مصر: اكتشاف مقبرة ملكية من عصر الانتقال الثاني في سوهاج

عمرها أكثر من 3600 سنة وتخصُّ حكام الصعيد

الأطفال أكثر الدفنات الموجودة بجبانة كانت ورشة للفخار (وزارة السياحة والآثار المصرية)
الأطفال أكثر الدفنات الموجودة بجبانة كانت ورشة للفخار (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: اكتشاف مقبرة ملكية من عصر الانتقال الثاني في سوهاج

الأطفال أكثر الدفنات الموجودة بجبانة كانت ورشة للفخار (وزارة السياحة والآثار المصرية)
الأطفال أكثر الدفنات الموجودة بجبانة كانت ورشة للفخار (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الجمعة، عن اكتشاف «مقبرة ملكية» بمحافظة سوهاج (جنوب البلاد)، يتجاوز عمرها 3600 عام، وتخصُّ حكام الصعيد في عصر الانتقال الثاني. وأوضحت، في بيان، أنّ البعثة الأثرية المصرية - الأميركية من جامعة بنسلفانيا عثرت على المقبرة الملكية بجبانة «جبل أنوبيس» بأبيدوس في سوهاج.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، إنّ «كشف المقبرة الملكية بأبيدوس يُقدّم أدلة علمية جديدة على تطوُّر المقابر الملكية في جبانة (جبل أنوبيس)، التي تعود إلى عصر (أسرة أبيدوس)، وتخصُّ سلسلة من الملوك الذين حكموا صعيد مصر بين 1700 و1600 قبل الميلاد»، مشيراً إلى أنّ «الكشف يضيف معلومات جديدة عن ملوك هذه الأسرة، ويقدِّم فهماً أعمق للتاريخ السياسي المُعقَّد لعصر الانتقال الثاني في مصر».

من جانبه، أوضح رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أنّ «الدراسات التي أُجريت على المقبرة الملكية بأبيدوس تشير إلى أنها تنتمي إلى أحد الملوك السابقين للملك (سنب كاي) الذي اكتُشفت مقبرته في أبيدوس عام 2014»، مشيراً إلى أنّ «المقبرة المكتشفة أكبر بكثير من المقابر الأخرى المعروفة سابقاً والمنسوبة إلى (أسرة أبيدوس)». ولفت إلى تعذُّر التعرف إلى اسم صاحبها حتى الآن.

المقبرة الجديدة المُكتشفة في أبيدوس من عصر الانتقال الثاني (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق رئيس «البعثة المصرية - الأميركية» العاملة بأبيدوس، الدكتور جوزيف وجنر، عُثر على المقبرة على عمق نحو 7 أمتار تحت سطح الأرض، موضحاً أنها «تتكوّن من غرفة للدفن من الحجر الجيري، مغطّاة بأقبية من الطوب اللبن يصل ارتفاعها في الأصل إلى نحو 5 أمتار، كما ثمة بقايا نقوش على جانبَي المدخل المؤدّي إلى غرفة الدفن للمعبودتين (إيزيس) و(نفتيس)، مع أشرطة كتابية صفراء حملت ذات يوم اسم الملك بالهيروغليفية».

وقال إنّ «أسلوب الزخارف والنصوص في المقبرة يُشبه في طرازه تلك التي اكتُشفت سابقاً في مقبرة الملك (سنب كاي)»، مشيراً إلى «تواصل الدراسات لتحديد تاريخها على وجه الدقة».

وعدَّ مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، المقبرة الملكية المكتشفة «تطوّراً لافتاً في مفهوم العمارة الجنائزية خلال عصر الانتقال الثاني»، مشيراً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنّ «تلك الفترة شهدت صراعات سياسية وتقلّبات ديناميكية في السلطة بين حكام طيبة والملوك الهكسوس في شمال مصر».

وقال إنّ «العثور على نقوش تمثّل المعبودتين إيزيس ونفتيس يُعدّ دليلاً على استمرار الطقوس الدينية المرتبطة بحماية الملك في الحياة الآخرة، وهو ما يتوافق مع النصوص الجنائزية في الدولتين الوسطى والحديثة. كما أنّ الأشرطة الكتابية التي حملت اسم الملك، وإنْ كانت تالفة، تشير إلى استمرارية نمط التوثيق الملكي حتى خلال الفترات المضطربة».

