى غايته، فستكون هذه أكبر صفقة استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، وحتى أكبر من صفقة وزير الخارجية سابقاً ويليام سيوارد، قبل أكثر من 150 عاماً، عندما اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867 مقابل سنتين تقريباً لكل فدّان.

وبدلاً من السعي إلى تسوية دبلوماسية، لجأ ترمب إلى سلاحه المفضل: الرسوم الجمركية. وزاد عليه أخيراً ربط مساعيه للسيطرة على غرينلاند بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، معلناً أنه لم يعد يفكر بـ«السلام حصراً» لتحقيق غايته. وكتب في رسالة خطية وجهها لرئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوير: «بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من 8 حروب، لم أعد أشعر بالتزام بالتفكير في السلام حصراً، مع أنه سيظل دائماً هو الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة». وكرر اتهام الدنمارك بأنها عاجزة عن حماية غرينلاند من روسيا أو الصين. وإذ تساءل: «لماذا لديهم حق الملكية، على أي حال؟»، أضاف: «لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أن سفينة رست هناك قبل مئات السنين، ونحن لدينا سفن هناك أيضاً». واعتبر أن «العالم لن يكون آمناً ما لم نحكم سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».

جنود دنماركيون ينزلون من سفينة في ميناء نوك بغرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

وقاد ترمب حملة علنية لنيل جائزة نوبل، التي منحت خلال العام الماضي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. وقدمت ماتشادو ميداليتها الذهبية لترمب الأسبوع الماضي على الرغم من أن اللجنة أكدت أن الجائزة غير قابلة للتحويل أو المشاركة أو الإلغاء.

وكان الرئيس الأميركي قد تعهد، السبت، بفرض موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل على 8 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا والنرويج، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وتهدد استراتيجيته بتقويض «الناتو» الذي شكل ركيزة الأمن الغربي لعقود، والذي كان يعاني أصلاً ضغوطاً بسبب الحرب في أوكرانيا ورفض ترمب حماية الحلفاء الذين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع.

وهذا ما عكسه رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن الذي أكد أن تهديد ترمب بالتعريفات الجمركية لا يُغيّر من رغبة غرينلاند في تأكيد سيادتها. وكتب في منشور على «فيسبوك»: «لن نرضخ للضغوط»، مضيفاً أن الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي «مجتمع ديمقراطي له الحق في اتخاذ قراراته بنفسه».

وفي رد مباشر على رسالة ترمب، عبّر رئيس الوزراء النرويجي، في بيان أصدره مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، عن «معارضتهما» لتهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية. وذكّر بأن جائزة نوبل للسلام لا تُمنح من الحكومة النرويجية.


من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

لم يعد البيت الأبيض مجرد مركز لاتخاذ القرارات التنفيذية، بل تحوّل، خلال العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترمب، إلى حصن للسياسات القومية الصارمة. وخلال هذا العام، سعى ترمب إلى إعادة رسم خريطة الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً. ولم يكتفِ بتعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، بل أحدث تحولات جذرية في هيكلة البيت الأبيض وأدواته، مستفيداً من دروس ولايته الأولى لفرض أجندة أكثر تنظيماً، وأشد عدوانية في بعض الأحيان.

وتحت شعار «أميركا أولاً»، شهد عام 2025 تصاعداً لافتاً في استخدام الأوامر التنفيذية، وفرضَ تعريفات جمركية قاسية، واستقطاباً حاداً حول قضايا مكافحة الهجرة وتأمين الحدود، إلى جانب توترات دولية بلغت حدَّ التهديدات والتدخلات العسكرية؛ ما أعاد تشكيل علاقات واشنطن بحلفائها وخصومها على حد سواء.

وفي موازاة ذلك، برز تنافس داخلي داخل صفوف الإدارة، لا سيما بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، بوصفه مؤشراً مبكراً إلى صراعات محتملة حول خلافة ترمب في انتخابات 2028.

واستطلعت صحيفة «الشرق الأوسط» آراء خبراء ومسؤولين أميركيين سابقين، حذّروا من أن العام الأول من ولاية ترمب الثانية يرسّخ توجّه الولايات المتحدة نحو انعزالية اقتصادية وسياسية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الدولية والانقسامات الداخلية. كما يثير هذا النهج، في نظر بعضهم، مخاوف من تحوّل الرئاسة إلى أداة قوة شخصية تخدم شاغل البيت الأبيض، وسط خشية متزايدة من تآكل الديمقراطية وترسّخ ما باتت تُعرف بـ«عقيدة القوة» في السياسة الأميركية.

