​«فن المملكة»... أعمال إبداعية تغوص في الثنائيات وتتبع نموّ التصورات

أول معرض متجوّل للفن السعودي المعاصر يصل إلى الرياض

​«فن المملكة»... أعمال إبداعية تغوص في الثنائيات وتتبع نموّ التصورات
TT

​«فن المملكة»... أعمال إبداعية تغوص في الثنائيات وتتبع نموّ التصورات

​«فن المملكة»... أعمال إبداعية تغوص في الثنائيات وتتبع نموّ التصورات

في عصر محركات البحث، تنهال الصُّور والمعلومات الآتية من مصادر متنوعة، لتهاجم تصورات الأفراد، وآلية تشكّلها، وربما تسببت في عرقلة قدرتهم وسعيهم إلى بناء مفاهيم أعمق.

ومن هذا المنطلق، يسعى معرض «فن المملكة» في محطته الثانية بالرياض، آتياً من البرازيل، إلى الإجابة عن أسئلة لا تخلو من الجدّية، ويحاول أن يكون بوابة إلى فهم ثقافة ما، تسهم فيه الفنون البصرية، لإعادة تشكيل السرديات حول المجتمع، والذاكرة، والماضي، والحاضر.

وفي أروقة المتحف السعودي للفنّ المعاصر، يحتفي المعرض الذي افتتحته هيئة المتاحف، بالمشهد الفني السعودي المعاصر، ويقدم رؤى إبداعية متنوعة تعكس ثراء الهوية الثقافية للمملكة.

وتحثّ أعمال 17 فناناً سعودياً بارزاً يشارك في المعرض، الزوّار على التفكير والتأمّل في التصوّرات التي راودت الفنانين، للكشف عن رؤاهم الفردية، بالإضافة إلى النسيج الثقافي المشترك الذي يجمعهم، استناداً إلى الهوية الفريدة لكل فنان، التي تسهم بدورها في بناء ثقافة بصرية مميزة ضمن سياقات الفنّ المعاصر.

ويضيء المعرض بقصص التاريخ والذاكرة والتراث الثقافي للمملكة، وتوظف الأعمال الفنية المعروضة فيه، مجموعة من الاستراتيجيات الجمالية والبصرية، مستخدمة مواد متنوعة تثري المساحة، ليس بالأفكار والرؤى وحسب، بل أيضاً من خلال نقل الزائر إلى حدودٍ جديدة تتغير عندها المفاهيم.

أعمال 17 فناناً سعودياً بارزاً تشارك في المعرض (هيئة المتاحف)

وتتناول الأعمال المعروضة موضوعين رئيسين، يرتبط الأول بالصَّحراءِ بوصفها رمزاً للرحابة واللانهاية والحياة، فيما يناقش الثاني تفرّد التراث الثقافي وتطور الثّقافة البصرية المتميزة بين الماضي والحاضر.

ومن هذين الموضوعين، تتفرّع مواضيع أخرى، مثل: الذاكرة، والوعي البيئي، والهوية والمنشأ، فيخلق ذلك مشهداً فنياً غنياً، حيث يتقاطع تاريخ المملكة مع قضاياها المُعاصرة، لم يُقدّمها المعرض على نحو مجرّد فحسب، بل سعى إلى إدراجها في سياقٍ أرحب، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمساحة المادية والفكرية في مدينة الرياض.

وتتنوّع الأعمال المعروضة التي أنجزها الفنانون المشاركون، مهند شونو، ولينا قزاز، ومنال الضويان، وأيمن زيداني، ومعاذ العوفي، وأحمد ماطر، وعهد العمودي، وشادية عالم، وفيصل سمرا، وأيمن يسري ديدبان، ودانيا الصالح، وفلوة ناظر، وسارة إبراهيم، وأحمد عنقاوي، وناصر السالم، وبسمة فلمبان، وفاطمة عبد الهادي، بين اللوحات الزيتية، والمنحوتات، والأعمال التركيبية، والفيديو، في مشهد فني يعكس التفاعل بين الموروث والحداثة، ويستكشف الوسائط الإبداعية الحديثة التي باتت تشكل جزءاً من ممارسات الفنانين المعاصرين.