جانب من الكشف الأثري الجديد في سوهاج (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ورجّح أنْ «يُسهم الكشف في فهم أعمق للتسلسل التاريخي لملوك (أسرة أبيدوس)، التي حكمت في صعيد مصر خلال فترة من الاضطرابات بين نهاية الدولة الوسطى وبداية الدولة الحديثة».

يُذكر أنّ جبانة «جبل أنوبيس» تُعدُّ واحدة من أهم الجبانات في منطقة «أبيدوس»، كونها «جبانة ملكية»، ويتّخذ الجبل شكل الهرم، مما دفع الملك «سنوسرت الثالث» (1874- 1855 قبل الميلاد) إلى إنشاء مقبرته أسفل تلك القمة الهرمية الطبيعية في «سابقة هي الأولى من نوعها في الحضارة المصرية»، وفق وزارة السياحة والآثار التي أشارت أيضاً إلى اختيار المنطقة من عدد من ملوك الأسرة الـ13، ومن بعدهم ملوك «أسرة أبيدوس» الذين شيَّدوا مقابرهم في باطن الصحراء قرب الجبل. ومن أشهر مقابر الجبانة؛ مقبرة الملك «سنب كاي» التي «تُعدُّ أقدم مقبرة ملكية مزينة في مصر القديمة».

ورشة الفخار المُكتشفة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وفي سياق الكشف عن آثار سوهاج، أعلنت الوزارة أيضاً عن اكتشاف ورشة كاملة لصناعة الفخار بقرية «بناويط»، تعود إلى العصر الروماني.

وقال أمين عام المجلس الأعلى للآثار إنّ «الورشة كانت واحدة من أكبر المصانع التي تمدّ الإقليم التاسع بالفخار والزجاج، وفيها مجموعة كبيرة من الأفران، والمخازن الواسعة لتخزين الأواني، ومجموعة من 32 أوستراكا بالخط الديموطيقي واللغة اليونانية توضح المعاملات التجارية في ذلك الوقت وطريقة دفع الضرائب».

بدوره، قال عبد البصير إنّ «الكشف يُشير إلى وجود بنية صناعية وتجارية متطوّرة خلال العصر البيزنطي في الإقليم التاسع من مصر القديمة، كما توضح اللقى الأثرية في الورشة الدور الحيوي الذي لعبته على مستوى الاقتصاد المحلّي ونظام الضرائب آنذاك».

جانب من الكشف الأثري في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

كما أوضح عبد البديع أنّ الدراسات والدلائل الأولية التي أُجريت في موقع ورشة الفخار تشير إلى أنّ «هذا الموقع استُخدم خلال العصر البيزنطي، كما أعيد استخدامه بكونه جبانة في القرن السابع الميلادي، وربما امتدت إلي القرن الـ14 الميلادي»، مشيراً إلى «العثور على مجموعة من الدفنات، والمقابر المشيدة بالطوب اللبن تضمّ بعض الهياكل العظمية والمومياوات التي تمثّل على الأرجح مقابر عائلية لرجال ونساء، وغالبية هذه الدفنات من الأطفال».

ومن أبرز هذه الدفنات؛ «مومياء لطفل في وضعية النوم وعلى رأسه قبعة من النسيج الملوّن، ورأس جمجمة لسيدة في العقد الثالث من العمر»، كما «عُثر على بعض جذور نبات القمح وبقايا من بذور نباتات قديمة منها نخيل الدوم والشعير وغيرها».

وعدَّ وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشفين الجديدين بمحافظة سوهاج، «إسهاماً في الترويج للتنوّع السياحي الذي ينعم به المقصد المصري»، وقال، في بيان، إنّ «الكشفين يزيدان من معرفة العالم بالحضارة المصرية وخباياها وأسرارها».


مقالات ذات صلة

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدُّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر انضباطاً؟ السر ليس في قوة الإرادة

أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
TT

لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر انضباطاً؟ السر ليس في قوة الإرادة

أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)

قد تعتقد أن الأشخاص الذين يلتزمون بنظام غذائي صحي، أو يواظبون على ممارسة الرياضة، أو ينجحون في الادخار، كلهم يتمتعون بقوة إرادة استثنائية تجعلهم قادرين على مقاومة الإغراءات باستمرار. لكن ما يبدو انضباطاً خارقاً قد يكون في الحقيقة نتيجة استراتيجية أبسط وأكثر فاعلية: تنظيم الحياة بطريقة تجعل الخيارات الصحيحة أسهل، وتقلل الحاجة إلى مقاومة الخيارات الخاطئة.

