آر. إس. توماس... الطبيعة والفلاح

ربع قرن على رحيل الشاعر والكاهن الويلزي (1-2)

أر.أس. توماس
أر.أس. توماس
TT

آر. إس. توماس... الطبيعة والفلاح

أر.أس. توماس
أر.أس. توماس

في سيرته الذاتية، التي توزعت على أربعة أجزاء، يخبرنا الشاعر والكاهن الويلزي آر.إس. توماس، الذي يمر هذه السنة ربع قرن على رحيله عن 87 عاماً، والذي رُشح عدة مرات لجائزة نوبل من دون أن يحصل عليها، كيف قضى طفولته على ساحل ويزال في منطقة تششير، وهو يحدق من بعيد إلى ويلز، حيث ولد. في السادسة من عمره، انتقلت عائلته إلى هوليهيد، حيث عمل والده في سفن تبحر ما بين ويلز وآيرلندا. وهو يذكر أيضاً كيف أن صداقته مع أطفال المنطقة، وهم يكتشفون ساحل البحر القريب، قد فتحت عينيه على مكان ساحر وفاتن.

يكتب في مذكراته عن هذه التجربة:

«تجربة خاصة، تتسلل أحياناً في الظلام، لتقف تحت النجوم بينما ريح البحر تولول حول البيت الصامت... بعد يوم صيفي كهذا، ترى إكليلاً على كل شيء متجه نحو البيت خلال الغسق الذي كان مغموراً برائحة العشب وأزهار الشجيرات الغنية بالرحيق مع طير السبد الذي يغني بشكل متواصل على أجمات السرخس».

مسألة «الحدود الفاصلة»، سواء أكانت الحدود الطبيعة للبحر، أو تلك الفاصلة بين إنجلترا وويلز، استمرت تؤرق توماس أثناء دراسته اللاهوت في كلية «سنت مايكل»، في ضاحية لانداف التابعة لكارديف، عاصمة ويلز. وبعد ترسيمه، أصبح توماس كاهناً، وكانت أبرشيته الأولى في مانافان، على حدود ويلز، وهناك كتب مجموعته الأولى «أحجار الحقل»، والثانية «فدان من الأرض».

والطبيعة عند توماس ليست مكاناً جغرافياً. إنها رمز، فهو ليس شاعر طبيعة، بالمعنى الرومانسي للعبارة، فما يهمه هو الإنسان أولاً. الطبيعة بالنسبة له، ليست كما هي بالنسبة لوردزورث، ليست شيئاً موضوعياً، بل ذاتي، يقول:

«سيهزل الجلد عندما يتهرأ بفعل الشمس والماء المالح، ولكن قدح ماء بارد قبل النوم سيكون رائعاً، سيكون الشرشف الأبيض ناعماً ومأموناً. السماء والبحر سيشحنان بالأزرق، وهذا رمز على أن العبء قد انزاح عن الروح بعد فترة من اليأس».

في قصيدته «طفل الحقل»، يعبر توماس عن هذه اللحظات: عن التفاعل بين الطبيعة والفلاح، وكيف تعيد الأرض تشكيل الجسد والروح، وتحيي النبات الموات. وسنرى أن الفلاح والنبات قد امتلآ معاً في الوقت نفسه بنعمة الطبيعة:

انظر إلى صبي القرية هذا... رأسه محشو

بكل الأعشاش التي يعرفها، وجيوبه بأزهار

وصدفات حلزونات، وكسر من زجاج...

ثمار ساعات قضاها في الحقول بين كتل الشوك.

انظر إلى عينيه لترى زهرتي زنبق تختبئان هناك،

لاحظ كيف نمّشت الشمس وجهه الناعم

مثل بيضة عصفور تحت خصلة شعره

التي تتحدى الريح

لاحظ وقاره، وهو وسط الجموع.

