وداعاً «سكايب»... نهاية حقبة تكنولوجية وبداية أخرى

يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
TT

وداعاً «سكايب»... نهاية حقبة تكنولوجية وبداية أخرى

يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

في خطوة تمثل نهاية حقبة من تاريخ الاتصالات الرقمية، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستتوقف رسمياً عن دعم «سكايب» بحلول 5 مايو (أيار) 2025. كان «سكايب» في يوم من الأيام المنصة الرائدة في مكالمات الفيديو والتواصل عبر الإنترنت، حيث أصبح اسماً مرادفاً للاجتماعات الافتراضية قبل ظهور تطبيقات مثل «زووم» و«مايكروسوفت تيمز» ومنافسين آخرين. يعكس هذا القرار التطور السريع في تقنيات الاتصال، بالإضافة إلى تحول استراتيجيات الشركات الكبرى نحو الذكاء الاصطناعي والمنصات الموجهة للأعمال.

بداية «سكايب»

تأسس «سكايب» عام 2003 على يد رجل الأعمال السويدي نيكلاس زينشتروم والمبرمج الدنماركي يانوس فريس، بمساهمة من المهندسين الإستونيين آهيت هينلا، وبريت كاسيسالو، ويان تالين. في وقت كانت فيه المكالمات الدولية باهظة الثمن وكانت خدمات الاتصال عبر الإنترنت لا تزال في بداياتها، قدم «سكايب» حلاً مبتكراً يتمثل في المكالمات الصوتية والمرئية المجانية عبر الإنترنت.

سرعان ما أصبح التطبيق شائعاً بسبب سهولة استخدامه وقدرته على ربط الناس من جميع أنحاء العالم مجاناً. وكان له تأثير كبير في البلدان التي كانت فيها الاتصالات الدولية مكلفة أو مقيدة. سواء كانت عائلات تفصلها القارات، أو شركات تعمل عن بُعد، أو حتى رواد العمل الحر، أصبح «سكايب» الجسر الذي جعل العالم أصغر.

وخلال عامين فقط من إطلاقه، تجاوز عدد مستخدمي «سكايب» 50 مليون شخص؛ ما أكد أن الاتصال عبر الإنترنت لديه إمكانات هائلة. وفي عام 2005، استحوذت شركة «eBay» على «سكايب» مقابل 2.6 مليار دولار، إدراكاً منها لإمكاناته الثورية في قطاع الاتصالات. ومع ذلك، لم تحقق الصفقة النجاح المتوقع؛ ما أدى إلى بيعه لاحقاً لمجموعة من المستثمرين، حتى استحوذت عليه «مايكروسوفت» في 2011 مقابل 8.5 مليار دولار.

في ذلك الوقت، كانت «مايكروسوفت» تخطط لدمج «سكايب» عبر نظام «ويندوز»، و«إكس بوكس»، والتطبيقات الخاصة بالأعمال. لكن بحلول تلك الفترة، كان عالم الاتصالات قد بدأ يتغير، وظهرت منافسة قوية تهدد هيمنة «سكايب».

استحوذت «eBay» على «سكايب» في عام 2005 وبيع لاحقاً لمستثمرين حتى استحوذت عليه «مايكروسوفت» في 2011 (د.ب.أ)

العصر الذهبي لـ«سكايب»

خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحتى أوائل 2010، كان «سكايب» هو الخيار الأول للمكالمات المرئية، والمكالمات الصوتية، والمحادثات الفورية. وكان بمثابة شريان حياة لملايين المستخدمين حول العالم، من الأُسر إلى الشركات، وحتى الصحافيين الذين يعتمدون عليه في نقل الأخبار من مناطق النزاع.

وقد ساهم «سكايب» في انتشار ثقافة العمل عن بُعد والعمل الحر قبل أن يصبح شائعاً كما هو اليوم. كما لعب دوراً كبيراً في صناعة المحتوى، حيث كان الأداة الأساسية لإجراء المقابلات الافتراضية للبرامج والبودكاست والمؤتمرات الصحافية. وفي ذروة شعبيته، بلغ عدد مستخدمي «سكايب» أكثر من 300 مليون مستخدم نشط شهرياً؛ ما جعله أحد أكثر منصات الاتصال استخداماً عالمياً.

صعود المنافسين وتراجع «سكايب»

على الرغم من نجاحه، بدأ «سكايب» في التراجع تدريجياً بحلول منتصف عام 2010، حيث ظهرت تطبيقات مثل «واتساب» و«فيسبوك ماسنجر» و«فيس تايم» و«زووم»و«مايكروسوفت تيمز»، وغيرهم.

