ترمب بين الاحتجازات والترحيل

تصاعد المخاوف بين المهاجرين الشرعيين بترحيلهم بسبب معارضتهم للإدارة

أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)
أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترمب بين الاحتجازات والترحيل

أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)
أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)

أثارت قضية الطالب في جامعة كولومبيا محمود خليل، موجةً من ردود الفعل في الولايات المتحدة وحول العالم، فهذا الطالب الذي نظم احتجاجات ضد حرب غزة تم احتجازه من قبل السلطات الأميركية مع التهديد بسحب البطاقة الخضراء منه وترحيله من البلاد. ولا تزال التهم الموجهة ضده غير واضحة حتى الساعة، على غرار مصيره.

لكن بغض النظر عن التهم، وعن مواقف خليل السياسية، أثارت هذه القضية دهشة الكثيرين الذين اتهموا الإدارة الأميركية بتخطي صلاحياتها وانتهاك الدستور الأميركي، تحديداً البند الأول منه وهو حرية الرأي والتعبير، كما سلطت الضوء على قضية أخرى متعلقة بالبطاقات الخضراء، وصلاحيات إلغاء حق الإقامة في الولايات المتحدة.

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الأسس القانونية لممارسات الإدارة الأميركية في قضية خليل وغيرها من قضايا الترحيل، والمعايير المتبعة لسحب الإقامة وترحيل طلاب الجامعات الذين شاركوا في الاحتجاجات ضد حرب غزة.

حرية رأي أم تهديد للأمن القومي؟

لافتات تدافع عن حرية التعبير خلال احتجاج لإطلاق سراح خليل في واشنطن في 14 مارس 2025 (إ.ب.أ)

تقول الكاتبة في صحيفة «ذي هيل»، ساراكشي راي، إن الجدل القائم حالياً في قضية خليل هو معركة حول حرية التعبير المحمية في الدستور، وهي حق للمهاجرين وليس للأميركيين فحسب، وبين ما تحاول الحكومة إثباته، وهو أن القضية لا تتعلق يحق حرية التعبير بل بتهديد لأمن الولايات المتحدة القومي، وتضيف: «ما نسمعه من المحافظين هو أن هذه ليست قضية حق حرية التعبير، لا بل قضية أمن قومي ما يعني أن دعم محمود خليل وتأييده للحراك الفلسطيني يعادلان دعمه لـ(حماس)، وبذلك فهو قد انتهك البند 237 من قانون الهجرة في الولايات المتحدة، ما يمنح الحق إلى وزير الخارجية ماركو روبيو في إلغاء بطاقته الخضراء وترحيله».

ويوافق دانيال ستاين، رئيس الاتحاد الأميركي لإصلاح الهجرة، مع مقاربة الإدارة الأميركية، فيقول من إن الحقوق التي يتمتع بها الأميركيون مختلفة عن حاملي البطاقات الخضراء أو تأشيرات الدخول، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة «ليست فندقاً وهي أكثر من جامعة»، وأن الهجرة هي جزء من عوامل السياسة الخارجية والأمن القومي. ويضيف مفسراً: «فيما يتعلق بأهداف الهجرة، فإن البطاقات الخضراء هي أساسياً فترة انتظار لحين ما تصبح مواطناً. والنشاطات التي يشارك فيها الشخص على الأراضي الأميركية مع بطاقة خضراء أو تأشيرة الإقامة الدائمة، يجب أن تكون متوافقة مع الأهداف التي قد تم قبول هذا الشخص على أساسها. وهنا يملك وزير الخارجية سلطة تقديرية واسعة لرفض أشخاص على أساس الأمن القومي والمصلحة العامة. «ويشير ستاين إلى أن قضية خليل تتخطى حرية التعبير لأنه شارك في نشاطات من ضمنها التعدي على الممتلكات وتدميرها، في إشارة إلى الاحتجاجات في جامعة كولومبيا»، مضيفاً: «مُنح ماركو روبيو بصفته وزيراً للخارجية الصلاحية من قبل الكونغرس لكي يقرر ما إذا كان سينزع البطاقة الخضراء أو أي تأشيرة أو ليمنع عودة أي شخص يحمل تأشيرة إلى داخل البلاد بسبب تصريحات أدلوا بها خارج البلاد».

لكن راؤول رايس، المحامي المختص بشؤون الهجرة والطالب السابق في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا، يشير إلى قلقه العميق من قضية خليل، معتبراً أنها سابقة قانونية، وقد تكون غير دستورية. ويرد على ادعاء ستاين قائلاً: «صحيح أن الحكومة الأميركية تملك الحق بنزع البطاقة الخضراء، وعادة ما يتم عرض القضية على قاضٍ للهجرة، وقد تستغرق بعض الوقت، وفي هذه الحالة، ينبغي على الحكومة أن تبرز نوعاً من الإثباتات؛ أي على سبيل المثال، لو قدم خليل الدعم المادي إلى المنظمات الإرهابية أو أمر من هذا القبيل»، لكن رايس يرى أن هذه ليست الحال هنا؛ لأن الحكومة الأميركية تستعمل البند المذكور في قانون الجنسية والهجرة للادعاء بأن خليل يشكل تهديداً لأهداف السياسة الخارجية، مضيفاً: «هذا تصنيف مبهم جداً لشخص يعد مقيماً دائماً بشكل قانوني، وهناك خطورة في تحديد شروط الحصول أو الإبقاء على البطاقة الخضراء على وجهات النظر السياسية، وما إذا كانت وجهة النظر هذه تتوافق مع مواقف إدارة معينة ولا تتوافق مع مواقف الإدارة التي تليها مثلاً... لهذا السبب هناك حماية للتعديل الأول من الدستور».

