استئناف إسرائيل حرب غزة يواجه استنزاف الاحتياط وضعف التأييد الشعبي

دبابة إسرائيلية على حدود قطاع غزة (رويترز)
دبابة إسرائيلية على حدود قطاع غزة (رويترز)
TT

استئناف إسرائيل حرب غزة يواجه استنزاف الاحتياط وضعف التأييد الشعبي

دبابة إسرائيلية على حدود قطاع غزة (رويترز)
دبابة إسرائيلية على حدود قطاع غزة (رويترز)

حذّرت إسرائيل من أن أحدث هجماتها على غزة «ليس إلا البداية»، وقصفت قواتها القطاع بضربات جوية قاتلة، وبدأت عمليات برية جديدة.

وقال بعض المسؤولين الإسرائيليين الحاليين والسابقين وبعض المحللين إن العودة إلى حرب برية شاملة على حركة «حماس» الفلسطينية قد تكون أكثر تعقيداً مع تراجع الدعم الشعبي واستنزاف جنود الاحتياط والتحديات السياسية.

والخدمة العسكرية إلزامية في إسرائيل التي يقلّ عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة، لكنها تعتمد بشدة على جنود الاحتياط في أوقات الأزمات.

وتدفق جنود الاحتياط على وحداتهم بعد أن هاجم مسلحون بقيادة «حماس» إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبعضهم جاء دون انتظار استدعائهم.

لكن 6 جنود احتياط وجماعة مدافعة عن قوات الاحتياط، قالوا لوكالة «رويترز»، إنه بعد عمليات انتشار استمرت عدة أشهر، يتردد بعض الجنود في العودة إلى غزة.

وقرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استئناف القصف، يوم الثلاثاء، أزكى غضب المحتجين الذين يتهمون الحكومة بمواصلة الحرب لأسباب سياسية والمغامرة بحياة الرهائن المحتجزين في قطاع غزة، بعد أن صمد وقف إطلاق النار إلى حد كبير لمدة شهرين.

وقال نتنياهو، يوم الثلاثاء، إن مثل هذه الاتهامات «مخزية»، وإن استئناف الحملة يستهدف استعادة الرهائن المتبقين، وعددهم 59.

وشارك عشرات الآلاف في احتجاج ضد حكومة نتنياهو في تل أبيب والقدس، منذ يوم الثلاثاء.

وقال الجنرال المتقاعد يعقوب عميدرور، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لنتنياهو بين عامي 2011 و2013: «في دولة ديمقراطية، الشرعية الداخلية (للحرب) فيها مهمة جداً جداً».

وأضاف أن السؤال يتعلق «بمدى استعداد صناع القرار التخلي عن الشرعية لأنهم يعتقدون أن التحرك مهم... وبمدى إضعاف قدرتهم على العمل في غياب الشرعية».

وتتبادل إسرائيل و«حماس» الاتهامات بخرق الهدنة.

وتشير استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة إلى أن معظم الإسرائيليين يرغبون في مواصلة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إنهاء الحرب وإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين مقابل إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية.

وصرّح 3 مسؤولين دفاعيين مطلعين على عملية صنع القرار الإسرائيلي، لوكالة «رويترز»، في الأيام التي سبقت حملة هذا الأسبوع، أن استئناف القتال سيكون تدريجياً، ما يفتح الباب أمام مفاوضات لتمديد الهدنة. ولم يسهبوا في تفاصيل.

وقال مسؤولان إسرائيليان آخران إن نتنياهو وافق على خطة لعملية واسعة النطاق تتضمن خيار إرسال مزيد من القوات البرية.

وقال اللفتنانت كولونيل نداف شوشاني، وهو متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، لوكالة «رويترز»، إن الجيش الإسرائيلي لديه خطط جاهزة لاحتمالات مختلفة تتضمن العمليات البرية إذا لزم الأمر.

