عَلَم المملكة... تاريخ يرفرف بالهوية السعودية الراسخة

يمثل عمق الدولة والقيم والمبادئ التي قامت عليها

عروض عسكرية احتفالاً بالعلم السعودي خلال العام 2023 (وزارة الثقافة السعودية)
عروض عسكرية احتفالاً بالعلم السعودي خلال العام 2023 (وزارة الثقافة السعودية)
TT

عَلَم المملكة... تاريخ يرفرف بالهوية السعودية الراسخة

عروض عسكرية احتفالاً بالعلم السعودي خلال العام 2023 (وزارة الثقافة السعودية)
عروض عسكرية احتفالاً بالعلم السعودي خلال العام 2023 (وزارة الثقافة السعودية)

في كل خفقة للراية الخضراء، تعيد قصة العلم سرد حكاية وطن تأسس على التوحيد وانطلق نحو المجد فكان علمه شاهداً على عزته، ورمزاً لا يُطوى في صفحات النسيان، فأعلام الدول ليست مجرد رايات ترفع، والعلم السعودي ليس مجرد رمز للدولة؛ بل تجسيد لهويتها وروحها.

في يوم العلم لا يحتفي السعوديون بقطعة من القماش؛ بل يحتفون بوطنٍ آمن أن القوة تكمن في وحدته، وأن الخلود يُكتب لمن يجعل من الراية رسالة؛ كونها قسم الولاء، وتاريخ الأجداد، وأمانة الأحفاد، التي لا تسقط أبداً لأنها رفعت في القلوب قبل أن ترفرف في السماء.

يتميز علم المملكة العربية السعودية بلونه ودلالاته ومضامينه، ويمثل القيم والمبادئ التي قامت عليها الدولة، ويجسد عمقها التاريخي وهويتها العربية الإسلامية، وظل هذا العلم واصلاً ورابطاً بين مراحل الدولة السعودية منذ تأسيسها قبل ثلاثة قرون، ودالاً على امتدادها واستمراريتها.

لكن السؤال لماذا أصدر الملك عبد العزيز أمره يوم 11 مارس (آذار) 1937 بالموافقة على قرار مجلس الشورى بتوحيد مقاس وشكل العلم، وهو الشكل الذي نراه اليوم، وما التطورات التي نشأت وتزامنت مع إقرار علم البلاد بشكله الحالي، وما علاقة العلم بشعار الدولة ونشيدها الوطني؟

فقد ورد في مشروع نظام علم الدولة وشعارها ونشيدها الوطني الذي درسه مجلس الشورى السعودي، لكنه لم يصدر رسمياً بعد: أن «العلم والشعار والنشيد رموز وطنية يجب احترامها وصونها والمحافظة عليها وحمايتها من التعدي».

لكن ما يثير الاستعجاب أن تاريخ شعار الدولة وتطوراته - ورغم أهميته - يُعد مما لم تمسه أقلام المؤرخين أو تتداركه بحوث الباحثين أو دراساتهم، الأمر الذي ولّد اجتهادات خاطئة عن تاريخ هذا الشعار وبداية استخدامه.

يرمز شعار الدولة عادة لهويتها الوطنية والسياسية ويُستمد من تاريخها وتراثها الحضاري ويكون علامة دالة عليها.

حتى النشيد الوطني السعودي، ونقصد به هنا السلام الملكي (موسيقى وكلمات)، وتاريخ نشأته وتطوراته، يعتريه اللبس كذلك، وتساق روايات غير موثقة عن بداياته والمراحل التي مر بها.

شعار الدولة... التاريخ والبداية

سنحاول هنا تتبع الحقائق واستجلائها من خلال الوثائق والمصادر التاريخية المتاحة، التي لم تُشر صراحة إلى وجود شعار خاص بالدولة في بدايات عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، لكن إضافة السيفين المتقاطعين على العلم، ثم استخدامه بتطبيقات متعددة، منها استخدامه بإضافة علمين على السيفين، مثلما ظهر في وثيقة تأسيس إدارة المطبوعات والمخابرات (أمر ملكي) صدر على مطبوعات (الديوان السلطاني) عام 1926. ثم استخدام السيفين على العملة النقدية عام 1927 مع إضافة نخلتين على الجانبين، وصدر الشعار ذاته على طوابع ذكرى الجلوس الملكي في يناير (كانون الثاني) 1930.

شعار المملكة كما ظهر في مختلف الطوابع (الشرق الأوسط)

 

النخلة تظهر كشعار في الريال السعودي (الشرق الأوسط)

مع الإشارة إلى استمرار استخدام السيفين المتقاطعين والنخلتين على النقود التي صدرت بعد ذلك التاريخ، لكن الواضح أن ذلك الشعار لم يكن متداولاً على نطاق واسع سواءً على الأختام الحكومية أو المطبوعات الرسمية خلال تلك السنوات، مع ذلك يمكن عده أول شعار رسمي للدولة.

وبعد إعلان توحيد البلاد عام 1932، واستكمال عدد من الأنظمة والإجراءات التي تعزز وحدة الدولة واستقراراها، وضمن الخطوات التي اتخذها الملك عبد العزيز لترسيخ الهوية الجامعة وتعزيز الانتماء الوطني، وصهر المجتمع الذي وحده من أقاليم ومكونات متعددة في الكيان الكبير (المملكة العربية السعودية) ولعدة أسباب أخرى، تم توحيد شكل ومقاس العلم، وتزامن مع ذلك القرار أو سبقه، أي في عام 1937، اعتماد السيفين والنخلة شعاراً للدولة.