من الفوضى إلى التنظيم

اتسمت الولاية الأولى لترمب (2017 - 2021) بفوضى إدارية واضحة، عكستها تعيينات متسارعة وإقالات مفاجئة. أما ولايته الثانية، فبدت أكثر تنظيماً واستعداداً، مستفيدة من أجندة واضحة، أبرزها «مشروع 2025» الصادر عن معهد «هيريتدج»، الذي يهدف إلى تعزيز السياسات المحافظة اليمينية، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

وحتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصدر ترمب أكثر من 220 أمراً تنفيذياً، وهو عدد يفوق إجمالي الأوامر التنفيذية التي أصدرها خلال ولايته الأولى (220 أمراً)؛ ما يشكّل أعلى معدل لاستخدام هذه الأداة منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفلت. واستُخدمت الأوامر التنفيذية لتجاوز الكونغرس، وإلغاء برامج مثل سياسات التنوع والإنصاف، وتشديد أمن الحدود الجنوبية، وفرض قيود صارمة على الهجرة. وعلى خلاف ولايته الأولى، التي اتسمت قراراتها بقدر من الارتجال، ركّزت الولاية الثانية على الاقتصاد والأمن، وتفكيك البيروقراطية الفيدرالية، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وتعظيم دور رجال الأعمال وأباطرة التكنولوجيا داخل الإدارة.

وفي أبريل (نيسان) 2025، فرض ترمب تعريفات جمركية عامة بنسبة 10 في المائة، تصاعدت لتتراوح بين 50 و145 في المائة على الصين ودول أخرى؛ بهدف تقليص العجز التجاري. غير أن هذه السياسات أدت إلى ركود صناعي جزئي وأضعفت الطبقة الوسطى الأميركية، خلافاً لوعود ترمب الانتخابية بتحقيق «الازدهار الاقتصادي».

ويرى خبراء أن البيت الأبيض في العام الأول من ولاية ترمب الثانية تحوّل من ساحة صراعات داخلية إلى أداة للسيطرة، مع بروز شخصيات نافذة مثل سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، التي تمتلك تأثيراً واسعاً في توجيه الرئيس وإدارة اندفاعه ورغبته في الانتقام السياسي، وفق مراقبين. كما تعزّز نفوذ كارولين ليفيت، أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض (28 عاماً)، في صياغة الرسائل الإعلامية ومواجهة الانتقادات. وتمثل الشخصيتان نموذجاً لحضور نسائي قوي داخل إدارة ترمب.

التدخلات الأميركية مستمرة

يشير السفير الأميركي المتقاعد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، إلى هيمنة التيار الداعم للتدخل الدولي في الشرق الأوسط، والذي يضم فريق ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوماس برّاك، ومورغان أورتيغوس. ويقول، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التيار متحالف مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وما تبقَّى من مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية، لافتاً إلى وجود مصالح تجارية قوية مرتبطة بالإدارة وبترمب شخصياً؛ ما أسفر عن استمرار الانخراط العسكري والتجاري والدبلوماسي المكثف في المنطقة.

صورة نشرها البيت الأبيض للرئيس الأميركي وأعضاء في إدارته وهم يواكبون العملية العسكرية في فنزويلا 3 يناير

من جهته، يرى آرون ديفيد ميلر، الزميل البارز في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، والذي شغل مناصب في إدارات أميركية ديمقراطية وجمهورية عدة، أن السنة الأولى من ولاية ترمب الثانية اتسمت بالبراغماتية والتركيز على إبرام الصفقات السريعة. ويشير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن ترمب، رغم ادعائه إنهاء 8 نزاعات، فإنه لا يبدو مهتماً بمعالجة الجذور العميقة للصراعات، بل يكتفي بإنهائها على السطح.

ويخصّص ميلر حديثه للوضع في غزة، عادّاً أنه رغم وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن، فإن غزة لم تقترب من الاستقرار الوظيفي. وفيما يتعلق بإيران، يرى أن الضربات الأميركية أخَّرت البرنامج النووي، لكنها لم تقضِ عليه. أما فنزويلا، فيصفها بأنها تجسيد لنهج «الانتصار السريع»؛ إذ لا يسعى ترمب إلى خلق ظروف انتقال ديمقراطي، بل إلى استعراض البراعة العسكرية، عبر «اختطاف» الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، مع الإبقاء على النظام قائماً، على حدّ وصفه.

سوزي وايلز كبيرة موظفي البيت الأبيض تحضر اجتماعاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي في نيويورك 23 سبتمبر (رويترز)

ويشير ميلر إلى أن ترمب يروّج لفكرة استعادة العزيمة والقوة الأميركية؛ ما دفع قادة العالم إلى الإسراع في التواصل معه؛ إما خوفاً، كما في حالة الرئيس الكولومبي، أو شعوراً بالتهميش، كما لدى المعارضة الفنزويلية بقيادة ماريا ماتشادو، أو بسبب الانقسام الداخلي، كما هي حال الاتحاد الأوروبي. ويلاحظ ميلر حالة غضب وإحباط واسعة من سياسات ترمب الخارجية، تقابلها في الوقت ذاته محاولات متزايدة من قادة العالم لاسترضائه والتقرّب منه.

