قروض المصارف السعودية إلى القطاع الخاص عند أعلى مستوياتها

مسؤول في «فيتش» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة الأقل مديونية مقارنة بدول خليجية أخرى

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

قروض المصارف السعودية إلى القطاع الخاص عند أعلى مستوياتها

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بلغت قروض المصارف السعودية إلى القطاع الخاص أعلى مستوى على الإطلاق خلال يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، في ظل استمرار الجهود لتعزيز الاقتصاد غير النفطي في المملكة، وتماشياً مع استراتيجية «رؤية 2030».

فقد نمت مطلوبات المصارف السعودية إلى القطاع الخاص في يناير الماضي بنسبة 14 في المائة تقريباً على أساس سنوي، لتبلغ 2.89 تريليون ريال (770.6 مليار دولار)، مقارنة مع 2.54 تريليون ريال (676 مليار دولار) في الشهر ذاته من العام الماضي، وفق بيانات النشرة الشهرية للبنك المركزي السعودي (ساما).

وتشمل مطلوبات المصارف من القطاع الخاص القروض، السلف، أو أي نوع من التسهيلات المالية التي تكون البنوك قد منحتها للقطاع الخاص، وتعتبر من المؤشرات المهمة في الاقتصاد لأنها تعكس مستوى الائتمان المتاح من قبل القطاع المصرفي.

وبحسب «ساما»، يشكل الائتمان المصرفي نحو 96 في المائة من إجمالي مطلوبات البنوك من القطاع الخاص - الذي يتكون أيضاً من استثمارات في أوراق مالية خاصة-، حيث بلغ 2.79 تريليون ريال (744 مليار دولار) في يناير الماضي، بنمو 13 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع 2.46 تريليون ريال (656 مليار دولار) من يناير عام 2024.

في المقابل، كان نمو الودائع أقل حيث ارتفع بنسبة 9.2 في المائة على أساس سنوي، ليصل حجمها إلى أعلى مستوياتها، عند 2.73 تريليون ريال (728 مليار دولار) في يناير الماضي، مقارنة مع 2.50 تريليون ريال (666 مليار دولار) في الفترة ذاتها من عام 2024.

ارتفاع الطلب

وفي تعليق لـ«الشرق الأوسط»، قال المدير الأول للبنوك، في وكالة «فيتش» العالمية للتصنيف الائتماني، أنطون لوباتين، إن معظم شركات القطاع الخاص في السعودية لديها قدرة محدودة على جذب التمويل العام، أي من خلال إصدار السندات أو الصكوك، لذلك، يظل الاقتراض من البنوك هو الوسيلة الأساسية لزيادة رأس المال العامل أو تمويل مشروعات جديدة. وقد تضاعف الرصيد الإجمالي لتمويل القطاع الخاص تقريباً في السنوات الخمس الماضية، ما يشير إلى ارتفاع الطلب على الائتمان من الشركات الخاصة والأفراد. وهذا أمر ضروري لمزيد من نمو الاقتصاد غير النفطي في السعودية ويتماشى مع استراتيجية «رؤية 2030».

وعلى الرغم من النمو الائتماني السريع في السنوات الأخيرة، لا يزال الاقتصاد السعودي أقل مديونية، مقارنة بالدول الرئيسية الأخرى في دول مجلس التعاون الخليجي (وهي الإمارات وقطر والكويت). وينعكس ذلك من خلال حجم النظام المصرفي الأصغر، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي واستمرار انخفاض معدل انتشار الائتمان الخاص. وبالإضافة إلى النمو الصحي للقطاع غير النفطي -حيث من المتوقع أن يكون أعلى من 4 في المائة في 2026/2025 - فإن هذا يوفر للبنوك السعودية فرصاً قوية بشكل أساسي لمواصلة التوسع السريع في 2025-2026، بحسب المسؤول في «فيتش».

ومن الناحية النظرية، أشار لوباتين إلى أن تخفيضات أسعار الفائدة المتوقعة ينبغي أن تؤدي إلى انخفاض تكلفة الائتمان للمقترضين؛ ومع ذلك، سيعتمد هذا أيضاً على ظروف السيولة في القطاع المصرفي.