حقوق مختلفة

خليل خلال احتجازه في نيويورك من قبل السلطات الأميركية في 8 مارس 2025 (رويترز)

ويرفض ستاين هذه المقاربة، مشدداً على دور الرئيس الأميركي وفريقه، تحديداً وزير الخارجية، في تحديد مسائل تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويرى أن المحاكم الأميركية غير مؤهلة وغير معنية في النظر في قضايا السياسة الخارجية، مضيفاً: «تاريخياً، كان هناك تدخل منخفض للمحاكم عندما تتعلق القضية بعناصر خاصة بالسياسة الخارجية الأميركية ومصالح الأمن القومي. من الواضح أن سياسة أميركا الخارجية تدعم إسرائيل، وتدعم تسليح إسرائيل ودعم أهدافها العسكرية. عندما يأتي شخص إلى هنا ويدعم منظمة تساعد أو تشارك في حرب ضد إسرائيل، فإن المحاكم ستعطي القرار إلى وزير الخارجية».

ورداً على رايس يعيد ستاين التأكيد على أن المواطنين الأميركيين يتمتعون بحقوق كبيرة فيما يتعلق بالتعديل الأول من الدستور، لكن هذا لا ينطبق بحسب رأيه على أشخاص يملكون البطاقة الخضراء ويفسر قائلاً: «هؤلاء ما زالوا يتعلمون معنى العيش في بلاد ديمقراطية ليصبحوا مواطنين أميركيين، هم يشاركون في ديمقراطية ذاتية الحكم ويتعلمون كيف يكونون مواطنين في الولايات المتحدة، وهذا ما يفعلونه خلال فترة الانتظار لخمسة أعوام أو ثلاثة أعوام في بعض الحالات لكي يصبحوا مواطنين أميركيين».

وبمواجهة هذه القضايا، يعرب الديمقراطيون عن احتجاجهم على أسلوب تعاطي الإدارة الأميركية مع هذه الملفات، واستعمال قانون الهجرة أساساً لترحيل المهاجرين الشرعيين، لكن راي تشير إلى غياب كبير في أي استراتيجية ديمقراطية، موضحة أن الحزب الديمقراطي لا يزال يحاول تحديد طريقة لمكافحة الواقع الجديد، خاصة أنهم في موقع الأقلية في مجلسي الشيوخ والنواب ولم يتصالحوا بعد مع قاعدتهم على مسائل رئيسية. وتضيف: «ما رأيناه حتى الآن من الديمقراطيين هو استجابة مكتومة فهم لا يملكون حالياً أي تفويض للقيام بأي شيء، وما يحاولون القيام به حالياً هو إيجاد طريقة لتوحيد الحزب لأنه في الوقت الحالي، لا يملك الحزب أي قيادة واضحة».

تجاهل حكم القانون

متظاهرون داخل ترمب تاور في نيويورك يدعون لإطلاق سراح خليل في 13 مارس 2025 (أ.ب)

ويرجح رايس أن تحكم المحكمة لصالح خليل، لكنه يعرب عن مخاوفه من أن الإدارة الأميركية ستتجاهل حكم القانون كما فعلت في قضية ترحيل فنزويليين إلى السلفادور رغم قرار المحكمة بعدم فعل ذلك، ويذكر رايس أن إدارة ترمب لم تحدد حتى الساعة أي اتهامات بحق خليل، مشيراً إلى أن هذا يعد من أحد الأسباب الرئيسية لوجود هذا الكم من الاحتجاجات حول هذه القضية. ويضيف: «بينما نناقش مصادر القلق حول احترام حق التعديل الأول وتفاصيل قانون الهجرة، لنكن واضحين حيال ما تدور حوله هذه القضية: يبدو أن الإدارة تسلح قوانين الهجرة لملاحقة الناس والمهاجرين القانونيين الذين لا يتفقون مع وجهات نظرها».

لكن ستاين لا يوافق على هذا التقييم، ويرى أن مفاجأة الكثيرين من قضية خليل وغيرها من قضايا الترحيل تعود بشكل أساسي إلى عدم تطبيق قوانين الهجرة في عهد بايدن، ويذكّر ستاين بأن قضايا الهجرة مختلفة أشد الاختلاف عن القضايا الجنائية؛ إذ إنها تقتصر على إلغاء حق الأشخاص في الوجود في الولايات المتحدة وليس محاكمتهم، مضيفاً: «هذا ليس عقاباً أو سجناً، إنه ببساطة إلغاء حق مواطن من دولة أخرى في الوجود هنا وإرساله إلى بلاده، وهناك حد أدنى من الإجراءات المطلوبة دستورياً لجلسات الترحيل، لذلك فإن اعتبار هذه القضية وكأنها قضية سجن لمدة 30 عاماً بسبب اعتقادات الشخص السياسية هو أمر خاطئ».

ويهب رايس معارضاً فيشير إلى أن المنشآت التي يحتجز فيها المهاجرون الشرعيون كخليل، تشبه السجن، ويتحدث عن المرافق التي نقل إليها خليل في لويزيانا والتي تم التحقيق فيها من قبل إدارة الأمن الداخلي في 2021 بسبب الظروف غير الإنسانية والقاسية هناك، وعدم تعيين محامين وغياب الرعاية الطبية. ويضيف: «وجوده هناك الآن هو عقاب. وبصفته مواطناً أجنبياً يحمل البطاقة الخضراء، فهو يحق له الحصول على الإجراءات القانونية الواجبة، ويحق له أن يعلم التهم الموجهة إليه. يحق له بجلسة استماع أمام قاضي هجرة والتواصل مع محاميه. هذه ضمانات دستورية لم تمنح له حتى الآن».