يقول المستشار والوزير السعودي فؤاد حمزة في الطبعة الأولى من كتابه «البلاد العربية السعودية» الصادرة في شهر فبراير (شباط) 1937 وقبل أقل من شهر من صدور أمر الملك عبد العزيز باعتماد شكل العلم الحالي، وتحت عنوان «العلم العربي والشعار»: «للمملكة العربية السعودية علم واحد هو علم صاحب الجلالة الملك، الذي هو علم الجهاد المؤلف من أرضية خضراء عليها سيفان متقاطعان فوقهما جملة (لا إله إلا الله محمد رسول الله. أما الشعار فإنه مؤلف من سيفين متقاطعين بينهما نخلة». وتعد هذه السطور أول توثيق مكتوب عن شعار الدولة، ومنه نستنتج أن اعتماد السيفين والنخلة شعاراً للسعودية تم قبل اعتماد شكل العلم الحالي، وهذا يدل على عدم صحة القول إن شعار السيفين والنخلة تم اعتماده عام 1950، وهو ما يُتداول رواية وفي كثير من المواقع اليوم.

وبتتبع السيفين والنخلة شعاراً للدولة، وجدنا أنه ظهر على ختم لمديرية الشرطة العامة في عام 1938، وعلى وثائق أخرى في السنوات التي تلت، كما ظهر على مطبوعات زيارة الملك عبد العزيز لمصر عام 1946، وعلى مطبوعات رسمية عام 1948، وعلى مطبوعات لوزارة الخارجية عام 1949. كما تصدر الشعار الصفحة الأولى من العدد الممتاز الذي أصدرته جريدة أم القرى بمناسبة ذكرى مرور خمسين عاماً على دخول الملك عبد العزيز الرياض الصادر يوم 4 شوال 1369هـ - 19يوليو (تموز) 1950.

تطورات الشعار في مختلف "الترويسات" الرسمية

 

تطورات الشعار في مختلف "الترويسات" الرسمية

 

تطورات الشعار في مختلف "الترويسات" الرسمية

لكن الملاحظ أنه لم يكن هناك أي شعار على مطبوعات جميع الدوائر الرسمية خلال تلك السنوات وما بعدها، إذ كان يكتفى بـ«المملكة العربية السعودية» واسم الجهة: كديوان جلالة الملك، أو وزارات المالية أو الدفاع، أو غيرها من الجهات.

كما أننا لم نعثر على أي نص نظامي يُفَصّل في ماهية شعار الدولة ومقاسه وتطبيقاته واستخداماته، وكانت أول إشارة له في أنظمة الدولة ما ورد في المادة الثانية من نظام العلم الصادر عام 1973 في وصف علم جلالة الملك ونصها:

«يكون لجلالة الملك علم خاص يُطابق العلم الوطني في أوصافِه ويُطرَّز في الزاوية الدُنيا مِنه المجاورة لعود العلم بخيوط حريرية مُذهبة شعار الدولة، وهو السيفان المُتقاطِعان تعلوهما نخلة».

صورة توضيحية لعلم الملك إذ يضاف أسفل العلم بخيوط حريرية مُذهبة شعار الدولة (الشرق الأوسط)

ثم نصت المادة الرابعة من النظام الأساسي للحكم الصادر عام 1992 على:

«شعار الدولة سيفان متقاطعان، ونخلة وسط فراغهما الأعلى، ويحدد النظام نشيد الدولة وأوسمتها»، وهنا أتت أول إشارة نظامية للنشيد الوطني.

فصيل الدمام والموسيقى العسكرية

للعلم ارتباط بالموسيقى العسكرية التي تعزف تحيته ونشيده ويتقدمها في المناسبات والاستعراضات، وهنا يتبادر سؤال عن بدايات وجود الفرقة العسكرية الموسيقية، إذ يرى الإعلامي والمؤرخ السعودي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي أن «الموسيقى العسكرية كانت موجودة في الحجاز منذ العهدين العثماني والهاشمي، تستخدم في المناسبات الرسمية والعروض العسكرية، معتمدة بشكل رئيسي على الطبول والأبواق...»، بينما يشير المدير العام السابق للشؤون العامة في القوات المسلحة السعودية اللواء عقيل بن ضيف الله القويعي أنه نحو عام 1933 تأسست في مقر الجيش المسمى القشلة بحي جَرْوَل في مكة المكرمة فرقة باسم «فصيل الدمام» نسبة إلى صوت الدُم (الضرب على الطبل)، وكانت الفرقة تستخدم الطبول والأبواق والبوزات، ثم طورت وكالة الدفاع (قبل تحولها إلى وزارة) الفكرة وأسست فصائل أخرى بالاسم نفسه في الرياض والمدينة المنورة وجدة وأبها والأحساء.

ونحو عام 1948 تم استقدام خبير موسيقي من السودان يدعى أحمد محمود لتدريبهم وتطوير أدائهم، وتؤكد مصادر أخرى أنه تزامنت عودة الجيش السعودي من حرب فلسطين مع استقدام فرقة موسيقية حديثة بقيادة الموسيقي المصري أمين مرسي، فجرى توحِيد فصائل الدمام فيها، وبذلك تشكلت فرقة موسيقية عسكرية حديثة في عام 1950.