فبدلاً من خوض معركة يومية مع النفس، يعتمد كثير من الأشخاص الأكثر نجاحاً وانضباطاً على أنظمة وعادات وقيود يضعونها لأنفسهم مسبقاً، بحيث لا يضطرون إلى استنزاف طاقتهم الذهنية في اتخاذ القرارات نفسها مراراً.

وفي مقال نشرته شبكة «سي إن بي سي» يوضح الكاتب والمتحدث والمدرب بن مير أن السر لا يكمن في امتلاك مخزون أكبر من قوة الإرادة، بل في معرفة متى نستخدمها، وكيف نبني بيئة تساعدنا على تحقيق أهدافنا من دون الاعتماد عليها طوال الوقت.

لماذا لا تكفي قوة الإرادة وحدها؟

تخيل أنك وضعت قطعة حلوى شهية في مطبخك. ربما تنجح في مقاومتها في المرات الأربع الأولى التي تمر فيها بجانبها. لكن مع تكرار الإغراء قد تستسلم في النهاية وتتناولها.

يميل معظمنا إلى تفسير مثل هذه المواقف بأنها دليل على ضعف قوة الإرادة، وكأن الأشخاص الناجحين يمتلكون قدرة استثنائية على ضبط النفس لا تتوفر لدى الآخرين.

غير أن حتى أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل.

ولهذا يتعاملون معها كما لو كانت «مالاً مخصصاً للطوارئ»؛ فمن الجيد الاحتفاظ به لمواجهة الظروف غير المتوقعة، لكن ليس من الحكمة إنفاقه على الاحتياجات اليومية التي يمكن التخطيط لها مسبقاً.

ولفهم الفكرة، تخيل صديقاً لا يجد صعوبة في الالتزام بنظام غذائي صحي. عندما يعود إلى منزله منهكاً بعد يوم عمل شاق لا يضطر إلى مقاومة رغبته في تناول قطعة حلوى موضوعة أمامه، لسبب بسيط: إنه لم يضع تلك الحلوى في منزله من الأساس.

وبهذه الطريقة يحتفظ بقدرته على ضبط النفس لمواجهة الإغراءات التي لا يستطيع التحكم فيها مسبقاً، مثل العثور على قطع من كعك «الكب كيك» في استراحة المكتب.

وهكذا، فإن ما يبدو للآخرين انضباطاً استثنائياً ليس بالضرورة نتيجة مقاومة مستمرة للرغبات، بل ثمرة تصميم ذكي للبيئة المحيطة.

استخدم قوة إرادتك مرة واحدة... لتوفرها لاحقاً

تقوم هذه الاستراتيجية على استثمار قدر من الجهد والانضباط في البداية لإنشاء أنظمة تجعل القرارات الجيدة تلقائية، أو أسهل تنفيذاً في المستقبل.

فعوضاً عن الاعتماد على قوة الإرادة في كل مرة تواجه فيها موقفاً متكرراً، يمكنك اتخاذ قرار واحد يخفف عنك عبء عشرات القرارات اللاحقة.

على سبيل المثال:

بدلاً من الحيرة كل مساء بشأن وجبة العشاء، خصص وقتاً واحداً لتخطيط وجبات الأسبوع مسبقاً، حتى لا تضطر إلى اتخاذ القرار يومياً وأنت متعب، أو جائع.

بدلاً من الاعتماد على قدرتك على تجاهل إشعارات الهاتف، اضبط أدوات حظر التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي خلال ساعات العمل، لتجنب الإغراء من الأساس.

بدلاً من انتظار الحافز النفسي للادخار، فعّل التحويلات المالية التلقائية إلى حسابات الاستثمار والتقاعد، بحيث يصبح الادخار إجراءً منتظماً لا يتطلب قراراً جديداً كل شهر.

ويطلق مير على هذه الممارسات اسم «القيود المختارة»، وهي مجموعة من الحدود والحواجز الوقائية التي يضعها الشخص لنفسه بإرادته، بدلاً من أن يفرضها عليه الآخرون.

والهدف منها ليس تقييد الحرية، بل تسهيل الالتزام بالقرارات التي اتخذها الشخص بالفعل، ومساعدته على تحقيق تغيير حقيقي، ومستدام.

أولاً: صمّم بيئتك لتجعل الخيارات الجيدة أسهل

يمكن للبيئة المحيطة أن تعمل لمصلحتك، أو ضدك، حتى من دون أن تنتبه إلى تأثيرها في قراراتك اليومية.

