تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته

عماد الأرنب لـ«الشرق الأوسط»: الملك فاجأنا بزيارة مطعمنا وسط لندن

تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته
TT

تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته

تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته

زار الملك تشارلز، الأربعاء، الطاهي السوري عماد الأرنب في مطعمه «عماد سيريان كيتشان (Imad’s Syrian Kitchen)» الواقع في منطقة سوهو بوسط لندن، قبل أيام من قدوم شهر رمضان الفضيل، بحضور كوكبة من الشخصيات السورية من أطباء وناشطين في جمعيات خيرية يعمل فيها الشيف عماد الأرنب، وتعنى بتقديم المساعدات ليس فقط للسوريين إنما لبلدان أخرى مثل فلسطين ولبنان وأوكرانيا وغيرها. وهنّأ الملك تشارلز المخرجة وعد الخطيب التي كانت من بين الحضور الحائزة على جائزة «البافتا» لعام 2020 عن فيلمها الوثائقي الحربي «من أجل سما».

جاءت زيارة الملك إلى المطعم بعد لقاء جمعه بعماد الأرنب، حيث لبّى الأخير دعوة لزيارة قصر باكنغهام في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023 تقديراً له على جهوده التي يبذلها في سبيل الأعمال الخيرية ومساعدة اللاجئين ومساهمته في المجتمع البريطاني، خاصة أنه جاء إلى البلاد في عام 2015 لاجئاً، ليصبح بعدها مالكاً لمطعم معروف في وسط لندن.

وفي اتصال لـ«الشرق الأوسط» مع الشيف عماد الأرنب، قال إن زيارة الملك لمطعمه الواقع في مبنى كينغسلي كورت في شارع كارنابي كانت من شبه المستحيلات، خاصة أنه يقع في الطابق الأخير، مما يجعل الناحية اللوجيستية للزيارة صعبة، وشرح الأرنب ترتيبات الزيارة، قائلاً: «عندما تمت دعوتي لقصر باكنغهام عام 2023 أعربت عن رغبتي في استقبال الملك تشارلز في مطعمي، وأجابني حينها بأنه يود ذلك إلا أن الأمر سيكون صعباً جداً من ناحية الترتيبات الأمنية». وتابع الأرنب أنه لم يصدق أذنيه عندما سمع من ممثلين عن القصر منذ نحو الشهر أن الملك ينوي تلبية الدعوة والقدوم إلى المطعم.

الملك تشارلز خلال زيارته لمطعم عماد الأرنب في لندن (أ.ف.ب)

وعن الأشخاص الذين شاركوا في لقاء الملك تشارلز في المطعم، قال الأرنب: «زوجتي وبناتي كن على رأس الحاضرين والحاضرات، واخترت شخصيات سورية فاعلة في المجتمع البريطاني لجأت إلى هنا هرباً من النظام السابق، واستطاعت أن تنجح في مجالات عدة مثل الطب والهندسة».

ووصف الأرنب الملك تشارلز بالشخصية المرحة والملمة بالعديد من المواضيع على رأسها السياسة في الشرق الأوسط والعالم، وتابع: «الملك تشارلز لم يستطع تذوق الطعام السوري الذي أقوم بتحضيره إلى جانب فريق العمل المؤلف من جنسيات مختلفة بما فيها البريطانية وعدد من اللاجئين، وذلك بسبب ارتباطه بزيارة أخرى، ولكنه تناول الشاي وأعرب عن حبه الشديد للباذنجان بكل وصفاته وحبه أيضاً للبابا غنوج أو الباذنجان المتبل».

وقدّم الشيف الأرنب نسخة من كتابه الذي يحمل اسم مطعمه للملك الذي كان سعيداً للغاية بتلقيه تلك الهدية التي حملت توقيع الأرنب مع رسالة له بالعربية، وعلق الملك هنا بالقول: «يبدو اسمي جميلاً وهو مخطوط بالحرف العربي».

الملك تشارلز يتلقى نسخة من كتاب الشيف عماد الأرنب (الشرق الأوسط)

وتابع الأرنب حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الملك تكلم كثيراً في المواضيع السياسية بما فيها وضع اللاجئين في بريطانيا وسوريا ما بعد الأسد، كما شدد الشيف الأرنب على أنه أراد أن يظهر للملك الوجه المشرق لبلده، وطالب المجتمع العالمي من خلال لقائه الملك بالتطلع لسوريا ودعمها لكي تنهض من جديد، لأن الشعب السوري يستحق الدعم لأنه دؤوب في العمل ومحب للحياة، كما أن اللاجئين في بريطانيا أثبتوا أنهم ناجحون ويقدمون الأفضل لأي مجتمع يحلون فيه.