كان تأسيس تلك الفرقة تحولاً مهماً في تاريخ الموسيقى السعودية عموماً، إذ نقلت الموسيقى العسكرية من الطبل والبوق إلى الآت النحاسية ونقلت الأغنية السعودية من الربابة والعود إلى الآلات الوترية والايقاعية. ثم اختير النقيب في الجيش آنذاك طارق عبد الحكيم، الذي كان لديه ميل للموسيقى والغناء لدارسة الموسيقى وابتعث إلى مصر نحو عام 1951، وإثر عودته من مصر تأسست عام 1953 أول مدرسة لموسيقى الجيش، وذلك ضمن منظومة المدارس العسكرية التي تأسست في الطائف. تم كل ذلك بدعم واهتمام من وزير الدفاع آنذاك الأمير منصور بن عبد العزيز. انتقلت المدرسة في عام 1963 إلى الرياض، وتشكلت بعد ذلك إدارة موسيقات القوات المسلحة، وأنشئ معهد موسيقى القوات المسلحة الذي كانت نواته المدرسة ولا زال إلى اليوم يخرج دفعات من الموسيقيين العسكريين ويمد القطاعات العسكرية بخريجيه.

وخلافاً لما يُتصور، فللموسيقى العسكرية أدوار حربية عدا دورها في السلم، وللجيش نشيده الخاص وكذلك لكل قوة من قواته.

وعن بث مقطوعات موسيقى الجيش عبر الإذاعة لأول مرة يروي الأديب والتربوي السعودي أحمد علي الكاظمي أنه في شهر فبراير 1950: «أذاعت محطة جدة تسجيلاً خاصاً عن وصول جلالة الملك للرياض ولأول مرة يذاع من محطة جدة موسيقى الجيش التي كانت تصدح الأناشيد».

وقال إنه في الشهر ذاته أقيم عرض عسكري في جدة لاستقبال الجيش السعودي العائد من حرب 1948 «ووقفت الموسيقى وفرقتها تصدح بأنغامها وطبولها ومزاميرها مدة استمرار العرض...»، وكأن الكاظمي هنا يشير إلى الفرقة التي تشكلت وقتذاك.

النشيد الوطني... اللحن والكلمات

أما عن النشيد الوطني، فلم ترد أي إشارة عنه، أو حتى بمسمى السلام الملكي في أي من المصادر التاريخية التي تم البحث فيها قبل عام 1946، وكانت أولى المرات التي يُنشر فيها عن السلام أو النشيد الملكي السعودي ضمن برنامج زيارة الملك عبد العزيز لمصر في شهر يناير 1946 الذي أعدته التشريفات الملكية المصرية، وحسبما ورد في برنامج الزيارة، يُعزف (السلام الملكي السعودي) عند وصول الملك عبد العزيز إلى سطح اليخت الملكي (محروسة) أثناء رسوه في ميناء جدة.

في غياب أي رواية أخرى يترجح أن المرة الأولى التي عزف فيها السلام الملكي السعودي أمام الملك عبد العزيز عند نحو الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الاثنين 7 يناير 1946. وتكاد تجمع الروايات على أن ملحن السلام الملكي هو الموسيقي المصري عبد الرحمن محمود كامل الخطيب، يؤكد ذلك وجود وثيقة مؤرخة في عام 1950 وهي نسخة من النوتة الموسيقية للسلام الملكي السعودي كتب في أسفلها (تأليف: عبد الرحمن الخطيب).

لكن التساؤلات التي تُطرح ليست عن الخطيب كملحن، إنما مَن هي الجهة التي كلفت الخطيب؟ ثم كيف لحَّن الخطيب السلام الملكي؟ وأيضاً هل لحنه دون كلمات أم كانت هناك كلمات؟ كل هذه الأسئلة ظلت دون إجابات أو لم تُسأل أساساً! لذا غابت معلومات دقيقة ومهمة، وغدت المعلومات المتداولة عن هذا الموضوع ناقصة ومتناقضة.

فمما يتداول أن الخطيب وضع لحناً بالبوق فقط دون نوتة موسيقية. فأولاً الخطيب موسيقار وأستاذ للموسيقى وليس ملحناً عادياً، ومن اختاره يعرف إمكاناته وقدراته، ولا يتصور أنه وضع اللحن دون نوتة، لأن السلام الملكي السعودي عزفته فرق مختلفة خلال تلك السنوات، فعدا الفرق الموسيقية المصرية التي عزفته أثناء الزيارة الملكية لمصر، تؤكد المصادر الرسمية عزفه من قبل فرقة عسكرية أميركية على ظهر بارجة أميركية خلال شهر أبريل (نيسان) 1948 في ميناء رأس تنورة أثناء زيارة ولي العهد (الأمير) سعود للأسطول الأميركي مما يؤكد وجود النوتة، كما عزفته فرقة موسيقى الجيش في الطائف أثناء حفل تخرج طلاب المدارس العسكرية تحت رعاية الأمير منصور وزير الدفاع في شهر مارس 1949، كما عُزف خلال العرض العسكري الذي أقامه الجيش السعودي أمام الملك عبد العزيز بساحة القصر الملكي بمكة المكرمة خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1949، وهذا كله قبل صدور النوتة الموسيقية التي أشرنا لها، وتاريخها 15 فبراير 1950.

أما عن وجود الكلمات، ففي برنامج الزيارة الملكية لمصر ظهرت عبارة «النشيد الملكي» وكذلك «السلام الملكي»، مما يوحي بوجود كلمات، وجاءت أكثر وضوحاً في حفل استقبال الملك عبد العزيز في جدة عند عودته من مصر يوم الجمعة 25 يناير 1946، إذ كان هناك فقرة في برنامج الحفل بالنص الآتي: «ينشد تلامذة المدارس المصطفون أمام بهو الاستقبال النشيد الوطني...»، وهنا الإشارة واضحة إلى أن هناك نشيداً، أي كلمات.