تسهم الأعمال في بناء ثقافة بصرية مميزة ضمن سياقات الفنّ المعاصر (هيئة المتاحف)

غوص في الثنائيات وتتبع لنمو التصورات

يتناول الفنان أحمد ماطر من خلال سلسلة أعماله «إضاءات» العلاقات الثنائية الظاهرة، حيث يخلق الفنان من تلاقي الماضي والحاضر وحدة فنية بديعة؛ إذ يلتقي الأول بما يحمل من بصمات الفن الإسلامي التقليدي الذي يشع بعراقة وعمق، ويتناغم مع الثاني بما يقدمه من ابتكارات طبية ثورية، تفتح أمامنا آفاقاً جديدة لا تخطر على البال.

وفي هذا الحوار الفني، يغوص في عمق ثنائية الإيمان والعلم اللذين يتنازعان في النفس البشرية، ويتنافيان في ظاهرهما، ولكنّهما في الواقع يشتركان في السعي وراء الحقيقة.

يستلهم الفنان من الصفحات الأولى للمخطوطات المقدسة، تلك التي خطّها الحرفيون بيدٍ مبدعة في أزمان مضت، بما تحويه من حروف وكلمات مشرقة تنبض بالحياة، ولكنّه يستبدل الأشكال الهندسية التقليدية بواسطة صورتين بالأشعة السينية لجذعين بشريين، في خطوة تعبيرية عميقة تسعى إلى الكشف عن البنية الداخلية للوجود.

من جهته، يوظف الفنان مهند شونو في عمله التركيبي «عودة إلى اللانهاية»، الرمال بطبيعتها دائمة التغيّر، تماماً مثل السرديات وتأويلاتها.

يضيء المعرض بقصص التاريخ والذاكرة والتراث الثقافي للمملكة (هيئة المتاحف)

وفي هذا العمل الفني، يصنع مهند شونو، 5 منحوتات على شكل أعمدة من الرمال والصباغ الأسود والراتنج، ويضعها على طاولة صناعية مزودة ببكرات دوارة.

وتبدأ هياكل الأعمدة الصلبة بالتآكل مع دورانها البطيء، لتتفكك حبة تلو الأخرى وتتكدّس في الأسفل، ويتفكّك كل عمود بوتيرته الخاصة، فتتحلّل أجزاؤه لتغذي حلقة تستمر إلى ما لا نهاية. وليس هذا العمل الأول الذي يستخدم فيه شونو الرمال، وهو المعروف بتوظيفه هذه المادة بشكل متكرر في مصنوعاته لارتباطها العميق بالمساحات الطبيعية في العالم العربي، ومفهوم مرور الزمن.

توظف الأعمال الفنية المعروضة في المعرض مجموعة من الاستراتيجيات الجمالية والبصرية (هيئة المتاحف)

ويغوص العمل الفني لفاطمة عبد الهادي «سوف تشفى» في عمق الحوار المستمر والمتجدد بين الإنسان والطبيعة، حيث تصبح الممارسات التقليدية فيه سلسلة لا تتوقف من التأمل والعمل.

واستلهمت الفنانة من كتاب قديم ذي طابع علاجي، فجمعت في عملها بين المطبوعات متعددة المستويات التي نفذت عبر تقنية الشاشة الحريرية، وبين الرسومات الفحمية التي نقشَتْها على أوراقٍ شبكية.

ومثلما تتواصل النباتات وتنمو وفقاً لسنن الطبيعة، تجسّد العبارة «إن شاء الله تشفيك» الإيمان بالشفاء بوصفه نعمة لا تنقضي، لتكون بذلك إشارة إلى دورة أبدية من التواصل والتجدد لا تتوقف.

