بوادر أزمة بين السودان ودولتين جارتين

مساعد البرهان هدّد تشاد بقصف مطاراتها... وانجمينا تعدّه «إعلان حرب»

الفريق ياسر العطا مساعد القائد العام للجيش السوداني (وكالة السودان للأنباء)
الفريق ياسر العطا مساعد القائد العام للجيش السوداني (وكالة السودان للأنباء)
TT

بوادر أزمة بين السودان ودولتين جارتين

الفريق ياسر العطا مساعد القائد العام للجيش السوداني (وكالة السودان للأنباء)
الفريق ياسر العطا مساعد القائد العام للجيش السوداني (وكالة السودان للأنباء)

ردَّت كل من دولتي تشاد وجنوب السودان، المجاورتين للسودان، على تصريحات عضو مجلس السيادة السوداني، ياسر العطا، التي هدَّد فيها دولة تشاد باستهداف مطاراتها، ودولة جنوب السودان بالعدوان العسكري، إذا لم توقفا مساندة «قوات الدعم السريع» السودانية التي تحارب الجيش منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

وعدَّت وزارة الخارجية التشادية، في بيان شديد اللهجة، حديث ياسر العطا بمثابة «إعلان حرب» مع ما يترتب على ذلك من تداعيات، قائلة إنها تلقت ببالغ الجدية التصريحات الصادرة عن العطا التي تضمنت «تهديدات صريحة تمسّ أمن أراضي أمتنا وسلامتها».

وقال العطا، وهو أيضاً مساعد القائد العام للجيش السوداني، مساء الأحد، إن مطاري انجمينا و«أم جرس»، في دولة تشاد أهداف مشروعة للجيش السوداني. ولا تُعدّ تهديدات العطا الأولى من نوعها؛ إذ دأب على مهاجمة دول الجوار واتهامها بالضلوع في مساندة «قوات الدعم السريع»، إذ اتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 دولة تشاد بتوظيف مطار «أم جرس» في إيصال الإمداد لـ«قوات الدعم السريع»، كما اتهم كلاً من أوغندا وأفريقيا الوسطى وكينيا بالضلوع أيضاً في مساندة «قوات الدعم السريع».

كما قال العطا، يوم الأحد: «سنقتص من الرئيس التشادي محمد إدريس دبي، ونحذّره من أن مطاري انجمينا وأم جرس هما أهداف مشروعة للقوات المسلحة السودانية»، كما هاجم أيضاً ما سماها «مراكز النفوذ الخربة في دولة جنوب السودان».

قائد الجيش البرهان وإلى يساره مساعده ياسر العطا (الجيش السوداني)

انعدام المسؤولية

وأكدت وزارة الخارجية التشادية أن الوضع الراهن المؤسف من جميع الجوانب، هو «نتيجة مباشرة لانعدام المسؤولية لدى القادة العسكريين الجدد في السودان». وجاء في البيان أن «هذه الخطابات العدوانية تغذي مناخ التوتر الخطير في عموم المنطقة، وتشاد لا يمكنها التساهل مع أي شكل من أشكال العدوان الموجه ضدها، أياً كان مصدره».

وأضافت تشاد أنه إذا تم المساس مجدداً بأراضيها أو أمنها فإنها سترد «بشكل صارم ومتناسب مع طبيعة العدوان». وأشار البيان إلى أن تصريحات العطا جاءت في الوقت الذي تبذل فيه تشاد جهوداً كبيرة لدعم السودان في محنته، من خلال استقبالها عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين، فضلاً عن تكثيف مبادرات الوساطة بين الفرقاء السودانيين بهداف «إنهاء الحرب الأهلية الكارثية التي تقسم هذا البلد».

وذكرت الخارجية التشادية أنه لأكثر من 60 عاماً ظلت الأنظمة السودانية تسعى بشكل متكرر إلى زعزعة استقرار تشاد، عبر دعم جماعات متمردة مختلفة، والتورط في عمليات هجومية، بما في ذلك دعم جماعة «بوكو حرام» الإرهابية، وذلك لحسابات سياسية داخلية في السودان. وأوضح البيان أنه على الرغم من هذه الاعتداءات غير المقبولة، فإن تشاد لم تختر أبداً طريق العنف في الرد.

