واشنطن تلوّح لبغداد بعقوبات شاملة «على دفعات»

السوداني إلى «مسافة فاصلة» عن «الإطار»... وتهديد الشيعة بالانفصال «ورقة ضغط»

عراقي يخوض في مياه أمطار أغرقت شوارع العاصمة بغداد في 7 مارس 2025 (أ.ب)
عراقي يخوض في مياه أمطار أغرقت شوارع العاصمة بغداد في 7 مارس 2025 (أ.ب)
TT

واشنطن تلوّح لبغداد بعقوبات شاملة «على دفعات»

عراقي يخوض في مياه أمطار أغرقت شوارع العاصمة بغداد في 7 مارس 2025 (أ.ب)
عراقي يخوض في مياه أمطار أغرقت شوارع العاصمة بغداد في 7 مارس 2025 (أ.ب)

قال دبلوماسيان أميركيان إن عقوبات «شاملة على دفعات» ستفرض على كيانات وأفراد في أجهزة حكومية وسياسية وفصائل عراقية، في حين أكدت مصادر أن «التواصل بات شبه معدوم» بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وزعيمين بارزين في التحالف الحاكم، في ظل حالة من عدم اليقين تسيطر على البلاد.

وتسود في بغداد تكهنات لا حصر لها عن السياسة الأميركية الجديدة، منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وتوعده إيران بحملة قوية ضد نفوذها في المنطقة.

وقال دبلوماسي أميركي، فضل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول له بالتحدث علناً، إن «عقوبات اقتصادية من المنتظر فرضها تباعاً على مجموعات عراقية، استناداً إلى المذكرة الرئاسية للأمن القومي NSPM2».

وكان ترمب وقع المذكرة في 4 فبراير (شباط) 2025 لفرض «أقصى قدر من الضغط على إيران، ومواجهة نفوذها الخبيث».

وأوضح الدبلوماسي الأميركي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «العقوبات سوف تستهدف أفراداً وكيانات قدمت تسهيلات أو أعمالاً تجارية وموارد غير قانونية لإيران»، وأشار إلى أن «الفئات التي ستشملها العقوبات قد تكون مؤسسات حكومية أو كيانات سياسية أو مسلحة».

وترصد مؤسسات أميركية معنية بتنفيذ مذكرة ترمب شبكة واسعة من الأنشطة العراقية المرتبطة بإيران، تشمل حتى مصالح تجارية صغيرة، وقال الدبلوماسي: «التصنيف قد يصل إلى نقاط تفتيش يستخدمها وكلاء إيران لجباية الأموال».

ولن تأخذ العقوبات في الاعتبار «الجهات المرجعية» للمشمولين، سواء كانت غطاءً حكومياً أو «الحشد الشعبي»، أو الفصائل المسلحة، بسبب اعتماد معايير وردت في مذكرة الرئيس ترمب، وفقاً للدبلوماسي.

وتقضي مذكرة ترمب بـ«تنفيذ حملة قوية ومستمرة لإنفاذ عقوبات تحرم وكلاء إيران من الوصول إلى الإيرادات» لضمان عدم استخدام إيران للنظام المالي العراقي للتهرب من العقوبات أو التحايل عليها».

وقال الدبلوماسي: «من بين الاحتمالات المنظورة أن تراجع الولايات تقليص الدفعات النقدية الحيوية للبنك المركزي العراقي شهرياً من حسابه في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وجعلها ملائمة للاحتياج الوطني، لضمان عدم تحويل الفائض إلى جهات وكيانات في إيران».

مع ذلك، أكد الدبلوماسي أن «هذا الخيار يخضع لاعتبارات مختلفة من بينها التزام بغداد بطريقة غير ملتوية في الإصلاح المالي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

«جرعات كيماوي»

قال دبلوماسي أميركي ثانٍ، كان قد عاد أخيراً من العاصمة بغداد، إن «العقوبات قيد الدراسة، لا تهدف إلى تقويض النظام السياسي في العراق، بل لاستئصال شبكة المصالح الإيرانية في البلاد».