استخدم الفنانون مواد متنوعة تثري المساحة بالأفكار والرؤى (هيئة المتاحف)

فيما يقدم الفنان معاذ العوفي في سلسلة الصور الفوتوغرافية «أهل بانجيا»، السعودية، وتحديداً المدينة المنورة، بعدسة غير معهودة.

ويتساءل عن كيفية توارث الحكايات عن أرض الأجداد، ويُعيد استعراض اللقطات الجوية المأخوذة في عشرينات القرن الماضي ليقدّم من خلالها منظوراً جديداً عن تاريخ هذه الأرض. وتكشف صور العوفي عن أشكال يُعتقد أنها مساحات صخرية شاسعة تعود إلى تسعة آلاف سنة، تشكل أنماطاً يسهل التعرّف عليها من الجوّ.

وفي هذا العمل الفني، يطرح الفنان سؤالاً لافتاً: لو كنا نعلم بوجود هذه الأشكال، فهل يتغيّر فهمنا للحاضر والماضي؟ وفي حين تبقى الإجابة عن هذا السؤال غير محسومة، يدعونا العمل إلى تخيّل قراءة جديدة للمساحات السعودية وذاكرة أهلها.


مقالات ذات صلة

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
TT

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

قال الفنان الفلسطيني آدم بكري إنّ مسلسل «صحاب الأرض» حكى عن نفسه من خلال ردود الفعل الواسعة التي تلقّاها، فشهادته فيه مجروحة. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار نفسه، عادّاً فيلم «اللي باقي منك» أهم محطة في مشواره الفنّي، لكونه العمل الوحيد الذي جمعه بوالده الفنان الراحل محمد بكري وشقيقه صالح، مؤكداً أنّ والده رسم صورة واضحة للفنان الفلسطيني، وأنه هو شخصياً رفض أعمالاً أميركية عدّة لأنها تُقدم صورة مشوّهة للإنسان العربي، لأن لديه مسؤولية تجاه الأعمال التي يقدّمها.

وأثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»، لا سيما بعد استشهاده ضمن أحداثه، وقال إنه وافق على العمل بعدما قرأ 3 حلقات فقط منه، إذ لم تكن الحلقات قد اكتمل كتابتها.

وأضاف أنّ المخرج بيتر ميمي تواصل معه، وأوضح له أنّ شخصية «مجد» حسَّاسة تجاه المسؤولية، وأنه تحمَّس كثيراً ليكون جزءاً من هذا العمل، وشعر بأنه سيكون عملاً مصرياً مهماً ولم يحدث قبل ذلك.

آدم بكري في لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنّ «الفلسطينيين الذين عاشوا هذه المأساة تأثروا بالمسلسل، وشعروا بصدقه»، مؤكداً أنّ «صحاب الأرض» حكى عن نفسه عبر ردود فعل إيجابية عربية وأخرى سلبية ردَّدها إسرائيليون، وأنّ العمل ترك الأثر الذي أراده.

«اللي باقي منك»

وجمع الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، للمرة الأولى، بين آدم بكري ووالده الفنان الكبير محمد بكري وشقيقه صالح، وهو الفيلم الذي يستعيد القضية الفلسطينية من خلال 3 أجيال منذ نكبة 1948، وقد لاقى اهتماماً لافتاً وعُرض في عدد من المهرجانات الكبرى. يقول آدم عنه: «إنه من أهم محطاتي الفنّية لأنه العمل الوحيد الذي جمعني بوالدي وشقيقي. كبرتُ ورأيتُ والدي يقدّم سينما فلسطينية يحكي فيها قصصنا، وكنت أتطلّع إلى يوم أُشاركه في هذه المهمّة، فأكون جزءاً من هذا الفيلم وأؤدي دور والدي شاباً، في حين يستكمل هو دوري حين أكبر. مشاركتي له تُشرفني، فأبي مثلي الأعلى والبطل في عيني».