شكوى رسمية

وقدَّم السودان في نوفمبر الماضي شكوى رسمية ضد تشاد إلى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي، بشأن مساندتها «قوات الدعم السريع» من خلال تمرير العتاد العسكري والمقاتلين عبر أراضيها إلى داخل السودان.

من جانبها، أعربت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في جمهورية جنوب السودان، عن بالغ قلقها وإدانتها الشديدة للتصريحات العلنية الأخيرة التي أدلى بها ياسر العطا، التي هدد فيها بـ«العدوان العسكري على شعب وسيادة جنوب السودان».

وقال بيان الخارجية إن «التصريحات التي أدلى بها الفريق العطا يوم 23 مارس 2025، التي أعلن فيها استعداد الحكومة السودانية وقواتها المسلحة للتعامل مع من وصفهم بالخونة داخل جمهورية جنوب السودان، ليست فقط متهورة واستفزازية، لكنها أيضاً انتهاك صارخ لمبادئ حسن الجوار والتعايش السلمي والقانون الدولي».

سلفا كير رئيس جمهورية جنوب السودان (رويترز)

التزام بالسلام

وأضاف البيان: «تظل حكومة جمهورية جنوب السودان ملتزمة التزاماً راسخاً بالسلام والاستقرار الإقليميين، ودعت باستمرار إلى الحوار والمشاركة الدبلوماسية لحل النزاعات. كما نؤكد من جديد دعوتنا إلى الإنهاء الفوري للصراع المدمر في السودان، الذي لا يزال يجبر المواطنين السودانيين على الفرار عبر حدودنا بحثاً عن الأمان».

ودعت خارجية جنوب السودان الشركاء الإقليميين والدوليين، والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، إلى الإحاطة علماً «بهذه التصريحات العدائية والتعامل مع جمهورية السودان لمنع أي تصعيد من شأنه أن يعرّض السلام والأمن الإقليميين للخطر»، مؤكدة أن حكومة جمهورية جنوب السودان ستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية سلامة أراضيها وسلامة مواطنيها، قائلة: «نظل يقظين ومستعدين للدفاع عن أمتنا ضد أي شكل من أشكال العدوان مع الاستمرار في السعي إلى إيجاد حلول دبلوماسية للحفاظ على السلام في منطقتنا».


مقالات ذات صلة

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف الأربعاء (واس)

السعودية: لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية والميليشيات

شدّدت السعودية، الأربعاء، «أنه لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية ومجلس السيادة وبين ميليشيات ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

وقال المجتمعون، في جنيف، إن «المدنيين يدفعون ثمن استمرار القتال الباهظ ويفاقم من معاناتهم»، داعين إلى «هدنة إنسانية عاجلة تمهد الطريق لوقف دائم لإطلاق النار»، وحثوا أطراف النزاع على خفض التصعيد والانخراط بجدية في مسار سياسي، كما شددوا على أهمية وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج الحرب، وجددوا رفض إنشاء حكومات موازية، مؤكدين تمسكهم بوحدة السودان.

جاءت هذه المواقف في ختام «الاجتماع التشاوري السادس، لتعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان»، الذي نظمته الأمم المتحدة في جنيف، واختتم أعماله مساء الأربعاء. وترأس الاجتماع كلٌ من وزير الدولة السويسري للشؤون الخارجية ألكسندر فازل، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو.

وشارك في الاجتماع ممثلون لـ22 دولة، بينها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، ودول الجوار السوداني، بالإضافة إلى منظمات إقليمية ودولية، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وهيئة «إيغاد».

وقال هافيستو: «تتمثل إحدى الخطوات الصغيرة التي تتخذها الأمم المتحدة في محاولة طرح ما يُعرف بتدابير بناء الثقة، وهي خطوات يمكن أن يوافق عليها طرفا النزاع». وأوضح أن أحد التدابير يتعلق بتبادل أسرى الحرب أو المعتقلين، العسكريين والمدنيين على حد سواء، وتسهيل امتحانات الطلاب.