فكّر في عدد المرات التي يتحدد فيها سلوكك بناءً على سهولة الوصول إلى شيء ما، أو صعوبته.

إذا كان حذاء الجري مدفوناً في أعماق خزانة الملابس، فقد يصبح الاستعداد لممارسة الرياضة أكثر صعوبة، ما يزيد احتمال التخلي عنها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُعرف بـ«القيود البيئية» التي تقوم على إعادة ترتيب المساحات والأدوات المحيطة بك، بحيث تصبح السلوكيات المفيدة سهلة التنفيذ، بينما تتطلب العادات التي تريد الحد منها جهداً إضافياً.

واللافت أن تطبيق هذه الفكرة لا يحتاج بالضرورة إلى تغييرات كبيرة؛ فقد تكفي بضع دقائق من إعادة التنظيم لإحداث فرق ملموس.

ويورد مير مثالاً لامرأة عاملة تحذف جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفها، بحيث لا تستطيع استخدامها إلا من خلال تسجيل الدخول عبر جهاز الكمبيوتر المكتبي.

هذا العائق البسيط لا يمنعها تماماً من الوصول إلى تلك المنصات، لكنه يجعل استخدامها يتطلب قراراً واعياً، بدلاً من فتحها تلقائياً، وتصفحها بلا هدف على مدار اليوم.

ويقدم الكاتب مثالاً آخر من تجربته الشخصية، إذ أزال البطاريات من جهاز التحكم عن بُعد الخاص بالتلفاز، ووضعها في مكان بعيد، في الطرف الآخر من المنزل.

وبذلك لم يعد تشغيل التلفاز فعلاً تلقائياً يمكن القيام به بضغطة زر؛ بل أصبح يتطلب النهوض والذهاب لإحضار البطاريات، وهو ما يمنحه فرصة للتفكير فيما إذا كان يريد المشاهدة فعلاً.

وتستند هذه الطريقة إلى حقيقة بسيطة: إننا نميل عادةً إلى اختيار المسار الأقل مقاومة.

ولذلك عندما تصمم هذا المسار عن قصد، يمكن أن تدفعك البيئة المحيطة نحو قرارات أفضل، من دون الحاجة إلى استنزاف قوة إرادتك في كل مرة.

القيود الزمنية تخلق شعوراً بالإلحاح يساعد على اتخاذ القرار والبدء في التنفيذ (بيكسلز)

ثانياً: استخدم القيود الزمنية لزيادة الإنتاجية

لا تقتصر فائدة القيود المختارة على تعديل البيئة المادية، بل يمكن تطبيقها أيضاً على الطريقة التي ننظم بها وقتنا.

فعندما لا يكون للمهام موعد نهائي واضح، قد تستمر إلى أجل غير محدد، بينما تبقى بعض المشاريع عالقة في مرحلة «شبه منتهية» لفترات طويلة.

وهذه الفكرة تتفق مع «قانون باركنسون»، الذي ينص على أن العمل يتمدد ليشغل كامل الوقت المتاح لإنجازه.

ويشير مير، بروح من الدعابة، إلى أنه لا يزال ينتظر الوقت المناسب لتنظيم صوره الرقمية التي التقطها عام 2019، مضيفاً أنه ربما ينجز هذه المهمة في يوم من الأيام.

ويعكس هذا المثال مشكلة مألوفة: عندما لا يوجد موعد محدد لإنجاز مهمة ما، يصبح تأجيلها أسهل، حتى لو لم تكن معقدة.

أما القيود الزمنية، فتخلق شعوراً بالإلحاح يساعد على اتخاذ القرار، والبدء في التنفيذ، ويحد من الميل إلى إطالة العمل، أو تأجيل الانتهاء منه.

ومن الأمثلة على ذلك مدير تنفيذي يحدد مدة الاجتماعات بـ45 دقيقة بدلاً من الساعة المعتادة.

فوجود وقت أقصر يدفع المشاركين إلى التركيز على الموضوعات الأساسية، وتجنب الاستطراد، والوصول إلى القرارات بصورة أسرع.

ويطبق مير المبدأ نفسه في نشرته البريدية التي تحمل اسم «System Sunday»، أو «نظام الأحد».

فاسم النشرة يفرض عليه موعداً نهائياً ثابتاً للنشر، هو يوم الأحد من كل أسبوع؛ إذ إن إصدارها في يوم آخر سيجعل اسمها يفقد معناه.

