«الصوت والضوء»... رحلة حيَّة في عمق التاريخ المصري القديم

تجتذب العروض السياح لاكتشاف أسرار الحضارة الفرعونية

عرض الصوت والضوء في "قلعة قايتباي" رحلة مشوقة عبر تاريخ الإسكندرية (مجلس الوزراء المصري)
عرض الصوت والضوء في "قلعة قايتباي" رحلة مشوقة عبر تاريخ الإسكندرية (مجلس الوزراء المصري)
TT

«الصوت والضوء»... رحلة حيَّة في عمق التاريخ المصري القديم

عرض الصوت والضوء في "قلعة قايتباي" رحلة مشوقة عبر تاريخ الإسكندرية (مجلس الوزراء المصري)
عرض الصوت والضوء في "قلعة قايتباي" رحلة مشوقة عبر تاريخ الإسكندرية (مجلس الوزراء المصري)

إذا كنت في رحلة سياحية في مصر، فمع حلول المساء، ستجد أن عروض «الصوت والضوء»، المتنوعة والمنتشرة في المحافظات، اختياراً مثالياً للتجول عبر الزمن واستكشاف أسرار الحضارة المصرية القديمة، فهي بمثابة منفذ سحري إلى تاريخ مصر.

تستند تلك العروض على تبسيط التاريخ الفرعوني بأحدث أساليب تكنولوجيا الوسائط المتعددة، وأكثرها تشويقاً وإبهاراً للسائحين، بطريقة مبهرة تجذب الحواس وتثير الخيال، وتعتمد على عدة عناصر، أولها الإضاءة، باستخدام أحدث التقنيات المتقدمة في الإضاءة وعروض الليزر لإبراز معالم الأثر وتسليط الضوء على تفاصيله المعمارية.

ويأتي الصوت كثاني العناصر، إذ يتم سرد القصص التاريخية عبر أصوات احترافية ذات تأثير على أذن المشاهد، ويتم تقدم عروض الصوت والضوء عادة بعدة لغات، بما في ذلك العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، لخدمة السياح من مختلف الجنسيات.

كذلك يتم استخدام موسيقى انسيابية وتأثيرات صوتية، لخلق حالة من الإثارة على العروض، بالإضافة إلى اختيار قصص أسطورية وحضارية، تتناسب مع الأثر وتشحذ حماس الزوار لمعرفة المزيد عن حضارة مصر القديمة.

وعادة ما تضع الشركات السياحية عروض «الصوت والضوء» على جدول الزيارات للأفواج السياحية، في القاهرة والأقصر وأسوان والإسكندرية.

جانب من عرض الصوت والضوء في الأهرامات (شركة الصوت والضوء - فيسبوك)

الأهرامات وأبو الهول

في عرض الصوت والضوء بالأهرامات، يمكنك اكتشاف كنوز الماضي والتعرف على إحدى عجائب الدنيا السبع، حيث تضيء الأهرامات بالألوان المبهجة. ففي حضرة الأهرامات الثلاثة، خوفو وخفرع ومنكاورع، يمكنك التعرف على قصص بنائها، كما ستتعرف على ملوك الفراعنة الذين تحمل الأهرامات أسماءهم.

تاريخ تمثال «أبو الهول»، الذي يعد من أقدم المنحوتات الضخمة في العالم، يحتل جزءاً مهماً من العرض، حيث يجيب العرض على جميع الشائعات حول سبب كسر أنف أبو الهول، لتصبح بالشكل الذي يوجد عليه التمثال حالياً، والخفايا حول بناء الهياكل الضخمة الذي كانت شيئاً مثيراً للعلماء لاكتشاف أسرار بنائها.

وتبلغ أسعار التذاكر للزوار الأجانب، تذكرة VIP مقعد أمامي، قيمة 1300 جنيه مصري (الدولار يساوي 50.46 جنيه مصري)، أما سعر التذكرة العادية 1000 جنيه مصري للشخص البالغ، وتذكرة الطفل أقل من 12 عاماً بـ550 جنيهاً.

وللزوار العرب والمصريين، تبلغ قيمة تذكرة VIP مقعد أمامي، 250 جنيهاً، أما سعر التذكرة العادية 100 جنيه مصري للشخص بالغ، وتذكرة الطفل بـ60 جنيهاً.