وأكمل: «على سبيل المثال، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لاحظنا انخفاضاً شهرياً في ودائع القطاع لأول مرة منذ خمس سنوات، مما أدى إلى ضغوط تصاعدية على تكلفة التمويل للبنوك، وبالتالي على المقترضين. وإذا استمرت فجوة التمويل في الاتساع (عندما تنمو البنوك دفاتر تمويلها بشكل أسرع من جذب الودائع)، فمن المرجح أن تتضاءل الفوائد المترتبة على انخفاض أسعار الفائدة».

الموجودات الأجنبية

وجاء في النشرة الشهرية لـ«ساما»، استمرار عجز صافي الموجودات الأجنبية في المصارف السعودية، والذي بدأ في يوليو (تموز) من العام الماضي للمرة الأولى منذ عام 1993، حيث سجل 10.7 مليار ريال (2.8 مليار دولار) في يناير الماضي، مقارنة مع فائض بـ70 مليار ريال (18.6 مليار دولار) في الشهر ذاته من العام السابق.

ويعرف صافي الموجودات الأجنبية للمصارف بالفرق بين الأصول الأجنبية مثل الاستثمارات الخارجية، والمطلوبات الأجنبية مثل القروض المستحقة. ويعكس مدى تعرض النظام المصرفي للاقتصاد العالمي وقدرته على الوفاء بالالتزامات الدولية.

أهداف «رؤية 2030»

وتهدف السعودية من خلال «رؤية 2030» إلى زيادة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 35 في المائة، ورفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65 في المائة. كما تسعى لزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 5.8 في المائة، ورفع مساهمة الصادرات غير النفطية إلى 50 في المائة.

ومنذ انطلاقتها، سعت «رؤية 2030» إلى معالجة التحديات التي تواجه القطاع الخاص من خلال إصلاحات تهدف لتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني، مثل تحسين جودة الخدمات الحكومية، ورقمنة الإجراءات، وإنشاء حاضنات ومسرعات أعمال. كما أطلق «صندوق الاستثمارات العامة» قطاعات غير نفطية جديدة، مما ساهم في فتح فرص استثمارية داخل المملكة.

الشراكة بين القطاعين العام والخاص

وكان وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، قال في وقت سابق إن المملكة تبنت نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص مما يسمح للكيانات الخاصة بالشراكة مع الحكومة لتطوير وإدارة مشروعات البنية التحتية، وإن المبادرات المتمثلة بإنشاء المركز الوطني للتخصيص وصندوق البنية التحتية الوطني، تركز على جذب الاستثمارات الخاصة في قطاعات مثل النقل والمياه والطاقة.

وخلال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، يناير الماضي، أكد الجدعان على أهمية التنسيق الحكومي والعمل المشترك مع القطاع الخاص، مع الالتزام الحقيقي وتعزيز الجهود لتحقيق النجاحات المستدامة.

والشراكة بين القطاعين العام والخاص هي تحالف استراتيجي طويل الأمد بين الحكومات والكيانات الخاصة يهدف إلى تطوير البنية التحتية، والخدمات العامة، وإدارتها، واستدامتها. في هذه الشراكات، غالباً ما يتحمل القطاع الخاص مسؤولية تمويل المشروعات والإشراف عليها، واسترداد استثماراتها من خلال رسوم المستخدم أو المدفوعات التعاقدية من الحكومة.

يشار إلى أن صندوق النقد الدولي كان قد توقع في ختام مشاورات المادة الرابعة مع السعودية، أن تبلغ نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي 30 في المائة في العام الحالي، وأن تصل نسبة الائتمان للقطاع الخاص 9.7 في المائة خلال عام 2025 مقارنة مع 10.1 في المائة في العام الماضي.


مقالات ذات صلة

أسهم بنوك الإمارات تقفز بعد حزمة دعم «المركزي» لتعزيز السيولة

الاقتصاد رجل يدخل مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في أبوظبي (أرشيفية - رويترز)

أسهم بنوك الإمارات تقفز بعد حزمة دعم «المركزي» لتعزيز السيولة

غداة كشف المركزي الإماراتي عن حزمة دعم لتعزيز سيولة البنوك في ظل السعي لمواجهة تداعيات الأزمة الإيرانية، شهدت أسهم البنوك الإماراتية، ارتفاعاً ملحوظاً.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بنك إنجلترا يطرح إطاراً جديداً لتعزيز سيولة البنوك في أوقات الأزمات

