شح المياه... كابوس يهدد الأمن الغذائي والاجتماعي لدول المغرب العربي

المغرب يدعو مواطنيه عدم ذبح الأضاحي... والجزائريون يتظاهرون بسبب العطش... وتونس تحت خط «الفقر المائي»

صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)
صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)
TT

شح المياه... كابوس يهدد الأمن الغذائي والاجتماعي لدول المغرب العربي

صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)
صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)

حذر عدد من السياسيين والخبراء في مجال الزراعة والأمن الغذائي من أن اضطراب المناخ في عدد من دول شمال أفريقيا، ومن بينها المغرب وتونس والجزائر، وارتفاع درجات الحرارة بشكل سنوي، أثرا بشكل مباشر على الموارد المائية لهذه الدول، وهو ما قد يهدد بدوره الأمن الغذائي والاقتصادي وحتى الاجتماعي لهذه الدول، التي تعتمد هيكلياً وبشكل أساسي على واردات المنتجات الغذائية، ولا سيما الحبوب، وخسارة الإمكانات الزراعية للأراضي، وانخفاض الإنتاج الفلاحي، وتأثر القطاع السياحي أيضاً.

المغرب يدعو مواطنيه عدم ذبح الأضاحي

في المغرب يعيش السكان للعام السابع على التوالي جفافاً حادّاً، بعد أن انخفضت نسبة هطول الأمطار هذا العام 53 في المائة مقارنة بمتوسط ​​​​السنوات الثلاثين الماضية، وهو ما تسبب في عجز بمراعي تغذية الماشية. كما انخفض إنتاج اللحوم، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية، وزيادة واردات الماشية والأغنام الحية واللحوم الحمراء.

العاهل المغربي دعا لعدم ذبح أضاحي العيد هذا العام بسبب الجفاف الحاد (ماب)

ووقعت البلاد مؤخراً صفقة لاستيراد ما يصل إلى 100 ألف رأس من الأغنام من أستراليا. كما علقت الحكومة في ميزانية 2025، رسوم الاستيراد وضريبة القيمة المضافة على الماشية والأغنام والإبل واللحوم الحمراء، للحفاظ على استقرار الأسعار في السوق المحلية.

وتسبّبت موجة الجفاف المتواصلة، التي تعد الأسوأ منذ مطلع الثمانينات، في تراجع أعداد المواشي بنسبة 38 في المائة، مع تسجيل عجز في الأمطار بـ53 في المائة مقارنة مع متوسط الثلاثين عاماً الأخيرة، وفق ما أفاد وزير الزراعة أحمد البواري منتصف فبراير (شباط) الماضي.

وكنتيجة لذلك جرى إفراغ خزانات السدود المغربية، وهو ما تسبب في خسائر فادحة بالوظائف في قطاع الزراعة، ودفعت البلاد إلى تسريع خططها لتحلية المياه.

وفي هذا السياق، أوضح الوزير البواري أن نسبة امتلاء سدود الري في منطقتي دكالة، وسوس ماسة، بلغت اثنين في المائة فقط، و15 في المائة على الترتيب، رغم أنهما من أهم المناطق الزراعية في البلاد. مؤكداً أن معدل امتلاء خزانات السدود الوطنية انخفض إلى 26 في المائة، إذ تم إعطاء الأولوية لتزويد المدن بالمياه الصالحة للشرب على حساب المزارع.

قلة التساقطات وتوالي سنوات الجفاف أدّيا إلى انخفاض كبير في عدد رؤوس الأغنام في المغرب (أ.ب)

وأثر الجفاف على تراجع حصة المواطن المغربي من المياه بشكل كبير. وحسب تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي (مؤسسة دستورية استشارية) فإن الموارد المائية حالياً بالنسبة للفرد تقدر سنوياً بأقل من 650 متراً مكعباً، مقارنة مع 2500 متر مكعب للفرد في سنة 1960، وقد توقع تقرير للمجلس أن تنخفض حصة الفرد عن 500 متر مكعب بحلول سنة 2030. مشيراً إلى أن الدراسات الدولية تشير إلى أن التغيرات المناخية يمكن أن تتسبب في اختفاء 80 في المائة من موارد المياه المتاحة في البلاد خلال الـ25 سنة المقبلة.