وقال الأرنب إن الزيارة كانت سرية للغاية ولم يعرف بها أي شخص، بمَن فيهم فريق العمل في مطعمه، ولكنه تم التنسيق مع المسؤولين عن مبنى كينغسلي كورت، وذلك لتسهيل قدوم الملك مع مرافقيه.

مَن هو عماد الأرنب؟

عماد الأرنب طاهٍ سوري هرب من الحرب في بلده بعدما دمر القصف مطاعمه ولم يعد أمامه أي أمل غير الرحيل وبدء رحلة الخوف والمجهول من لبنان وصولاً إلى مخيم «كاليه»، وكان حلمه الوصول إلى لندن، انتظر في مخيم اللاجئين في فرنسا 65 يوماً، يصفها بالأيام السوداء التي تتشابه بلونها الداكن ومرارتها مع مرارة الغربة والمصير والمجهول ووجع العيش في السراب بعيداً عن عائلته المؤلفة من زوجته وبناته الثلاث.

الشيف السوري عماد الأرنب في استقبال الملك تشارلز (أ.ف.ب)

خلال أيام الانتظار وتقرير المصير أراد أن يكون لاجئاً مفيداً، فبدأ بطهي الطعام البسيط للاجئين أمثاله الذين ينتظرون مصيرهم مثله تماماً، لم يملك إلا وعاءً واحداً وملعقة وسكيناً، ولكنه كان يملك في جعبته المخفية وصفات أمه السورية التقليدية والبسيطة، الذي حلم في الوقت الذي لم يكن لديه الحق بالحلم وهو يعيش أسير القرار والوجهة التي سينتهي به المطاف ليحط رحاله الأخيرة فيها، حلمه كان الوصول إلى لندن وفتح «مطبخ» يطبق فيه وصفات والدته.

وأخيراً تحقق حلمه ووصل إلى لندن عام 2015، وعمل في مجالات كثيرة، من بينها بيع السيارات، ولكنه لم يتخلَّ عن شغفه في الطهي حتى بدأ بالتعاون مع مؤسّسات خيريّة تدعم اللاجئين عام 2017، مثل مشروع «الجيل الجديد» التابع لـ«يونيسيف»، وجمعية «اختر الحب» لمساعدة اللاجئين في المملكة المتحدة. وبموجب هذا التعاون، أُطلقت سلسلة مطاعم مؤقتة، ونوادي عشاء، بالإضافة إلى أكشاك لبيع الفلافل.

ذاع صيته في العاصمة البريطانية ونفدت تذاكر نوادي العشاء بسرعة غير مسبوقة، وتجمهر الناس أمام أكشاك الفلافل التي يقوم بتحضيرها بعدما أصبحت نكهتها على كل لسان.

مهارته في الطهي جعلت شهرته تسبقه، فاستضافته أهم برامج الطهي التي تذاع على القناة البريطانية الرسمية، عرّف العالم من خلال إطلالاته الإعلامية على المطبخ السوري الذي أراد الاحتفال به من خلال افتتاح «مطبخ» وليس «مطعماً» ليحيي فيه ذكرى والدته التي توفيت مباشرة بعد وصوله إلى بر الأمان في المملكة المتحدة.


مقالات ذات صلة

مطعم جديد في لندن يفتح باباً للنحاتين لتصميم وعرض أعمالهم في حديقته

مذاقات تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)

مطعم جديد في لندن يفتح باباً للنحاتين لتصميم وعرض أعمالهم في حديقته

في قلب منطقة ميفير، في خطوة جديدة من نوعها، يتيح مطعم جديد في منطقة ميفير بلندن فرصة أمام النحاتين لعرض أعمالهم في أحد المواقع البارزة في قلب العاصمة البريطانية

مذاقات الركوة تتراجع أمام كبسولة الاسبريسو (إنستغرام)

الركوة تتراجع أمام كبسولة الإسبريسو

كان فنجان القهوة يوماً مرآةً للهوية الشرقية، وطقساً يومياً لا يكتمل من دونه صباح، ولا تُعقد جلسة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات سر تحضير شرائح اللحم مع البطاطا المقلية في المنزل

سر تحضير شرائح اللحم مع البطاطا المقلية في المنزل

بعد عقود قضيتها متنقلاً بين فرنسا والولايات المتحدة، أدركتُ مدى خطورة أن تقدم على طهي طبق يعد من الرموز الوطنية لبلدٍ ليس بلدك.