وأضاف هافيستو: «نعتقد أن هناك قضايا ينبغي في الواقع أن توحّد طرفي النزاع، لكن هذه بطبيعة الحال ليست سوى خطوات أولية بسيطة مقارنة بالدمار الهائل الذي يحدث».

هدنة الإنسانية

وشدد المشاركون، وفق البيان الختامي، على ضرورة أن تقود الهدنة الإنسانية إلى وقف دائم لإطلاق النار، وأن تسهم إجراءات خفض التصعيد في تحسين الأوضاع على الأرض.

وانتقد الاجتماع تمسك الأطراف المتصارعة باستمرار القتال في انتظار تحقيق مكاسب عسكرية، مؤكداً «استحالة الحل العسكري للحرب» بعد ثلاثة أعوام ونصف العام. ووصف المجتمعون استمرار المساعي لتحقيق مكاسب عسكرية، بأنه «عبء يتحمل تكلفته المدمرة المدنيون الذين يعانون بالفعل من وطأة النزاع»، ودعوا إلى عدم تحميلهم تبعات الحسابات العسكرية للأطراف المتحاربة.

ودعا المجتمعون إلى الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني، وحماية المنشآت المدنية، بما فيها البنية التحتية الحيوية اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية، في جميع الأوقات، وحثوا الدول والجهات الفاعلة على الامتناع عن تأجيج الحرب، «بتوفير المرتزقة والمعدات العسكرية والطائرات المسيّرة والتمويل».

وحذر الاجتماع من أن استمرار هذه الممارسات التي بالضرورة تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا، وتصعيد مخاطر واحتمالات تقسيم السودان حال استمرار دعم أطراف القتال، لكن البيان لم يسم أي دول أو جهات بعينها باعتبارها مسؤولة عن تقديم هذا الدعم.

وجدد المشاركون التزامهم بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة، وأعلنوا رفضهم إنشاء أي حكومات أو مؤسسات أو هياكل حكم موازية، أو اتخاذ خطوات تقوض وحدة البلاد، داعين إلى اتخاذ تدابير ملموسة لحماية هذه المبادئ.

عملية سياسية ذات مصداقية

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف (واس)

وعلى الصعيد السياسي، أكد الاجتماع أن تحقيق سلام دائم يتطلب عملية سياسية سودانية شاملة وذات مصداقية، تعكس تطلعات الشعب السوداني وتتيح مشاركة فاعلة لمختلف القوى السياسية والمدنية، بما فيها النساء والشباب، وصولاً إلى مسار انتقالي متفق عليه يحقق السلام المستدام والحكم الديمقراطي.

وأعلن المشاركون دعم جهود «المجموعة الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، وكذلك «المجموعة الخماسية» التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، في تيسير الحوار، وشددوا على ضرورة أن تتسم العملية السياسية بالشفافية والمصداقية وأن تكون خالية من الإكراه.

وأعرب الاجتماع عن بالغ القلق إزاء استمرار القتال والتقارير عن ارتكاب فظائع، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي يواجه خلالها الملايين شحاً حاداً في الغذاء، وسط قيود على وصول المساعدات وظروف مناخية تزيد مخاطر المجاعة.

وحذر من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للحرب على دول المنطقة، ومن خطر امتداد النزاع خارج حدود السودان، ومن عواقب كارثية قد يصعب احتواؤها.

وتأتي مشاورات جنيف امتداداً لسلسلة اجتماعات سابقة استضافتها القاهرة وجيبوتي ونواكشوط وبروكسل، كان آخرها اجتماع القاهرة في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتهدف تلك المشاورات إلى تنسيق المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع المسلح في السودان، فيما تقدّر هيئات الإغاثة أن الحرب الدائرة منذ سنوات أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وتسببت في نزوح ما يزيد على 13 مليوناً، ما أدى إلى نشوء أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم.

كما جدد الاجتماع التمسك بالمبادئ التي أقرها المؤتمر الوزاري بشأن السودان في برلين أبريل (نيسان) الماضي، وبروح «إعلان جدة» الصادر في مايو (أيار) 2023، الذي تعهد فيه طرفا الحرب بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.


