أنجو ريحان... تعدّدت الشخصيات والإبداع المسرحيّ واحد

الممثلة اللبنانية تصنع ويحيى جابر النجاح المدوّي لـ«مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»

الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
TT

أنجو ريحان... تعدّدت الشخصيات والإبداع المسرحيّ واحد

الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)

منذ كانت طالبة تتنقّل يومياً من الجنوب إلى بيروت بالحافلات وسيارات الأجرة قاصدةً «معهد الفنون» في الجامعة اللبنانية، أيقنت أنجو ريحان أنّ حلمها يستحقّ مشقّة الطريق. شابةً؛ خرجت من شرنقة القرية وتحدّت المسافات؛ لأنها أرادت أن تصير ممثلة.

لم تكن البدايات واضحة المعالم، فتعثّرت مراتٍ ومرات. لكن الذي يراها اليوم على خشبة المسرح، يدرك من المشهد الأول أنّ أنجو وجدت الطريق ومشَته بثقة. في «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، المسرحيّتَين ذَوَاتَيْ العروض المتواصلة على مسارح لبنان وعددٍ من الدول العربية وبلاد الانتشار، تملأ أنجو ريحان الخشبة من أقصاها إلى أقصاها. وحيدةً على المسرح، هي وَلّادةُ شخصيات. تنفح فيها الروح وتتنقّل بينها بخفّةِ نسمة.

بين مسارح لبنان والعالم العربي ودول الانتشار تجول مسرحيّتا «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»... (صور ريحان)

«أنجو ريحان قبل (مجدّرة حمرا) ليست أنجو ريحان بعد تلك المسرحيّة». تُقرّ الممثلة في حوارها مع «الشرق الأوسط» بأنّ هذا العمل المستمرّ منذ 6 سنوات، شكّل نقطة تحوّل في مسارها... «قبل تلك المسرحيّة، صوتٌ ما في داخلي كان يخبرني بأنني لم أُعطِ بعد كل ما أملك تمثيلاً»، تقول ريحان.

يوم أتى يحيى جابر، الكاتب والمخرج المسرحيّ اللبنانيّ المسكون بحكايات الناس ويسكبها على الورق، لمحَ في أنجو بريقاً لم ترَه هي. حرّضها على الصعود إلى الخشبة. عاندَته لسنوات قبل أن ترضخ لقدرِها الذي لا مفرّ منه؛ المسرح. كانت البداية قبل 9 أعوام في مسرحيّة «اسمي جوليا». منذ التعاون الأول، اتّضحت صورة الشراكة بين ريحان وجابر: أداءٌ مسرحيّ منفرد يمزج بين الدراما والكوميديا، ويتأرجح بين فنّ «الحكواتي» و«الاستاند أب». تكمن خصوصية هذا المسرح كذلك، في أنه يُحاكي الجمهور على اختلاف هوياته الفكريّة والاجتماعية.

الشراكة الفنية بين ريحان والكاتب والمخرج يحيى جابر مستمرة منذ أكثر من 9 سنوات (إنستغرام)

في «مجدّرة حمرا»، أنجو هي 3 نساء في امرأة واحدة؛ «مريم»، و«فاطمة»، و«سعاد». تتداخل حكاياتهنّ لتَرويَ معاناة الأنثى مع سطوة الذكَر وتعنيفه. أنجو هي «مريم» العصريّة المتحرّرة حيناً، و«فاطمة» القرويّة خفيفة الظلّ أحياناً، ليبلغ الأداء الدرامي ذروته في شخصية «سعاد» التي أمضت عمرها صامتةً عمّا تتعرّض له من تعنيف على يد زوجها. وتُفرد الحكاية مساحةً كذلك لشخصياتٍ ذكوريّة ثانويّة تبرع الممثلة في تقمّصها.

توظّف ريحان كل أدواتها التمثيلية خدمةً لشخصياتها؛ من إيماءات الوجه، إلى نبرة الصوت، مروراً بالحركات الجسمانيّة. لكلِ شخصيةٍ تركيبتُها، والتنقّل بينها يشكّل تحدياً مسرحياً كبيراً؛ «لأنه يستوجب التحضير لشخصيات عدّة واختراقها وتجسيدها جسداً وصوتاً وحكاية». لهذه الغاية؛ تستعين ريحان بقدراتها التخيّليّة فترسم في ذهنها صورةً واضحة لكلٍ من بطلاتها وأبطالها... تمنحهم وجوهاً وأجساداً واضحة المعالم، ويحدث أن تحييَ فيهم أشخاصاً حقيقيين عبروا في حياتها.

توظّف أنجو ريحان كل أدواتها التمثيلية خدمةً لشخصياتها (صور ريحان)

«علّمني يحيى ألّا أقدّم شيئاً باستخفاف، وألّا أصل إلى مرحلةٍ أظنّني فيها ملكتُ المسرح». انسكبت نصائح المخرج الصديق فوق قالبٍ متينٍ لممثلةٍ مجتهدة بطبيعتها. «رغم مرور 6 سنوات على العرض، فإنني لم أشعر مرةً بالملل أو التكرار»؛ تؤكد ريحان. وتكشف أنه لا يكاد يمرّ يوم من دون أن تعيد نص المسرحية كاملاً في رأسها: «أنا لا أحفظ النص؛ بل هو يسكنني. وكلّما حلّ موعد عرضٍ جديد، شعرتُ بالقلق والرهبة وتساءلتُ: ماذا أستطيع أن أضيف لنفسي وللجمهور؟».