كشف بنك إنجلترا، يوم الثلاثاء، عن إطار عمل مقترح جديد لسيولة البنوك، يهدف إلى تعزيز قدرتها على تسييل الأصول السائلة خلال فترات الأزمات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أهمُّ 7 بنوك بالعالم في «كماشة هرمز»... فهل تفرض صدمة الطاقة تشدداً نقدياً؟

تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سبعة من أهم البنوك المركزية في العالم، والتي تجتمع في ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار بنك كومرتس بنك بفرنكفورت (رويترز)

«يونيكريديت» يطلق عرضاً لشراء أسهم «كومرتس بنك» ويسعى إلى إحياء مفاوضات الاستحواذ

أعلن بنك «يونيكريديت» الإيطالي الاثنين عن إطلاق عرض غير مُعلن لزيادة حصته في «كومرتس بنك» إلى أكثر من 30 %

«الشرق الأوسط» (ميلانو- فرنكفورت )
الاقتصاد متداولون يراقبون شاشات الأسهم في قاعة التداول ببورصة فرنكفورت (إ.ب.أ)

الأسهم الأوروبية تستهل أسبوعها باللون الأخضر

ارتفعت الأسهم الأوروبية يوم الاثنين مع صعود أسهم «كومرتس بنك» إثر تقديم «يونيكريديت» عرضاً للاستحواذ على حصة 30 % بالبنك الألماني

«الشرق الأوسط» (لندن)

اجتماع طارئ للمنظمة البحرية الدولية لبحث أزمة الشحن في الشرق الأوسط

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز (رويترز)
TT

اجتماع طارئ للمنظمة البحرية الدولية لبحث أزمة الشحن في الشرق الأوسط

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز (رويترز)

تعقد المنظمة البحرية الدولية «جلسة استثنائية» الأربعاء لمناقشة وضع الشحن في ظل الحرب في الشرق الأوسط مع تزايد المخاوف بشأن مصير آلاف السفن والبحارة العالقين.

وستنظر المنظمة التابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن ضمان سلامة النقل البحري الدولي، في تبني قرارات محتملة خلال اجتماعها الذي يستمر يومين في مقرها في لندن.

وقد يصوِّت مجلس المنظمة البحرية الدولية المؤلف من 40 عضواً الخميس على عدد من القرارات المقترحة، بينها «إنشاء ممر بحري آمن يسمح بإجلاء بحارة وسفن عالقة في الخليج العربي بأمان». ومع ذلك، تظل القرارات، في حال إقرارها، غير ملزمة.

يأتي هذا الاجتماع المفتوح أمام كل الدول الأعضاء البالغ عددها 176 دولة وعشرات المنظمات غير الحكومية وهيئات الصناعة البحرية، في ظل استمرار حرب إيران، التي تسببت في شلّ حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز ومحيطه.

وأدَّى تعطل المضيق الذي يمر عبره خمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وإلى قلق في الأسواق.

كما علق نحو 20 ألف بحار على متن نحو 3200 سفينة غرب المضيق، بحسب المنظمة البحرية الدولية.

وتعرضت 21 سفينة على الأقل لهجوم أو استهداف أو أبلغت عن هجوم منذ بداية الحرب، بحسب تعداد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات من عمليات التجارة البحرية البريطانية والمنظمة البحرية الدولية والسلطات العراقية والإيرانية.

وأشارت الإمارات في تقرير قدمته إلى المنظمة البحرية الدولية، الاثنين، قبيل الاجتماع المرتقب إلى أن أكثر من 18 سفينة تجارية من جنسيات مختلفة تعرضت لهجمات بقذائف وصواريخ وزوارق مسيرة وألغام بحرية. وأضاف التقرير: «تأكد مقتل ثمانية بحارة على الأقل، ولا يزال أربعة في عداد المفقودين».

هجمات «غير مبررة»

حضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب عدد من الدول الأخرى بينها دول خليجية، مجلس المنظمة البحرية الدولية على إصدار بيان يدين بشدة «الهجمات المروعة» التي شنتها إيران على دول الجوار.

وأشارت إلى أن إيران «هددت وهاجمت سفناً تجارية وبحارة، بالإضافة إلى البنية التحتية البحرية المدنية»، مؤكدة أن هذه الهجمات «غير مبررة ويجب أن تتوقف». كما حضَّت على إدانة إغلاق طهران مضيق هرمز.