وأضاف شوشاني، أمس (الأربعاء): «هدف هذه الحملة على (حماس) هو تفكيك قدراتها لمنعها من تنفيذ هجمات إرهابية والضغط من أجل إعادة الرهائن، سواء عبر عمليات عسكرية أو عبر اتفاق سياسي ما». ومضى يقول: «كل الخيارات مطروحة للنقاش».

ويعترف قادة عسكريون أن الإرهاق يمثل مشكلة وسط جنود الاحتياط. لكن شوشاني قال إنه في وقت الشدة، يبدي جنود الاحتياط استعداداً للتخلي عما يفعلونه، ويخاطرون بحياتهم دفاعاً عن وطنهم. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي لديه خطة لتخفيف العبء عنهم.

الإرهاق

حرب غزة، الفصل الأكثر تدميراً في عقود من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي الأطول لإسرائيل منذ حرب عام 1948. وقُتل أكثر من 400 جندي وجرح آلاف في معارك غزة.

وأدّت الحملة الإسرائيلية إلى تحويل مساحات شاسعة من غزة إلى أنقاض، ما أدى مراراً لنزوح مئات الآلاف من الذين يعيشون على المعونات.

وقُتل أكثر من 49 ألف شخص في القطاع، طبقاً لسلطات «الصحة» الفلسطينية، التي لا تفرق بين المدنيين أو المقاتلين.

ويقول مسؤولون إسرائيليون إن الجناح العسكري لـ«حماس» ضُرب بقوة، وقُتل قادته وآلاف من المقاتلين.

لكن الحركة لا تزال راسخة بقوة في غزة، وتحتجز 59 رهينة من أصل 251 رهينة، جرى احتجازهم يوم 7 أكتوبر 2023. وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 شخص في جنوب إسرائيل، وفقاً للإحصاءات الإسرائيلية.

وقتل ما لا يقل عن 40 من الرهائن في غزة، إما على أيدي محتجزيهم، أو قتلتهم القوات الإسرائيلية بالخطأ. وتعتقد السلطات الإسرائيلية أن نحو 24 شخصاً لا يزالون على قيد الحياة.

وفي الأشهر الثلاثة التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني)، أسفرت هجمات مسلحين عن أحد أعلى عدد من القتلى والمصابين الإسرائيليين في الحرب. وأثار هذا، بالإضافة إلى مقتل بعض الرهائن، بعض التساؤلات عن تكاليف ومكاسب الحرب في إسرائيل.

وعارض شركاء نتنياهو في الائتلاف الحاكم من اليمين المتطرف وقف إطلاق النار، وضغطوا من أجل العودة الشاملة إلى الحرب. ومنحه استئناف الهجمات الإسرائيلية هذا الأسبوع دفعة سياسية، عندما عاد وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير إلى الائتلاف. ولم يبقَ لنتنياهو سوى أغلبية برلمانية ضئيلة بعد استقالته في يناير بسبب خلافات حول وقف إطلاق النار.

وقال عاموس إسائيل، المحلل السياسي في معهد شالوم هارتمان، إن رئيس الوزراء بدا منعزلاً عن الرأي العام بشكل متزايد، ما أدى إلى تصدع الإجماع الكبير الذي دعم حرب إسرائيل. ويتجمع الآن ائتلاف من عائلات الرهائن والمحتجين المعارضين لتحركات نتنياهو ضد السلطة القضائية وبعض مؤسسات إسرائيل الأمنية.

واتهمت «حماس» إسرائيل هذا الأسبوع بتقويض الجهود للتوصل إلى نهاية القتال بشكل دائم، ودعت الوسطاء إلى «تحمل مسؤولياتهم».

وأدانت بعض الدول الغربية، منها فرنسا وألمانيا، العنف، إلى جانب مصر وقطر اللتين تلعبان دور الوساطة.

كلام صارم

قال نتنياهو إنه أمر بشنّ ضربات لأن «حماس» رفضت مقترحات تدعمها الولايات المتحدة لتمديد وقف إطلاق النار مقابل إطلاق سراح الرهائن المتبقين.