ولمواجهة هذه المعضلة، لجأ المغرب منذ سنوات إلى بناء عدة سدود بلغ عددها حالياً 149 سداً كبيراً، بسعة تخزينية تفوق طاقتها 19 مليار متر مكعب، إلى جانب سدود متوسطة وأخرى صغيرة. كما عمل المغرب أيضاً على مشاريع لتحلية مياه البحر من خلال 9 محطات تنتج 147 مليون متر مكعب في السنة، بالإضافة إلى آلاف الآبار والأثقاب لتعبئة المياه الجوفية. وأمس الأربعاء، دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس لعدم ذبح أضاحي العيد هذا العام بسبب الجفاف الحاد، والتراجع الكبير في أعداد المواشي.

وقال الملك في رسالة تلاها وزير الشؤون الدينية، أحمد التوفيق، عبر التلفزيون العمومي: «نهيب بشعبنا العزيز عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة»، وأوضح أنّ السبب وراء هذا الطلب هو «ما يواجه بلادنا من تحديات مناخية واقتصادية، أدت إلى تسجيل تراجع كبير في أعداد الماشية».

وأوضح الملك في الرسالة، التي نشرتها «وكالة الأنباء المغربية» أنّه «أخذاً بعين الاعتبار أنّ عيد الأضحى هو سُنّة مؤكدة مع الاستطاعة، فإنّ القيام بها في هذه الظروف الصعبة سيُلحق ضرراً محقّقاً بفئات كبيرة من أبناء شعبنا، لا سيّما ذوي الدخل المحدود».

الجزائر: مظاهرات بسبب العطش

عاشت ولاية تيارت (300 كلم غرب) الجزائرية، الصيف الماضي، مظاهرات كبيرة بسبب انقطاع المياه عن سكان المحافظة نتيجة جفاف السد المحلي. وأوفدت الحكومة كبار مسؤوليها إلى المنطقة لتهدئة الغضب، وأطلقوا وعوداً بـ«تفكيك قنبلة العطش» في أقرب وقت.

سد بغرب الجزائر ضربه الجفاف في السنين الأخيرة (متداولة)

جاء ذلك بعد أن أعلنت وزارة الموارد المائية أن الجزائر باتت من ضمن الدول الفقيرة، من حيث مصادر المياه، بسبب فترات جفاف طويلة ومتكررة، مع عجز في نسب تساقط الأمطار بلغ، حسبها، بين 40 و50 في المائة خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بالمعدلات السنوية الماضية، خصوصاً في الجهتين الوسطى والغربية للبلاد.

وأوضحت الوزارة أن «نقص وشح الأمطار بفعل التغيرات المناخية، أثرا بشكل كبير على تزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، وقد برزت آثار هذه التحولات جلياً على 20 محافظة في البلاد»، من أصل 58 محافظة. مؤكدة أن «الجزائر تعيش، على غرار دول البحر الأبيض المتوسط، عجزاً مائياً ناجماً عن التغيرات المناخية، التي أثرت بشكل كبير على الدورات الطبيعية للمتساقطات المطرية».

رئيس البلاد خلال إطلاق تشغيل محطة لتحلية مياه البحر غرب العاصمة (الرئاسة)

وبسبب ندرة التساقطات، سرّعت الحكومة الجزائرية تنفيذ خطة لتحلية مياه البحر، التي تم إطلاقها منذ سنوات طويلة، لتفادي الاحتجاجات الشعبية التي أصبحت مألوفة مع اقتراب فصل الصيف، حيث يزداد الطلب على مياه الشرب. وتعهّد رئيس البلاد عبد المجيد تبون في عام 2023 بتوفير المياه لكل السكان (45 مليون نسمة) لمدة 15 سنة، دون أي انقطاع في الإمدادات.