أما في احتفال نادي ضباط الجيش في الطائف لتكريم ولي العهد الأمير (سعود) خلال شهر أكتوبر 1952، فجاء في نص الخبر الرسمي المنشور عن المناسبة: «تشنفت الآذان بسماع النشيد الملكي من تلاميذ المدرسة العسكرية مقترناً بتوقيع موسيقى الجيش». وهنا العبارة جلية بأن هناك كلمات ولحناً. لكن يبقى السؤال أين هذه الكلمات ومن كتبها؟

يتضح مما سبق أنه كان هناك نشيد يؤدى مع السلام الملكي، ولكن تبقى الاحتمالات أن ذلك النشيد لم يعد يناسب المرحلة فرؤي تغييره، أو أنه حصل تعديل موسيقي على اللحن

فتوقف استخدام الكلمات ولم يتوفر البديل المناسب، فاستمر الحال دون اعتماد نشيد رسمياً حتى عام 1984 كما سيرد معنا تفصيلاً.

عبد الرحمن الخطيب (الشرق الأوسط)

يؤيد هذه الاحتمالات ما تردد في عدة مصادر أن الفنان طارق عبد الحكيم هو من أعاد توزيع اللحن، وأن الشاعر محمد طلعت كتب نشيداً مصاحباً للسلام الملكي تقول كلماته:

يعيش مليكنا الحبيب ... أرواحنا فداه حامي الحرم

هيا اهتفوا عاش الملك... هيا ارفعوا راية الوطن

اهتفوا ورددوا النشيد... يعيش يعيش يعيش الملك

وذكرت مصادر أن هذا النشيد أعد لحفل أقامه نادي ضباط الجيش بالطائف تحت رعاية الملك سعود في صيف عام 1958، وظل يُردد لسنوات، لكنه لم يعتمد رسمياً كنشيد وطني، ويؤيد ذلك الدكتور الشبيلي، كما يضيف: «أن هناك وثيقة صادرة من الإذاعة السعودية تعد عبد الرحمن الخطيب ملحناً وتعتبر طارق عبد الحكيم هو من قام بطبعه وتوزيعه موسيقياً».

وعلى أي حال يتضح أن هناك محاولات مبكرة وتسلسلاً تاريخياً لهذا الملف يمكن تلخيصه في الآتي:

في شهر يوليو 1949 أعلنت وزارة الدفاع عن مسابقة شعرية لكتابة «النشيد الملكي» و«نشيد العلم»، لكننا نجد أنه صدر في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه خطاب تكليف من مكتب وزير الدفاع للشاعر خير الدين الزركلي بوضع قصيدة باسم «النشيد الملكي»، ولا نعلم ماذا حصل مع الزركلي. لكن الأديب والشاعر السعودي عبد الله بن إدريس يقول عن مسابقة أخرى أجريت عام 1964 وفازت قصيدة الشاعر محمد بن علي السنوسي بنشيد الجيش بينما فازت قصيدة ابن إدريس نفسه بنشيد الملك ومطلعها:

من بلادي منبع المجد التليد... من شعاع النور من نفح الخلود

من ربى نجد ومن خفق البنود... مَلِكي ينمى إلى عز الجدود

وتلقى كل شاعر ألف ريال مكافأة من وزارة الدفاع.

إعلان مسابقة وزارة الدفاع الشعرية (الشرق الأوسط)

قبل ذلك يقول السفير والشاعر السعودي محمد الفهد العيسى إنه في أوائل عهد الملك سعود طلب منه عبد الرحمن الحميدي أحد كبار رجالات الديوان الملكي والمكتب الخاص للملك سعود كتابة نشيد وطني فكتب نشيداً مطلعه:

«ردد الزمن وانجلى الوسن... فليعش سعود لرفعة الوطن»

ولحنّه أيضاً وسجلته الإذاعة السعودية وأصبح يتكرر عبر أثيرها وكان هناك فكرة ليكون السلام الملكي لكنها لم تتم.

وهنا يشير العيسى إلى أن فكرة تغيير السلام الملكي كانت مطروحة، يؤيد ذلك روايات عن ترشيح عدد من الأغنيات الوطنية التي كان يتكرر بثها في الإذاعة خلال تلك السنوات لتكون هي النشيد الوطني، لكن أياً منها لم يعتمد رسمياً.

تلى ذلك في شهر يونيو (حزيران) 1968، تشكيل لجنة من وزارات الدفاع والطيران والمعارف والإعلام السعودي، ورفعت توصية بضرورة اختيار كلمات تناسب لحن السلام الملكي، وأصدر مجلس الوزراء موافقته على تلك التوصية بقراره رقم 1277 وتاريخ 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1973.

ثم رفعت وزارة الإعلام مقترحاً باعتماد نشيد وطني رسمي للمملكة العربية السعودية من خلال منافسة بين الشعراء، ووافق مجلس الوزراء على المقترح بموجب قراره رقم 1223 وتاريخ 10 يوليو 1976.

ويشير الدكتور الشبيلي إلى أنه وردت للوزارة مشاركات كثيرة وشكلت لتقويمها لجنة من الأدباء، لكن الأمر بقي معلقاً عدة سنوات أخرى، لأن المنافسة - وإن أتت بكلمات مقبولة - غير أنها كانت تتطلب الإتيان بلحن جديد، ويؤكد أنه جرت محاولات عدة لتغيير لحن السلام الملكي، وتمت الاستعانة بالفنان محمد عبد الوهاب لاختيار لحن آخر، لكن اللحن الذي تقدم به جاء طويلاً، فضلاً عن كونه مغايراً للحن تعودت عليه الأذن وألفه الناس، وعندما أجريت مسابقة لاختيار كلمات معتمدة ودائمة للسلام الملكي، كانت الفكرة تقوم على الإتيان بلحن جديد يتناسب مع الكلمات التي سيتم اختيارها. ويضيف أن الرأي استقر - مع اقتراب مشاركة المملكة في دورة لوس أنجليس الأولمبية عام 1984 - على الإبقاء على لحن السلام الملكي دون تغيير، وتكليف الشاعر الغنائي السعودي إبراهيم خفاجي بوضع كلمات تتلاءم معه موسيقياً، وقد شكلت لجنة وزارية لمراجعته. ويقول الشاعر عبد الله بن إدريس إن النص أحيل إليه لمراجعته شعرياً وإنه أدخل عليه بعض التعديلات بحيث صارت جميع كلماته فصيحة ووزنه مستقيماً من غير إخلال بعموميته المفصلة على اللحن القائم. وتقول كلمات النشيد:

سارعي للمجد والعلياء

مجدي لخالق السماء

وارفعي الخفاق أخضر

يحمل النور المسطر

رددي الله أكبر... يا موطني

موطني عشت فخر المسلمين

عاش الملك للعلم والوطن

وقد قام الموسيقار السعودي سراج عمر بإعادة توزيع لحن السلام الملكي ليتناغم مع الكلمات.

وهذا غيض من فيض، وهناك بالتأكيد وقائع لم نرصدها، وتساؤلات بقيت دون إجابات. لذا ومن كل ما تقدم يتضح أن شعار المملكة العربية السعودية ونشيدها الوطني، وقبل ذلك علمها الوطني، مروا بمراحل وتطورات تاريخية؛ لا زالت بحاجة إلى أبحاث جادة تنقب في أوراق التاريخ ووثائقه وتستجلي حقائقه وتجمع شتات المعلومات، فهذه الرموز الوطنية وغيرها من صفحات تاريخنا الوطني تستحق مزيدا من الاهتمام، من قبل الباحثين ودارسي التاريخ.


مقالات ذات صلة

العلم والنشيد... روح التاريخ السعودي وشجن المناسبات الوطنية

الخليج الملك سعود يتسلم العَلَم السعودي في إحدى المناسبات (واس)

العلم والنشيد... روح التاريخ السعودي وشجن المناسبات الوطنية

ارتبطت المناسبات السعودية المختلفة سواء الحملات العسكرية أيام التأسيس خلال مراحل الدولة المختلفة، أو المناسبات الوطنية على مدى 3 قرون، بحضور العَلَم السعودي.

بدر الخريف (الرياض)
الخليج راية الدولة السعودية الأولى وهي قطعة أصلية من مجموعة الطريّف (أرشيف عدنان الطريّف)

قصة باحث يمتلك 100 علم وراية نادرة من مراحل الدولة السعودية

في يوم العلم السعودي، يكشف الباحث عدنان الطريف قصته مع العلم والرايات التي جمعها وسر احتفاظه بالقكع النادرة منها.

بدر الخريف (الرياض)
الخليج الملك سلمان مقبّلاً العلم السعودي (واس) p-circle

العَلَم السعودي... حضور في المناسبات من الإمام محمد بن سعود إلى الملك سلمان

حضر العَلَم السعودي في مناسبات مختلفة، على مدى 3 قرون، وسجلت المصادر التاريخية أن الراية والبيرق المتعارف عليهما آنذاك كانا يحملان اللون الأخضر.

بدر الخريف (الرياض)
تحقيقات وقضايا راية الدولة السعودية الأولى وهي قطعة أصلية من مجموعة الطريّف (أرشيف عدنان الطريف)

الراية السعودية رمز الهوية الوطنية الجامعة على مدى قرون

يوافق، الاثنين، يوم العَلَم السعودي الذي أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً باعتماده في 11 مارس 1937، وأقرّ فيه مقاس العلم السعودي وشكله الحالي.

بدر الخريف (الرياض)
تحقيقات وقضايا العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى

العَلم بيرق الشرعية الدستورية السعودية ورايتها

تكتسب المناسبات الوطنية السعودية أهمية خاصة، خصوصاً لجهة تفرد العلم السعودي بشكله وتصميمه ودلالاته ومضامينه؛ فهو يعكس عمق الدولة وعراقتها.

بندر بن عبد الرحمن بن معمر (الرياض )

السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
TT

السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)

أدانت السعودية، الأحد، بأشد العبارات، استهداف ناقلة الغاز الطبيعي المسال «المايده»، التابعة لشركة «قطر لنقل الغاز»، في مياه الخليج العربي، مجددةً رفضها لكافة الانتهاكات التي تهدد أمن وسلامة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية.

وأكدت السعودية تضامنها مع قطر في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية ناقلاتها البحرية وسلامة تجارتها الدولية، مشددةً في بيان لوزارة خارجيتها على أهمية اتخاذ المجتمع الدولي للإجراءات العاجلة لضمان الأمن البحري وسلامة التجارة الدولية، وتطبيق القانون الدولي في هذا الشأن.

كما أدان مجلس التعاون الخليجي بأشد العبارات الاعتداء، وشدد جاسم البديوي، الأمين العام للمجلس، على أن استهداف ناقلات الطاقة يمثل تصعيداً خطيراً يمس أمن المنطقة، ويعرض الأرواح والممتلكات وحركة الاقتصاد العالمي للخطر.

وأكد البديوي أن الممرات البحرية يجب أن تظل آمنة أمام الملاحة والتجارة، محذراً من التبعات التي قد تنجم عن استهداف ناقلات الغاز، سواء على البيئة البحرية أو على انتظام تدفقات الطاقة واستقرار الأسواق، ومؤكداً ضرورة محاسبة مرتكبي هذا الاعتداء الآثم.

وجدد البديوي دعم المجلس للتدابير والإجراءات التي تتخذها قطر لصون مقدراتها وحماية ممتلكاتها، وفي مواجهة كل ما يهدد أمنها ومصالحها.