وقال مكتبه، في بيان، يوم الثلاثاء، إن إسرائيل ستعمل الآن ضد الحركة «بقوة عسكرية متزايدة».

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن «أبواب الجحيم ستُفتح» إذا لم تفرج «حماس» عن جميع الرهائن.

وعلى الرغم من الكلام الصارم، لم تكن هناك علامة فورية، مثل التعبئة واسعة النطاق التي حدثت في 2023، عندما استدعى الجيش ما يصل إلى 300 ألف من جنود الاحتياط لتعزيز قوة تقدر بنحو 170 ألف جندي. ولا يكشف الجيش الإسرائيلي عن الأرقام المتعلقة بعدد أفراده.

وأرسل الجيش الإسرائيلي لواء مشاة من النخبة إلى حدود غزة، الأربعاء، وأعلن الخميس أنه «يقوم بنشاط بري» على طول طريق ساحلي في شمال غزة.

ومن المتوقع أيضاً أن يشمل أي هجوم بري كبير قوات احتياط، على الرغم من أنه قد لا يتطلب عدداً كبيراً، كما كان في بداية الحرب.

وقال عميدرور: «إن استئصال مقاتلي (حماس) الذين ما زالوا هناك سيتطلب مزيداً من القوة البشرية، ومزيداً من الجنود على الأرض. السر يتمثل في كم سيظهر منهم».

وقال جنود الاحتياط، الذين التقت بهم وكالة «رويترز»، إنه مع استمرار الحرب، كافح كثيرون لتحقيق التوازن بين العمل والأُسرة والدراسة والانتشار العسكري. ورأى الجميع أن عدد الرفاق الذين يطلبون الإعفاء من جولات الخدمة يزداد بمرور الوقت.

وقال أحد جنود الاحتياط في القوات الخاصة، الذي أمضى نحو 8 أشهر من 15 شهراً من الحرب في غزة ولبنان وشمال إسرائيل: «حتى الآن كان إحساسي هو أنه ما دام بقي هناك رهائن فأنا موجود، لكنني الآن لا أعرف. هناك كثير من عدم الثقة في قيادة البلاد، وليس من الواضح ما إذا كان الضغط العسكري سيساعد الرهائن».

كما أنه قلق من الآثار النفسية التي لحقت بزوجته وأطفاله الستة، الذين قال إن أحدهم بدأ في إعداد كلمات التأبين له. ومثل آخرين التقينا بهم، طلب عدم الكشف عن هويته لتتسنى له مناقشة أمور حساسة بحُرية.

وذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي وصحيفة «هآرتس» ذات الميول اليسارية، هذا الشهر، أن عدد جنود الاحتياط الذين يظهرون عند الاتصال قد انخفض إلى 60 بالمائة في بعض الوحدات. ولم يعلق الجيش الإسرائيلي.

وقال هانوك دوبي، وهو كولونيل تقاعد في الآونة الأخيرة، وقاد قوات احتياطية ونظامية في غزة، إن الانخفاض لن يمنع الجيش من شنّ هجوم بري كبير، إذا لزم الأمر.

ويوجد في وحدات الاحتياط الإسرائيلية عدد أكبر من الأشخاص الذين يمكن الاعتماد عليهم أكثر مما هو مطلوب في أي وقت، ويتم تعويض أي نقص من متطوعين من وحدات أخرى.

لكن دوبي، الذي يرأس الآن جمعية لجنود الاحتياط، تُعرف باسم منتدى «محاربي السيوف الحديدية»، قال إنه إذا تحولت الحملة إلى حرب عصابات مطولة من دون أهداف استراتيجية واضحة، فإن ذلك سيؤدي في النهاية إلى الإرهاق.

وقال عالم وأب لـ5 أطفال، قضى معظم السنة الأولى من الحرب بالزيّ العسكري، إنه لن يتردد في الانضمام إلى وحدة دباباته إذا تم استدعاؤه مرة أخرى إلى غزة.