وتشير راي إلى وجود قضايا أخرى مماثلة لقضية خليل؛ إذ احتجزت السلطات الأميركية طالباً في جامعة جورج تاون لأسباب مماثلة تتعلق بمشاركته في احتجاجات ضد حرب غزة، وقد تم نقله كذلك إلى لويزيانا، وتضيف: «لم نسمع أي تصريح بعد من الحكومة عن سبب إرسالهما إلى لويزيانا، ورغم أن القاضي قرر نقل قضية محمود خليل إلى نيو جيرسي فهذا لا يعني بالضرورة أن سيتم نقله هو إلى نيو جيرسي».

وتتحدث ساراكشي عن خوف متصاعد من قبل المهاجرين الشرعيين المقيمين في الولايات المتحدة، مشيرة إلى أنهم قلقون من استخدام أي احتجاج ضدهم في استماراتهم للحصول على الجنسية وأضافت: «هم خائفون من أنهم إذا عبروا عن رأي معاكس لموقف ما، فهل سيتم استخدام ذلك ضدهم؟».


مقالات ذات صلة

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

المشرق العربي مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

مع مرور نحو 4 أشهر على تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى العراق، يواصل مارك سافايا ضغوطه على صناع القرار بهدف «تحقيق الاستقرار» في البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

بريطانيا: لن نرضخ لضغوط ترمب بشأن غرينلاند

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام البرلمان، الأربعاء، إنه لن يرضخ لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن مستقبل إقليم غرينلاند الدنماركي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مبنى «البنتاغون» (أ.ب)

تقرير: الجيش الأميركي لم يُطلَب منه التخطيط لغزو غرينلاند رغم تهديدات ترمب

قالت «نيويورك تايمز» إن مسؤولي البنتاغون يخططون لجميع أنواع السيناريوهات العسكرية المحتملة بشأن غرينلاند، لكن لم يُطلب منهم بعد وضع خطة لغزوها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد باول يتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (أ.ب)

حضور باول في قضية ليزا كوك... رسالة سيادية أم مواجهة مع البيت الأبيض؟

يترقب الشارعان السياسي والمالي حضور رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، جيروم باول، شخصياً، الأربعاء، أمام المحكمة العليا بشأن قضية إقالة ليزا كوك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (رويترز)

ويتكوف: «حماس» مستعدة لنزع سلاحها... وبوتين سيشارك في «مجلس السلام»

قال المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترمب، ستيف ويتكوف، إنه سيلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس.

«الشرق الأوسط»

تقرير: الجيش الأميركي لم يُطلَب منه التخطيط لغزو غرينلاند رغم تهديدات ترمب

مبنى «البنتاغون» (أ.ب)
مبنى «البنتاغون» (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي لم يُطلَب منه التخطيط لغزو غرينلاند رغم تهديدات ترمب

مبنى «البنتاغون» (أ.ب)
مبنى «البنتاغون» (أ.ب)

قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية إن المسؤولين في وزارة الحرب (البنتاغون) يخططون لجميع أنواع السيناريوهات العسكرية المحتملة بشأن جزيرة غرينلاند، لكن لم يُطلب منهم بعد وضع خطة لغزوها أو التخطيط لما بعد هذه العملية.

وأضافت أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً وتكراراً أثار إمكانية استيلاء القوات العسكرية الأميركية على غرينلاند إذا لم توافق الدنمارك على بيعها.

كان ترمب قد قال عندما سُئل في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء، عن مدى استعداده للذهاب في سبيل الحصول على غرينلاند: «ستعرفون ذلك».

صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال» تشير إلى أن غرينلاند أرض أميركية منذ عام 2026 (حساب الرئيس الأميركي)

وكذلك صرح سابقاً بأنه يعتزم الاستيلاء على الجزيرة «سواء رغبوا في ذلك أم لا»، وحذر قائلاً: «إذا لم نفعل ذلك بالطريقة السهلة، فسوف نفعله بالطريقة الصعبة».

وفي مقابلة، مع شبكة «إن بي سي»، الأحد، أشار وزير الخزانة سكوت بيسنت أيضاً إلى إمكانية الاستيلاء على غرينلاند بالقوة العسكرية إذا لم تنجح المفاوضات مع الدنمارك.

وحسب الصحيفة، قال مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، إنه في حين يخطط مسؤولو البنتاغون لجميع أنواع السيناريوهات العسكرية المحتملة، لم يُطلب منهم بعد التخطيط لغزو غرينلاند أو التخطيط لما بعد هذه العملية.

ويقول محللون عسكريون إن سيطرة الجيش الأميركي على غرينلاند لن تكون صعبة، فالجزيرة قليلة السكان 56 ألف نسمة في منطقة تبلغ مساحتها نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، ولديها بالفعل قاعدة أميركية واحدة في أقصى شمال البلاد.

