ترحيب روسي - تركي بمبادرات إنهاء حرب أوكرانيا

لافروف وفيدان أظهرا انقساماً بشأن انضمام كييف إلى «الناتو»

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان وروسيا سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب انتهاء محادثاتهما في أنقرة الاثنين (إ.ب.أ)
وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان وروسيا سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب انتهاء محادثاتهما في أنقرة الاثنين (إ.ب.أ)
TT

ترحيب روسي - تركي بمبادرات إنهاء حرب أوكرانيا

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان وروسيا سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب انتهاء محادثاتهما في أنقرة الاثنين (إ.ب.أ)
وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان وروسيا سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب انتهاء محادثاتهما في أنقرة الاثنين (إ.ب.أ)

رحّبت تركيا وروسيا بمبادرات إنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية، لكن مواقفهما تباينت بشأن سعي أوكرانيا لعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي كان السبب في اندلاع الحرب.

وقال وزير الخارجية التركي، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف عقب مباحثاتهما في أنقرة الاثنين، إنه «بينما ندخل اليوم السنة الرابعة للحرب، نولي أهمية كبيرة للمبادرة الأميركية الجديدة، ونرى أن إمكانية التوصل إلى حل متاحة عبر المفاوضات التي يجب أن يشارك فيها الطرفان المتحاربان». وأضاف فيدان أن تركيا لا تزال مستعدة لتولي دور المسهل في المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا ويمكنها استضافة المفاوضات، وأن هدفها هو إنهاء هذه الحرب المدمرة بأسرع وقت ممكن.

فيدان خلال المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

تركيا والمفاوضات

ولفت فيدان إلى أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا أثرت سلباً على مناطق جغرافية مختلفة، ويجب أن تنتهي، مضيفاً أن تركيا بذلت، ولا تزال، جهوداً كبيرة للتوصل إلى حل دبلوماسي لهذه الأزمة، وترحب بكل المبادرات لحلها، وتهتم بشكل كبير بالمبادرة الأميركية، وتؤكد ضرورة مشاركة الطرفين المتحاربين في أي مفاوضات لإنهاء الحرب.

وأكد فيدان أنه يجب بذل الجهود لتأمين الملاحة في البحر الأسود، قائلاً: «إننا نسعى للتوصل لحل دائم للنزاع، ويمكننا تحقيق ذلك». وأشار إلى أن الضمانات الأمنية هي موضوع نتابعه من كثب، ومن حيث المبدأ، تركيا مستعدة للمساهمة في السلام، ويمكنها استضافة المفاوضات كما فعلت من قبل عام 2022.

بدوره، قال لافروف إنه من المستحيل إنهاء الحرب دون القضاء على أسباب اندلاعها، لافتاً إلى أن محاولة أوكرانيا الانضمام إلى حلف «الناتو» كانت السبب الرئيسي للحرب. وأكد أن روسيا لن توقف «العملية العسكرية» في أوكرانيا إلا بعد حصولها على ما تريد من المفاوضات التي ينوي الرئيسان الروسي والأميركي مباشرتها، وتحقيق نتيجة ثابتة ودائمة تناسب روسيا.

وأضاف: «رئيسنا (فلاديمير بوتين) أكد بوضوح أننا مستعدون للتفاوض مع أوكرانيا، ومع أوروبا، ومع أي ممثلين، يرغبون بروح من حسن النية في المساعدة في تحقيق السلام، لكننا لن نوقف العملية العسكرية إلا عندما تسفر هذه المفاوضات عن نتيجة ثابتة ومستدامة تناسب روسيا، وبالطبع، يجب أن تؤخذ الحقائق على الأرض في الاعتبار».