وأضاف: «لديّ كثير من الانتقادات لهذه الحكومة حتى قبل الحرب، لكن هذه الحرب عادلة».

ولم يكن صديق من وحدته متأكداً، إذ قال إن لديه علاقات عميقة مع زملائه، وقد يعود لبعض الوقت بدافع الشعور بالواجب. لكنه لن يثق كثيراً في المهمة هذه المرة.

وأضاف: «بعد 7 أكتوبر، شعرنا أن البلاد تنهار، لكن البلاد لا تنهار الآن. إنهم لا يحتاجون لنا كما كانوا».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

كتاب وصحافيون يتهمون نتنياهو بنشر وثيقة مضللة حول 7 أكتوبر لأغراض شخصية وانتخابية ويرون أنها دليل على نيته تقريب الانتخابات.

كفاح زبون (رام الله)
تحليل إخباري رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة... حسم للقضايا الشائكة وتفكيك للجمود

تتراكم قضايا شائكة أمام مسار تنفيذ المرحلة الثانية الحاسمة من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت نظرياً منتصف يناير الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)

اتهمت حركة «فتح» الفلسطينية، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفضاً إسرائيلياً للمضي قدماً في تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع.

وقال المتحدث باسم الحركة في قطاع غزة، منذر الحايك، إن إسرائيل لا تزال تمنع وصول أعضاء اللجنة إلى القطاع رغم إعادة فتح معبر رفح، مشيراً إلى أن هذا المنع يقترن بعدم وجود مؤشرات على استعداد إسرائيل للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

وأضاف الحايك، في تصريح صحافي نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الجيش الإسرائيلي يواصل فرض سيطرته على مساحات واسعة من قطاع غزة، ما يعرقل أي خطوات عملية لبدء ترتيبات إدارية جديدة على الأرض.

من جهته، أشار عضو اللجنة الوطنية عائد ياغي إلى وجود معوقات فنية تعيق انتقال أعضاء اللجنة من القاهرة إلى غزة، دون أن يوضح طبيعة هذه المعوقات، معرباً عن أمله في تجاوزها خلال الفترة القريبة المقبلة.

وكانت مصر وقطر وتركيا قد أعلنت، في وقت سابق، عن تشكيل لجنة فلسطينية من شخصيات مستقلة لإدارة شؤون قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، على أن تباشر عملها من داخل القطاع.

يأتي ذلك في وقت يسري فيه اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس» منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وسط خلافات متواصلة بشأن تنفيذ بنوده اللاحقة.


لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

يصرّ رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي في موعده في مايو (أيار) المقبل، بصرف النظر عما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والمرحلة الثانية من «حصرية السلاح»، طالما أن «احتواءه» يطبق بحذافيره ويلتزم به «حزب الله» بعدم استخدامه أو نقله، والموقف نفسه ينسحب على الفصائل الفلسطينية المنتمية إلى محور الممانعة.

ويؤكد مصدر وزاري أن لا عودة عن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وأن وزارة الداخلية والبلديات أتمت الاستعدادات اللوجيستية والإدارية لإجراءها في مايو المقبل على أساس قانون الانتخاب النافذ حالياً. ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الخيار الوحيد لإخراج قانون الانتخابات من السجال الدائر بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وخصومه يكمن باعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، في مقابل تعليق العمل باستحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب اللبناني بـ6 مقاعد نيابية، وبعدم السماح للبنانيين في بلاد الانتشار بالاقتراع لـ128 نائباً من مقر إقامتهم، من دون استبعاد تأجيلها تقنياً إلى منتصف الصيف المقبل، إفساحاً للمجال أمام مجيئهم إلى لبنان لممارسة حقهم بانتخاب ممثليهم.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي وأعضاء الحكومة الجديدة في البرلمان خلال جلسة عامة للتصويت على الثقة بالحكومة التي شكلها نواف سلام... يوم 26 فبراير 2025 (رويترز)

الكرة في ملعب البرلمان

يلفت المصدر الوزاري إلى أن الكرة الآن في ملعب المجلس النيابي، وأن عدم انعقاده في جلسة تشريعية للنظر في مشروع القانون الذي أحالته إليه الحكومة بصفة المعجل المكرر، يعني حكماً بأن الانتخابات ستجري على أساس اعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، لكن المصدر لم يجزم ما إذا كانت الظروف الدولية المحيطة بلبنان ستسمح بإنجاز الانتخابات في موعدها ما لم يتقدّم عليها إلزام «حزب الله» بـ«حصرية السلاح» الذي لا يزال يتصدر اهتمام المجتمَعَيْن الدولي والعربي.