وقبل أيام قام الرئيس عبد المجيد تبون بحضور نشاطين مهمين لتخفيف أزمة المياه: الأول كان في وهران، كبرى مدن غرب البلاد، (400 كلم عن العاصمة)، والثاني في محافظة تيبازة (70 كلم غرب العاصمة). تمثلا في تشغيل محطتين لتحلية مياه البحر المتوسط، بهدف التقليل من «أزمة العطش» التي يعاني منها ملايين السكان في المناطق الغربية.

محطة تحلية مياه البحر الجديدة غرب العاصمة الجزائرية (الرئاسة)

وتشمل خطة الحكومة بناء 5 محطات، كل واحدة منها تنتج 300 ألف متر مكعب يومياً. وتعد محطة معالجة مياه البحر بوهران من أكبر المحطات في البلاد، بطاقة إنتاج 300 ألف متر مكعب من المياه يومياً. وهي كمية «تساهم في تلبية احتياجات سكان وهران، وست ولايات أخرى في الغرب الجزائري»، حسب تصريحات تبون.

وسبق أن دق وزير الموارد المائية والأمن المائي السابق، كريم حسني، ناقوس الخطر، عندما صرح بأن مناخ الجزائر، «أصبح اليوم جافاً». معلناً عن «استراتيجية جديدة» في قطاعه، تتمثل في مضاعفة الاعتماد على محطات تحلية المياه. مؤكداً أن تحلية مياه البحر باتت «الحل الأمثل لأن المياه السطحية أصبحت شحيحة، وبلادنا تزخر بكل الإمكانات اللازمة، منها شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1200 كلم، وكذا الخبرة والموارد البشرية اللازمة في هذا المجال».

تونس تقطع المياه عن المواطنين

بسبب أسوأ جفاف تشهده تونس، وبعد أن أصبحت الخزانات والسدود شبه فارغة، اضطرت السلطات التونسية لقطع المياه عن السكان لمدة سبع ساعات في الليل، وهو القرار الذي هدد بتأجيج التوتر الاجتماعي، كما اضطرت وزارة الزراعة لإدخال نظام حصص لمياه الشرب، وحظرت استخدامها جزئياً في الزراعة، وفي غسل السيارات، وري المساحات الخضراء، وتنظيف الشوارع والأماكن العامة، وملء المسابح الخاصة، وهددت بمعاقبة المخالفين.

صورة تبين حجم الجفاف الذي ضرب مدينة نابلس (إ.ب.أ)

ووفقاً لقانون المياه يعاقب المخالفون بغرامة مالية، وبالسجن من 6 أيام إلى 6 أشهر. كما يمنح القانون الحق للسلطات في تعليق الربط بالماء الصالح للشرب، الذي توفره شركة توزيع المياه الحكومية، في خطوة أثارت غضباً واحتجاجاً في مدينة صفاقس (جنوب). لكن خبراء يجمعون على أنه لم يعد أمام السلطات أي حل سوى ترشيد المياه لتفادي الأسوأ، في ظل واحدة من أسوأ موجات الجفاف.

بسبب الجفاف الحاد يضطر سكان القرى التونسية إلى قطع مسافات طويلة للعثور على المياه (رويترز)

وبحسب تقرير صادر في شهر مارس (آذار) 2024 عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، فإن تونس، التي شهدت ست سنوات من الجفاف خلال العقد الماضي، باتت تعدّ خامس دولة في العالم الأكثر عرضة لخطر الجفاف ونقص المياه. ولذلك حذر مؤلفو التقرير من أن هذا الوضع «يمكن أن يعوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتونس، وأوصوا بمراعاة واقع تغير المناخ وضرورة تعزيز تدابير التكيف معه».

ووفقاً للمعايير الدولية، التي تحدد الحد الأدنى لاحتياجات البلاد من المياه عند 1000 متر مكعب لكل ساكن سنوياً، فإن تونس باتت تحت خط الفقر المائي بأقل من 500 متر مكعب لكل ساكن سنوياً.



ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
TT

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)

لاقى إعلان الحكومة المصرية، الخميس، تبني إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق، ترحيباً من مواطنين وخبراء اقتصاديين، باعتباره ترجمة لمبدأ «تقاسم الأعباء»، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وتنعكس تداعياتها على حياة المواطنين.