واعتبرت إيران، وهي عضو في المنظمة البحرية الدولية ولكنها ليست عضواً في مجلسها، أن «تدهور الأمن البحري الحالي» تسببت فيه هجمات إسرائيل والولايات المتحدة.

وقالت في مذكرة إن «التداعيات البحرية السلبية التي تؤثر حالياً على الشحن والبحارة هي نتيجة مباشرة وحتمية لهذه الأعمال غير القانونية، ولا يمكن النظر إليها بمعزل عن أسبابها الجذرية».

وفي سياق منفصل، حضَّت اليابان وبنما وسنغافورة والإمارات، المنظمة البحرية الدولية على المساعدة في «وضع إطار عمل يسمح بالإجلاء الآمن للبحارة والسفن العالقة في الخليج» بهدف «تسهيل الإجلاء الآمن للسفن التجارية من المناطق عالية الخطورة إلى مكان آمن... وتجنب الهجمات العسكرية وحماية المجال البحري وتأمينه».

في غضون ذلك، طالبت هيئات القطاع البحري بـ«نهج دولي منسق للأمن»، مع تأكيد «ضرورة مراعاة سلامة البحارة». ودعت إلى اتخاذ تدابير تضمن «استمرار اتصالهم بعائلاتهم، وتسهيل عمليات تغيير الطاقم والنزول من السفن، وتوفير مؤن وإمدادات كافية لاحتياجات البحارة».


تايلاند تدرس الاقتراض لدعم الوقود

ورقة على طرمبة تزود بالوقود تفيد بنفاده مؤقتاً وسط نقص عام للخام في تايلاند بسبب حرب إيران (رويترز)
ورقة على طرمبة تزود بالوقود تفيد بنفاده مؤقتاً وسط نقص عام للخام في تايلاند بسبب حرب إيران (رويترز)
TT

تايلاند تدرس الاقتراض لدعم الوقود

ورقة على طرمبة تزود بالوقود تفيد بنفاده مؤقتاً وسط نقص عام للخام في تايلاند بسبب حرب إيران (رويترز)
ورقة على طرمبة تزود بالوقود تفيد بنفاده مؤقتاً وسط نقص عام للخام في تايلاند بسبب حرب إيران (رويترز)

قال وزير المالية التايلاندي إكنيتي نيتيثانبراباس إن الوزارة تدرس اقتراض مبلغ إضافي من أجل صندوق دعم الوقود، وفق ما أفادت وكالة «بلومبرغ»، الأربعاء.

وصرح الوزير، للصحافيين، بأن الوزارة تدرس قانوناً خاصاً لاقتراض أموال لدعم النفط، فضلاً عن خفض ضريبة الإنتاج على النفط؛ للمساعدة في تخفيف عبء الدعم عن كاهل الحكومة.

وأكد إكنيتي أنه يرغب في أن تحظى الإدارة الجديدة بجميع الخيارات، حيث لا يمكن أن تطبق حكومة تسيير الأعمال هذه الإجراءات.

وتعمل وزارة المالية وهيئة التخطيط الحكومية أيضاً على إجراءات لمساعدة المستهلكين والشركات على مواكبة أثر ارتفاع أسعار النفط.

وأوضح الوزير، في هذا الصدد، أن تايلاند تُجري تقييماً لقوانين الاقتراض لديها وتدرس تخفيضات في ضرائب النفط لمواجهة الارتفاع الحاد بأسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وأضاف أن الحكومة تخطط لاتخاذ مزيد من الإجراءات لتخفيف آثار ارتفاع أسعار النفط.


العراق يستأنف تصدير نفط كركوك عبر «جيهان» لتخفيف حصار «هرمز»

عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)
عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)
TT

العراق يستأنف تصدير نفط كركوك عبر «جيهان» لتخفيف حصار «هرمز»

عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)
عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)

بدأ العراق يوم الأربعاء تصدير النفط الخام بما يصل إلى 250 ألف برميل يومياً من حقول كركوك إلى ميناء «جيهان» التركي؛ لتخفيف أزمة الإمداد على خط أنابيبه الجنوبي عبر مضيق هرمز، وذلك عقب اندلاع الحرب مع إيران.