دوري غرينسبان (نيويورك)
مذاقات الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

فيما يتعلق بتجار الجبن في الولايات المتحدة، ينبغي أن تكون هذه الأيام ذهبية واعدة.

بيت ويلز (نيويورك)
مذاقات الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

يؤمن الشيف بسّام فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية.

محمد عجم (القاهرة)

صلاح أبو سيف... 30 عاماً على سينما لا يغيب صاحبها

صلاح أبو سيف... الغائب الحاضر في السينما المصرية (الطريق.كوم)
صلاح أبو سيف... الغائب الحاضر في السينما المصرية (الطريق.كوم)
TT

صلاح أبو سيف... 30 عاماً على سينما لا يغيب صاحبها

صلاح أبو سيف... الغائب الحاضر في السينما المصرية (الطريق.كوم)
صلاح أبو سيف... الغائب الحاضر في السينما المصرية (الطريق.كوم)

مرّت ذكرى وفاة المخرج المصري صلاح أبو سيف قبل 30 سنة بصمت شامل، كما لو أنه لم يكن ذات يوم من أعمدة السينما المصرية، ولا يزال.

أبو سيف، الذي رحل في 22 يونيو (حزيران) قبل 30 عاماً، لم يكن علامة عابرة في السينما العربية، بل صاحب بصمة موزّعة بين أفلام تميّزت بموهبته في توفير مضمون نقدي للمجتمع وشخصياته.

بدايات... ملامح سينما تتكوّن

عُرف أبو سيف بمدرسته الواقعية التي شملت، على سبيل المثال، «الأسطى حسن» (1952) و«شباب امرأة» (1956) و«الفتوة» (1957). لكن الواقعية لم تكن وحدها سمة أفلامه، بل واكبها توجّهه إلى الأفلام المقتبسة عن روايات أدبية، ومعالجتها بأحد أسلوبين: واقعية حين يأتي الأمر إلى اقتباسات وسيناريوهات نجيب محفوظ، واتباع المنوال الكلاسيكي العام في الأفلام المقتبسة عن أعمال أدباء آخرين، مثل إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعي، فترتفع نسبة الدراما النفسية والعاطفية للشخصيات.

هذا إلى جانب التنويع الذي داوم أبو سيف عليه، منتقلاً من الكوميديا (بين السماء والأرض) إلى المغامرة (صقر قريش)، ومن الدراما العاطفية (لا أنام) إلى التاريخية (فجر الإسلام). وليس بين هذه الأمثلة المذكورة ما خلا من نقد، أو على الأقل من محاولة نقد إيجابي لما تتناوله الأحداث من مواقف أو قضايا.

كان قد بدأ العمل في «استوديو مصر» بعد عودته من دراسة السينما في فرنسا (لا معلومات كثيرة حول مرحلة الدراسة)، والتحق مساعد مخرج في فيلم «العزيمة» لكمال سليم. وعام 1942، أخرج فيلماً كوميدياً بعنوان «نمرة 6»، وبعده أنجز، عام 1946، «دائماً في قلبي»، وهو دراما عاطفية من بطولة عقيلة راتب وعماد حمدي. تلته بضعة أفلام من أنواع مختلفة (كوميدية، وتشويقية، وتاريخية، ودرامية اجتماعية)، إلى أن أخرج أول أفلامه المهمة «لك يوم يا ظالم» (1951)، رغم أنّ أبو سيف كان قد منح بعض أفلامه السابقة، مثل «الصقر» (1950)، مستوى حرفياً مقبولاً.

عمر الشريف في «المواطن مصري» (الشركة المصرية للسينما والتوزيع)

بطبيعة الحال، ونظراً إلى المرحلة التي شهدت بداياته وتطوّره فكراً وفناً، لم تكن أفلامه كلّها متساوية في حسناتها، لكن معظمها، كما هي الحال في «بين السماء والأرض» (1959) و«ريا وسكينة» و«الفتوة» (1957)، كان مهماً في تاريخ السينما العربية عموماً، والمصرية خصوصاً. ويعود ذلك إلى درجة عالية من حُسن اختياره موضوعاته، وإلى رغبته الدائمة في تطوير لغته السينمائية وتجاوز هفواتها السابقة.