لكنَّ المسؤولين في البنتاغون وكبار القادة يعبّرون سراً عن استيائهم وغضبهم من استمرار ترمب في التلويح بخيار القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند فهي إقليم تابع للدنمارك، وهي حليف صغير ولكنه موثوق به في حلف الناتو، وقد قاتلت قواتها إلى جانب القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، وسيكون أي هجوم على غرينلاند بمنزلة هجوم على حليف في الناتو، مما يهدد التحالف الذي حافظ على تماسك الغرب منذ الحرب العالمية الثانية.

في الأسبوع الماضي، أرسلت مجموعة من الدول الأوروبية أفراداً إلى غرينلاند لإجراء تدريبات عسكرية -في إشارة إلى التضامن مع الدنمارك، وهو ما ربما أغضب ترمب، الذي هدد بفرض رسوم جمركية عليهم خلال عطلة نهاية الأسبوع ما لم يتخلوا عن معارضتهم لاستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند.

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تُظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ومع وجود القوات الأوروبية الآن في غرينلاند، حذر العديد من المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين من أن فكرة بدت مستحيلة قبل أسابيع قليلة فقط -وهي أن الولايات المتحدة قد تهاجم دولاً أعضاء في حلف الناتو- قد تُهدد التحالف عبر الأطلسي.

وذكر إيفو دالدر، السفير الأميركي السابق لدى حلف الناتو، الأسبوع الماضي: «حتى مجرد التهديد بالسيطرة على غرينلاند يُثير قضايا بالغة الأهمية بشأن العلاقات عبر الأطلسي ومستقبل حلف الناتو».


«حرب» ترمب على الهجرة... من شعار انتخابي إلى عقيدة أمن قومي

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)
TT

«حرب» ترمب على الهجرة... من شعار انتخابي إلى عقيدة أمن قومي

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)

في يونيو (حزيران) 2024، وقف المرشّح الجمهوري حينها دونالد ترمب على منصة تجمع انتخابي في ولاية ويسكنسن متوعّداً: «سوف ننفّذ أكبر عملية ترحيل في التاريخ!»، ليصبح شعار حملته الأبرز، بعد «أميركا أولاً»، هو: «ترحيل جماعي الآن!».

وعُودٌ مشبعة بالتحدي والعزم، شكّك كثيرون في إمكانية تنفيذها، ولم يأخذوها على محمل الجد، كما فعلوا مع وعود أخرى أطلقها سابقاً. غير أن ترمب أثبت عكس ذلك؛ إذ شرع في تنفيذ هذه الوعود بحرفية تامة منذ 20 يناير (كانون الثاني) 2025، وهو اليوم الأول لتولّيه الرئاسة.

ويؤكد قاضي الهجرة السابق أندرو آرثر هذا التوجّه، قائلاً: «عندما كان المرشّح دونالد ترمب يتعهد بتأمين الحدود خلال حملته الانتخابية، كان يعني ما يقول». وأضاف آرثر، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «الرئيس وعد بتأمين الحدود إذا أُعيد انتخابه، وقد وفّى بوعده، وقدم أكثر الحدود أمناً في تاريخ الولايات المتحدة».

وتتفق سيسيليا أسترلاين، كبيرة الباحثين في ملف الهجرة في مركز «نيسكانين»، مع هذا التوصيف، عادَّة أن ترمب نفّذ جزءاً كبيراً من وعوده الانتخابية. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «خلال حملته الانتخابية، رفع الرئيس ترمب شعار التشدد ضد الهجرة غير القانونية، وهو ما نفّذ جزءاً كبيراً منه بالفعل، إلا أن سياساته منذ توليه المنصب قلبت أيضاً موازين الهجرة القانونية».

سلسلة قرارات تنفيذية

في العشرين من يناير 2025، وقّع الرئيس السابع والأربعون مجموعة واسعة من القرارات التنفيذية المتعلقة بالهجرة، أبرزها القرار رقم 14159، الذي حمل عنوان «حماية الشعب الأميركي من الغزو».

عنوانٌ مشحون بالدلالات، يعكس بوضوح نظرة الإدارة إلى ملف الهجرة، الذي تعاملت معه إدارات سابقة بعدّه أزمة إدارية وإنسانية، في حين تراه إدارة ترمب قضية أمن قومي. هذا التحوّل فتح الباب أمام صلاحيات تنفيذية وقانونية واسعة من جهة، وسلسلة متواصلة من التحديات القضائية من جهة أخرى.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحتفل مع عائلته بعد أدائه اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه في واشنطن 20 يناير (إ.ب.أ)

في هذا السياق، لجأت إدارة ترمب إلى توظيف قانون «الأعداء الأجانب» في قراراتها المتعلقة بالهجرة؛ بهدف فرض عمليات ترحيل سريعة من دون محاكمات. وهو قانون أقرّه الكونغرس عام 1798، ويمنح الرئيس صلاحيات استثنائية في أوقات الحرب، وهي الصفة التي يصف بها ترمب وضع البلاد فيما يتعلق بالهجرة.

غير أن قاضية الهجرة المتقاعدة دانا لي ماركس ترى أن اللجوء إلى هذا القانون ليس سوى غطاء «لإجراءات غير مشروعة ضد غير المواطنين». وتضيف، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «الولايات المتحدة لم تتعرض لغزو، وحتى لو حصل ذلك، فإن العصابات لا تُعدُّ جيشاً غازياً».

ولم يتوقف ترمب عند هذا الحد، بل وقّع في الوقت نفسه قرارات أخرى، شملت إلغاء حق الجنسية بالولادة، وإعادة هيكلة برنامج قبول اللاجئين، وتشديد تأمين الحدود مع المكسيك، وإنهاء برامج الإفراج المشروط الجماعي، وتصنيف عصابات على أنها منظمات إرهابية، في مقدمتها عصابة «إم إس - 13» المكسيكية.