جاء ذلك بعد التوصل إلى اتفاق بين بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق يسمح بنقل النفط عبر شبكة خطوط الأنابيب الشمالية، في وقت تهاوى فيه الإنتاج الوطني بنسبة 70 في المائة نتيجة الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران وما تبعه من توقف الملاحة في مضيق هرمز؛ الذي كان يعبر من خلاله معظم النفط العراقي المستخرج من البصرة. ومع امتلاء خزانات الجنوب، أصبح المسار الشمالي هو «الرئة الوحيدة» المتاحة حالياً لتنفس القطاع النفطي.

وبقي خط أنابيب «كركوك - جيهان» متوقفاً عن العمل بشكل شبه كامل سنوات، وسط نزاع بشأن توزيع المدفوعات بين حكومتي بغداد وأربيل.

وقد استؤنفت الصادرات عبر محطة ضخ «سارالو» بعد توقف طويل؛ مما يمثل إعادة تنشيط طريق تصديري شمالي رئيسي، في ظل سعي العراق إلى استعادة بعض التدفقات النفطية وسط استمرار اضطرابات الشحنات الجنوبية.

وكان العراق؛ العضو في منظمة «أوبك»، يصدّر ما معدّله 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) 2026. وكان معظم هذا الإنتاج يُصدّر عبر موانئ محافظة البصرة الجنوبية المطلّة على الخليج. لكن مع تعطّل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، توقفت صادرات العراق عبره وبدأت خزانات النفط تمتلئ بسرعة؛ مما أرغم السلطات على وقف الإنتاج إلى حد كبير، والبحث عن طرق بديلة للتصدير.

وأعلنت «شركة نفط الشمال» الحكومية التي تدير عمليات النفط شمال البلاد، في بيان «استئناف عمليات ضخ النفط الخام عبر ميناء (جيهان) التركي، بعد فترة من التوقف التي شكّلت تحدياً كبيراً أمام القطاع النفطي». وأشارت إلى مباشرتها «تشغيل محطة ضخ (سارالو)، إيذاناً باستئناف عمليات ضخ وتصدير نفط كركوك إلى ميناء (جيهان)، بطاقة تصديرية أولية تبلغ 250 ألف برميل يومياً، في خطوة تعكس تكامل الجهود بين الجهات المعنية لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة». ونوّهت بأن عودة التصدير جاءت «ثمرة للاتفاق المبرم بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان».

من جهتها، أكدت وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كردستان أنها باشرت «في الساعة الـ06.30 (الـ03.30 بتوقيت غرينيتش) وبالتنسيق مع وزارة النفط الاتحادية، تشغيل محطة نفط (سارالو) لنقل 250 ألف برميل يومياً إلى محطة فيشخابور، ليتم تصديرها عبر أنبوب نفط إقليم كردستان إلى ميناء (جيهان) التركي».

وكان وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، أعلن، مساء الثلاثاء، أن الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان توصلتا إلى اتفاق لاستئناف صادرات النفط إلى ميناء «جيهان» التركي؛ مركز الطاقة، ابتداءً من يوم الأربعاء. وتوازياً، كشف عبد الغني عن بدء محادثات مع إيران لتصدير جزء من النفط عبر مضيق هرمز.

ناقلات نفط تُحمّل النفط الخام في محطة البصرة النفطية بالمياه الإقليمية العراقية قبالة سواحل البصرة (أرشيفية - رويترز)

أسعار النفط تتراجع

وتراجعت أسعار النفط بعد استئناف تصدير النفط من حقول كركوك العراقية إلى ميناء «جيهان» التركي؛ مما هدأ قليلاً من القلق الذي تعيشه ​الأسواق العالمية بشأن الإمدادات من الشرق الأوسط. وبعد ارتفاعها بأكثر من 3 في المائة الثلاثاء، تراجعت العقود الآجلة لـ«خام برنت» 1.51 دولار، أو 1.46 في المائة، إلى 101.91 دولار للبرميل بحلول الساعة الـ07:31 بتوقيت غرينيتش يوم الأربعاء. وانخفض «خام ‌غرب تكساس الوسيط» ‌الأميركي 2.75 دولار، أو 2.86 في المائة، إلى 93.46 دولار.

وقال آن فام، وهو محلل كبير في «مجموعة بورصات لندن»: «هدّأ هذا الخبر السوق بعض الشيء. أي ⁠كمية إضافية تذهب إلى السوق تعدّ قيمة في ظل الوضع ‌الراهن، وبالتالي انخفضت الأسعار نتيجة لذلك». وأضاف: «لكننا ‌ما زلنا في منطقة سعرية عند 100 ​دولار للبرميل، ولا بوادر حتى الآن ‌على انتهاء الأزمة في مضيق هرمز».