وبموجب القرار الأخير والممتد طوال 3 شهور، تم «وقف الإنفاق على أي مشروعات جديدة، باستثناء ما يصدر من توجيهات رئاسية أو من مجلس الوزراء، ووقف السفر للعاملين في الدولة ما لم تكن الجهة الداعية هي التي تتحمل النفقات، ووقف المؤتمرات والفعاليات المختلفة، وترشيد الطاقة في الجهاز الإداري والأجهزة المحلية بنسبة 20 في المائة، وخفض استهلاك الوقود 30 في المائة للمركبات الحكومية».

ولا يعدّ هذا أول قرار بالتقشف تعلنه الحكومة المصرية؛ إذ سبق وأعلنت في نهاية مارس (آذار) الماضي، خطة تقشفية لمدة شهر لترشيد استهلاك الطاقة، نتيجة الحرب الإيرانية وتأثيراتها في أسواق الطاقة عالمياً، لكن الخبير الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، يرى أن «الخطة التقشفية الأخيرة هي الأكثر وضوحاً، وتتضمن العديد من المستهدفات والخطوات الواضحة، ولمدة محددة، عكس الإجراءات التقشفية الانتقائية الماضية».

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»، أن التقشف الحكومي يأتي استجابة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن من جهة، والضغوط التي تعاني منها الحكومة نفسها من جهة أخرى، في ظل تعدد الالتزامات والعجز التجاري وأزمة الدولار، معتبراً أن «الحكم على تأثير هذه القرارات يحتاج إلى وقت، وإلى تطبيق جاد لها».

واتفق معه الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن ملف التقشف الحكومي وترشيد الإنفاق العام من أكثر السياسات الاقتصادية حساسية وتأثيراً في المزاج العام واستقرار الشارع، وتعتمد قدرة هذه الإجراءات على مدى شعور المواطن بأن العبء موزع بعدالة، وأن الحكومة تبدأ بنفسها أولاً قبل أن تطالب الشارع بتحمل تبعات الأزمات».

الحكومة توافق خلال اجتماعها في 5 نوفمبر 2026 على مشروع قرار لترشيد الإنفاق العام (رئاسة مجلس الوزراء)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أثنى على تحمل المواطن المصري أعباء الأوضاع الاقتصادية، قائلاً في تصريح له في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي: «أعلم يقيناً أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم».

ونبه الشافعي إلى ضرورة تنفيذ الخطة التقشفية بحذافيرها، قائلاً: «تاريخياً واقتصادياً، لا تنجح خطط التقشف في تهدئة الرأي العام إلا إذا ترافقت معها شفافية مطلقة وخطاب سياسي صريح يوضح أن هذه التضحيات مؤقتة وضرورية لعبور مرحلة حرجة، وفي حال اقتصر التقشف على المظاهر الشكلية وبقي المواطن وحده يحمل وزر التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن ذلك يولد نتائج عكسية تماماً وتتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة».

ورحب مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقرارات التقشف الحكومي، واقترح بعضهم تقليل الحراسات للوزراء لتوفير استهلاكهم للطاقة، واستحضر آخرون الأوضاع الإقليمية المضطربة في دول عدة، بينما تتمتع مصر بالأمن، معتبرين أن التحديات الاقتصادية فاتورة طبيعية ومقبولة في هذا الإطار.

في المقابل، انتقد آخرون تأخر هذه الإجراءات التقشفية، وأشار بعضهم إلى «البذخ» في مظاهر الإنفاق ببعض المؤسسات الحكومية، متمنين أن يتم تطبيق ما جاء في القرارات الأخيرة، وتوضيح حجم التوفير في الإنفاق منها.

وفي السياق، رحب عضو مجلس الشيوخ، رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» ناجي الشهابي، بإعلان الحكومة الإجراءات التقشفية، «باعتبار أنها تعكس إدراكها لحجم التحديات والضغوط التي تواجه الاقتصاد المصري في ظل الاضطرابات الإقليمية والدولية»، مشدداً على أن ترشيد الإنفاق الحكومي «خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، ما لم تصاحبها مراجعة جادة للسياسات التي أدت إلى تفاقم الأعباء على الدولة والمواطنين».