لافروف خلال المؤتمر الصحافي في أنقرة (إ.ب.أ)

شروط روسيا

وأكد لافروف ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الحقائق على الأرض وآراء سكان مناطق القرم ودونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، الذين اختاروا أن يكونوا مع روسيا، عند الحديث عن التسوية. وقال إن «الروس في جنوب شرقي أوكرانيا اختاروا العودة إلى الوطن الأم (روسيا) بدلاً من الضمانات التي قدمتها لهم أوكرانيا. الجانب الأوكراني هو من طرح هذه الضمانات بعدم الانضمام إلى أي تحالفات، لكن الغرب هو من منع ذلك». وأضاف أن أوكرانيا تسعى للحصول على الضمانات وعلى الأموال، والآن يبحثون عن كيفية سداد هذه الأموال من خلال بيع مواردهم، لافتاً إلى أنه خلال المفاوضات مع الجانب الأوكراني في إسطنبول في مارس (آذار) 2022، وعلى بُعد خطوة واحدة من توقيع الاتفاقية، وخلال حوار أجراه رئيس المفاوضين من الجانب الأوكراني، قال إن بريطانيا هي من منعت أوكرانيا من تنفيذ الاتفاقية، التي كانت تمنع أوكرانيا من الانضمام إلى «ناتو»، مع تقديم ضمانات من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتركيا وألمانيا، قد تكون أساساً لإعادة التفاوض.

مواقف أوروبا وأميركا

ولفت الوزير الروسي إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يغيّر أفكاره كثيراً، وأفكار الدول الأوروبية تتغير كثيراً أيضاً، لكن وجهة النظر الأميركية ثابتة، مضيفاً أن روسيا ذكرت، مرات عدة، أن مسودة اتفاقية إسطنبول لعام 2022 يمكن أن تصبح الأساس لتسوية الأزمة الأوكرانية، لكن لم نسمع تصريحاً من الولايات المتحدة بأن محادثات إسطنبول مقبولة من حيث المبدأ، كما أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، بوريس جونسون، منع أوكرانيا من التوقيع عليها. وتابع: «الموقف الأميركي معلن باستمرار، فهو لا يدعو إلى (مصالحة فورية)، بل إلى تحديد خط التماس ثم التفكير فيما يجب القيام به، لقد أكدنا دائماً أن هذا الخيار لن يناسبنا».

جانب من المؤتمر الصحافي لقيدان ولافروف (أ.ف.ب)

وأوضح لافروف أنه بحث مع فيدان بالتفصيل عدداً من القضايا الدولية والإقليمية، بما في ذلك العمليات التي تجري حالياً حول الوضع في أوكرانيا، قائلاً: «نحن لا نغيّر موقفنا، ونلاحظ فقط بارتياح أن هناك المزيد من الواقعية في موقف العديد من الدول، التي تدرك أنه سيكون من المستحيل الاتفاق على أي شيء دون اتفاق مستدام طويل الأمد من شأنه أن يقضي على الأسباب الجذرية لهذا الوضع، إذ سيكون من المستحيل الاتفاق على أي شيء دون إزالة السبب الذي أدى لاندلاع الحرب».

وشدد لافروف على أن أوكرانيا يجب ألا تنضم إلى حلف «ناتو»، قائلاً: «هذا سيكون خطأ، إذا تم التوصل إلى نتيجة محددة فإن الحرب ستتوقف، نرحب بما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن ضم أوكرانيا للحلف كان خياراً خاطئاً، ولم يكن ليسمح بذلك لو كان في السلطة، ولم تكن هذه الأزمة لتندلع».

خلاف حول عضوية «ناتو»

في المقابل، ذكر وزير الخارجية التركي أن بلاده لا تمانع رغبة أوكرانيا بالانضمام إلى «ناتو»، لكنه أكد، في الوقت ذاته، ضرورة التحلي بالواقعية، وأنه ناقش المسألة مع الأوروبيين والأوكرانيين، وذكر أنه يجب إدراك أن أوكرانيا تطالب بذلك ليس فقط من أجل الانضمام إلى «ناتو»، بل لضمان أمنها. وقال إنه تحدث مع لافروف وكان على علم بما تمت مناقشته في الاجتماع الأميركي الروسي الذي عقد في الرياض مؤخراً، وأن تركيا استضافت قبل أيام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وتم الاستماع إلى وجهة نظره أيضاً.

جانب من مباحثات إردوغان وزيلينسكي في أنقرة الأسبوع الماضي (الرئاسة التركية)

وأضاف أن ما حدث في أوكرانيا بدأ كمشكلة جيواستراتيجية، لكنه أصبح الآن مشكلة أخلاقية كبرى، وأن ترمب محق في رغبته في وقف الحرب.

بدوره، قال لافروف، خلال المؤتمر الصحافي، إنه أطلع الجانب التركي على المفاوضات الروسية الأميركية التي جرت في العاصمة السعودية الرياض، الأسبوع الماضي، بالتفصيل.