بارزاني: المباحثات ستستمر

وقبل استئناف التصدير، قال رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، في منشور على منصة «إكس»، إن الإقليم سيسمح بتصدير النفط الخام عبر خط أنابيب كردستان في أقرب وقت ممكن؛ «نظراً إلى الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد».

وأضاف: «ستستمر المباحثات مع بغداد لرفع القيود المفروضة على الواردات والتجارة مع الإقليم بشكل عاجل، ولتقديم الضمانات اللازمة لشركات النفط والغاز لضمان استئنافها الإنتاج في بيئة آمنة».

الولايات المتحدة تدعم الاتفاق

وبعد ذلك بوقت قصير، قال بارزاني، خلال مكالمة هاتفية مع المبعوث الأميركي إلى العراق وسوريا، توم برّاك، إنه أصدر تعليماته لفريق حكومة إقليم كردستان بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لاستئناف صادرات النفط، بما يخدم مصالح المواطنين في ظل الظروف الصعبة.

من جهته، رحّب برّاك بالاتفاق، وكتب عبر حسابه الخاص على منصة «إكس»: «نتقدم بجزيل الشكر لأربيل وبغداد على جهودهما للتوصل إلى اتفاق في هذا الوقت الحرج لاستئناف صادرات الطاقة وتعزيز ازدهار المنطقة». وأضاف: «تظل الولايات المتحدة ملتزمة التزاماً كاملاً دعم هذه الجهود المهمة في هذه الأزمة».

البرلمان... و7 نقاط

وأصدر البرلمان العراقي، يوم الأربعاء، قراراً من 7 نقاط خلال جلسة مخصصة لصادرات النفط عبر خط أنابيب «جيهان»، داعياً الحكومة الاتحادية إلى إيجاد منافذ لتصريف النفط الخام العراقي لتجنب الأضرار الاقتصادية في ظل الظروف الأمنية الراهنة، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية.

ويبدو أن قرارات البرلمان تهدف إلى تعزيز سيطرة بغداد على قطاع النفط في البلاد، وجاءت عقب اجتماع عُقد مساء الثلاثاء مع وزير النفط العراقي لتقييم آثار توقف صادرات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز.

وفي بيان له، أكد البرلمان استعداده للموافقة على أي إجراءات لازمة لدعم هذا المسعى، ودعا الحكومة الاتحادية إلى فرض سيطرتها على جميع مصادر إنتاج النفط ونقله وتوزيعه.

كما حثّ البرلمان الحكومة على تزويد المصانع الحكومية والخاصة بزيت الوقود لمنع ارتفاع مخزونات المصافي، وإعادة تأهيل مسار خط الأنابيب العراقي من كركوك مروراً بغرب الموصل وزمار وفيشخابور وصولاً إلى «جيهان».

«تحت المراقبة»

وفي الأثناء، وضعت وكالة «ستاندرد آند بورز» العالمية تصنيف العراق الائتماني طويل الأجل عند «بي-» تحت «المراقبة السلبية». وجاء هذا القرار الاستثنائي، الذي خرج عن الجدول الزمني المعتاد للمراجعات الدورية، مبرراً بالانخفاض الحاد وغير المسبوق في إنتاج النفط العراقي الذي تهاوى بنسبة 70 في المائة، ليصل إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً فقط، نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.

وكشف تقرير «الوكالة» عن وصول سعات التخزين العراقية إلى طاقتها القصوى؛ مما فرض تعليقاً إجبارياً للإنتاج في مرافق حيوية، على رأسها حقل الرميلة العملاق (الأكبر في البلاد بطاقة 1.4 مليون برميل يومياً). ولم تقتصر الأزمة على الجنوب؛ بل امتدت لتشمل حقول كركوك في الشمال (بمعدل 220 ألف برميل يومياً) التي توقفت لأسباب أمنية. وحذرت «الوكالة» بأن إعادة تشغيل هذه الحقول العملاقة ليست عملية بسيطة، بل قد تستغرق أسابيع أو شهوراً نظراً إلى التعقيدات الهندسيّة المرتبطة بآليات إغلاق وفتح المنشآت الضخمة.