وشدد الشهابي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «التقشف الحقيقي يجب أن يبدأ من الحكومة وأجهزتها، لا من جيوب المواطنين»، مؤكداً رفضه القاطع «لأي إجراءات تمس مخصصات التعليم والصحة أو الأجور والمعاشات أو برامج الحماية الاجتماعية»، ومحذراً من أن الطبقة المتوسطة «التي تمثل رمانة الميزان وصمام الأمان الاجتماعي للدولة المصرية، تعرضت لضغوط معيشية شديدة، ولم تعد تحتمل مزيداً من التراجع في مستوى معيشتها».

زيادة الأعباء على المواطنين مع ارتفاعات الأسعار المستمرة (وزارة التموين المصرية)

واستثنت القرارات التقشفية الحكومية، وفق بيان رسمي الخميس، ما يتعلق بشكل مباشر بالمواطنين، مثل مخصصات الدعم والتموين، وبرنامج «تكافل وكرامة»، ومشروع «حياة كريمة» لتطوير قرى مصرية، وكذلك ما يتعلق بصحة المواطنين، والتعليم، وما يتعلق بقطاع الأمن والأمن القومي.

وأضاف الشهابي أن «ترشيد الإنفاق العام يجب ألا يتحول إلى تقليص للاستثمارات الإنتاجية، أو تعطيل للمشروعات الصناعية والزراعية التي تزيد الإنتاج وتوفر فرص العمل وتحد من الاستيراد، لأن مواجهة الأزمة الاقتصادية لا تتحقق بخفض المصروفات وحده، وإنما بزيادة موارد الدولة الحقيقية وتعظيم قدرتها على الإنتاج والتصدير».

لكن ذلك ما يعده الخبير الاقتصادي خالد الشافعي تحدياً، قائلاً إن «حزم التقشف الحكومي تحمل مؤشرات إيجابية وسلبية مزدوجة؛ فالمؤشرات الإيجابية تأتي غالباً على مستوى الاقتصاد الكلي والمالية العامة للدولة، في خطوات تعكس رغبة رسمية في إرسال رسائل اطمئنان إلى المؤسسات الدولية والمستثمرين بأن الدولة جادة في إصلاح مسارها المالي وإدارة أزمتها بكفاءة، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على استقرار سعر الصرف ومحاولة السيطرة على معدلات التضخم على المدى المتوسط».

في المقابل، يرى الشافعي أن «تأجيل المشروعات الاستثمارية وتبطئة عجلة بعض الإنفاق الرأسمالي، قد يؤديان إلى تباطؤ مؤقت في معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل المتاحة، ما ينعكس سلباً على سوق العمل ويرفع ضغوط البطالة وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين، لتصبح المحصلة النهائية معركة معقدة تتوازن فيها فوائد استقرار الاقتصاد الكلي مع قسوة التكاليف المعيشية التي يتحملها المواطن في تفاصيل يومه».


هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
TT

هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

في تحرك جديد لمصر والسودان بشأن مواجهة أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، أعلنت دولتا المصبّ تشكيل لجنة مشتركة لـ«حصر أضرار» مشروع «السد» على حقوقهما المائية، في خطوة تثير تساؤلاً حول تحرك الأزمة إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا.

ويرى خبراء أن حصر التأثيرات السلبية للسد الإثيوبي «خطوة مهمة في مسار تدويل قضية السد»، وأشاروا إلى أن «تقييم الخسائر يمهد الطريق لإجراءات قانونية ودبلوماسية أخرى، من بينها طلب التعويض على ما لحق بدولتَي المصبّ من أضرار».

وهناك خلاف بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً حول مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي.