قراراتٌ مثيرة للجدل، لكنها مدروسة بعناية، وتهدف إلى إغراق المحاكم بكمّ هائل من القضايا التي ستستغرق سنوات للبت فيها. ويرى مراقبون أن استراتيجية ترمب تقوم على إصدار أكبر عدد ممكن من القرارات، بحيث يشكّل تنفيذ بعضها، حتى في حال إسقاط أخرى قضائياً، مكسباً سياسياً للإدارة.

ويبرز في هذا السياق قرار إلغاء الجنسية بالولادة، وهو حق مكفول دستورياً. وقد بلغ القرار المحكمة العليا، التي قضت بأن لكل ولاية الحق في تحديد سياساتها الخاصة في هذا الشأن؛ ما عُدّ نصراً جزئياً للإدارة.

وترى ماركس أن استخدام ترمب المكثف للأوامر التنفيذية «يشكّل التفافاً على العملية التقليدية لسنّ القوانين»، موضحة أن «الكثير من هذه الأوامر يتعارض بشكل مباشر مع بروتوكولات قانونية راسخة منذ عقود، ومن المرجّح أن تُبطلها المحاكم، إلا أن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً، ويحرم المتضررين من حقوقهم من دون وسائل إنصاف فعّالة».

غطاء شعبي

لا شك أن الدعم الشعبي الذي حظي به ترمب خلال السباق الرئاسي في ملف الهجرة وفّر له الغطاء السياسي لتنفيذ سياسات صارمة على الحدود وداخل الولايات الأميركية. ففي مطلع يناير الماضي، أظهر استطلاع أجرته «إيبسوس» أن 66 في المائة من الأميركيين يؤيدون عمليات ترحيل المهاجرين غير القانونيين.

وإلى جانب هذا الدعم، عززت السيطرة الجمهورية على مجلسي الكونغرس قبضة ترمب على السلطتين التنفيذية والتشريعية. ومع انطلاق أعمال الدورة الـ119 للكونغرس، كان قانون «لايكن رايلي» أول تشريع يُقرّ ويوقّعه ترمب في ولايته الثانية.

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة مكتوباً عليها «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

وسُمّي القانون تيمّناً بطالبة أميركية من ولاية جورجيا قُتلت على يد مهاجر غير قانوني عام 2024، وينص على احتجاز المهاجرين غير القانونيين من دون كفالة في حال اتهامهم أو إدانتهم بجرائم أو جنح. كما يوسّع صلاحيات الولايات لمحاسبة الحكومة الفيدرالية في حال تقصيرها في إنفاذ قوانين الهجرة، بما يضمن استمرارية هذه السياسات مع تغيّر الإدارات.

ولم يتوقف الجمهوريون عند هذا الحد؛ إذ أقروا المشروع الذي وصفه ترمب بـ«الكبير والجميل»، والذي يوفّر التمويل اللازم لتطبيق الكثير من القرارات التنفيذية المتعلقة بالهجرة. ويشمل المشروع تخصيص 170 مليار دولار لأمن الحدود، وتعزيز قدرات الترحيل الجماعي، وبناء الجدار الحدودي، إضافة إلى توسيع نطاق مراكز الاحتجاز.

تراجع في أرقام الوافدين

انعكست سياسات الهجرة الجديدة بوضوح في مختلف الولايات، لا سيما من خلال الانتشار غير المسبوق لعناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) في الشوارع، وتنفيذها عمليات اعتقال وترحيل واسعة النطاق، لم تقتصر على الفضاءات العامة، بل امتدت إلى المدارس والمستشفيات ودور العبادة، التي كانت مستثناة في الإدارات السابقة.

مسؤولان بالجيش الأميركي يسيران بالقرب من الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك (أ.ب)

إجراءات قاسية أدت، حسب بيانات إدارة الجمارك وحماية الحدود، إلى تراجع بنسبة 93 في المائة في محاولات التسلل عبر الحدود الجنوبية الغربية.

وعلى سبيل المقارنة، يشير مركز «بيو» للأبحاث إلى أن عدد الأشخاص الذين عاشوا في الولايات المتحدة من دون ترخيص بلغ 14 مليوناً عام 2023، مقارنة بـ11.8 مليون عام 2022. وتشير بيانات مركز دراسات الهجرة إلى أن العدد ارتفع إلى 15.8 مليون عند تولّي ترمب الرئاسة في يناير 2025.

ومع ارتفاع أعداد المغادرين طواعية والمُرحّلين، بدأت هذه الأرقام في التراجع. وأكدت وزيرة الأمن القومي، كريستي نوم، مغادرة ما لا يقل عن 1.6 مليون مهاجر غير قانوني خلال المائتي يوم الأولى من ولاية ترمب.

في المقابل، لا تزال وعود ترمب بترحيل مليون مهاجر سنوياً بعيدة عن التحقق. ووفق بيانات نشرتها شبكة «إن بي سي» نقلاً عن مصادر رسمية، بلغ عدد المُرحّلين شهرياً نحو 16 ألف شخص حتى يونيو (حزيران)، في حين يقدّر عدد المحتجزين لدى «آيس» بنحو 69 ألفاً.