ثالثاً: استفد من القيود الاجتماعية لتعزيز الالتزام

هناك نوع آخر من القيود لا يتعلق بالمكان، أو الوقت، بل بالأشخاص الذين نحيط أنفسنا بهم.

فمن أقوى الدوافع التي قد تشجع الإنسان على الوفاء بالتزاماته رغبته في عدم خذلان شخص آخر يعتمد عليه، أو يتابع تقدمه.

وتستفيد «القيود الاجتماعية» من هذا الدافع عبر إشراك أشخاص موثوقين في متابعة الأهداف والخطط، بما يعزز الشعور بالمسؤولية، ويجعل التراجع عن الالتزام أقل سهولة.

ويستشهد مير بالممثل هيو جاكمان، الذي يتبع عادة صباحية تقوم على كتابة وصف ليومه المثالي بصيغة توحي بأنه قد حدث بالفعل.

فقد يكتب على سبيل المثال: «قضيت أنا وابني اليوم أفضل ساعة معاً ونحن نضحك...».

وبعد كتابة هذا الوصف، يرسله جاكمان إلى مدربه المتخصص في تطوير العقلية والأداء الذهني.

ويقول جاكمان في تفسيره لهذه الممارسة: «نحن جميعاً بحاجة إلى أن نكون مسؤولين أمام شخص ما».

وبالطبع لا يمتلك الجميع مدرباً خاصاً لمتابعة أهدافهم، لكن يمكن تطبيق المبدأ نفسه بطرق أبسط وأكثر ملاءمة للحياة اليومية.

فإذا كنت تستعد للمشاركة في سباق ماراثون، على سبيل المثال، يمكنك إرسال خطة تدريبك اليومية إلى صديق تثق به كل صباح.

وعندما يسألك ذلك الصديق في نهاية اليوم: «كيف سارت الأمور؟»، يصبح لديك حافز إضافي لتنفيذ الخطة، لأن التزامك لم يعد أمراً تحتفظ به لنفسك فقط.

ولا يتعلق الأمر هنا بالخوف من انتقاد الآخرين، بقدر ما يتعلق بخلق شكل من أشكال المساءلة الإيجابية التي تساعد على الاستمرار، خصوصاً في الأيام التي يتراجع فيها الحماس.

لكن احذر... إعلان أهدافك للجميع قد يأتي بنتائج عكسية

رغم أهمية الدعم الاجتماعي، فإن مشاركة الأهداف لا تكون مفيدة دائماً، وقد تؤدي أحياناً إلى نتائج معاكسة لما تتوقعه.

ويشير مير إلى أبحاث أظهرت أن الإعلان العلني عن بعض الأهداف قد يقلل احتمالات تحقيقها في ظروف معينة.

ويعود أحد التفسيرات المحتملة لذلك إلى أن الحديث عن الهدف والحصول على استحسان الآخرين قد يمنحان الشخص شعوراً مبكراً بالإنجاز، حتى قبل أن يبدأ العمل الفعلي لتحقيقه.

وهذا الشعور قد يضعف الدافع إلى بذل الجهد المطلوب، لأن جزءاً من المكافأة النفسية المرتبطة بالنجاح يتحقق بمجرد الإعلان عن النية.

ولهذا لا ينصح الكاتب بمشاركة الأهداف مع الجميع، بل اختيار الأشخاص الذين يمكنهم تقديم دعم حقيقي، ومتابعة عملية.


نجاح عملية فصل التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى»

الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» قبل بدء العملية (واس)
الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» قبل بدء العملية (واس)
TT

نجاح عملية فصل التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى»

الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» قبل بدء العملية (واس)
الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» قبل بدء العملية (واس)

نجح الفريق الطبي والجراحي التابع لـ«البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، (الخميس)، في فصل التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» وعمرهما (13) شهراً، في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني في الرياض، وذلك إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.

وأوضح المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج الدكتور عبد الله الربيعة في تصريح صحافي أن التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» قدمتا إلى السعودية في 24 أبريل (نيسان) 2026م، وبعد دخول التوأم إلى مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال، قام الفريق الطبي بإجراء فحوصات دقيقة ومتعددة لهما، وعقد عدة اجتماعات توصل من خلالها إلى أن التوأم تلتصقان في منطقتي الصدر، والبطن، وتشتركان في أغشية القلب، والكبد، والأمعاء.