وأعرب الدبلوماسي عن أمله بأن «تساعد العقوبات العراقيين على إظهار قدراتهم في إدارة البلاد بشكل أكثر استقلالية»، لكنه لم يستبعد «مخاطر جراء التنافس من قبل متورطين بمصالح إيرانية بعد تجفيف الموارد».

وشبه الدبلوماسي الأميركي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، العقوبات بـ«جرعات مكثفة متتالية من العلاج الكيماوي لجسد مصاب بأورام سرطانية». وقال: «العلاج قد يستغرق وقتاً، ونأمل أن تكون الإصابة في مرحلة غير متأخرة».

وأوضح الدبلوماسي أن «المؤسسات الأمنية والمالية في الإدارة الأميركية إزاء قائمة شاملة يمكن معرفة بدايتها، لكن ليس من الواضح أين ستنتهي»، وقال: «يجب أن نتأكد من أن دفعات من العقوبات ستؤدي في النهاية إلى قطع الأذرع المتشعبة في عمق النظام المالي في البلاد».

ورفض المسؤولان الأميركيان الإفصاح عن موعد العقوبات، كما لم يرد مسؤولون عراقيون في رئاسة الحكومة على طلب «الشرق الأوسط» للتعليق.

وقد يكون التلويح بالعقوبات «مناورة تقودها إدارة ترمب لإجبار إيران على التفاوض»، أو «إجبار القادة العراقيين على إحداث تغييرات جذرية»، كما يرجح خبراء في العلاقات الدولية.

وقال عقيل عباس، وهو خبير في الشأن الأميركي، إن «العقوبات ضد عشرات الكيانات والأفراد في العراق مسألة جدية، وما قد يمنعها هو قبول إيران بصفقة سلمية تتخلى من خلالها عن السلاح النووي، وعن نفوذها في المنطقة».

وأضاف عباس: «على الأكثر، تريد إدارة ترمب أن تتخلى إيران عن مشروعها في المنطقة بالتراضي».

جانب من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (إكس)

سفينة «الإطار التنسيقي»

خلال الأسبوع الماضي، شغل سياسيون عراقيون المجال العام بتصريحات عن عقوبات أميركية، مرجحين موعدها «بعد شهر رمضان»، في حين رفض قادة في «الإطار التنسيقي» تقديم تنازلات لواشنطن «على حساب المصلحة العراقية»، وفقاً لتعبيرهم.

وثمة حالة من عدم اليقين داخل «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الحاكم الذي يضم قوى شيعية متنفذة، بسبب غياب إجماع سياسي على طريقة التعاطي مع المتغيرات في الشرق الأوسط، والتكيف مع السياسة الأميركية ضد إيران.

وقالت مصادر موثوقة إن «مؤشرات عديدة تظهر تفكك معادلة الحكم التي جمعت قوى (الإطار التنسيقي) في حكومة محمد شياع السوداني».

وكشفت المصادر عن أن التواصل بين السوداني وزعيمين بارزين في التحالف الحاكم «بات شبه معدوم». وقالت: «منذ أسابيع تلاشت إلى حد بعيد قنوات اتصال اعتيادية بين السوداني ونوري المالكي وقيس الخزعلي، وهما قياديان بارزان في «الإطار التنسيقي».

وجرت العادة أن يتبادل رئيس الحكومة مع أحزاب التحالف الحاكم وجهات نظر ورسائل بشأن قضايا وملفات سياسية عبر ممثلين معتمدين، لكن هذه القناة شبه معطلة بين هذه الأطراف.

ليس من الواضح إذا كان انعدام التواصل على صلة بمناخ القلق من العقوبات الأميركية، لكن المصادر أشارت إلى أن «الإطار التنسيقي لم يعد يعمل كما في السابق، بشكل جماعي».

ورجحت المصادر أن «السوداني يحاول إنشاء مسافة فاصلة بينه وبين آخرين لديهم حسابات معقدة»، بشأن البقاء أو الانفكاك عن النفوذ الإيراني، وأنه «يقدم نفسه طرفاً يحمل صفة رسمية تحمي مصالح البلاد».