مدرسته الخاصة... واقعية على طريقته

كان دائماً معنياً بالمجتمع الذي يحيا فيه، ولا يغيب عن البال أنّ هذا الاهتمام هو ما أسهم في تأسيس الموجة الواقعية في الخمسينات وما بعد. لم يمضِ حيث ذهبت السينما الواقعية الإيطالية في بعض أفلامها، مثل «سارقو الدرّاجات» لفيتوريو دي سيكا (1948)، بمعنى أنه لم يشأ التقليد أو فرضه. ولا يغيب عن البال هنا أن التأثير الذي تركته أفلام دي سيكا، الأولى على الأقل، ولوكينو فيسكونتي، الأولى بدورها، انتقل إلى سينمات أخرى، لكن تلك بدورها تداولت مفرداتها المستقلّة، ولو أنها انتمت إلى الأسلوب الواقعي العام.

بالنسبة إلى أبو سيف، كان على الشخصيات أن تكون مستقلّة عن أي تأثير خارجي، وبعضها كان مصرياً إلى درجة اقتباسه من شخصيات عرفها، كما في تلك الأفلام التي صوَّر فيها العمدة على نحو متحفّظ، إن لم نقل سلبياً، مستمداً تلك الصورة من شخص والده الذي كان عمدة، وكان، وفق حديث بين المخرج وهذا الناقد، قاسياً.

لا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ. كثير كُتِب عن تأثير روايات نجيب محفوظ وسيناريوهاته في أفلام المخرج، كونها الموضوعات التي دارت في كنف واقعي ونقدي للمجتمع المصري قبل ثورة 1952 وبعدها. لكن النصف الآخر من هذه الحقيقة هو أنّ أبو سيف مَن منحها صدقيّتها وأجواءها الطبيعية والخاصة. ويكفي مقارنة الأعمال التي أنجزها عن كتابات محفوظ بتلك التي أنجزها آخرون، من نيازي مصطفى إلى حسن الإمام، ومن حسين كمال إلى سمير سيف وسواهم، للتدليل على الفروقات الشاسعة بين معالجات أبو سيف الفنية وتلك المعالجات التي أقدم عليها معظم مَن استلهموا روايات الأديب المعروف.

وعلى كثرة مَن أخرجوا أفلاماً عن روايات وسيناريوهات الكاتب نجيب محفوظ، بقيت أفلام أبو سيف في صدارة تلك الاقتباسات، كون النص وجد في معالجاته الواقعية والحرفة التي اشتهر المخرج بهما.

فاتن حمامة في «لا أنام» (اتحاد الفنانين)

بداية تُكرّر نفسها

معظم أفلام أبو سيف مهمّة له بوصفه مخرجاً، وبالنسبة إلى السينما العربية عموماً. بعضها، كما تقدَّم، أفضل من بعضها الآخر، وذلك طبيعي إلى حدّ كبير، لكنها جميعاً تُشكّل تواصلاً دائماً للخطّ المنفرد الذي أقدم عليه المخرج بنجاح. وهذا لا علاقة له بالخطّ الواقعي، كون أبو سيف انتقل بين أنواع شملت التاريخي والكوميدي والاجتماعي والتشويقي على السواء.

في «لك يوم يا ظالم» (1951)، وضع فاتن حمامة، كما يبدو، في أول دور مركّب. فمن ناحية، هي زوجة صبورة، ومن ناحية أخرى، تتمرَّد لاحقاً على مشكلتها مع زوجها العاجز والمريض (محمد توفيق)، وتتصرّف بأنانية عندما تستجيب لجاذبية صديقه (محمود المليجي)، الذي يدرك تلك الشقوق العاطفية ويستغلّها لارتكاب جريمة قتل الزوج. وتكتشف متأخراً أنها لم تكن سوى وسيلة يستغلّها للوصول إلى ثروة والدتها.

إلى جانب تأسيس كلاسيكي جيّد لشخصياته ولأماكن عيشها (طبقة برجوازية)، احتفى أبو سيف، في أكثر من مناسبة، بتطبيق فعل يقع في البداية وينتهي بفعل مماثل في النهاية، كما في «شباب امرأة» (1956) لاحقاً. ففي «لك يوم يا ظالم»، سيموت الشرير غرقاً كما كان قد قتل الزوج غرقاً.