جانب من عرض الصوت والضوء في معبد أبو سمبل (شركة الصوت والضوء - فيسبوك)

معبد أبو سمبل

على الضفة الغربية لبحيرة ناصر، نحو 290 كم جنوب غربي أسوان، يقف معبد أبو سمبل شامخاً، والذي يعد عنواناً لعبقرية المصري القديم في العمارة والتشييد، فهو من أضخم وأعظم المعابد في مصر، ومن أهم ما يميزه ظاهرة «تعامد الشمس» على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني مرتين في العام، يومي الثاني والعشرين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) والثاني والعشرين من شهر فبراير (شباط).

أما عرض «الصوت والضوء» بالمعبد فيأخذ الزائر في رحلة لأرضٍ أعلن عليها الملك رمسيس الثاني حبه لزوجته الملكة نفرتيتي، وفي محاكاة تاريخية شيقة يكشف العرض أسراراً عدة طوتها جدران المعبد، لا سيما التماثيل الأربعة في مدخل المعبد، التي يبلغ ارتفاع الواحد منها 20 متراً، والتي تزين الواجهة التي يبلغ عرضها 35 متراً، إلى جانب احتوائه على العديد من القطع الأثرية التي تشهد على عظمة الحضارة المصرية.

وتبلغ أسعار التذاكر للأجانب، 1000 جنيه مصري للتذكرة العادية، وتذكرة الطفل بـ550 جنيهاً. وللزوار العرب والمصريين، سعر التذكرة العادية 100 جنيه مصري للشخص بالغ، وتذكرة الطفل بـ55 جنيهاً.

معبد الكرنك

على ضفاف نهر النيل بالأقصر، يسمح لك عرض الصوت والضوء بأن تستمتع بتفاصيل التاريخ القديم وهو يُحكي لك أمام معبد الكرنك الفخم، الذي يليق بعظمة الإمبراطورية المصرية الضخمة.

يصحبك العرض إلى طيبة العاصمة القديمة، فتتجول بين طرقاتها العتيقة؛ تنصت لتفاصيلها الصاخبة وهي تسرد لك تفصيلة تلو الأخرى، لتطلع على أسرار التاريخ. يأخذك العرض إلى سحر الحضارة الفرعونية حيثما نشأ، حيث تلمسه حولك على الجدران، لينتشلك من الواقع إلى أعماق الماضي الفرعوني العريق.

كما تتعرف على قصة تعامد الشمس على معبد الكرنك لمرة واحدة سنوياً وتحديداً يوم 21 ديسمبر (كانون الأول)، أو يوم الانقلاب الشتوي مع بدء فصل الشتاء، وهو الحدث الثاني من حيث الأهمية بعد تعامدها على معبد أبو سمبل.

وتبلغ أسعار التذاكر العادية للزوار الأجانب 1000 جنيه مصري للشخص البالغ، وتذكرة الطفل أقل من 12 سنة بـ550 جنيهاً. وللزوار العرب والمصريين، سعر التذكرة العادية 100 جنيه مصري للشخص البالغ، وتذكرة الطفل بـ55 جنيهاً.

معبد فيلة مضاءً ضمن عرض الصوت والضوء (شركة الصوت والضوء - فيسبوك)

معبد فيلة

كان معبد فيلة - شأنه كشأن الأهرامات - بقعة سياحية شهيرة في أسوان، يزورها الناس من مختلف بقاع الأرض في القرنين الثامن والتاسع عشر، وهؤلاء هم من حالفهم الحظ برؤية الجدران والأعمدة بألوانها الزاهية على هيئة نشأتها الأولى قديماً. لكن بعد بناء السد العالي (افتتح عام 1971)، غمرت المياه جزيرة فيلة بأكملها لتختفي تحتها ألوان المعبد الزاهية إلى الأبد.

يتجول بك عرض الصوت والضوء بمعبد فيلة لمعرفة هذا التاريخ القريب، كما يطير بك إلى الماضي لاكتشاف الأسرار الفرعونية الكامنة خلف المعبد، فتتعرف لماذا سميت جزيرة فيلة بهذا الاسم ومن شيد معابدها.

كما سيأخذك العرض إلى منبع الأساطير، لتطأ قدماك أرضاً وقف عليها أعظم ملوك مصر الفرعونية، فشيدوا آثار فيلة، كما يُخبرك بقصص الآلهة المصرية كأوزوريس وإيزيس؛ لتتعرف على حياتهم وأمجادهم، وكيف عاش القدماء، وكيف صمدت معابدهم لآلاف السنين.