يُعزى سبب تراجعه إلى عوامل عدة، منها ظهور تطبيقات تركز على الهواتف الذكية. كان «سكايب» مصمماً في الأصل لأجهزة الكمبيوتر، في حين أن التطبيقات الجديدة مثل «واتساب» و«فيس تايم» جعلت مكالمات الفيديو جزءاً من المحادثات اليومية عبر الهاتف. هناك أيضاً مشاكل الأداء وتجربة المستخدم. فمع مرور الوقت، أصبح «سكايب» تطبيقاً ثقيلاً ومليئاً بالمشاكل التقنية؛ ما دفع المستخدمين إلى التوجه نحو تطبيقات أكثر سلاسة وسرعة، مثل «زووم» و«غوغل ميت».

ومع ازدياد العمل عن بعد، أصبحت الشركات تعتمد على «مايكروسوفت تيمز» الذي قدم مزايا متقدمة تناسب بيئات العمل. وبدلاً من تطوير «سكايب»، بدأت «مايكروسوفت» بتوجيه استثماراتها نحو «تيمز» كونه أكثر تكاملاً مع مجموعة تطبيقات «أوفيس 365». وكان اندلاع جائحة كورونا في 2020 بمثابة الضربة القاضية، حيث أصبحت «زووم» المنصة الأكثر استخداماً لمكالمات الفيديو، بينما اتجهت الشركات والمؤسسات إلى «مايكروسوفت تيمز»؛ ما جعل «سكايب» خارج المنافسة تماماً.

إيقاف «سكايب» يعدّ نهايةً لفصل مهم في تاريخ التكنولوجيا ويعكس التحولات في بيئة العمل الرقمية الحديثة (أ.ب)

ماذا يعني إيقاف «سكايب»؟

أعلنت «مايكروسوفت» أن خدمة «سكايب» ستتوقف تماماً في 5 مايو 2025، وسيتم توجيه المستخدمين إلى الانتقال إلى «مايكروسوفت تيمز». بينما يعزز هذا القرار تركيز الشركة على تطبيق واحد، إلا أنه يمثل نهاية أحد أكثر البرامج شهرة في تاريخ التكنولوجيا.

بالنسبة للكثيرين، يعدّ إنهاء «سكايب» لحظة مليئة بالحنين، فهو كان أول تجربة للكثيرين في مكالمات الفيديو والتواصل الفوري عبر الإنترنت. لعب «سكايب» دوراً مهماً في ربط العالم وساهم في الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم. أما بالنسبة لـ«مايكروسوفت»، فهذا القرار يتيح لها التركيز على منتجات أكثر تكاملاً وتناسب بيئات العمل الحديثة، مثل «تيمز» الذي يقدم مزايا أفضل للمؤسسات والشركات.

نهاية فصل وبداية آخر

إيقاف «سكايب» ليس مجرد إنهاء خدمة، بل دليل على مدى سرعة تطور التكنولوجيا. التطبيق الذي كان يوماً أداة لا غنى عنها، أصبح الآن جزءاً من التاريخ، مثلما اختفت تطبيقات أخرى مثل «ياهو ماسنجر» و«MSN ماسنجر» و«AOL إنستانت ماسنجر». ومع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي والمحادثات المدعومة بتقنيات التعلم الآلي والاجتماعات الافتراضية المتقدمة، سيظل «سكايب» محفوراً في ذاكرة الإنترنت بصفته واحداً من أهم الأدوات التي غيرت طريقة تواصل العالم، مكالمةً بعد أخرى.


مقالات ذات صلة

بعد تراجع حضورها... «مايكروسوفت» تغلق «سكايب» في مايو المقبل

تكنولوجيا شعار «سكايب» معروض على جهاز لوحي (أ.ف.ب)

بعد تراجع حضورها... «مايكروسوفت» تغلق «سكايب» في مايو المقبل

أعلنت شركة «مايكروسوفت» في رسالة عبر «إكس»، اليوم (الجمعة)، عزمها إغلاق منصة «سكايب» التي كانت رائدة في خدمات الاتصالات عبر الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق «سكايب» يلغي خصائص مستوحاة من «سنابشات»

«سكايب» يلغي خصائص مستوحاة من «سنابشات»

أعلنت شركة «مايكروسوفت» الأميركية العملاقة أنها ستلغي عدداً من الخصائص المستوحاة من تطبيق «سنابشات» كانت قد أضافتها منذ فترة إلى خدمة «سكايب» الخاصة بها. وأشارت الشركة إلى أن تحديثها الجديد هذا يأتي استجابة لانتقادات كثير من المستخدمين الذين لم يعجبوا بإضافة تطبيق «سكايب» خصائص تشبه تلك الموجودة في «سنابشات». وأكدت الشركة أنها ستتخلص من خاصية «هايلايتس»؛ أي تسليط الضوء على المحتوى، لجعل المنصة «أكثر بساطة». وقامت «مايكروسوفت» بزيادة عدة خصائص مشابهة لتلك التي نجدها في «سنابشات» العام الماضي على «سكايب»؛ منها خاصية الـ«هايلايتس»، لكنها لمست أن المستخدمين لم يعجبوا بهذه المميزات، بل وجدوا أن الت

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».