وسُئِل المصدر عن رأيه حيال تريث أكثر من فريق في التحضير لخوض الانتخابات إلى حين التأكد من أنها ستجري في موعدها بغياب الحد الأدنى من التفاهم حول قانون الانتخاب، فأجاب أن معظم القوى السياسية تضع علامة استفهام حول إمكانية الالتزام بموعد مايو المقبل، رغم إصرار الرؤساء على إتمامها احتراماً للمواعيد الدستورية، والتزاماً بإعادة الانتظام لمؤسسات الدولة، معترفاً في الوقت نفسه بأن مصيرها يتأرجح مناصفة بين إتمامها أو تأجيلها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

تفادي الحديث بالانتخابات

لا يجد المصدر ما يقوله حيال الموفدين الأجانب والعرب إلى لبنان الذين يُدرجون حصرية السلاح بنداً أساسياً على جدول أعمال لقاءاتهم الرسمية، ويتجنّبون التركيز على إجراء الانتخابات في موعدها، بخلاف لقاءاتهم السابقة، وهذا ما تبين من خلال الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي لم يأت على ذكر الانتخابات أصلاً.

فالوزير الفرنسي، حسب المصدر، ركّز على حصرية السلاح، واستكمال إقرار الإصلاحات المالية والاقتصادية، وطالب إسرائيل بوجوب التقيّد بوقف الأعمال العدائية، إضافة إلى بحثه مع أركان الدولة طبيعة المرحلة التي تلي انتهاء فترة انتداب قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في جنوب لبنان نهاية العام الحالي.

ويؤكد أن «الثنائي الشيعي» يصر على إجراء الانتخابات في موعدها لتجديد شرعيته الشعبية، رداً على قول خصومه إنها تشهد تراجعاً ملحوظاً بسبب إصرار «حزب الله» على تمسكه بسلاحه بخلاف الإجماع اللبناني وتعهده به عندما قرر المشاركة في الحكومة التي أدرجت السلاح غير الشرعي بنداً أساسياً تصدّر بيانها الوزاري.

وفي المقابل يرى مصدر سياسي، يقف في منتصف الطريق بين بري وخصومه، أن مصير الانتخابات يتوقف على التزام «حزب الله» بتسليم سلاحه وامتناعه عن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران، في حال أن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، التي ما زالت في بداياتها، اصطدمت بحائط مسدود، وبادرت الأخيرة بالرد عسكرياً مستهدفةً منشآتها النووية ومراكز الحرس الثوري، أسوة بما حصل في حربها التي شنتها إلى جانب إسرائيل ضد النظام الإيراني في يونيو (حزيران) الماضي.

«إسناد» إيران

لكن المرجع السياسي إياه يستبعد تدخل «حزب الله» عسكرياً، ويؤكد أن قيادته تتحسّب لرد فعل إسرائيل، وربما أقسى مما كان عليه عندما قرر إسناده لغزة.