وتبلغ التذكرة العادية للزوار الأجانب 1000 جنيه مصري، وتذكرة الطفل أقل من 12 سنة بـ550 جنيهاً. وللزوار العرب والمصريين، سعر التذكرة العادية 100 جنيه مصري للشخص بالغ، وتذكرة الطفل بـ55 جنيهاً.

معبد إدفو

تنتظرك أساطير التاريخ في إدفو (شمال أسوان) لتسمعها وتشاهدها عبر عرض الصوت والضوء، الذي تتكشف من خلاله القصص القديمة في أحد أروع المعابد المصرية، المكرس لعبادة الإله حورس، إذ يضيء العرض جدران المعبد، ويروي الصوت أسطورة انتصار «حورس» الملحمي على «ست».

كما ينطلق بك العرض لمعرفة معلومات عن المعبد، الذي ما زال محتفظاً بكل عناصره المعمارية والزخرفية الخلابة، حيث ظل مدفوناً تحت الرمال لعدة سنوات حتى قام عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت عام 1860م بتنظيفه وترميم بعض أجزائه.

ويبلغ سعر التذاكر العادية للأجانب 675 جنيهاً مصرياً، وتذكرة الطفل أقل من 12 سنة بـ360 جنيهاً. وللزوار العرب والمصريين، سعر التذكرة العادية 80 جنيهاً مصرياً، وتذكرة الطفل بـ55 جنيهاً.

قلعة قايتباي

يقدم عرض الصوت والضوء في قلعة قايتباي بالإسكندرية تجربة غامرة، تأخذ الزوار في رحلة مشوقة عبر التاريخ الغني والمثير للمدينة الكوزموبوليتانية، فعندما يجلس الزوار داخل القلعة الضخمة، ويبدأ عرض الصوت والضوء، تتحول الهندسة المعمارية الحجرية إلى لوحة نابضة بالحياة، تصور الدور المحوري للإسكندرية في التاريخ.

يطوف بك العرض بداية من تأسيس المدينة على يد الإسكندر الأكبر، مروراً بفترتها كعاصمة للتعلم والثقافة في العصر الهلنستي، وصولاً إلى تأثيرها عبر العصور الرومانية والإسلامية. كما يبرز العجائب المعمارية والثقافية التي كانت تُميز المدينة، مثل منارة الإسكندرية الشهيرة، إحدى عجائب الدنيا السبع، والمكتبة الأسطورية التي كانت القلب الفكري للعالم القديم. كما يتم تسليط الضوء على قصص شخصيات بارزة مثل كليوباترا ويوليوس قيصر، بالإضافة إلى لحظات من التراث الإسلامي الثري لمصر.

وتبلغ أسعار التذاكر للأجانب، تذكرة VIP، بقيمة 1350 جنيهاً مصرياً، وسعر التذكرة العادية 1125 جنيهاً مصرياً للشخص بالغ، وتذكرة الطفل أقل من 12 عاماً بـ630 جنيهاً. وللزوار العرب والمصريين، سعر التذكرة تذكرة VIP، بقيمة 200 جنيه مصري، والتذكرة العادية 150 جنيهاً مصرياً للشخص بالغ، وتذكرة الطفل بـ85 جنيهاً مصرياً.

نصائح عند الزيارة

نظراً لطبيعة العروض خلال ساعات الليل وفي أماكن مفتوحة، فإنه يفضل ارتداء ملابس ثقيلة خلال الشتاء، أما خلال الصيف فيمكن للرجال ارتداء سترة خفيفة وللنساء يكون الوشاح الخفيف مناسباً. كما يفضل الأحذية الرياضية المريحة نظراً لطبيعة مناطق الأهرامات والمعابد.

العروض فرصة جيدة لالتقاط الصور الفوتوغرافية، ولكن حاول ضبط الكاميرا بما لا يتعارض مع الإضاءة والليزر المحيطين بك. علماً بأن الوصول مبكراً يتيح لك تأمين مكان جيد للمشاهدة وتجنب الحشود الكبيرة.


مقالات ذات صلة

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

يوميات الشرق ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

انتهت مصر وإيطاليا من مشروع ترميم لوحة «الأخوين»، إحدى أبرز روائع فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني.

محمد الكفراوي (القاهرة)
ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدُّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.