يقول قيادي شيعي لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإطار التنسيقي الآن سفينة لا أحد يريد أن يكون قبطانها، كما سيكون من الصعب القفز منها... كل قرار له ضريبة مختلفة».

.

نوري المالكي (غيتي)

«الشيعة إلى الانفصال»

قالت المصادر إن قوى شيعية «تقيّم في هذه المرحلة الجدوى من استمرار التزامها بالولاء لإيران، في إطار نقاشات نادرة تختبرها للمرة الأولى منذ سنوات»، لكن حالة عدم اليقين تشمل أيضاً تقييم «رد الفعل طهران من تراجعها المحتمل في العراق على غرار ما حدث في لبنان وسوريا».

وعلى نحو مفاجئ، لوّح قادة شيعة بالانفصال، وصرح نوري المالكي، مطلع مارس (آذار) 2025، بأن «الشيعة سينفردون بالنفط إذا أجبروا على التقسيم»، كما هدد حسين مؤنس وهو نائب عن «كتائب حزب الله» العراقي، بـ«استقلال 9 محافظات إذا استمر ابتزاز الشيعة»، ولاحقاً بدأ ناشطون مقربون من «الإطار التنسيقي» التثقيف لمشروع «انفصال الشيعة».

وقالت المصادر إن هذه الموجة جزء من «ورقة ضغط من جماعات على صلة بإيران على الولايات المتحدة ودول فاعلة في المنطقة لتفادي الضغط الأقصى الذي يفرضه ترمب، لكن من الصعب التخمين بما قد يفعله طرف سيقاوم حتى لا يخسر كل شيء».


مقالات ذات صلة

تحقيق عراقي يتهم فصائل مسلحة بالتلاعب في عقود المطارات

المشرق العربي واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تحقيق عراقي يتهم فصائل مسلحة بالتلاعب في عقود المطارات

كشف مصدر عراقي رسمي عن رصد تلاعب في عقود وزارة النقل والمطارات، يشتبه في ارتباطه بـ«تحقيق مكاسب اقتصادية لجهات مسلحة خارجة عن القانون»...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع) p-circle

العراق يعيد ترتيب علاقاته الخارجية

أفاد مصدر حكومي بأن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لزيارة الكويت والبحرين هذا الأسبوع، ضمن سلسلة زياراته إلى دول الجوار...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

تجدد الاحتجاجات جنوب العراق للمطالبة بفتح منفذ مع إيران

تجددت المظاهرات في محافظة ميسان، جنوب العراق، السبت، للمطالبة بإعادة فتح منفذ الشيب الحدودي مع إيران.

حمزة مصطفى (بغداد)
تحليل إخباري رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)

تحليل إخباري لماذا تولى الزيدي رئاسة المخابرات العراقية؟

لا تقتصر دلالات إقالة حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي وتولي رئيس الوزراء علي الزيدي المنصب بنفسه على تغيير في أحد أبرز الأجهزة الأمنية في البلاد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)

أحكام بالسجن على سياسيين عراقيين في قضية «فساد نفطي»

أعلن القضاء العراقي صدور حكمَين بالسجن على مثنى السامرائي، زعيم ثاني أكبر تحالف سني بالبلاد، وزياد الجنابي، النائب والرئيس السابق لـ«لجنة النزاهة البرلمانية»...

حمزة مصطفى (بغداد)

مقتل رجل أمن أردني وإصابة آخر إثر اعتداء بأداة حادة أمام سفارة سريلانكا في عمان

العاصمة الأردنية عمّان (أ.ف.ب)
العاصمة الأردنية عمّان (أ.ف.ب)
TT

مقتل رجل أمن أردني وإصابة آخر إثر اعتداء بأداة حادة أمام سفارة سريلانكا في عمان

العاصمة الأردنية عمّان (أ.ف.ب)
العاصمة الأردنية عمّان (أ.ف.ب)

قُتل رجل أمن أردني، اليوم (الخميس)، وأُصيب آخر إثر هجوم بأداة حادة أمام سفارة سريلانكا في عمّان، بينما تمَّ ضبط المعتدي مباشرة، وفق مصادر رسمية.