الفنان الراحل محمد بكري في لقطة مع بعض أبطال «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

وتحدَّث عن ظروف التصوير: «كان من المفترض أن نُصوّر في فلسطين، وكانت قد بدأت حرب الإبادة في غزة، فصوَّرنا في قبرص واليونان والأردن. كنا نصوّر وسط الحرب، ومثَّل هذا ثقلاً لمعاناة أهلنا في غزة. ولم تجمعني مَشاهد مع أبي، لكننا كنا نعيش معاً في شقة بقبرص خلال التصوير، وزارتنا أمي، وكانت أياماً لا تُنسى».

ويستعيد ليلة العرض الأول للفيلم: «حضرت العرض الأول للفيلم مع أبي في مهرجان (كارلوفي فاري)، وقد وقف الجمهور يصفّق لـ17 دقيقة متواصلة. كان أبي يجلس بجانبي في العرض، ووضع يده فوق يدي مرات تأثراً بردود الأفعال القوية، ثم جئت إلى مصر ولم أشارك في جولة الفيلم بالمهرجانات، إلى أن توفّي والدي في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

ومع بدايته السينمائية المبكرة في فيلم «عمر» للمخرج هاني أبو أسعد، الذي أُنتج عام 2013، لفت آدم بكري الأنظار إلى موهبته، إذ قدَّم بطولة هذا الفيلم الذي وصل إلى القائمة القصيرة في ترشيحات الأوسكار. وبعد نحو 13 عاماً من هذه البداية، يقول: «دائماً كانت لديّ مسؤولية تجاه الأعمال التي أقدّمها، لأن والدي رسم صورة واضحة عن مسؤولية الفنان الفلسطيني تجاه وطنه، فلم يكن في حاجة إلى أن يقول لي ماذا أختار أو أرفض، كان هذا واضحاً لي منذ البداية، فأبي مثلي الأعلى».

ومن هذا المنطلق، لم يشارك آدم في أعمال تُشوّه صورة الإنسان العربي، كما يؤكد: «رفضت أعمالاً عدّة في أميركا تُظهر العربي إرهابياً أو شريراً، وقد بات لديّ نضوج أكبر فكرياً وفنياً، ثم جاءت حرب الإبادة لتضع النقاط على الحروف بالنسبة إليّ، فصارت خياراتي دقيقة وحازمة وحاسمة».

الفنان الفلسطيني آدم بكري لا يُساوم على أدوار تُصوّر العربي شريراً (الشرق الأوسط)

وحظي آدم بكري بتكريم خاص في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي، وقد تأثر به، كما يقول: «لا يزال أمامي الكثير. وكان والدي قد كرّمه الفنان عمر الشريف في مهرجان القاهرة أيضاً عام 2005، وتكريمي يزيدني مسؤولية وحماسةً، وتعني لي هذه اللفتة من مصر، فقد تربّيتُ على أفلام عمالقة الفنّ المصري، أمثال عمر الشريف، وأحمد زكي، وسعاد حسني، وعبلة كامل، وغيرهم».

وكشف بكري عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار الذي بدأه في مصر من خلال مسلسل «صحاب الأرض».


أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
TT

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

وكان العلماء قد وجدوا سابقاً آثاراً لوجود بشري يعود تاريخها إلى نحو 14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك آثار أقدام قديمة، وأدوات خشبية، وأساسات لهيكل، وبقايا حفرة نار قديمة، مع وجود رواسب ومقتنيات من الموقع تدعم هذا الإطار الزمني باستمرار.

وتتحدَّى دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت»، عمر هذا الموقع المهم، مشيرة إلى أنّ مونتي فيردي قد يكون أحدث بكثير مما يعتقده العلماء. ولكن لا يتفق الجميع مع هذه النتائج.