من نعمة معطاة كهذه

تتوالد الأرض وتغري المحراث العنيد

لكن رؤية توماس للطبيعة أبعد ما تكون عن العاطفية. فهو يدرك تماماً الجوانب المظلمة للعالم الطبيعي، وأن لحظات التناغم بين الإنسان والطبيعة نادرة جداً. في هذه المرحلة، نستطيع أن نلاحظ مواقف مختلفة في تقديم الشاعر للطبيعة والإنسان.

في مجموعته الأولى «أحجار الحقل»، نرى قسوة حياة الفلاح التي تفرضها الطبيعة، التي لم تعد «تشارك في تنمية الحياة، أو تحقق البعث» لفلاح الحقل الذي أصبح عبداً للأرض.

لم يعد هناك «تحت العشب الساطع شيء سوى عظام الفلاح الجافة». لم يعد باستطاعة الشاعر أن يمجّد الأرض كما كان يفعل في قصائده السابقة، بل بدأ يعكس الوقائع القاسية، المتجذرة في أرض لا ترحم.

لم يعد الفلاح ولا النبات يتمتعان ببركة الطبيعة، بل، على العكس، بدأت الطبيعة ترسل رسائل الخوف والكراهية:

اتركها، اتركها - الثقب تحت الباب

ليس سوى فم تتحدث من خلاله الريح الجافة

حتى بحدة أكثر.

يد العمر الباردة تكتب على عجل

بحروف غامضة

رسائل الكراهية والخوف.

بعد أن يرسم الشاعر صوراً للأرض الحارقة، والمطر البارد الذي يبدأ في الصيف، وصورة الشتاء بطينه المراكم فوق محور العربة، يعبر عن شكه العميق بأن الأرض سوف تنجد الأهالي، الناجين الأخيرين من أفعال السماء المدمرة. بدلاً من ذلك، تدمرهم الأرض بتيارات من المد والجزر، وكأنها تسخر منهم:

اتركها، اتركها-

مطرها يتساقط ليل نهار

من السقف المرقوع

المحني تحت ثقل السماء

هل ستنجد الأرض، ويناصر الزمن

الناجين الأخيرين هؤلاء؟

هل سيشفي عشب الربيع

جراح الشتاء؟

العشب يتلفها بتيارات مده وجزره

المتصاعد من المدخنة

شرائح لحم مثل الدخان

محترقة تسفعها في طريقها

خلال الأخشاب المتهالكة

إنه مزاح الطبيعة.

تصدعت جوانب الهيكل القديم

ولكن ليس بانبساط!

في قصيدته «فلاح الأرض يتكلم»، نجد أن الفلاح مجرد من الحب، والرويّة، وبركة الأرض: الطبيعة قاحلة وقاسية، والريح تعصف بمراعي التل عاماً بعد عام، والنعاج تجوع، إذ ليس هناك عشب ينمو، والفلاح يجوع، «لأن الربيع لا يزهر في عروق جافة».

لكن الشاعر بكرامة وكبرياء الفلاح الذي يصارع الأرض الجرداء... هذا الفلاح الذي هو أكبر من شجرة السنديان، والذي «عيناه بلا لون، ومع ذلك فهما صافيتان وحادّتان»، وهو يستطيع أن يعلمنا الحكمة بالصمت أكثر مما يفعل بالكلام:

انظر إلى خصلات شعره التي تركتها الريح الباردة

بتردد خفيف للشمس كي تخترقها

لاحظ فمه الجاف مثل الطير

الذي يرفرف ثم يسقط الآن على الباب المتصدع

للنفايات... جاف؟

لا يزال، هذا الرجل يستطيع أن يعلّمنا

في صمته وهو عجوز

أكثر من أغانيه وهو شاب.

حتى مثل شجرة سنديان عندما تكون أوراقها سقيفة.

مواقف متناقضة

في قصائد أخرى، يعبر الشاعر عن موقف مختلف، حتى يبدو أنه متناقض. فنحن نرى أن ظروف الجفاف تترافق الآن بإحساس مروع بالإفقار والفراغ الذهني عند المزارعين. لم يعد الشاعر يضفي صفة مثالية على الفلاحين، بل بدأ يدرك الفرق الشاسع بين الفكرة والواقع. إن فلاحي توماس يختلفون عن فلاحي ووردورث، الذين هم أكثر نبلاً.