وأشار إلى أنه بعد المحادثات الأميركية الروسية في الرياض، كانت هناك فرصة «لإجراء حوار طبيعي على الرغم من التناقضات الكثيرة التي لا تزال قائمة، وأنه سيتم إجراء مشاورات شاملة هذا الأسبوع لبدء إعادة عمل السفارات مع الولايات المتحدة، قائلاً: «آمل ألا نواجه أي عقبات مصطنعة». وتابع قائلاً: «سنواصل محادثاتنا مع شركائنا الأميركيين بشأن أوكرانيا، ويمكن وقف العملية العسكرية عندما تظهر نتيجة مرضية من المفاوضات».

إردوغان وجه رسالة مصورة إلى القمة الرابعة لقادة "منصة القرم" في كييف (إ.ب.أ)

إردوغان يجدد دعم أوكرانيا

في السياق ذاته، أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده ستواصل العمل بكل قوتها من أجل إرساء سلام عادل ودائم في أوكرانيا. وقال إردوغان، في رسالة مصورة إلى القمة الرابعة لقادة «منصة القرم» التي عُقدت بقصر الرئاسة في كييف، الاثنين، بالتزامن مع الذكرى السنوية الـ3 للحرب الروسية - الأوكرانية، إن تركيا ومنذ ضم القرم عام 2014 قدمت الدعم اللازم لقضية أوكرانيا العادلة وفقاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، ولا تزال متمسكة بموقفها المناهض للحرب.

وتطرق إردوغان، الذي استقبل لافروف عقب مباحثاته مع فيدان، إلى محادثاته مع زيلينسكي في أنقرة، الأسبوع الماضي، لافتاً إلى أنهما ناقشا الإسهامات التي يمكن أن تقدمها تركيا لأوكرانيا، التي قال إنها «في مفترق طريق مهم» حالياً. وجدد رغبة تركيا في استضافة مفاوضات روسية أوكرانية لإنهاء الحرب.

وكان لافروف قد أكد، خلال المؤتمر الصحافي، أن بلاده على اتصال مع تركيا في جميع المجالات رغم التوترات الدولية، وأن الرئيسين بوتين وإردوغان على اتصال دائم، وهناك محادثات مكثفة بين وزارتي الدفاع في البلدين وأجهزة الاستخبارات، وتحدثنا حول مجال الطاقة والقطاع المالي والمصرفي والتعاون في مجالات النقل والخدمات اللوجيستية والسياحة.


مقالات ذات صلة

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

أوروبا ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب) play-circle

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف، الخميس، وتقارير تتحدث عن عرقلة اتفاق ما بعد الحرب في أوكرانيا بسبب أزمة غرينلاند

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد محطة معالجة النفط في حقل ياراكتا النفطي التابع لشركة إيركوتسك للنفط في منطقة إيركوتسك - روسيا (رويترز)

روسيا: توقعات بعجز كبير في الميزانية العامة بفعل نقص عائدات النفط

من المرجح أن تظهر الميزانية الفيدرالية الروسية عجزاً كبيراً مع بداية هذا العام، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نقص عائدات النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية بانقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بداية تمايز في المواقف الأوروبية من أزمة غرينلاند

نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
TT

بداية تمايز في المواقف الأوروبية من أزمة غرينلاند

نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)

سؤالان تطرحهما المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا حول عزم الرئيس دونالد ترمب الاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية. الأول: هل الدول الأوروبية مستعدة للذهاب، حتى النهاية، في المواجهة مع الإدارة الأميركية رغم النتائج الكارثية، والتكلفة المرتفعة المترتبة على ذلك؟ والثاني: هل سيحافظ الاتحاد الأوروبي، المعني الأول بالأزمة، على وحدة الموقف المتشدد أم أنه مع مرور الأيام سوف تتفاوت المقاربات وفق مصلحة كل عضو من الأعضاء الـ27 الذين يشكلون الاتحاد الأوروبي؟