إجراءات «استثنائية» وبلدان «الترحيل»

ورغم اصطدام بعض عمليات الترحيل بعوائق قانونية وإجرائية، لا سيما تلك المتعلقة بقبول الدول المرحَّل إليها، لم تترك إدارة ترمب شيئاً للصدفة. فقد وجّهت بتوسيع استخدام معتقل غوانتانامو لاحتجاز مئات الموقوفين، معظمهم من فنزويلا، وأمرت بإنشاء مركز احتجاز جديد في فلوريدا تحت اسم «ألكاتراز التماسيح»، يتسع لنحو 3 آلاف محتجز.

300 مهاجر من جنسيات مختلفة في طريقهم إلى الحدود المكسيكية - الأميركية 6 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وتستهدف هذه الإجراءات تجاوز العقبات المرتبطة بترحيل المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، خصوصاً في أميركا اللاتينية، مثل السلفادور، والمكسيك، وفنزويلا وكوستاريكا.

وأثار قرار ترحيل مهاجرين إلى دول غير بلدانهم الأم جدلاً واسعاً، ولا سيما مع إدراج دول أفريقية على القائمة، مثل جنوب السودان، ومملكة إسواتيني، ورواندا وأوغندا.

كما استخدمت الإدارة طائرات عسكرية في بعض عمليات الترحيل، من بينها رحلة أعادت 100 مهاجر هندي مكبّلي الأيدي إلى بلادهم. وكادت إحدى الحوادث أن تتسبب بأزمة دبلوماسية، عقب احتجاز مئات العمال من كوريا الجنوبية خلال مداهمة مصنع سيارات تابع لـ«هونداي» في ولاية جورجيا، وتكبيلهم بالأصفاد.

ومن الإجراءات الأخرى التي سعت الإدارة إلى فرضها، لكنها اصطدمت بالقضاء في بعض الحالات، ترحيل القُصّر من دون ذويهم، وكان مهاجرون من غواتيمالا في صدارة المستهدفين بهذه السياسة.

استهداف الهجرة القانونية

لم يقتصر نهج ترمب على الهجرة غير القانونية، بل شمل أيضاً فرض قيود واسعة على الهجرة القانونية من عشرات الدول حول العالم، بدرجات متفاوتة من الصرامة.

وأعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن الإدارة ستعلّق إجراءات منح تأشيرات الهجرة لمقدمي الطلبات من 75 دولة، ابتداءً من 21 يناير 2026. ويشمل القرار دولاً في أميركا اللاتينية، مثل البرازيل، وكولومبيا وأوروغواي، ودول البلقان، منها البوسنة وألبانيا، إضافة إلى دول في جنوب آسيا، مثل باكستان وبنغلاديش. كما طاول القرار 13 دولة عربية، هي: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، وليبيا، والمغرب، والصومال، والسودان، وسوريا، وتونس واليمن.

ترمب خلال إلقاء قَسم اليمين في حفل تنصيبه 20 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وجاء في برقية لوزارة الخارجية، نقلتها وكالة «رويترز»، أن الوزارة تجري «مراجعة شاملة» لجميع السياسات واللوائح لضمان «أعلى مستوى من الفحص والتدقيق» لطالبي التأشيرات، مشيرة إلى مؤشرات تفيد بأن مواطنين من هذه الدول سعوا للحصول على منافع عامة داخل الولايات المتحدة.

وأضافت البرقية أن هناك «خطراً كبيراً» من أن يصبح المتقدمون من هذه الدول «عبئاً عاماً» على الموارد المحلية والفيدرالية.

ولا تشمل هذه الخطوة تأشيرات الزيارة، في ظل استعداد الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2026، ودورة الألعاب الأولمبية 2028.

وفي وقت سابق من ولاية ترمب الثانية، فرضت الإدارة تعديلات على نظام تأشيرات الصحافيين والطلاب، حُددت بموجبها مدة الإقامة بأربع سنوات فقط؛ ما انعكس مباشرة على الجامعات الأميركية، التي شهدت تراجعاً في نسب الالتحاق الدولي بنحو 40 في المائة خلال فصل الخريف الماضي.

وترى أسترلاين أن ترمب أخلّ بوعوده الانتخابية في هذا المجال، موضحة: «قال الرئيس ترمب خلال الحملة إنه سيمنح كل طالب دولي يتخرج في جامعة أميركية بطاقة خضراء، إلا أن سياساته بعد توليه المنصب جعلت وصول الطلاب الدوليين إلى الولايات المتحدة أكثر صعوبة».

الناشط محمود خليل خريج جامعة كولومبيا يتحدث بعد إطلاق سراحه من مركز احتجاز الهجرة الفيدرالي في يونيو 2025 (أ.ب)

كما سعت الإدارة إلى سحب البطاقات الخضراء من طلاب شاركوا في احتجاجات جامعية على خلفية حرب غزة، من بينهم الطالب محمود خليل، الذي حاولت الإدارة ترحيله قبل أن يصدر القضاء حكماً لصالحه. غير أن قاضياً آخر أمر لاحقاً بترحيله إلى سوريا أو الجزائر بسبب «معلومات ناقصة أو مضللة» في طلبه، ولا تزال قضيته عالقة أمام محاكم الاستئناف.

وفي مقابل هذه الإجراءات، طرح ترمب فكرة أثارت جدلاً واسعاً، هي «البطاقة الذهبية»، التي يبلغ ثمنها خمسة ملايين دولار، ورأى بعضهم فيها محاولة للتخفيف من التداعيات الاقتصادية لسياسات الترحيل.

التأثير الاقتصادي

رغم تنفيذ ترمب وعوده الانتخابية في ملف الهجرة، برزت تداعيات اقتصادية واضحة، لا سيما في قطاع الزراعة.