والد التوأم الملتصق المغربي قبل إجراء العملية (واس)

وبيّن أن الفحوصات كشفت عن وجود مشكلة في الحنجرة لدى إحدى التوأمين، مما استدعى إجراء منظار، وعلاج العيب الخلقي عن طريق المنظار.

وأشار الدكتور الربيعة إلى أنه من المقرر أن تجرى العملية على (6) مراحل، وتستغرق نحو (10) ساعات، ويشارك فيها 23 من الاستشاريين، والاختصاصيين، والكوادر التمريضية، والفنية من تخصصات التخدير، وجراحة الأطفال، وجراحة التجميل، وبقية التخصصات المساندة، مشيراً إلى أن هذه العملية تعد من العمليات الدقيقة، ونسبة نجاحها -بمشيئة الله- تزيد على 70 في المائة.

ولفت النظر إلى أن هذه العملية تعد الرابعة لتوائم ملتصقة من المغرب، وهي رقم (73) ضمن البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة الذي استطاع منذ عام 1990م أن يعتني بـ(159) توأماً من (28) دولة في (5) قارات.

ورفع الدكتور الربيعة باسمه ونيابة عن زملائه أعضاء الفريق الطبي الشكر والتقدير والامتنان لخادم الحرمين الشريفين، وولي العهد على ما يحظى به البرنامج من دعم، واهتمام، ومتابعة مستمرة، سائلاً المولى أن يمنّ على التوأم المغربي بالصحة، والعافية.


شربل جرجس يُدير ظهره للمواجهة في «غير مرحَّب»

شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)
شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)
TT

شربل جرجس يُدير ظهره للمواجهة في «غير مرحَّب»

شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)
شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)

هناك شيء غير مألوف في بورتريهات شربل جرجس. الأشخاص موجودون بكامل أجسادهم تقريباً، وبعضهم يحتلّ مساحة كبيرة من اللوحة، ومع ذلك يغيب العنصر الذي اعتدنا أن يمنح البورتريه هويته، الوجه. امرأة على أريكة ورجل على كرسي، في جانبهما أمّ بين طفليها وامرأة يُجاورها كلب. وهناك أجساد في غرف ومطابخ ومساحات منزلية. جميعهم يديرون ظهورهم إلينا. تبدو الاستدارة في معرض «غير مرحَّب» فعلاً يتجاوز الاختيار التشكيلي، لتصبح طريقة في الوجود، وربما طريقة في الاحتمال.

الظهر قد يكون اعترافاً مؤجَّلاً (الشرق الأوسط)

المعرض الفردي للفنان اللبناني المولود عام 1995، يُقام في «آرت سِين غاليري» بمنطقة الجميزة البيروتية، ويجمع سلسلة من اللوحات الزيتية التي أنجز معظمها عام 2026. يعمل جرجس بين الواقعية والتجريد، وتتوزَّع تجربته بين الرسم والتجهيز والفيديو والتصوير، بينما ينشغل بالحالات الداخلية للإنسان، وبما يفعله المرء حين تصبح مواجهة نفسه أثقل من أن يحتملها.

يكتب الفنان في نصّ المعرض أنّ المواجهة كانت دائماً أمراً صعباً بالنسبة إليه، ويصف «اللامواجهة» بأنها السِّمة الأساسية للأعمال. الشخصيات التي يرسمها موجودة في مساحات مُغلَقة، من دون أُفق أو حدث ينتظرها. أمامها «حائط مسدود»، وما يحاول التقاطه هو الانزعاج واللامبالاة و«رحلة هروب هادئ».

ثمة أشياء نعيش معها من دون أن ننظر إليها (الشرق الأوسط)

المفارقة الجميلة في السلسلة أنّ الهروب يتحوَّل إلى مواجهة. الشخصيات تهرب من عين المتلقّي، بينما يضعها الرسام أمامه طويلاً كي يرسمها. والوجه المحجوب يجعل النظر أشدَّ إلحاحاً، لأنّ العين تبحث غريزياً عمّا حُرمت منه. بذلك تتغيَّر وظيفة البورتريه. جرجس يرسم أشخاصاً من دون أن يمنحنا امتياز معرفتهم. الملامح التي كان يُفتَرض أن تُعرِّف الفرد تُستَبدل بظهره وانحناءة كتفيه وجلسته وشَعره وثيابه، وبالأشياء المُحيطة به. يصبح الغياب مادةً للصورة.