«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
TT

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته بشأن الملء والتشغيل منذ 2024، وسط تصاعد التوترات بين البلدين.

الاتهامات المصرية المتجدِّدة، انعكاس لحالة «الجمود والتعنت» التي تبديها أديس أبابا تجاه ملف السد الذي يحمل «مخاوف كبيرة على حصة مصر المائية المقدَّرة بنحو 55.5 مليار متر مكعب»، بحسب ما يراه خبراء في الشأن الأفريقي، تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين سيناريوهات عدة، منها العودة للمفاوضات.

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً، وتقرَّر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تمَّ تجميدها مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

اتهامات مصرية

وفي جلسة «منتدى مصر 2026» الحواري الأربعاء، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إن «قضية الأمن المائي وجودية، وأنه لا يمكن رهن حياة 110 ملايين مصري بإرادة أحادية لأي طرف، ونحن نطلب فقط تطبيق قواعد القانون الدولي».

وبالجلسة ذاتها، أشار وزير الري المصري، هاني سويلم، إلى «جهود مصرية بُذلت في فترات سابقة لتأمين الدولة المصرية من مخاطر السد الإثيوبي وآثار أي إجراءات أحادية قد تتُخذ، وتم إنشاء محطات لمعالجة المياه، ومشروعات مختلفة على غرار تبطين الترع، ومشروع الدلتا الجديدة».

وشدَّد على أن «حوض النيل ليس إثيوبيا فقط، (...) والحلول موجودة، إلا أنه يتعيَّن وجود النوايا ذات الصلة من جميع الأطراف».

وفي مداخلة بالجلسة ذاتها، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «ضرورة أن يكون الرأي العام في مصر صلباً وقوياً لأن المخاطر كثيرة، ولا تقتصر على السد الإثيوبي».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال فعاليات «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

ويؤكد نائب المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن إنهاء النزاع القائم حول «سد النهضة الإثيوبي مرهون بتخلي أديس أبابا عن نهجها الأحادي وسياستها القائمة على فرض الأمر الواقع، والتزامها الصريح بالمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة والقانون الدولي».

ويرى خبير الشؤون الأفريقية في «المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التصريحات المصرية بشأن «سد النهضة تهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل المهمة، أولاها؛ تأكيد القيادة السياسية على أن مسألة المياه وجودية، وأن مصر لن تتنازل عن الحفاظ على حقوقها في نهر النيل، وثانيها؛ تمسك مصر بالحلول السياسية خياراً استراتيجياً لحل أزمة المياه، وثالث هذه الرسائل تحميل إثيوبيا مسؤولية فشل المفاوضات الثلاثية، وإيصال رسالة إلى المجتمع الدولي بعدم التزام إثيوبيا».

وبحسب البحيري «تعكس هذه التصريحات أيضاً محاولة المسؤولين المصريين تفنيد الادعاءات والاتهامات الإثيوبية في ملف مياه النيل، وذلك لمواجهة حملات التصعيد السياسي والإعلامي التي يقوم بها المسؤولون الإثيوبيون، التي تؤثر سلباً على مسارات العلاقات المصرية - الإثيوبية التي أصبحت تتسم بقدر كبير من التوتر والتصعيد بسبب الممارسات والسياسات العدائية الإثيوبية».

مواقف مصرية

ورفعت مصر منسوب التصريحات تجاه إثيوبيا. وأواخر سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في كلمة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن الأمن المائي لبلاده «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مؤكداً «احتفاظ مصر بحقها المشروع، والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها».

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوَّح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

ولا تزال إثيوبيا تصعِّد عبر منابرها الإعلامية ضد القاهرة، وتحمل وكالة الأنباء الرسمية لديها، مواد هجومية شبه يومية ضد موقف مصر من السد.

سد النهضة (رويترز)

وإزاء ذلك الجمود، أوضح حليمة، أن هناك 3 مسارات رئيسية يمكن من خلالها التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة، أولها؛ تغيير الموقف الإثيوبي عبر التخلي عن التصرفات الأحادية والالتزام لقواعد القانون الدولي والتفاهمات المائية، وثانيها؛ عودة الوساطة الدولية، وثالثها اللجوء إلى آليات مجلس الأمن بموجب الفصلين «السادس والسابع»؛ حيث يتيح «الفصل السادس» حل النزاعات بالوسائل السلمية، بينما يضمن القانون الدولي ومبادئه لمصر والسودان، اتخاذ التدابير القانونية والشرعية لحماية أمنهما القومي المائي.