فلاحو توماس حمقى، بغيضون، رخيصون، تافهون، وناس ذوو «أرواح لئيمة» لأن «سياج الشجيرات» هو الذي يرسم «حدود الروح». إنهم لن يتمتعوا بالجمال والنعمة اللتين تمنحهما الطبيعة. وهذا ما يصيب الشاعر بالخيبة والغضب أيضاً:

لقد خذلتني أيها الفلاح

منذ اليوم الذي رأيتك فيه تتسكع مع الأبقار

أنت نفسك واحد منها، لكن بسبب الابتسامة

المبهمة مثل ضوء قمر، المنعكسة على وجهك

من مصدر معتم، أخطأتُ طبيعته

بدأ الشاعر يدرك أن أفكاره السابقة حول نبل الفلاحين لم تكن سوى أوهام، وأنهم فقدوا صلتهم مع الأرض، ولهذا السبب «سوف لن يتعلموا حكمتها»:

نعمة التلال يكسيها الضوء

جمالاً برياً، لذلك ظننت،

وأنا أراقب استيقاظك البطيء

وسط بحور من الندى

أنك ترتدي الجمال نفسه بحكم الولادة.

وما يحزن قلب الشاعر فقدان الفلاحين قرابتهم مع الأرض، ولهذا السبب فإنهم لن يتعلموا حكمتها:

أساليبك الجنونية، غير الطبيعية وغير الإنسانية،

لا يمكن قبولها، وتدينها مكانة الإنسان المحتملة.

شيئان اثنان يمكن أن يخلصاك من جهلك: الجمال والنعمة،

وهما ما تجهد الأشجار والأزهار أن تعلمهما

لن يكونا لك أبداً، لقد أوصدت قلبك دونهما.

يرى الناقد راندل جينكنز أن هذه القصيدة لا توحي فقط بـ«تشييع الشاعر للفلاح، وإنما لأي ثقة زائدة بالشرط الكوني لحياة الريف الوضيعة». لكن الأمر على عكس ذلك تماماً. فالشاعر يؤمن بأن كبرياء وكرامة الفلاحين تكمنان في إطاعة قوانين الأرض، وأن تحقيق الانسجام بينهم وبين الأرض، الشكل الأكثر طبيعية للوجود، سينقذ ليس الفلاحين فقط، وإنما كامل الجنس البشري، كما نرى في المقطع التالي:

احلم حلمك، وأطع قواعد الأرض

رتّب حياتك وإيمانك. عندها

ستكون الرجل الأول في المجتمع الجديد

وعلى أي حال، وكما ذكرنا، يبدو الشاعر في هذه المرحلة مليئاً بالغضب على المزارعين، وسكان الريف عموماَ، هؤلاء «الذين تغذيهم الخرافات»، والذين لا يحبون حتى الأرض التي تحضنهم:

ها هو يمضي

نفسك أمام فيضانات الحقول المضطربة

ماذا فعلت القرون؟

الأثواب نفسها، تتهرأ في الضوء،

أو يشقها المطر، تتشبث بهياكل طافية قذفتها الرياح

وتخزيه في عيون طيور الراتينجية.

الفلاحون في هذه القصيدة يقودهم الجهل، ثم الحاجة، وهم الآن يقادون بالعادة. وعلى الرغم من أنهم موجودن منذ بداية الحياة، لكنهم ينكرون الأرض، ولذلك هم لا يستحقون شيئاً:

في البداية كان الجهل، ثم الحاجة،

والآن، العادة التي تجعّده على أجمة سحابة

الحياة تسخر منه، بينما موجات البشر الصاخبة

تضج بعيداً على حافة العالم.

إنه هنا منذ ابتدأت الحياة،

حركة غامضة بين جذور العشب الطري.


مقالات ذات صلة

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون ماهر شفيق فريد

ماهر شفيق فريد... ناقداً

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد

عبد الله الغذامي

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.