يعزو مصدر سياسي فرنسي صعوبة الموقف الأوروبي إلى الترابط العضوي بين الحلف الأطلسي من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، حيث إن الأكثرية الساحقة من دول الاتحاد تنتمي أيضاً إلى الحلف (باستثناء النمسا وآيرلندا ومالطا وقبرص) الذي تعود القيادة فيه ومنذ ولادته في خمسينات القرن الماضي إلى الطرف الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً الأربعاء في جلسة المنتدى الاقتصادي الـ56 في منتجع دافوس (سويسرا) (رويترز)

ويرى المصدر أن أي شرخ تتسبب به أزمة غرينلاند في العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية بسبب مطامع الأولى «سوف ينعكس حكماً على الحلف العسكري الوحيد المتبقي في العالم اليوم... الأوروبيون، رغم تعزيزهم للميزانيات الدفاعية، غالباً بضغط من ترمب، وإطلاق المشاريع المشتركة في قطاع الصناعات الدفاعية، وسعيهم لإنشاء جيش أوروبي، ما زالوا بحاجة إلى المظلة الأميركية-الأطلسية، خصوصاً النووية منها».

الأوروبيون بحاجة لـ«الأطلسي»

ويتزايد إحراج الأوروبيين مع تواتر تقارير عدد من قيادات الأركان لديهم (ومنها الألمانية، والفرنسية) ترجح تمكن روسيا من شن هجمات على الدول الأكثر هشاشة في الاتحاد الأوروبي (دول بحر البلطيق خصوصاً تلك التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل تفككه في نهاية العام 1991 ومنها إستونيا، وليتوانيا، ولاتفيا)، قبل أن يتحول الاتحاد إلى قوة رادعة، عدا كونهم بحاجة اليوم إلى الدعم الأميركي في ملف الحرب الأوكرانية.

ولعل أكبر ترجمة لهذه الحاجة أن ما يسمى «تحالف الراغبين» الذي يضم 35 دولة غالبيتها الساحقة أوروبية لم ينجح في التوافق على إجراءات عملية لنشر قوة عسكرية أوروبية لطمأنة كييف بأن روسيا لن تهاجمها مجدداً بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، أو اتفاقية سلام، إلا بعد حصولها على «تطمينات» أميركية بأن واشنطن منخرطة في توفير «شبكة الأمان» للقوة الأوروبية التي يمكن نشرها على الأراضي الأوكرانية بعيداً عن خطوط القتال.

وباختصار، فإن القارة القديمة رغم أنها تتشكل من سوق تضم 450 مليون مواطن، وتتمتع بجيوش قوية، ما زالت بحاجة إلى الراعي الأميركي للسنوات القادمة. وما يفاقم حاجتها هذه أن القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد هي فرنسا التي لا تريد تقاسم القرار بشأنها مع أي جهة خارجية رغم «الانفتاح» الذي أظهره الرئيس ماكرون لجهة أخذ «المصالح الأوروبيةّ» بعين الاعتبار فيما يخص استخدام هذه القوة.

والحال أنه لا يوجد شيء ملموس قد برز حتى اليوم، بل إن النقاشات الجارية ما زالت في بداياتها. كذلك تجدر الإشارة إلى أن الرأي العام الفرنسي ليس متحمساً لتطور من هذا النوع.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركاً الثلاثاء في إحدى دورات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (رويترز)

وتعد فرنسا وألمانيا أقرب حليفين، وأقرب دولتين مؤثرتين داخل الاتحاد الأوروبي الذي نشأ بفضل التقارب بينهما بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما يعد الموقف الفرنسي الأكثر تشدداً إزاء مخططات ترمب وكلمات الرئيس ماكرون تدل على ذلك، فإن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس يلجأ إلى مقاربة أقل تشنجاً. ولم يتردد في توجيه انتقاد مبطن لماكرون كما نقلت عنه صحيفة «لو موند» بقوله: «الرئيس والحكومة الفرنسيان يفضلان أحياناً الرد بطريقة أكثر تشدداً مما نتمناه نحن».

وأضاف ميرتس الذي، بعكس ماكرون، لم يشر أبداً إلى احتمال استخدام آلية «محاربة الإكراه» التي تمكن الأوروبيين من الإضرار بالاقتصاد الأميركي، أن ما تريده ألمانيا هو «التوصل إلى حلول بالتشاور بيننا وبين الطرف الأميركي، وأن الإدارة الأميركية تعرف أننا قادرون على الرد على إجراءاتها». ويضيف: «إن أكبر مخاوفي في الوقت الراهن هو على أمن أوروبا. ليس غرينلاند، بل أوكرانيا... والتهديد لأمن أوروبا يأتي حالياً من الشرق أكثر مما يأتي من الغرب».