المبدأ ذاته في «شباب امرأة» (أحد أفضل أفلامه)، حيث يصل إلى الحارة الصعيدي البريء شكري سرحان، فتلتقطه صاحبة الشقّة التي استأجرها. تستغله عاطفياً وجسدياً إلى أن يتحوّل إلى رجل آخر. وفي النهاية، تتركه، كما كانت قد تركت من قبله شخصاً آخر يؤديه عبد الوارث عسر، إلى رجل آخر قوي البنية (محمود المليجي)، في دورة حياة كاملة ما إن تنتهي حتى تبدأ من جديد.

فاتن حمامة مرّة ثانية تحت إدارة أبو سيف، وذلك في «لا أنام» (1957)، المأخوذ عن رواية لإحسان عبد القدوس، الذي كانت لديه تلك الرغبة في معالجة شخصياته من زوايا نفسية. تسرد الممثلة، عبر تعليق مسموع، كيف ولماذا ارتكبت خطاياها، وكيف دفعت الثمن غالياً عندما أصيبت بالعمى. يستفيد الفيلم من تنفيذ أبو سيف الجيّد لعناصر العمل الأساسية، ومن معرفته بكيفية تحريك شخصياته؛ إذ يقلّل من درجة تمثيلها ويرفع مستوى الأداء في الوقت ذاته. وكما عادة أفلامه، يؤمّن أبو سيف إيصال المفادات الضرورية لحكاية أخلاقية واضحة المعالم.

شخصيات موجوعة... وجوه مثقلة بالحياة

براعة المخرج في معالجة تدمج الحكاية وشخصياتها في لُحمة طبيعية وواقعية واحدة، تتبدّى كذلك في «حمّام الملاطيلي» (1973)، الذي تميّز بجرأته. وفي سعيه إلى طرح الموضوعات العاطفية والجنسية على نحو جريء، اختار تحقيق رواية إسماعيل ولي الدين، دافعاً إلى الواجهة التصرّفات العاكسة لأهواء شخصياتها. أثار «حمّام الملاطيلي» ضجّة كبرى غير مبرَّرة بسبب مشاهد لشمس البارودي ويوسف شعبان (منفصلين) عُدَّت جريئة. ويشترك المكان (حمّام شعبي) في تأسيس الدراما التي تقع أحداثها فيه وتطويرها. بعض الافتعال من يوسف شعبان، في مشهد شهير يبكي فيه عقده العاطفية، يكاد يطيح بالعمل، لولا تميّز إخراجه وجدّية طرح الموضوع على نحو كامل.

عزت العلايلي وفريد شوقي في «السقّا مات» (أراب فيلم دستربيوشن)

بعد 4 سنوات، قدّم أبو سيف ما يمكن عدّه أكثر أفلامه الدرامية الجادّة اكتمالاً. الفيلم هو «السقّا مات» (1977)؛ إحدى جواهر هذا المخرج التي تجمع بين النحو الأدبي والواقعية التي اشتهر بها، مضافاً إليهما عمق الشخصيتين الرئيسيّتين، عزت العلايلي وفريد شوقي. رجلان دهمهما العمر. الأول (العلايلي)، الذي يعيش حياته المدقعة مع ابنه الصغير، يائساً وحزيناً بعد وفاة زوجته. أما الثاني، شحاتة (شوقي)، فرجل مرح يكسب قوته من المشاركة في الجنازات ولا يحفل بما هو آت. تراءت رواية يوسف السباعي للمخرج فيلماً منذ أن قرأها، لكنه لم يجد التمويل لتحويلها إلى فيلم، كونها تتحدّث عن الموت وتنزع إلى أفكار وجودية مقابل أخرى روحية.

وعلى القدر عينه من الإجادة، ختم أبو سيف حقبة التسعينات بفيلمين، أفضلهما «المواطن مصري» سنة 1991. هنا عكس المخرج رؤيته السلبية للعمدة، كما في فيلمه السابق «الزوجة الثانية» (1967)، في الوقت الذي سرد فيه حكاية تدين مجتمعاً قائماً على خنوع الضعفاء للأقوياء، والعاديين لأصحاب السُّلطة. العمدة هنا (عمر الشريف) يريد تجنيب ابنه الخدمة العسكرية. يقترح عليه أحد المقرّبين منه حلاً مفاده الطلب من فلاح فقير (عزت العلايلي) القبول بأن ينتحل ابنه شخصية ابن العمدة لإرساله بدلاً منه. يُغريه بالمال والكلام المعسول، ممّا يضطر الفلاح الطيّب إلى الموافقة. الفيلم رائع في مفاداته المتعددة وأداءاته، وثري في معالجته، وقد تكوّنت لدى أبو سيف كل الخبرات التي مكّنته من إنجاز هذه التحفة التي مرّت، يا للأسف، من دون النجاح النقدي والجماهيري المُستحقّ.