وكانت قطر قد أعلنت في وقت سابق تعرض ناقلة للغاز الطبيعي المسال للاستهداف في الخليج العربي، وأعربت وزارة الخارجية القطرية في بيان عن إدانة قطر واستنكارها «الشديدين» للهجوم الذي استهدف الناقلة أثناء إبحارها في الخليج العربي، وعدّته «عملاً خطيراً يهدد سلامة الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة العالمية».

وشددت الدوحة احتفاظها بحقها في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، وفقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لحماية ممتلكاتها وصون مصالحها وضمان سلامة سفنها وأطقمها، مشيرةً إلى أن الجهات المختصة قد شرعت في إجراء التحقيقات اللازمة للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه.

وحذرت الوزارة من خطورة هذه الممارسات العبثية وغير المسؤولة، وما قد يترتب عليها من تداعيات جسيمة على أمن المنطقة واستقرارها والاقتصاد العالمي، لا سيما المخاطر البيئية المحتملة الناجمة عن استهداف ناقلات الطاقة، وانعكاساتها الخطيرة على البيئة البحرية والأمن المائي لدول المنطقة.

وكانت شركة «قطر لنقل الغاز المحدودة» (ناقلات) قد أكدت أن ناقلتها للغاز الطبيعي المسال «المايده» تعرّضت لهجوم بأجسام مجهولة أثناء إبحارها في الخليج العربي مساء أول أمس الجمعة.

وقالت الشركة، في بيان نشرته البورصة القطرية على موقعها الإلكتروني: «لم يُصَب أيٌّ من أفراد الطاقم على متن السفينة، كما لم يُسفر الحادث عن أي تأثير على البيئة».

وأضافت أن «السفينة في وضع آمن وقادرة على التحكم بقدراتها، ويجري تقييم الآثار الناجمة عن الحادث»، مشيرة إلى أن «ناقلات» تواصل التنسيق المباشر مع السفينة وطاقمها، والجهات المعنية بالأمن البحري في المنطقة، لضمان سلامة الطاقم، وتتابع مستجدات الوضع عن كثب، مؤكدة أن سلامة كوادر الشركة وحماية البيئة والحفاظ على أصولها على رأس أولوياتها.


«حوار المنامة» يختتم أعماله بالدعوة إلى احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
TT

«حوار المنامة» يختتم أعماله بالدعوة إلى احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)

هيمنت المخاوف من تجدد الحرب مع إيران، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الترتيبات الأمنية الخليجية، على ختام منتدى «حوار المنامة 2026»، الأحد، وسط دعوات خليجية إلى احتواء التصعيد، وتعزيز الدفاع المشترك، وتحركات دولية لتطوير التعاون العسكري والاقتصادي لحماية الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.

وبينما دعت البحرين إلى إطار أمني إقليمي يظل مفتوحاً أمام إيران شريطة احترام السيادة والقانون الدولي، أعربت الإمارات عن أملها في تحقيق اختراق دبلوماسي يمنع مواجهة جديدة، مؤكدة استعدادها لأسوأ الاحتمالات. وشددت السعودية على أن حماية المضائق مسؤولية دولية مشتركة، بينما برزت توجهات فرنسية وبريطانية لتعزيز التنسيق البحري، واهتمام ياباني بتوسيع التعاون مع دول الخليج.

وقال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية»، إن أمن الخليج يجب أن يُصاغ بمشاركة دول المنطقة نفسها، داعياً إلى إطار إقليمي يقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل، وحرية الملاحة، ونبذ التهديد بالقوة.

وأكد أن هذا الإطار ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام جميع دول الجوار المستعدة للالتزام بهذه المبادئ، مضيفاً أن الباب «يبقى مفتوحاً، لإيران كما لغيرها، لكنه يفضي إلى القواعد لا إلى الاستثناءات، وإلى الأفعال لا إلى النوايا».

وكشف الزياني أن دول مجلس التعاون والأردن تعرضت خلال العام الحالي لما يقارب 7 آلاف هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ «كروز»، طالت منشآت مدنية واقتصادية، بينها مطارات وموانئ ومراكز بيانات.

وأشار إلى تعطل نحو 1600 سفينة في مضيق هرمز منذ اندلاع الأزمة، وتأثر أكثر من 23 ألف بحار بقيود الملاحة، محذراً من انعكاسات الاضطرابات على أسواق الطاقة وإمدادات الغذاء والدواء.

ودعا إلى آلية دولية لحماية الملاحة البحرية والجوية، وإقرار مبادئ تمنع استخدام المضائق والكابلات البحرية أدوات للضغط أو التهديد، مشيراً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي قدمته البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، وحظي بدعم 136 دولة.

كما أدان الهجمات الحوثية على السعودية، مؤكداً تضامن البحرين معها، ومحذراً من امتداد التهديدات إلى البنية التحتية الرقمية والكابلات البحرية ومراكز الذكاء الاصطناعي.

الإمارات تحذر من مواجهة جديدة

من جانبه، أعرب أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، عن أمله في نجاح المساعي الدبلوماسية الجارية لاحتواء الأزمة بين واشنطن وطهران.

وقال: «نأمل في حدوث اختراق دبلوماسي... لا نرغب في رؤية جولة أخرى من المواجهة»، مضيفاً: «مع ذلك، وكما أظهرنا في مناسبات سابقة، فإننا على استعداد للأسوأ».

وشدد قرقاش على أهمية الشراكات الإقليمية، والاندماج الاقتصادي، واحترام سيادة الدول، محذراً من استمرار دور الميليشيات المسلحة في تقويض الاستقرار، وداعياً إلى تجنب تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الصراعات الدولية.