باشر العلماء أخذ عيّنات وتأريخ الرواسب من 9 مناطق على طول مجرى جدول تشينتشيهوابي المُتاخم للموقع، وحلَّلوا كيف تغيَّرت الطبيعة الجغرافية عبر آلاف السنوات. وكشفوا عن طبقة من الرماد البركاني ناتجة من ثوران يعود تاريخه إلى نحو 11 ألف عام مضت.

ووفقاً للمؤلف المشارك في الدراسة، كلاوديو لاتوري، فإن أي شيء فوق تلك الطبقة، وفي هذه الحالة، أخشاب ومقتنيات مونتي فيردي، يجب أن يكون أحدث عهداً.

وقال لاتوري، الذي يعمل في الجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي: «أعدنا تفسير جيولوجيا الموقع بشكل أساسي. وتوصَّلنا إلى استنتاج مفاده أنّ موقع مونتي فيردي لا يمكن أن يكون أقدم من 8200 عام قبل الوقت الحاضر».

ويعتقد الباحثون أنّ التغيّرات التي طرأت على الطبيعة الجغرافية، بما في ذلك مجرى مائي أدّى إلى تآكل الصخور، ربما تسبَّبت في اختلاط الطبقات القديمة بالحديثة؛ مّا جعل الباحثين يؤرّخون أخشاباً قديمة على أنها جزء من موقع مونتي فيردي.

التاريخ ليس ثابتاً (أ.ب)

نُشرت النتائج، الخميس، في مجلة «ساينس». ويعترض علماء، بمن فيهم أولئك الذين شاركوا في التنقيبات الأصلية، عليها.

وقال مايكل ووترز من جامعة تكساس إيه آند إم، الذي لم يشارك في أيّ من الدراستين: «قدموا، في أفضل الأحوال، فرضية عمل لا تدعمها البيانات التي عرضوها».

ويقول خبراء لم يشاركوا في البحث إنّ الدراسة تتضمَّن تحليلاً لعيّنات من المنطقة المحيطة بمونتي فيردي، حيث لا يمكن مقارنة آثارها الجيولوجية بجيولوجية الموقع نفسه. ويقولون إنه لا توجد أدلة كافية على أنّ طبقة الرماد البركاني كانت تغطّي كل المنطقة ذات يوم.

ويقولون أيضاً إنّ الدراسة لا تُقدم تفسيراً كافياً للقطع الأثرية التي عُثر عليها في الموقع والتي أُرِّخت مباشرة بـ14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك ناب حيوان «الماستودون» الذي شُكِّل على هيئة أداة، ورمح خشبي، وعصا حفر ذات طرف محترق.

وقال عالم الآثار توم ديليهاي من جامعة فاندربيلت، الذي قاد أول عملية تنقيب في الموقع، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «هذا التفسير يتجاهل مقداراً واسعاً من الأدلة الثقافية الموثَّقة بدقة».

ويختلف مؤلفو الدراسة الجديدة مع هذه الانتقادات، قائلين إنهم أخذوا عيّنات من داخل الموقع، ومن أعلى المجرى وأسفله. وقال المؤلّف المُشارك تود سوروفيل من جامعة وايومنغ إنه لا توجد أدلة كافية على أن القطع الأثرية المؤرَّخة في الموقع هي حقاً بهذا القِدَم.

ويُعد موقع مونتي فيردي حاسماً لفهم العلماء لكيفية وصول الناس إلى الأميركيتين. فقد اعتاد العلماء الاعتقاد بأن الواصلين الأوائل كانوا مجموعة من الناس قبل 13 ألف عام، صنعوا أدوات حجرية مدبَّبة تُعرف باسم «رؤوس كلوفيس». ويبدو أنّ اكتشاف مونتي فيردي، والذي كان محلَّ جدل في البداية، قد وضع حداً لذلك الاعتقاد.