حتى من الخلف... يُعرَف الحضن (الشرق الأوسط)

وتبدو الجدران شديدة الأهمية. في لوحات كثيرة، يجلس الشخص قبالة مساحة تنتهي سريعاً، أو يستقرّ داخل غرفة تبدو مُكتفية بحدودها. أبواب ومقابس كهرباء وأثاث منزلي وطاولات وكراسي وأرائك، أشياء مألوفة إلى درجة أننا نكاد نتوقَّف عن رؤيتها. لا نافذة تقود العين بعيداً، ولا امتداد بصري يمنح الجسد وعداً بالخروج. المكان الذي نتوقَّع أن يُوفّر الألفة يتحوَّل بهدوء إلى حدّ. وحتى حيث تظهر النباتات أو الألوان الأكثر حيوية، يبقى الجسد مستديراً إلى الداخل، كأنّ الخارج فَقَدَ قدرته على استدعائه.

الاستدارة لا تمحو ما بقي وراءها (الشرق الأوسط)

الاستدارة تحتمل طبقة نفسية أعمق من الامتناع عن التواصل مع الآخر. هناك أشياء في الإنسان يصعب النظر إليها مباشرةً، فيتعلَّم العيش إلى جوارها. يؤجّلها ويدير لها ظهره، ويجلس أمام حائطه الخاص. لذلك اختار جرجس لحظات عادية، خالية من البطولة والحدث. الحياة الداخلية الثقيلة لا تحتاج دائماً إلى انفجار لتظهر. قد تسكن ظَهْراً منحنياً قليلاً أو امرأة أمام جدار، أو شخصاً جالساً وحده وسط أثاث بيته.

حتى وجود الأُم مع طفليها لا يكسر هذا القانون البصري. القُرب الجسدي حاضر، لكنّ الوجوه مُستَبعدة. وفي لوحة المرأة والكلب، يُوجّه الحيوان انتباهه نحوها بينما تظلُّ هي مستديرة عنا. كأنّ الفنان يضع درجات مختلفة من الصلة داخل عالم قرَّر حجب أهم أداة للتعارُف البشري. الآخر موجود، الحميمية مُمكنة، ومع ذلك يبقى جزء من الإنسان عصياً على الوصول.

لكلٍّ جدارٌ يعرفه جيداً (الشرق الأوسط)

ينتهي نصّ جرجس بعبارة مقتضبة، «إلى أبي...»، بعد كلام طويل عن الوجه الذي أمامه ولا يستطيع رؤيته، وعن النظر والهروب إلى الخلف والأمام. لا يتيح الكاتالوغ الجزم بأنّ الأب هو المفتاح التفسيري المباشر لكلّ اللوحات، وسيكون اختزال التجربة في الفَقْد تعسّفاً. لكنّ الإهداء يسمح بقراءة أكثر حميمية لفكرة الوجه الغائب. الموت يجعل المواجهة مستحيلة بصورتها الحرفية. يُصبح الوجه موجوداً في الذاكرة وغائباً عن العين، وتُصبح أشياء كان يمكن قولها أو رؤيتها أو حسمها جزءاً من منطقة يتعذَّر الرجوع إليها.

أمام الحائط تنتهي المسافة ويبدأ الداخل (الشرق الأوسط)

«غير مرحَّب» معرض عن المسافة التي نصنعها بيننا وبين ما يؤلمنا. عنوانه يترك إحساساً بأنّ ثمة شيئاً مطروداً من المجال المرئي، شخصاً أو ذكرى أو شعوراً داخلياً. وفي اقتباس إميل سيوران الذي يفتتح به الفنان نصّه، يحضر الإنسان ناجياً يُحاول النسيان، قبل أن تبدأ سلسلة الوجوه التي يعجز الرسّام عن رؤيتها.

تعتمد السلسلة على تكرار صارم للفكرة، وقد يصبح هذا التكرار قيداً حين يستبق المتلقّي آلية اللوحة التالية. لكنّ جرجس يجعل هذا النمط إيقاعاً مقصوداً. تتراكم اللامواجهة حتى تكفَّ عن كونها وضعيّة جسدية. تصبح حالة ذهنية. فالجدار الذي يحدُّ نظر الشخصيات لا يبقى داخل اللوحة طويلاً. بعد عدد من الأعمال، يبدأ المتلقّي بالتفكير في الجدران التي يحملها معه.