وأعلنت مديرية الأمن العام الأردني في بيان «استشهاد أحد رجال الأمن العام إثر اعتداء بأداة حادة من قبل أحد الأشخاص قبل قليل في العاصمة (عمان)».

وأظهر بث مباشر لقناة «المملكة» الرسمية أن الاعتداء وقع أمام سفارة سريلانكا في عمان، وأغلقت الشرطة الموقع بعض الوقت.

ووفقاً للقناة «ألقت الأجهزة الأمنية القبض على المعتدي»، بعدما حاول الاستيلاء على سلاح رجل الأمن المقتول «لكن تدخل رجل أمن آخر حال دون ذلك»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشارت إلى إصابة رجل الأمن الثاني في أثناء إلقائه القبض على المعتدي.

ويأتي هذا الحادث بعد نحو أسبوعين على هجوم نادر نفَّذه 3 أشخاص ضد كنيسة في قرية حمود في الكرك (نحو 120 كيلومتراً جنوب عمان)، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وجرح أكثر من 25 آخرين.


سلام يحذّر من الزج بلبنان في «مغامرة عبثية»


رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
TT

سلام يحذّر من الزج بلبنان في «مغامرة عبثية»


رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

حذَّر رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، من «جرّ لبنان إلى أيّ مغامرة عبثية جديدة خدمةً لمصالح خارجية، وزجّه في مواجهات لا يملك ترف تحمّل تبعاتها».

وقال سلام بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزيف عون: «أمام مخاطر تجدُّد الحرب في المنطقة، نرفض جرَّ لبنان إلى أي حرب جديدة»، مؤكداً أن «قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية».

وأعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس عون اتصل برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد محمد العليمي، وأبلغه حرص لبنان على سيادة الدولة اليمنية.

كما دان سلام أي تدخل لبناني في الشؤون الداخلية للدول العربية، في إشارة إلى مشاركة «حزب الله» في العمليات باليمن.


«فساد في عقود المطارات» يلاحق فصائل بالعراق

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

«فساد في عقود المطارات» يلاحق فصائل بالعراق

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

أُعلن في العراق، أمس (الأربعاء)، عن رصد «تلاعب في عقود المطارات»، يُشتبه بارتباطه بتحقيق مكاسب اقتصادية لصالح جهات مسلحة خارجة عن القانون.

ونقلت «وكالة الأنباء العراقية» عن مصدر رسمي قوله إن «هيئة النزاهة» تُدقق في عقود وزارة النقل والمطارات، وإنها رصدت تلاعباً يُشتبه بارتباطه بتمويل جهات مسلحة، مضيفاً أن بعض العقود جرى التلاعب بها «لمصلحة جهات مسلحة».

وتزامن الكشف عن التحقيق مع تصعيد «كتائب حزب الله» ضد الحكومة، مطالبة بالكشف عن مسودة اتفاق قالت إن الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية» أبرمته مع لجنة من «الإطار» بشأن حصر السلاح.

وقال حساب على «إكس»، يحمل اسم «أبو مجاهد العساف»، ويُقدّم نفسه مسؤولاً أمنياً في «الكتائب»، إن الفصائل لا تزال تنتظر نسخة من الاتفاق، مضيفاً أنها «أوقفت تنفيذ العمليات العسكرية حتى إشعار آخر».

وتساءل صاحب الحساب عن عقود بيع النفط إلى شركة إقليمية، وما إذا كان أعضاء «الإطار التنسيقي» يوافقون على بيع النفط بأسعار مخفضة والمشاركة في الأرباح، إلا أن مصدراً مطلعاً أفاد بأن العراق يبيع شحنات من النفط بسعر مخفض بسبب «أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وتحمل المشترين مخاطر النقل».