وأمام استمرار الخلاف بين دولتَي المصبّ وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل «السد»، أعلن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «تشكيل لجنة مشتركة لحصر وتقييم التأثيرات السلبية الناجمة عن السد الإثيوبي»، وقال في منشور عبر حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي، مساء الخميس، إن «السد غير شرعي، والتحرك لحصر آثاره السلبية خطوة جديدة لتعزيز التعاون المائي بين مصر والسودان».

وأشار سويلم إلى أن «اللجنة ستتولى تحديد جميع الأضرار الناتجة عن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إثيوبيا، تمهيداً للمطالبة بالتعويضات المستحقة وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وجاء الإعلان عن اللجنة المشتركة لحصر أضرار السد الإثيوبي بعد أيام من انعقاد الجولة الثالثة لاجتماعات آلية التشاور السياسية والأمنية (2+2) لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، في القاهرة، الاثنين الماضي.

وشدد البيان المشترك الصادر في ختام الاجتماعات حينها على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، وتم الاتفاق على «ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتَي مصب نهر النيل، والحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة بموجب اتفاقية 1959، وعدم السماح بأي افتئات على تلك الحقوق»، حسب «الخارجية المصرية».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعدّ وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام تشكيل لجنة مشتركة لحصر الأضرار الناجمة عن السد الإثيوبي «خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط على المستوى الفني، إنما أيضاً على المستويين السياسي والقانوني»، وقال إنها «تعكس وجود رؤية مشتركة وتنسيق استراتيجي بين دولتَي المصبّ في التعامل مع تداعيات السد والسياسات الإثيوبية في إدارة مياه النيل الأزرق».

ويرى علام أن «نتائج أعمال اللجنة ستكون أساساً لتحديد الخطوات المقبلة، سواء المطالبة بالتعويضات عن الأضرار وفقاً للقواعد القانونية الدولية و(إعلان المبادئ) الموقع عام 2015، أو اللجوء إلى المسارات القانونية المتاحة».

وسبق أن لجأت مصر والسودان لمجلس الأمن الدولي بسبب عدم التوصل لاتفاق مع الجانب الإثيوبي ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، وأصدر المجلس بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 عقب مناقشة قضية السد، حثّ فيه «مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل (سد النهضة) ضمن إطار زمني معقول».

ويعتقد علام أن توثيق أضرار السد الإثيوبي «لا يقتصر على معالجة التداعيات الحالية، بل يحمل رسالة ردع واضحة للمستقبل، مفادها أن الإضرار بمصالح دولتَي المصبّ لن يمر دون توثيق أو مساءلة، بما يحد من (الممارسات الإثيوبية الأحادية) التي تلحق الضرر بمصالح دولتَي المصبّ».

وزير الخارجية المصري مع نظيره السوداني في لقاء بالقاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، فإن «اللجنة المشتركة خطوة تعكس جدية دولتَي المصبّ في التعامل مع ملف السد من الناحية القانونية».

ويرى أن «مصر والسودان لديهما بالفعل معرفة بطبيعة المخاطر والأضرار المحتملة والناجمة عن السد، لكن أهمية تشكيل لجنة مشتركة تكمن في تحويل هذه المعرفة إلى ملف متكامل يتضمن الموقف القانوني وبيانات وأدلة وتوثيقاً رسمياً للأضرار».

وأوضح وزير الري المصري، مساء الخميس، أن «التعاون مع السودان يشمل تنفيذ مشروعات تنموية، وإعادة تأهيل خزان جبل الأولياء، واستئناف أعمال البعثة المشتركة ببحيرة السد العالي بعد توقفها منذ عام 2013»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في إدارة السدود وتبادل البيانات، ومواصلة العمل من أجل تحقيق التوافق بين جميع دول حوض النيل».

واتفقت مصر والسودان على «تفعيل الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، وفق اتفاقية عام 1959، لدراسة وصياغة الرأي الموحد الذي تتبناه الدولتان في كافة الشؤون المتعلقة بمياه النيل، ولتنسيق الرؤى وتبني مواقف موحدة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية المرتبطة بالحقوق المائية للبلدين»، حسب بيان اجتماع وزراء الخارجية والري بالبلدين، الاثنين الماضي.