ويكشف عن أن الحزب تلقى نصائح من جهات دولية وعربية بعدم التدخّل، ويؤكد أنها كانت كناية عن إنذار وتحذير شديدي اللهجة، وهذا ما تبلّغته أيضاً جهات رسمية رفيعة لم تتردد في تكرار النصائح للحزب عبر قنوات التواصل القائمة بينهما، ويأمل بأن تأخذها على محمل الجد، خصوصاً أن أذرع إيران في الإقليم، في إشارة إلى «حزب الله»، تصدّرت لائحة الشروط الأميركية في المفاوضات، مع أن المرجع، من وجهة نظره، يرى أن الحزب يبالغ في حديثه عن استعادته لقدراته العسكرية، ويدرك سلفاً بأن الاختلال في ميزان القوى يفرض عليه عدم إقحام البلد في مغامرة على غرار إسناده لغزة.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك دعا إليه الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت الأربعاء (إ.ب.أ)

لذلك يؤكد المرجع بأن احتمال تدخل «حزب الله» عسكرياً لنصرة إيران، في حال تعرضها لهجوم أميركي، سُحب من التداول، ولن يكون عائقاً أمام إجراء الانتخابات النيابية، وأن ما يعطل إنجازها يكمن في مبادرة إسرائيل لتوسعة الحرب على نحو يؤدي إلى تقطيع أوصال الجنوب وعزله عن المحافظات اللبنانية الأخرى.

وهنا يسأل المصدر، هل تبدي واشنطن استعداداً لتمديد فترة السماح لاستكمال تطبيق «حصرية السلاح» شرط التزام الحزب باحتوائه بما يضمن إجراء الانتخابات في موعدها؟ فالتمديد للبرلمان سيلقى رفضاً من عون بإصراره على احترام الاستحقاقات الدستورية، وإلا قد يتحول عهده إلى «إدارة للأزمة»، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته بتوفير الحماية لإجراء الانتخابات باعتبارها تشكّل محطة لإحداث تغيير في ميزان القوى يأخذ بالتحولات التي شهدتها المنطقة بتراجع نفوذ محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم.


تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)

أغلق آلاف التجار في بغداد محالهم وخرجوا بمظاهرات؛ احتجاجاً على تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة على البضائع، وضد قرار السلطات اعتماد نظام «سيكودا» المتعلق بأتمتة الإجراءات الجمركية، وشهدت الأسواق الرئيسية في بغداد (الشورجة، وجميلة، وشارع الربيعي) إغلاقاً شبه كامل واضراباً عن العمل احتجاجاً على القرارات الجديدة.

وتجمع المتظاهرون أمام دائرة الجمارك في شارع «النضال» ببغداد، قبل أن ينسحبوا إلى «ساحة التحرير» وسط العاصمة؛ المعروفة باحتضانها معظم المظاهرات الشعبية التي جرت خلال العقدين الأخيرين. وتضامن مع المتظاهرين نحو 7 من أعضاء البرلمان حضروا إلى ساحة التظاهر.

ظروف صعبة

وأبلغ تجارٌ «الشرق الأوسط» أنهم يمرون بظروف عمل صعبة للغاية منذ تطبيق النظام الجديد، لجهة المبالغ الإضافية التي تُفرض على بضائعهم وتأخر وصول البضائع عبر موانئ البصرة الجنوبية وما يترتب على ذلك من مبالغ خزن إضافية.

من مظاهرة التجار العراقيين في بغداد (الشرق الأوسط)

وينتقد معظم التجار السلطات التي عمدت إلى تطبيق النظام في المنافذ الحدودية والموانئ البحرية، لكن من دون شمول منافذ إقليم كردستان الشمالي بذلك، الأمر الذي يمنح أفضلية للتجار الكرد وكذلك لبقية التجار الذي يُدخلون بضائعهم عبر منافذ الإقليم.

وأعلنت الحكومة العراقية، مطلع الشهر الماضي، تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة، لتشمل مختلف السلع والأجهزة وكذلك سيارات «هايبرد» التي كانت مستثناة في السابق. وتزامن إعلان التعريفة مع تطبيق قرار «البيان الجمركي» المسبق ضمن نظام «سيكودا» الذي يفرض قيوداً للتحقق من صحة وصول البضائع التي يدّعي التجار استيرادها بالعملة الصعبة (الدولار) التي يوفرها لهم «البنك المركزي العراقي».