صاحب مقهى يستعين بالسكان لإعادة رسم جدارية عمرها 30 عاماً

للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)
للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)
TT

صاحب مقهى يستعين بالسكان لإعادة رسم جدارية عمرها 30 عاماً

للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)
للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)

لأكثر من 3 عقود، زيَّنت أعمال فنية زاهية الألوان جانب حانة «بريدج بار» السابقة في شارع بريدج بمدينة بانبوري، في مقاطعة أوكسفوردشاير الإنجليزية. وخلال سنوات طويلة من تلك المدّة، برزت صورة ضخمة لحمامة باسطة جناحيها فوق الشارع، لتصبح جزءاً لافتاً من مشهد المنطقة.

وعام 2024، رأى مالك مقهى «باور كب» الذي يشغل الموقع حالياً، توماس كولبوس، أنّ العمل الفني القديم بحاجة إلى تحديث، فاستعان بفنانين لإعادة تصميمه، ممّا أثار جدلاً بعدما طُليت صورة الحمامة القديمة.

والآن، ذكرت «بي بي سي» أنّ كولبوس قرَّر إشراك أفراد المجتمع المحلّي في إعادة تصميم العمل الفنّي، ليعكس طابع المدينة بصورة أفضل، وربما يتضمَّن حمامة جديدة.

وقال إنّ الحمامة كانت في حالة سيئة عام 2024، ولذلك تواصل مع الفنانين الذين نفذوا العمل الأصلي قبل 30 عاماً لاستبدالها.

وأوضح أنّ ردود الفعل كانت متباينة؛ إذ لم يكن الجميع راضياً عن التغيير في البداية، لكن الناس تقبّلوا التصميم الجديد مع الوقت.

وبعد عامين، قال إنه يعمل حالياً مع فنانين من بانبوري وسويندون ولندن لإجراء تحديث جديد للجدارية، لكنه يريد التأكد من أنّ التصميم يعكس طبيعة الحياة في بانبوري.

وقال كولبوس: «قرّرتُ هذا العام أن أسأل نفسي: ماذا سنبتكر؟ فصل آخر على ذلك الجدار». وأضاف: «ليس الهدف محو كلّ شيء، ولا إعادة طلائه، وإنما إضافة لمسة جديدة».

وتقع الجدارية في موقع بارز بمدينة بانبوري، بالقرب من محطتَي الحافلات والقطارات.

وأوضح كولبوس أنه يجمع آراء أفراد المجتمع المحلّي، ويريد ابتكار عمل فني يُذكّر الناس بضرورة التمهّل والاسترخاء وعدم التركيز على الضغوط.

أما التصميم النهائي، فقال إنه سيظلّ سراً في الوقت الحالي، لكنه من المرجّح أن يتضمّن حمامة «أكثر طرافة وإثارة للاهتمام».


منزل من 7 غرف يُشعل «حرباً» بين الجيران في بريطانيا

كبر المنزل على الورق... ثم كبر الخلاف على الأرض (إنستغرام)
كبر المنزل على الورق... ثم كبر الخلاف على الأرض (إنستغرام)
TT

منزل من 7 غرف يُشعل «حرباً» بين الجيران في بريطانيا

كبر المنزل على الورق... ثم كبر الخلاف على الأرض (إنستغرام)
كبر المنزل على الورق... ثم كبر الخلاف على الأرض (إنستغرام)

أثار منزل «ضخم» مكوَّن من 7 غرف نوم، يجري بناؤه على أطراف مدينة باث، خلافاً بشأن التخطيط العمراني مع جيرانه.

ويقول السكان إنه شُيّد بارتفاع أكبر بكثير، ومساحة بناء أوسع مما وافق عليه المجلس المحلي في الأصل.

وتقدّم مالكو المشروع بطلب بأثر رجعي بهدف «إضفاء الصفة القانونية» على التغييرات التي أُدخلت على المخطّطات الأصلية.