ينتمي ميرتس إلى حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المعروف بمدى تمسكه بالعلاقة مع واشنطن، وبالحلف الأطلسي. وجاءت كلمات ينس شبان، رئيس كتلته في مجلس النواب الألماني بالغة التعبير، إذ قال في حديث لصحيفة «زود دويتشه زيتونغ» السبت: «يمكننا أن نضرب أقدامنا في الأرض عشر مرات... لكن في الوقت الحالي لسنا قادرين على ضمان أمننا بأنفسنا»... بل ذهب أبعد من ذلك، بالتعبير عن «تفهمه» للموقف الأميركي، ولمطالب ترمب.

واستعاد المسؤول البرلماني الألماني حجة رئيسة لترمب التي تدفعه للاستحواذ على غرينلاند بقوله: «السؤال هو ما إذا كنا، حلف شمال الأطلسي وأوروبا، نحمي هذه الجزيرة بما فيه الكفاية، وهي تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، من قوى أخرى مثل روسيا. دونالد ترمب محق في هذه النقطة».

دعوات للتهدئة

ليست ألمانيا وحدها التي ترفض القطيعة مع الولايات المتحدة. إذ إن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء إستونيا سابقاً، لا تتردد في الدعوة إلى التبصر في الأمور، وهي تؤكد أن الأوروبيين «لا يستطيعون التخلي عن 80 عاماً من العلاقات الأطلسية». كذلك، فإن جيورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، والمعروفة بقربها من ترمب لجأت إلى أسلوب فكاهي للتعبير عن دهشتها إزاء من لا يتردد في إطلاق التهديدات بقولها: «هل علينا الخروج من الحلف الأطلسي؟ هل سيتم إغلاق القواعد الأميركية، ووقف العلاقات التجارية مع واشنطن؟ وهل علينا أن نهاجم مطاعم ماكدونالد»؟

جنود إنقاذ تابعون للبحرية الأميركية يقفون على سطح الغواصة «USS New Hampshire» بعد أن ظهرت على سطح الجليد خلال تدريبات في المحيط المتجمد الشمالي شمال خليج برودهو ألاسكا (رويترز)

ومن جانبها، ورغم استخدامها أحياناً لهجة متشددة، لا تتردد أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في الدعوة إلى «المحافظة على فرصة للتفاوض» مع ترمب الذي وقعت معه اتفاقية التجارة في شهر يوليو (تموز) الماضي، والذي بموجبه فرض الرئيس الأميركي رسوماً بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة مقابل صفر رسوم على مجموعة كبيرة من الصادرات الأميركية باتجاه القارة القديمة. أما مراك روته رئيس وزراء هولندا السابق و«الابن» المدلل لترمب الذي ناداه يوماً بـ«الوالد»، فإنه يصر على أن «أفضل طريقة للتعاطي مع الأزمة هي الدبلوماسية الهادئة». وسبق له أن تواصل مع ترمب وهو يسعى للحفاظ على تجنب الاهتزازات داخل المنظمة التي يديرها.

لا شك أن ما قاله ترمب في دافوس لجهة رفضه اللجوء إلى القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة القطبية من شأنه «إراحة» الأوروبيين بعض الشيء. بيد أن هؤلاء مصرون، بأكثريتهم الساحقة، على عدم إتاحة الفرصة له ليضع اليد على أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وفي الحلف الأطلسي من جانب زعيمة هذا الحلف، والقوة الكبرى فيه.


بسبب ترمب... الدنمارك تواصل نشر قوات في غرينلاند

قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
TT

بسبب ترمب... الدنمارك تواصل نشر قوات في غرينلاند

قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)

أعلن الجيش الدنماركي أنه يواصل نشر قوات في غرينلاند، الإقليم الدنماركي الذي يطمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السيطرة عليه، كما وصلت طواقم ومعدات أوروبية.