ويضيف أن أكثر ما يثير قلقه هو «تعطّل النظام السياسي الأميركي»، عادّاً أن إصلاحه «سيستغرق وقتاً طويلاً»، ومتسائلاً عمّا قد تحمله السنوات الـ3 المتبقية من ولاية ترمب.

خيبة أمل تيار «أميركا أولاً»

أدّت التدخلات الخارجية التي أقدم عليها الرئيس الأميركي، من العملية الخاطفة في فنزويلا، إلى الضربات الجوية لمكافحة الإرهاب في نيجيريا، وصولاً إلى السعي للسيطرة على جزيرة غرينلاند، إلى خيبة أمل داخل التيار الانعزالي في إدارة ترمب. ويقول سكوت أبرامسون، الزميل في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، إن قاعدة ترمب الانتخابية وإدارته أشادتا بخطاب الرئيس في الرياض في مايو (أيار)، حين انتقد «المتدخلين في مجتمعات معقدة لا يفهمونها».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو في البيت الأبيض 9 يناير (رويترز)

ويستدرك أبرامسون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «لكن منذ ذلك الخطاب، توسّع نطاق الانخراط الأميركي الخارجي، من رعاية اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومحاولات التوصل إلى تسوية بين إسرائيل وسوريا».

ويرى أبرامسون أن النجاح الأميركي في استهداف البرنامج النووي الإيراني، والإطاحة بأقرب حلفاء طهران في نصف الكرة الغربي، الرئيس نيكولاس مادورو، عزّز ميل ترمب إلى استخدام القوة الأميركية دولياً، في حين يتحسر الانعزاليون في قاعدته الانتخابية على هذا التوجه، عادّين أنه يتناقض مع شعار «أميركا أولاً».

ويختلف ميلر في تفسير هذا الشعار، عادّاً أنه لا يعكس انعزالية بقدر ما يجسّد «إحساس ترمب بالقوة والسيطرة، وإثبات أن للولايات المتحدة نفوذاً في كل مكان». ويشير إلى «تضخم غير مسبوق» في السلطة الرئاسية، وتقويض المعايير والمؤسسات الأميركية، وارتفاع مستويات الفساد والمحسوبية، فضلاً عن الضرر الذي يلحق بالنسيج الأساسي للحكومة الأميركية.

«القوة تصنع الحق»

يصف جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي - الأميركي في واشنطن، العام الأول من ولاية ترمب الثانية بأنه «مخيف»، معرباً عن قلقه من الأضرار التي لحقت بالديمقراطية الأميركية وبالسياسة الداخلية والخارجية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب «فكّك الحماية الدستورية، وأطلق العنان لقوى تنفذ أوامره، وقمع الاحتجاجات، وفرض برنامجاً اقتصادياً أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين».

الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تعرض صورة لمركبة تابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأميركية تم تخريبها في مينيابوليس 15 يناير (رويترز)

ويرى زغبي أن ولاية ترمب الأولى كانت مختلفة، بفعل وجود جنرالات فرضوا قيوداً على قراراته، بينما اعتمد في ولايته الثانية على رؤية «مشروع 2025» اليمينية، وعلى دائرة من الموالين المستعدين لتنفيذ رغباته، بدافع الطموح السياسي، أو الخوف من فقدان مواقعهم.

ويتفق زغبي مع ميلر في أن ابتعاد ترمب عن القانون الدولي واعتماده على «أخلاقياته الخاصة» يعنيان أن القوة باتت هي التي تصنع الحق. ويشير إلى أن وعود ترمب للأميركيين بالاستفادة من نفط فنزويلا لا تستند إلى واقع؛ إذ إن إصلاح البنية التحتية للنفط الثقيل سيستغرق سنوات طويلة، عادّاً أن النفط لم يكن سوى ذريعة لإيصال رسالة مفادها أن ترمب قادر على فعل ما يريد دون رادع.

أجواء التنافس داخل البيت الأبيض

مع اقتراب موسم الحملات الانتخابية، يبرز تنافس واضح بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو. فانس، المقرّب من قاعدة «ماغا»، يعزز نفوذه عبر السياسات الداخلية، بينما ينفي روبيو وجود تنافس علني، في وقت يعمل فيه على تعزيز الحضور الدولي لبلاده.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ويُنظر إلى فانس بوصفه مرشحاً قوياً لانتخابات 2028، بينما يعكس هذا التنافس صراعاً أعمق بين الجناحين القومي والتقليدي داخل الحزب الجمهوري.

ويرى زغبي أن هذا الصراع يتمحور حول النفوذ والمناصب أكثر من كونه خلافاً جوهرياً في السياسات، محذّراً من أن ما يقوم به ترمب من تعيينات قائمة على الولاء، ووضع اسمه على واجهات مؤسسات وطنية، يعكس مسار بناء «نظام سلطوي طموح»، ستكون له تداعيات عميقة على الديمقراطية الأميركية خلال السنوات المقبلة.