وفي هذا السياق نقلت «التلغراف» عن مجلس باث وشمال شرقي سومرست قوله إنّ اتخاذ إجراءات لإنفاذ القانون لن يكون محل «نظر» إلا بعد البتّ في الطلب الجديد.

وحضر أكثر من 70 من السكان اجتماعاً ميدانياً عُقد مؤخراً، في حين تقدّم 100 شخص باعتراضات رسمية على المنزل المؤلَّف من 7 غرف نوم.

وتشير الوثائق إلى أنّ توماس وورال مُدرج على أنه مُقدّم طلب المخطّطات. كما يظهر اسمه مديراً في شركتي «تي كيه بي للتطوير العقاري» و«تي كيه للبناء»، المسجَّلتين لدى «كومبانيز هاوس».

ويُعدّ تافيس هاملتون (48 عاماً) -الذي يعيش بجوار المنزل وخاض لسنوات نزاعات مع المطوّرين- أحد أكثر من 100 ساكن يعترضون على المشروع.

ووصف هاملتون المنزل بأنه «ضخم»، قائلاً: «قُدّم الطلب الجديد في إطار محاولة أوسع لتجنُّب إجراءات الإنفاذ. التغييرات كبيرة، وواسعة النطاق إلى حدّ أن جميع الرسومات الأخرى، بما في ذلك مواقع نوافذ السقف، تحتاج أيضاً إلى تحديث كامل».

وأضاف: «يجب إصدار أمر بوقف جميع الأعمال في الموقع لحين تقديم طلب جديد ومفصل للتخطيط العمراني».

وتابع: «لو اتُّخذت هذه الخطوة عندما أُثيرت المخاوف بشأن مستويات الارتفاع للمرة الأولى قبل عامين، حين صُبّت القاعدة الخرسانية، لكان من الممكن حلّ المشكلة حينها، وتقليل الأضرار التي سيكون إصلاحها الآن أكثر صعوبة، وتكلفة».

وقال السكان إنّ اتجاه المبنى وموقعه وارتفاعه وحجمه ومساحة بنائه وتنسيق المساحات المحيطة به كلّها «انحرفت بشكل كبير» عن المخطّطات الأصلية، وذلك من شأنه أن يُشكّل سابقة ضارة في المنطقة.

وفي الوثائق المتعلّقة بالمقترح الأحدث، قال المطوّرون إنهم «حاولوا إبقاء المبنى منخفضاً قدر الإمكان»، وأضافوا أنهم «يرون أنّ الارتفاع الإجمالي للمبنى مماثل لما ورد في المخططات المعتمدة».

وقال وورال: «وقف سكان الشارع بأكمله ضدّي منذ اليوم الأول. لم اشترِ الموقع إلا لبناء منزلي الخاص، وكانت رخصة التخطيط موجودة بالفعل، إذ كان شخص آخر قد عرض المشروع على سلطات التخطيط قبل 7 سنوات».

وأضاف: «واجهنا تعقيدات في الموقع، ولم يتمكن البناؤون المحترفون من إنجاز العمل كما هو مخطّط له، ممّا أدى إلى تجاوز الارتفاع المسموح به قليلاً منذ البداية».

وتابع: «يبدو أن جميع الجيران يعتقدون أنني تحايلتُ على النظام، ولجأتُ إلى أساليب ملتوية، لكن هذا غير صحيح. لقد سحبتُ جميع العاملين لدي من الموقع الآن، وأحاول معالجة الأمر مع مخطِّطي البلدية. ما حدث لم يكن سوى بعض الأخطاء في الموقع. وهم يعتقدون أنّ لدي أموالاً طائلة، وأنني أريد التحايل على النظام، لكن هذا غير صحيح».

واعتذر للجميع «عن الإزعاج الذي سبّبه الأمر برمته. لكنني أريد أن أكون جاراً جيداً. سيكون المبنى رائعاً، مع مساحات خضراء على سطحه. الأمر الآن بين أيدي المخططين؛ فأنا حريص على إنجازه بالشكل الصحيح، ولن تُستأنف الأعمال في الموقع إلا بعد أن يكونوا راضين تماماً عن كلّ شيء».

وقال متحدث باسم مجلس باث وشمال شرقي سومرست: «يُبتُّ حالياً في طلب الموافقة على التخطيط بأثر رجعي».

وأضاف: «لن ينظر المجلس في اتخاذ إجراءات إنفاذ رسمية إلا في حال رفض الطلب».