من فوق الخشبة وهي منغمسة في أدوارها المتعدّدة، يحلو لأنجو ريحان أن تراقب مَن أتوا ليشاهدوها. تَحيك حبلاً يربطها بهم. تَراهم يدمعون ثم تستقبل ضحكاتهم بفرح. تؤمن بأنّ المسرح مساحةٌ للتلاقي والتبادل الروحيّ: «بمجرّد أن تفتح المسرحيّة نافذة في ذكريات المتلقّي أو في قلبه، فهي تكون قد خرجت من إطارها المحَلّي وسمحت للمُشاهد، أياً كان انتماؤه، بأن يتماهى مع القصة».

إلى الإمارات وكنَدا وأفريقيا، وقريباً إلى الأردن وقطر، تحمل ريحان لهجتها الجنوبيّة وحكايات نساءِ بلادها. هي ابنةُ بيئتها، ولعلّ في ذلك أحد مفاتيح نجاحها. في «شو منلبس»، تجسّد الطفلةَ الباحثة عن هويتها الحقيقية حاملةً ذنوب أبوَيها، ثم تتحوّل إلى امرأةٍ مُثقلة بموروثات العائلة والمجتمع والجسد والحروب... «كلُ شخصٍ باحثٍ عن جذوره وطريقه في الحياة، لا بدّ من أن يجد له انعكاساً في تلك الحكايات، مهما كانت لهجته أو جنسيته».

استغرقت كتابة «شو منلبس» 4 سنوات، كانت ريحان خلالها شريكةً في إعداد النص. تخبر كيف أنّ جابر يمنح ممثّليه هامشاً لإعادة صياغة الأفكار على طريقتهم، مما يخدم الأداء المسرحيّ؛ «سكبتُ كثيراً من روحي في (شو منلبس)، فاسترجعتُ مشاهد طفولتي، واعتقال أبي على يد الإسرائيليين، ووفاة والدتي بالسرطان». يتداخل الشخصيّ بالفنّي في هذه المسرحيّة، التي شكّلت مخاضاً صعباً بالنسبة إلى ريحان، وكأنّها صعدت بها إلى الخشبة هرباً من مواجهة نفسها... لكن عندما حانت لحظة العرض الأول، تركت دموعها فوق الورق ووقفت واثقة أمام الجمهور.

لم تأتِ تلك الثقة بفعل المثابرة والتمرين المكثّف والتعب اليوميّ فحسب؛ بل هي جرعةٌ تتلقّاها ريحان من جابر بعد كل عرض... «جميلٌ ألّا يخبّئ المؤلّف والمخرج تقديره للممثّل وإعجابه بأدائه. وهذا ضاعف من مسؤوليتي، خصوصاً أنّ يحيى يتعامل مع مسرحياته بعناية كبيرة، ومع الجمهور باحترامٍ قلّ مثيله».

من مسرحية «شو منلبس» التي تتداخل فيها سيرة ريحان بالنص المسرحي (صور ريحان)

اليوم، وبعد مرور نحو عقدٍ على الخشبة، بات باستطاعة أنجو ريحان القول: «يمكنني العيش من المسرح، على المستويَين المادّي والجماهيري». تحكي بطمأنينةِ مَن وجدَ شغفه وما عاد يبحث عن ضالّةٍ أخرى. لكنّ ذلك لا يعني أنها لا تريد تكرار التجربة الدراميّة. فهي لمعت في مسلسلاتٍ مثل «صالون زهرة»، و«كريستال»، و«وأخيراً»، وأبوابها مشرّعة لمزيدٍ من الخبرات التلفزيونيّة؛ «شرط أن يكون الدور المقبل ذا آفاق واسعة ويفرد مساحةً لكل الأدوات الدراميّة التي بتُّ متمكّنة منها أكثر».

كان لأنجو ريحان مرور مميّز في مسلسل «صالون زهرة»... (إنستغرام)

في انتظار التجربة التلفزيونية المقبلة، تستعدّ ريحان لمسرحيةٍ ثالثة من تأليف يحيى جابر وإخراجه من المفترض أن ينطلق عرضها في الربع الأخير من السنة. في الأثناء، يتواصل عرض «شو منلبس» و«مجدّرة حمرا» إلى أجلٍ غير مسمّى.

كل تلك الانشغالات الفنية لا تقف عائقاً أمام تطوّر ريحان الأكاديمي، فهي على مشارف تقديم رسالة ماجستير تبحث «إعداد الممثل». في تلك المثابرة استذكارٌ دائم لبداياتها طالبةً كانت تستقلّ الحافلة وسيارات الأجرة يومياً لساعات، حالمةً بأن تحفر اسمها يوماً على خشبة المسرح.


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.