وقالت القيادة الدنماركية للقطب الشمالي، الأربعاء، عبر موقع «فيسبوك»: «للمرة الأولى، انتشر متخصصون ينتمون إلى وحدة النخبة في القوات الخاصة التابعة للجيش الدنماركي في التضاريس الأكثر وعورة في غرينلاند، على ساحل بلوسفيل».

وأوضحت أن الهدف من هذا الانتشار هو «تعزيز الوجود في القطب الشمالي».

في موازاة ذلك، ذكرت قناة «دي آر» الدنماركية أن الفرقاطة الدنماركية «بيتر ويليمس» انضمت إلى تدريبات دنماركية يشارك فيها عسكريون من دول أوروبية مختلفة، بدأت الأسبوع الفائت في غرينلاند.

وذكرت قيادة القطب الشمالي أن الفرقاطة الفرنسية «لا بروتاني» تجري أيضاً مناورات مشتركة مع السفينة الدنماركية «تيتيس» في شمال المحيط الأطلسي.

وكان الجيش الفرنسي قد أعلن إرسال الفرقاطة المذكورة إلى شمال الأطلسي؛ بهدف إجراء «تقييم للوضع في منطقة استراتيجية».

ووصف هذا الانتشار بأنه «مساهمة منتظمة للبحرية الوطنية في أمن الفضاءات البحرية المشتركة، وفي المقاربات الأوروبية وفي الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي».

من جهته، أفاد الجيش الدنماركي، الثلاثاء، بأن قواته «تعزز وجودها في غرينلاند وشمال الأطلسي، وتجري تدريبات بالتعاون مع دول حليفة».

وبعد بضعة أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيستحوذ على غرينلاند «بطريقة أو بأخرى»، أرسلت 8 دول أوروبية بضع عشرات من العسكريين إلى الجزيرة، استعداداً للتدريبات مع الجيش الدنماركي.

وغادر قسم من هؤلاء لاحقاً، بمَن فيهم 15 جندياً ألمانياً وسويدياً، لكن آخرين يستمرون في الوصول.

وقال وزير الدفاع السلوفيني بوروت سايوفيتش، الأربعاء، إن ضابطين من بلاده سيتوجهان إلى غرينلاند نهاية الأسبوع.

وفي منتدى دافوس الأربعاء، أكد الرئيس الاميركي أنه لن يستخدم «القوة» لوضع اليد على غرينلاند، لكنه دعا إلى «مفاوضات فورية» لضم الجزيرة.

وكان قد اتهم، السبت، 8 دول أوروبية أرسلت عسكريين إلى غرينلاند، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بممارسة «لعبة بالغة الخطورة»، مهدداً بفرض مزيد من الرسوم الجمركية عليها.


غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، القادة الذين «يزدرون القانون الدولي»، وذلك فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه في «منتدى دافوس» في سويسرا.

وقال غوتيريش عبر منصة «إكس»: «عندما يتعامل القادة بازدراء مع القانون الدولي، وينتقون القواعد التي يطبقون ويتجاهلون غيرها، فإنهم يقوّضون النظام العالمي ويؤسسون لسابقة خطيرة».

وأضاف: «وحين تتمكن قلة من الأفراد من تشويه السرديات العالمية للأحداث، والتأثير في الانتخابات، أو فرض اتجاهات النقاش العام، نكون أمام حالة من اللامساواة وفساد يطال المؤسسات وقيمنا المشتركة».

وقال الرئيس الأميركي، في خطابه أمام «منتدى دافوس»، إن الولايات المتحدة هي «محرّك» الاقتصاد العالمي، مضيفاً: «عندما تزدهر أميركا يزدهر العالم... وعندما تسوء أحوالها، تسوء أحوال الجميع»، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحاول الرئيس الأميركي التركيز على جهوده لكبح التضخم وتحفيز الاقتصاد الأميركي. لكن ظهوره في هذا التجمع الذي ضمّ نخبة العالم، ركّز أكثر على شكواه من الدول الأخرى. وكرّر مراراً أن الولايات المتحدة هي الأقدر على السيطرة على غرينلاند، وسخر من معظم دول أوروبا لمعارضتها الفكرة.

وقال ترمب: «أنا أحب أوروبا وأريد أن أراها مزدهرة، لكنها لا تسير في الاتجاه الصحيح». وأضاف: «نريد حلفاء أقوياء، لا حلفاء ضعفاء».