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية (الشرق الأوسط)

السعودية: حماية المضائق مسؤولية دولية

وفي جلسة «الأمن البحري عند نقطة تحول حاسمة»، أكد الفريق البحري فهد بن عبد الله الغفيلي، نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية، أن التهديدات التي تواجه الممرات البحرية تمس مصالح جميع الدول، وتستوجب استجابة جماعية لحماية الملاحة والتجارة الدولية.

وشدد على رفض استخدام المضائق أدوات للضغط السياسي والعسكري، مؤكداً أن «الأمن البحري ليس مسؤولية دولة واحدة، والقوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون».

وأوضح أن الرؤية السعودية تقوم على احترام سيادة الدول، وضمان حرية الملاحة، ورفض الاعتداء على السفن المدنية والعسكرية، داعياً إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، والتنسيق الدولي، وتطوير آليات لخفض التصعيد قبل تحول التهديدات إلى أزمات.

وأكد أن حماية الممرات البحرية لا تعتمد على القدرات العسكرية وحدها، بل تتطلب الالتزام بالقانون الدولي، والتواصل بين الدول خلال الأزمات.

«مجلس التعاون»... التمسك بالدبلوماسية مع إيران

وفي موقف سعودي خليجي موازٍ، دعا جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون، المجتمع الدولي إلى إلزام إيران بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2817، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وقال البديوي، خلال مشاركته في «منتدى بوابة الخليج 2026» الاقتصادي الذي انعقد في المنامة بالتزامن مع ختام المنتدى الأمني، إن دول المجلس تمكنت من احتواء تداعيات الاعتداءات الإيرانية على قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، والحفاظ على استمرارية أنشطتها الاقتصادية.

وأكد أن التكامل الخليجي أصبح «ضرورة استراتيجية» لمواجهة الأزمات، مشيراً إلى جهود تطوير شبكات الربط والنقل والطاقة، وتعزيز التعاون الدفاعي والأمني.

تحركات فرنسية

وعلى صعيد الشراكات الدولية، عرض مسؤول عسكري فرنسي خلال جلسة الأمن البحري ملامح مبادرة متعددة الجنسيات، بالتعاون مع بريطانيا، لتعزيز حماية الملاحة في مضيق هرمز، تشمل التنسيق بين القوات البحرية، والاستعداد لاختبارات ميدانية للجاهزية.

وتهدف المبادرة، وفق التفاصيل التي عُرضت خلال المنتدى، إلى حماية السفن والتعامل مع تهديدات الألغام البحرية، دون أن تعني انخراط فرنسا المباشر في الحرب مع إيران.

أكد الأدميرال يانيك بوسو، قائد القوات الفرنسية المشتركة في المحيط الهندي، خلال «حوار المنامة 2026»، أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز منذ فبراير (شباط) الماضي ألحق أضراراً بالتجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن المضيق كان يستوعب قبل الأزمة نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً عالمياً.

وكشف بوسو عن تقدم مبادرة دفاعية متعددة الجنسيات تقودها فرنسا وبريطانيا لحماية الملاحة، ومواجهة تهديدات الألغام البحرية، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 15 دولة، موضحاً أنها بلغت مرحلة الجاهزية العسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع الاستعداد لتنفيذ تمرين ميداني خلال الأسابيع المقبلة. وأكد أن فرنسا ليست طرفاً في الحرب، وأن المبادرة ذات طبيعة دفاعية، مشدداً على أن ضمان أمن الملاحة يتطلب التعاون الدولي، والالتزام بالقانون الدولي، وأن الحل المستدام للأزمة يظل رهناً بالدبلوماسية.

وشهد اليوم الختامي لـ«حوار المنامة» جلستين تناولتا الأمن البحري وحوكمة الأمن العالمي. وناقشت الأولى، بمشاركة مسؤولين من السعودية والهند وسنغافورة وفرنسا، حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة وأمن التجارة وإمدادات الطاقة، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات.

وتعكس المناقشات التي شهدها اليوم الختامي للمنتدى اتجاهاً يجمع بين تعزيز قدرات الردع والدفاع، والإبقاء على المسار الدبلوماسي مع إيران، في ظل إدراك متزايد بأن أمن الخليج والممرات البحرية لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل يرتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.


محافظ تعز عن الحصار: المجتمع الدولي اكتفى ببيانات الإدانة

حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

محافظ تعز عن الحصار: المجتمع الدولي اكتفى ببيانات الإدانة

حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

أكد نبيل شمسان، محافظ تعز اليمنية، أن المدينة لم تحظَ بإسناد كامل من المنظمات الدولية التي اكتفت بإصدار البيانات والتعبير عن القلق، دون ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تسهم في تخفيف معاناة السكان، مشدداً على أن الحل لفك الحصار إما بالتراجع إلى ما قبل الحرب وإما بالمواجهة والحسم العسكري.

وكشفت بيانات صحية حديثة عن ارتفاع حاد في معدلات الوفيات والنزوح في المدينة؛ إذ أظهرت إحصاءات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، ومؤرخة في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ارتفاعاً كبيراً في وفيات الأمهات بنسبة 450 في المائة، وتصاعد عدد الأسر النازحة من 4721 إلى أكثر من 28 ألف أسرة؛ في مؤشرات مأساوية تعكس حجم التداعيات الكارثية التي خلَّفها الحصار على السكان والقطاع الصحي.

وقال محافظ تعز لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية انتقلت من محاصرة المدينة عبر ثلاثة اتجاهات لتطويقها من الجهات الأربع، مؤكداً أن المواجهات تتواصل على مختلف الجبهات، وأن السلطة المحلية تتحرك عبر أربعة مسارات للتواصل مع الجهات والمنظمات الدولية لتأمين الاحتياجات الإنسانية، في وقت لا يزال فيه وصول المساعدات الطبية مرهوناً بتحديد الطرق الآمنة لدخول المدينة.