وشدَّد حليمة، على أن «الأضرار الجسيمة الناجمة عن الممارسات الإثيوبية الأحادية تُعدُّ شكلاً من أشكال الاعتداء الذي يكفل لدولتَي المصب حقَّ الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ويتوقَّع البحيري أن «تستمر مصر في التَّحرُّكات الدبلوماسية المكثفة على الأصعدة الإقليمية والدولية كافة، وتوظيف الاستعداد الأميركي الحالي الذي تبديه الإدارة الأميركية منذ يناير(كانون الثاني) الماضي للضغط على إثيوبيا لوقف تصعيدها، ودفعها نحو التَّوصُّل لاتفاق قانوني يحفظ الحقوق المصرية».

وحال لو لم يتم ذلك، يعتقد البحيري، أن «التعنت الإثيوبي الحالي من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التوتر السياسي والدبلوماسي مع مصر، وهو ما يدفع نحو مزيد من التصعيد المتبادل، وربما يشهد ذلك قطعاً للعلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدولتين، إلا أن مصر لن تقوم بذلك أولاً، وستظل متمسكة بالخيارات الدبلوماسية، وتطبيق القانون الدولي بما في ذلك مبدأ المعاملة بالمثل».


الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا... قضية خلافية لا تهدد العلاقات بين القاهرة وأنقرة

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا... قضية خلافية لا تهدد العلاقات بين القاهرة وأنقرة

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

على الرغم من أن مصر وتركيا قطعتا شوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية على طريق التقارب والتعاون، بعد فترة من الجفاء السياسي والدبلوماسي، برزت مؤخراً إلى السطح قضية الخلاف حول «الاتفاق التركي - الليبي لترسيم الحدود البحرية»، الذي ترفضه القاهرة وتتمسك به أنقرة. ومع ذلك، أكد برلمانيون وخبراء أن «التباين حول هذا الملف لن يعوق مسار تحسن العلاقات المصرية - التركية».

وصوَّت مجلس النواب في ليبيا، الثلاثاء، بالموافقة على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية، والتعاون الأمني مع تركيا، في جلسة تزامنت مع قدوم رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، إلى العاصمة طرابلس، ليطوي البرلمان الليبي بهذا التصويت رسمياً صفحة المقاطعة مع تركيا.

من جانبها، قالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، الأربعاء، إن القاهرة «ترفض» مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، ‌مضيفة أن ‌التصديق ⁠على الاتفاقية لا تترتب عليه «أي ⁠آثار قانونية بالنسبة لمصر، وأنها باطلة بطلاناً مطلقاً».

وشدّدت مصر واليونان، على «الرفض القاطع لمصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقّعة عام 2019 بين حكومة فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط»، واتفق الجانبان على «مواصلة التشاور بشأن تحديد الحدود البحرية وفقاً للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار».

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الخميس، بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس، حسب بيان لوزارة الخارجية المصرية.

اتفاقية إطارية للتعاون العسكري بين مصر وتركيا بحضور رئيسَي البلدين في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

ولا يعتقد عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، أن «تؤدي موافقة برلمان الشرق الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، إلى توتر جديد بين القاهرة وأنقرة»، مشدداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «موقف مصر وتركيا ثابت، كل منهما يتمسك بموقفه ولم يغيره، ومع ذلك تحسنت العلاقات بين البلدين الفترة الماضية؛ نظراً للمخاطر الوجودية التي تهدد المنطقة».

وأشار إلى أن «المتغير الجديد ليس في موقف تركيا ولا مصر، ولكنه يتمثل في موقف برلمان الشرق الليبي الذي كان يرفض الاتفاقية على مدى 6 سنوات، بل وقطع العلاقات من قبل مع تركيا، فما الذي دفعه للموافقة الآن؟ وهل هناك أشياء تحدث في ليبيا يجب الانتباه لها؟»، وأجاب قائلاً: «بالقطع، الأجهزة المصرية تعمل على هذا الأمر وفق ما يراعي الأمن القومي للبلاد».