انتظار القضاء

وفضلاً عن المظاهرات والانتقادات التي يوجهها التجار إلى الحكومة، تواجه الأخيرة حكماً متوقعاً من المحكمة الاتحادية يمكن أن يلغي الإجراءات الجديدة؛ بالنظر إلى أن حكومة رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها اتخاذ إجراءات ولا سن قوانين بهذا المستوى.

محال تجارية مقفلة في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية (الشرق الأوسط)

وأعلن عضو مجلس النواب، محمد الخفاجي، الأحد، أن المحكمة الاتحادية حددت يوم 11 فبراير (شباط) الحالي موعداً للبت في الطعن المقدم ضد قرار حكومة تصريف الأعمال الاتحادية زيادة التعريفة الجمركية.

ودعت النائب عن ائتلاف «دولة القانون»، ابتسام الهلالي، رئاسة مجلس النواب إلى إدراج قضية الضرائب والتعريفة الجمركية وانعكاسها على الواقع الاقتصادي والمعيشي للعراقيين؛ بسبب ارتفاع أسعار السلع والبضائع المستوردة في الأسواق المحلية، ضمن جدول جلسة البرلمان المقرر انعقادها يوم الاثنين.

وقالت الهلالي، في تصريحات صحافية، إن «أعضاء مجلس النواب سبق أن تقدموا بطلبات لمناقشة القرارات التي صدرت من الحكومة بزيادة الرسوم والتعريفة الجمركية، والتي أثرت على الشارع والسوق».

وأضافت أن أعضاء البرلمان «سيجددون مطالبتهم في جلسة يوم الاثنين لمناقشة تداعيات القرارات التي صدرت من قبل الحكومة، والتي تسببت في إضراب وإغلاق المجمعات والمحال التجارية».

زيادة الإيرادات الجمركية

في مقابل الانتقادات التي يوجهها مختصون في الشأن الاقتصادي للإجراءات الجديدة، وأنها قللت من حجم الإيرادات المالية، قال المدير العام لـ«الهيئة العامة للجمارك»، الدكتور ثامر قاسم داود، الجمعة، إن «إيرادات الهيئة منذ 1 يناير (كانون الثاني) 2026 بلغت 151 مليار دينار، وهذا الرقم يعدّ مرتفعاً وإيجابياً جداً إذا ما قورن بحجم النشاط التجاري الفعلي لهذه الفترة».

وذكر في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية، رداً على انتقادات بعض الاقتصاديين، أن «الايرادات الجمركية الجديدة لا تُقدّر عبر عمليات حسابية بحتة بتقسيم الإنتاج السنوي على الأشهر، بل الأمر يعتمد على معايير حقيقية تشمل حجم التبادل التجاري، وعدد المعاملات الجمركية، وعدد الحاويات الداخلة فعلياً».

وأضاف داود أن «(الهيئة) غادرت العمل بنظام (المقطوع) للحاويات بشكل نهائي، حيث أصبح الترسيم يعتمد بدقة على نوعية المواد والفقرات (Items) الموجودة داخل كل حاوية». وأشار إلى أن «التقييم يخضع لمعايير عالمية تعتمد فواتير التحويل المالي والأسعار الدولية، ولا يمكن مضاعفة قيمة أي منتج بشكل غير منطقي».

التظلم الرسمي

وبشأن اعتراضات بعض التجار، دعا المدير العام للهيئة «أي تاجر يشعر بالغبن في تقدير الرسوم إلى تقديم تظلم رسمي للهيئة، واللجان المختصة ستعيد دراسة الفواتير ومقارنتها بالتحويلات المالية. الإشكالية غالباً ما تكمن في (القيم) المقدرة للمواد وليس في (النسب) الجمركية الثابتة قانوناً».

وأكد داود أن «المطالبات بإيقاف نظام (سيكودا) العالمي غير دقيقة؛ لأن النظام يمثل نقلة نوعية تهدف إلى تنظيم وتبسيط وتوحيد الإجراءات الجمركية في العراق وفقاً للمواصفات الدولية».