وخلص تقرير حديث صادر عن معهد «بروكينغز» إلى أن الولايات المتحدة شهدت في عام 2025 تراجعاً غير مسبوق في صافي الهجرة؛ نتيجة تشديد السياسات وارتفاع وتيرة الترحيل والمغادرة الطوعية، مع توقّع استمرار هذا الاتجاه في 2026.

ويقدّر التقرير أن صافي الهجرة في عام 2025 كان سلبياً، ليتراوح حجم العجز بين 10 آلاف و295 ألف شخص؛ ما انعكس مباشرة على الاقتصاد عبر إبطاء نمو القوى العاملة والوظائف.

ورصد المعهد انخفاض معدّل النمو الشهري المستدام للوظائف إلى ما بين 20 و50 ألف وظيفة في النصف الثاني من عام 2025، مع احتمال تحوّله سلبياً في 2026.

كما حذّر التقرير من آثار اقتصادية أوسع، تشمل تراجع الإنفاق الاستهلاكي بما بين 60 و110 مليارات دولار خلال عامي 2025 و2026، وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية.

ويُعدّ القطاع الزراعي الأكثر تضرراً؛ إذ أظهرت دراسة لجامعة «كورنيل» أن عمليات الترحيل في مدينة أوكسنارد بولاية كاليفورنيا أدت إلى انخفاض العمالة الزراعية بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المائة؛ ما تسبب بخسائر في المحاصيل تتراوح بين 3 و7 مليارات دولار، وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بنسبة 5 إلى 12 في المائة.

قانون التمرد

إلى جانب التداعيات الاقتصادية، أدى الانتشار المكثف لعناصر «آيس» في المدن الأميركية، بتوجيه من الإدارة الفيدرالية، إلى اندلاع مواجهات عنيفة مع محتجين. وبلغت هذه التوترات ذروتها في مدينة مينيابوليس، عقب مقتل الأميركية رينيه نيكول غود برصاص أحد عناصر الوكالة، في حادثة هزّت الرأي العام وأعادت تسليط الضوء على عمق الانقسام السياسي وأزمة الثقة بين المواطنين وأجهزة إنفاذ القانون.

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا 8 يناير (أ.ف.ب)

وشهدت ولاية مينيسوتا مواجهات متواصلة، دفعت الرئيس الأميركي إلى التلويح باللجوء إلى «قانون التمرد» عشية الذكرى الأولى لتنصيبه رئيساً سابعاً وأربعين.

وتزامن ذلك مع انتشار كثيف لعناصر «آيس» الملثمين في أنحاء الولاية، فيما وُصف بأنه أكبر عملية من نوعها، استهدفت خصوصاً الجالية الصومالية، في ظل خلاف علني بين ترمب والنائبة إلهان عمر، إلى جانب مزاعم فساد طالت حاكم الولاية الديمقراطي تيم والز، الذي كان قد أعلن عدم ترشحه لولاية ثالثة.

وبينما لا يزال أمام الرئيس الأميركي ثلاثة أعوام قبل نهاية ولايته، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيواصل سياساته المتشددة في ملف الهجرة، أم ستدفعه تداعياتها الاقتصادية إلى إعادة النظر فيها؟ حتى الآن، يبدو أن الإجابة تكمن في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، التي جعلت من ضبط الحدود وتقليص الهجرة غير القانونية ركناً أساسياً من أركان حماية الأمن الأميركي.


تقرير: الصين تقدِّم نفسها كقائدة يحتاج العالم لها بينما يزرع ترمب الانقسامات بين الحلفاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

تقرير: الصين تقدِّم نفسها كقائدة يحتاج العالم لها بينما يزرع ترمب الانقسامات بين الحلفاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)

قارنت شبكة «سي إن إن» الأميركية بين موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وموقف نظيره الصيني شي جينبينغ تجاه العالم، وقالت إنه بينما يزرع ترمب الانقسامات، تقول الصين إنها القائدة الهادئة والموثوقة التي يحتاج العالم إليها.

وأضافت أن الرئيس الأميركي مهَّد لوصوله إلى دافوس بزرع الخلافات مع الحلفاء، من خلال تصعيد التهديدات بالسيطرة على غرينلاند، والتعهد بفرض رسوم جمركية على معارضي هذه الخطوة، وتسريب رسائل خاصة من قادة أوروبيين، وفي المقابل انتهزت بكين الفرصة لتضع نفسها كبديل للقيادة العالمية.

وذكرت أن بعد ساعات من هجوم ترمب اللاذع، صعد نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ إلى المنصة، في الاجتماع السنوي في جبال الألب، ليؤكد أن بكين «عملت باستمرار على رؤية مجتمع ذي مستقبل مشترك، وظلت ثابتة في دعم التعددية التجارية والتجارة الحرة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في بوسان بكوريا الجنوبية الشهر الماضي (د.ب.أ)

وقال: «نحن ندعم التوافق والتضامن والتعاون بدلاً من الانقسام والمواجهة، ونقدم حلول الصين للمشكلات المشتركة في العالم».

وحسب الشبكة، تؤكد هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي كان فيه القادة يستعدون لوصول ترمب، استراتيجية الصين لعرض نفسها كقوة موازنة هادئة وعقلانية وموثوقة، في مواجهة الصدمة والرهبة التي تثيرها السياسة الخارجية لإدارة ترمب.