وسبق أن وقّعت طرابلس، ممثلة في فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» السابق، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضته إسرائيل والاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات.

وعدَّت تركيا من جهتها، مصادقة مجلس النواب الليبي بالإجماع على مذكرة التفاهم بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية، «تأكيداً لأحقيتها التاريخية والقانونية في شرق البحر المتوسط».

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية بشير عبد الفتاح، قال إن «مصر وتركيا قطعتا شوطاً طويلاً خلال السنوات القليلة الماضية في ضوء التقارب بمجالات كثيرة، خاصة في التعاون العسكري والدفاعي والاستخباري لمواجهة التحديات المشتركة، وبالتالي فإن ما حدث لن يؤثر كثيراً في تطور تلك العلاقات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «موافقة البرلمان الليبي ستحسن فقط الموقف التفاوضي لتركيا، ولكن يظل الموقف التركي ضعيفاً في مواجهة الإجماع المصري - اليوناني - القبرصي - الإسرائيلي على رفض هذه الاتفاقية المنفردة، ومن ثم لا يمكن لتركيا ممارسة أي أعمال تنقيب قبالة شواطئ ليبيا؛ لأن الاتفاقيات البحرية الدولية تتطلب إجماعاً واتفاقاً بين كل الدول المتشاطئة، ويمكن للتقارب بين مصر وتركيا أن يقود لإدارة هادئة للخلاف حول هذا الملف للتوصل إلى حل يرضي كل الأطراف».

السيسي خلال زيارته لتركيا في سبتمبر 2024 وبجانبه الرئيس التركي (أسوشييتد برس)

واتخذت مصر وتركيا خطوات لافتة في إطار التقارب بينهما خلال الفترة الماضية رغم وجود خلافات حول قضايا عدة، أبرزها غاز المتوسط، والتحركات التركية في ليبيا ومع بعض دول القرن الأفريقي مثل إثيوبيا؛ وهو ما يثير حفيظة القاهرة.

وعلى الرغم من ذلك، شهدت العلاقات بين القاهرة وأنقرة دفعة قوية أخيراً، خصوصاً بعدما زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تركيا في أواخر عام 2024، وتبادل البلدان تعيين سفيرين، ثم زار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصر في فبراير (شباط) الماضي، فضلاً عن توقيع اتفاقيات عدة في التعاون العسكري والدفاعي والأمني.

مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو الشوبكي، يرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «رغم وجود تباينات بين القاهرة وأنقرة حول تلك القضية، فإن ما حدث لن يؤدي إلى توتر العلاقات الجيدة حالياً... ما قد يدفع البلدان لتجنيب الخلافات والضغط نحو توحيد المؤسسات الليبية؛ الأمر الذي يصب في مصلحة الجميع ويتم التوصل لحل بشأن اتفاقية الحدود البحرية أيضاً».

ونقلت وسائل إعلام عن رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش قوله، إنه: «لا قيمة للاعتراضات الخارجية على ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في شرق المتوسط».

ويعتقد المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو، أن «هذه الاتفاقية في صالح مصر كما هي في صالح تركيا؛ لأنها تزيد من مساحة المياه الإقليمية لمصر وتعطيها فرصاً أكبر للتنقيب عن الثروات»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الرفض المصري نابع من حرص القاهرة على تفاهماتها مع اليونان وقبرص، وليس من أجل الصدام مع تركيا أو ليبيا، ولكن في النهاية ستعمل كل من مصر وتركيا، وفق ما يراعي مصالح كل منهما».

لكن عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «رفض مصر لتصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاقية نابع من كون القاهرة تراه اعتداءً صارخاً على الحقوق المصرية، وكذلك مخالف للقانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات»، مشدداً في الوقت ذاته على أن «العلاقات المصرية - التركية والعلاقات المصرية - الليبية، علاقات راسخة، وستعمل القاهرة في ضوء ما يراعي المصالح الوطنية للبلاد».