وبيّن أن المسار الأول تمثل في التواصل والاتفاق مع إحدى المجموعات المدنية لإدخال كميات من المواد الغذائية، إلى جانب استئناف دخول إمدادات البترول والديزل القادمة من عدن ولحج، والتي توقفت منذ شهر، فيما تواصلت السلطة المحلية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لديها أربعة أطقم محملة بالعلاجات في الطريق إلى المدينة، إلا أن الطريق الذي ستسلكه للوصول إلى تعز لم يتحدد حتى الآن.

نقص واسع في الوقود والأدوية تواجهه مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وأشار شمسان إلى التواصل مع برنامج الأغذية العالمي بشأن تقديم السلال الغذائية أو تحويل قيمتها إلى مبالغ نقدية، إلى جانب الحصول على دعم لمادة الديزل من بعض المنظمات، مؤكداً أن الإسناد الأساسي في هذا الجانب يأتي من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، الذي يعمل على تغطية خروج المنظمات، سواء الدولية أو منظمات المجتمع المدني التي توقف تمويلها، لافتاً إلى التواصل الدائم مع القيادة السياسية في الحكومة الشرعية.

المواجهات تتسع

وعن التطورات العسكرية، أشار محافظ تعز إلى أن أشد المواجهات تتركز في مديرية صَبِر، ومشرعة وحدنان، والمشراق، وباتجاه المطار القديم، مشدداً على أن أبناء المدينة أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عنها حتى آخر لحظة، وأن هذا الدفاع من قاطني المدينة لا يقتصر على رقعة جغرافية فحسب، وإنما عن الثورة والجمهورية والمكتسبات الوطنية كافة، في مواجهة ميليشيات قال إنها قَدِمت لتغيير الهوية الوطنية والدينية، وهو ما لا يقبله أبناء تعز بأي شكل من الأشكال.

الحل والإدانات

وشدد شمسان على أن الحسم العسكري مع الميليشيات الحوثية هو الحل للتعامل معها، مشيراً إلى ضرورة خروجها أولاً من المناطق التي سيطرت عليها قبل الحرب الأخيرة، بما يفتح الباب أمام أي تفاهمات ممكنة.

وقال إن الميليشيات لا تزال مصرَّة على مواصلة عدوانها، من خلال الحشد المكثف للقوات، واستمرار استهداف الداخل والخارج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والمنشآت المدنية والمقدسات فيها.

وفيما يتعلق باستجابة المجتمع الدولي، قال محافظ تعز إن المجتمع الدولي اكتفى بإصدار بيانات التنديد والاستنكار، دون اتخاذ أي حراك على الأرض لوقف ما وصفه بالعبث، وما تقوم به الميليشيات من جرائم.

وبالعودة إلى البيانات الصحية التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» والصادرة عن مكتب الصحة العامة والسكان في محافظة تعز اليمنية، فإنها تفيد بتراجع الخدمات الطبية وارتفاع الوفيات والنزوح في المناطق المحاصرة؛ إذ ارتفعت وفيات الأمهات بنسبة 450 في المائة، وزاد عدد الأسر النازحة إلى مناطق الحصار من 4721 إلى 28100 أسرة، فيما زاد عدد الأفراد من 31406 إلى 196700 شخص، بزيادة بلغت 84 في المائة.

وأظهر التقرير أن إجمالي مرضى الفشل الكلوي انخفض من 1110 مرضى قبل الحصار إلى 516 مريضاً بعده، بالتزامن مع تراجع جلسات الغسيل الكلوي الشهرية من 8880 إلى 4128 جلسة، في مؤشر على اتساع الفجوة في تقديم الرعاية الطبية للمرضى المزمنين والحالات الطارئة.

2.5 مليون يمني تحت حصار الحوثيين في مدينة تعز (أ.ب)

حديثو الولادة

وفي خدمات رعاية الأطفال حديثي الولادة، انخفض عدد الحاضنات العاملة من 160 إلى 78 حاضنة، بتراجع نسبته 51.3 في المائة، كما تراجع عدد الأطفال المستفيدين من الخدمة شهرياً من 592 إلى 288 طفلاً، بانخفاض نسبته 51.4 في المائة، فيما سجلت وفيات حديثي الولادة ارتفاعاً من 95 إلى 132 حالة شهرياً، بزيادة 38.9 في المائة، كما ارتفعت وفيات الأمهات من حالتين إلى 11 حالة، ووفيات الأطفال دون الخامسة من 3 إلى 5 حالات شهرياً. وعزا التقرير تفاقم وفيات حديثي الولادة إلى نفاد مخزون المحروقات والأكسجين والأدوية، إلى جانب نقص النفقات التشغيلية.

في المقابل، ارتفعت الحالات الإجمالية التي تستقبلها المستشفيات في تعز بشكل قياسي وفق البيانات الواردة في التقرير، الذي ربط تدهور الأوضاع الصحية والبيئية بتكدس القمامة ومياه الشرب غير النظيفة، فيما أشار إلى تأثير الحرب والقصف المتواصل على الأحياء السكنية في ارتفاع الإصابات الجراحية.

سوء التغذية

وفي ملف سوء التغذية، ارتفع عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم والمنقطعين عن خدمات التغذية من 455 إلى 528 طفلاً شهرياً، بزيادة 16 في المائة، كما ارتفعت أعداد الأطفال الذين يتلقون العلاج في مراكز التغذية العلاجية للحالات الوخيمة المصحوبة بمضاعفات من 36 إلى 45 طفلاً.