وذكرت أن الزعيم الصيني شي جينبينغ دعا سنوات إلى إعادة تشكيل نظام عالمي يراه خاضعاً بشكل غير عادل لهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها، ويقدم بشكل متزايد رؤيته الخاصة كبديل، حتى مع تحذيرات جيران بكين من عدوانية البلاد الإقليمية، والآن، المنطق السائد في دوائر السياسة في بكين بسيط: لا تحتاج الصين إلى بذل جهود إضافية لتحقيق مكاسب في ميزان القوى العالمي؛ بل يكفيها أن تواصل مسارها بينما تفقد الولايات المتحدة حلفاءها ومصداقيتها من تلقاء نفسها، ويبدو أن هذه الاستراتيجية بدأت تؤتي ثمارها بالفعل.

ووفقاً للشبكة، فإن إثارة ترمب لحفيظة حلفاء الولايات المتحدة -برفضه استبعاد السيطرة على إقليم دنماركي بالقوة- يدفع نحو تهديد لنظام التحالفات الأميركية، وحلف «الناتو» على وجه الخصوص، وهو ما لم يكن بإمكان بكين سوى أن تحلم بتحقيقه.

مكسب الصين

ولرؤية ذلك، يمكن الاستماع لخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس، الذي وصف -في اعتراف صريح ومثير للدهشة من أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة- «الهيمنة الأميركية» بأنها جزء من «نظام دولي قائم على القواعد الوهمية».

وقال كارني في إشارة واضحة -جزئياً على الأقل- إلى الولايات المتحدة: «كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت خاطئة جزئياً، وأن الأقوى سيعفون أنفسهم عندما يناسبهم ذلك، وأن قواعد التجارة تُطبق بشكل غير متكافئ».

ولم يتم تصنيف رسالة كارني على أنها تأييد للصين، فقد بدأ الزعيم الكندي بالإشارة إلى انتقاد استبداد الاتحاد السوفياتي؛ لكن الخطاب -الذي يأتي بعد عام من تفكير ترمب علناً في تحويل كندا إلى الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة- يتداخل بشكل كافٍ مع نهج بكين الخاص ليُسجل نقطة لصالح الصين.

وتبع ذلك تدشين كارني -خلال رحلة لترميم العلاقات إلى بكين الأسبوع الماضي- حقبة جديدة من التعاون مع الصين؛ حيث أطلق «شراكة استراتيجية»، وخفف الرسوم الجمركية الكندية الصارمة على السيارات الكهربائية الصينية التي فرضتها بالتزامن مع الولايات المتحدة، كما قال إن هذه الشراكة ستُهيئ البلاد جيداً لـ«النظام العالمي الجديد»، وهي عبارة بدت متوافقة مرة أخرى مع وجهة نظر الصين بأن التغيير العالمي وشيك.

وكذلك أشار شركاء آخرون مقربون من الولايات المتحدة إلى اهتمامهم بالتقرب من الصين، أو إصلاح العلاقات معها في ظل تحوطهم ضد الولايات المتحدة.

ودعا رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إلى مزيد من التواصل مع بكين، ووافقت حكومته يوم الثلاثاء على بناء سفارة صينية «ضخمة» مثيرة للجدل، بالقرب من الحي المالي في لندن.

وقالت الشبكة إن بعض هذه المناورات الدبلوماسية قد تكون مدفوعة بسياسة واقعية؛ حيث يمهِّد التهديد الأميركي لحلف «الناتو»، وإقامة الحواجز حول السوق الأميركية، لقطع العلاقات القديمة وتشكيل علاقات جديدة. ويأتي ذلك على الرغم من المخاوف الغربية بشأن طموحات بكين، بما في ذلك ما يتعلق بجزيرة تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي.

ولكن في بكين، يُنظر إلى هذا الوضع على أنه فرصة سانحة للصين لتحقيق مكاسب؛ حيث لا يقتصر الأمر على إحداث شرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا فحسب؛ بل يشمل أيضاً الضغط من أجل تأكيد مطالباتها الإقليمية والحفاظ على مكانتها في الاقتصاد العالمي.

وتُراقب دول العالم من كثب فائض الصين التجاري العالمي السنوي القياسي البالغ 1.2 تريليون دولار، وهو اختلال في التوازن يقول المحللون إنه يهدد الصناعات المحلية في كل مكان، بما في ذلك أوروبا.

وبينما أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى هذا التهديد في خطابه في دافوس، فإن تركيز القادة الأوروبيين في هذا التجمع انصب بشكل واضح على اضطراب حلف «الناتو» الذي أحدثه ترمب، مما قلل من فرص حشد الدعم والتضامن على الصعيد الاقتصادي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يلوِّح بيده بعد خطابه بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم 23 أكتوبر 2022 (رويترز)

ومن جانبه، استغل نائب رئيس الوزراء الصيني هذه الفرصة لعرض الشراكة الاقتصادية الصينية على نظرائه، مؤكداً موقف بكين بأنها «لا تسعى أبداً إلى تحقيق فائض تجاري»؛ بل تقع ضحية للحواجز التجارية المفروضة لأسباب أمنية.

وقال في كلمته: «الصين شريك تجاري، وليست منافساً للدول الأخرى. إن تنمية الصين تمثل فرصة، وليست تهديداً للاقتصاد العالمي».

ووفقاً للإعلام الصيني، فقد لاقت هذه الرسالة ترحيباً في دافوس. وذكر أحد عناوين وسائل الإعلام الحكومية الصينية، أن «موقف هي الحازم» قوبل «بتصفيق صادق وحماسي» في دافوس.