وليس من الواضح كيف يمكن لتاريخ جديد للموقع أن يؤثّر في القصة البشرية. فمنذ اكتشاف مونتي فيردي، كشف الباحثون عن مواقع في أميركا الشمالية تسبق شعب «كلوفيس»، مثل «كوبرز فيري» في أيداهو، وموقع «ديبرا ل. فريدكين» في تكساس.

ولكن يبقى سؤال مهم، وهو كيف بالضبط وصل الناس إلى الأميركتين من آسيا، متجاوزين جنوب صفيحتين جليديتين هائلتين غطّتا كندا؟ هل وصل البشر في الوقت المناسب لانفصال الصفيحتين؛ ما كشف عن ممر خالٍ من الجليد؟ هل سافروا على طول الساحل في قوارب، أم عبر مزيج من المياه واليابسة؟

وقال سوروفيل إنّ إعادة تحديد تاريخ مونتي فيردي قد تعيد فتح المناقشات حول المسار الأكثر احتمالية للبشر الأوائل. وقد توفّر التحليلات المستقلّة المستقبلية للمواقع البشرية المبكرة الأخرى مزيداً من الوضوح.

وأضاف سوروفيل: «بمنح الوقت الكافي وتوفّر الإمكانات العلمية، فإنّ العلم يُصحح نفسه بنفسه. إنه يصل في النهاية إلى الحقيقة».


رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
TT

رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)

حوَّلت السلطات المحلّية في مدينة وولفرهامبتون الإنجليزية رسائل إيجابية خطَّتها فتاة في الحادية عشرة من عمرها إلى جدارية فنّية دائمة.

كانت الفتاة نيريا فايث، من مدينة وولفرهامبتون، قد صمَّمت ملصقات يدوية تحمل عبارات تحفيزية مثل «أنتَ تكفي» و«أنتَ أقوى مما تظن»، في محاولة منها لبثّ البهجة في نفوس المارّة ورفع معنوياتهم.

وقد تجسَّدت هذه الكلمات في جدارية فنّية تُزيّن أسوار شارع تشيسترتون المتفرِّع من طريق كانوك في المدينة.

ونقلت «بي بي سي» عن نيريا فايث قولها: «هذه الرسائل قد تمدّ يد العون لكثيرين ممَّن يشعرون بالإحباط. فبعض الناس يحتاجون فقط إلى كلمات بسيطة تسندهم».

من جانبه، أشاد رئيس مجلس مدينة وولفرهامبتون، ستيفن سيمكينز، بالمبادرة، قائلاً: «رسائل نيريا بسيطة وصادقة وتفيض بالمشاعر.

هذه اللوحات تذكّرنا بأنّ الأفعال الطيبة الصغيرة يمكنها إحداث فارق كبير، ونحن فخورون بالإسهام في نشر هذه الرسالة في أرجاء المدينة».

وظهرت الجدارية على السور الخارجي لحديقة يملكها أحد سكان الحيّ يُدعى جيف، الذي أعرب عن سعادته الغامرة بهذه الخطوة، قائلاً: «كنا نعاني كثرة الكتابات العشوائية على هذا السور، وكان المجلس يرسل فرق التنظيف باستمرار لإزالتها، وبعضها لم يكن لائقاً».

وأضاف: «إنه لأمر رائع أن يكون لديك شيء يستحق القراءة ويُضفي إشراقة على يومك».

أما دان، والد نيريا، فقد أشار إلى التطوّر الملحوظ في ثقة ابنته بنفسها منذ بدأت هذه المبادرة، موضحاً: «لقد بدأت في كتابة توكيدات إيجابية من تلقاء نفسها على قصاصات ورقية وشرعت في توزيعها.

كانت تقف عند الباب وتقدّمها للمارّة، وقد رأيت ملامح السعادة على وجوه الناس، وكيف بدأت ثقتها بنفسها تزداد لرؤيتها ردود الفعل، لأنّ الناس كانوا سعداء بذلك».