«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
TT

«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)

انضم مجلس النواب الليبي إلى التحذيرات الأميركية بشأن معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية من معرقلي العملية السياسية في البلاد. وطالب بعثة الأمم المتحدة، مساء الخميس، بـ«اتخاذ إجراءات رادعة بحقهم»، في موقف يتقاطع مع تلويح مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بـ«فرض عقوبات على الأطراف التي تعطل التسوية السياسية»، في حين أكد نائب القائد العام للجيش الوطني صدام حفتر دعمه للمبادرة الأميركية لتوحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات.

وبحثت رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، مساء الخميس، مع قيادات سياسية وعسكرية وتنموية في شرق ليبيا، مستجدات العملية السياسية وجهود توحيد مؤسسات الدولة، في سلسلة لقاءات بمدينة بنغازي، أعقبت تمديد ولاية البعثة الأممية لمدة عام.

صدام حفتر مع المبعوثة الأممية (الجيش الوطني)

والتقت تيتيه رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، وصدام حفتر، وشقيقه بالقاسم حفتر، مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، في إطار تحركات البعثة الأممية لدفع مسار التسوية السياسية، ومعالجة الانقسام المؤسسي.

وذكر مجلس النواب أن عبد النبي أكد خلال لقائه تيتيه «انفتاحه على جميع الليبيين، وحرصه على توحيد المؤسسات، ولا سيما السيادية والرقابية والقضائية»، مطالباً الأمم المتحدة بـ«اتخاذ خطوات رادعة تجاه معرقلي العملية السياسية».

وأكد رئيس المجلس دعمه اتفاق اللجنة المصغرة (4+4)، مشدداً على «ضرورة الإسراع في تنفيذه»، كما تناول اللقاء تداعيات الهجرة غير النظامية على ليبيا، بصفتها دولة عبور، والحاجة إلى حلول اقتصادية في دول المنبع للحد من تدفقات المهاجرين.

من جانبها، قالت تيتيه إن هناك تقارباً ملحوظاً بين المؤسسات الليبية خلال الفترة الأخيرة، وأوضحت أن عدداً من الملفات بات في طريقه إلى الحل، داعية الأطراف الليبية إلى «مواصلة التعاون لتحقيق الاستقرار»، ومؤكدة أن «دور البعثة الأممية يتمثل في تقديم الدعم والمشورة للجهات الليبية».

وكان بولس قد وجّه، الأربعاء، تحذيراً مباشراً إلى الأطراف، التي تعرقل الانتقال السياسي في ليبيا، قائلاً إن «من يختارون تعطيل العملية السياسية أو تقويضها سيواجهون عواقب، من بينها احتمال إدراجهم على قوائم العقوبات»، وحملهم مسؤولية حرمان جيل كامل من فرص الاستقرار والازدهار بسبب «مصالح شخصية ضيقة».

وأكد صدام حفتر خلال لقاء تيته «ضرورة توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام في المؤسسات الوطنية»، مشيراً إلى أن «توحيد السلطات السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية يمثل أساساً لاستعادة وحدة الدولة، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

وقال صدام إنه يدعم جهود البعثة الأممية، بالتوازي مع انخراطه في المبادرة الأميركية، مؤكداً «ضرورة البناء على تفاهمات اللجنة المصغرة (4+4)، وتجاوز العقبات التي تعترض تنفيذها، وفق خطوات واضحة وجدول زمني محدد». وأضاف صدام أن استمرار الانقسام يفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية، مشدداً على رفض إبقاء مستقبل البلاد رهناً للخلافات، ومحاولات تعطيل المسار السياسي.

مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، بحث مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بالقاسم حفتر، مع تيتيه سبل التعاون في مجالات التنمية وإعادة الإعمار، واستعرضا مشروعات البنية التحتية والمرافق الخدمية المنفذة في عدد من المدن، خصوصاً بنغازي ودرنة. وأكد الجانبان أهمية استمرار التنسيق، بما يدعم التنمية الاقتصادية، ويحسن الخدمات المقدمة للمواطنين. كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، حيث اطلعت على أعمال تطوير المرافق التعليمية.