3 سنوات على الحرب: حصيلة روسية وأوكرانية... ومخاوف أوروبية

عودة ترمب قرَّبت بوتين من إعلان النصر... وزيلينسكي يحتاج «معجزة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
TT

3 سنوات على الحرب: حصيلة روسية وأوكرانية... ومخاوف أوروبية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)

قبل شهرين فقط لم يكن من الممكن تخيُّل أن تستقبل روسيا العام الرابع للحرب على أوكرانيا، وهي تستعد لتجهيز خطاب النصر كما يتردد في أروقة السياسة والاعلام. كان المشهد مختلفاً قبل شهرين. فالعمليات العسكرية في عامها الثالث تحوَّلت إلى حرب استنزاف واسعة النطاق لقدرات الطرفين، وخرائط خطوط التماس جامدة، برغم اختراقات وقعت على طرفيها. وفي مقابل تقدم موسكو في بعض بلدات دونيتسك ولوغانسك، اخترقت أوكرانيا التحصينات الروسية وباتت تسيطر منذ الصيف الماضي على مئات الكيلومترات داخل أراضي روسيا. لكن تلك «النجاحات» الميدانية لم تنجح في رسم ملامح خرائط نفوذ جديدة، ولا في تحويل موازين القوى لصالح أي طرف. وبدا أن الحرب وصلت إلى مرحلة من الجمود في ظل غياب أي رؤية سياسية للتسوية تلبي شروط ومصالح الطرفين.

كان الاستعصاء العسكري والجمود السياسي عنوان المشهد في أوكرانيا، قبل أن يدخل الرئيس دونالد ترمب البيت الأبيض تسبقه وعود وصفت بأنها «خيالية» حول قدرته على إنهاء الحرب في 24 ساعة.

حتى روسيا التي رحبت بعودة الرئيس الجمهوري، بدت في البداية حذرة للغاية، وربطت إعلان أي موقف رسمي بترقب «الخطوات الأولى لترمب».

لكن خطوات الرئيس الأميركي السريعة والصاخبة، أثارت دهشة كبيرة، حتى لدى الرئيس فلاديمير بوتين نفسه، الذي لم يكن يتوقع حجم «اندفاعة» ترمب نحو موسكو. قبل شهرين فقط، قال خبير مقرب من الكرملين إن ترمب لن يكون قادراً على تخطي «الدولة العميقة» وقلب موازين السياسات. اتضح بعد مرور أسابيع فقط أنه فعل ذلك.

حصاد السنوات الثلاث

لا شك أن حرب السنوات الثلاث، وفقاً للتعريف الذي بات يتردد لدى بعض الأوساط الروسية، ويشي بقناعة بأن المواجهة العسكرية سوف تضع أوزارها قريباً، أحدثت تغييرات عميقة لن تنجح روسيا وأوكرانيا في تجاوزها سريعاً مهما كانت سيناريوهات نهايتها.

في روسيا، كانت التوقعات في الأسابيع الأولى للحرب بأنها ستكون عملية خاطفة تنتهي سريعاً بدخول أرتال الدبابات كييف، مثلما حدث في 2008 عندما سيطرت موسكو في خمسة أيام على تبليسي عاصمة جورجيا. وفرضت عبر اتفاق بوساطة فرنسية وألمانية سلاماً يناسب مصالحها.

جنود أوكرانيون يطلقون النار على مسيَّرة روسية ليل السبت - الأحد في كييف (رويترز)

حصاد روسيا

لكن سرعان ما اتضح أن «العملية العسكرية الخاصة»، وفقاً للتسمية الرسمية، تحولت إلى حرب شاملة لم تخض مثلها البلاد منذ الحرب العالمية، فرضت تغييرات واسعة في كل مناحي الحياة في روسيا. وصحيح أن اقتصاد البلاد لم يتداعَ بقوة كما توقعت رزم العقوبات غير المسبوقة بحجمها في التاريخ، لكنه شهدت تحولات كبرى، أعادته إلى ما يشبه اقتصاد الاتحاد السوفياتي مع فارق في غياب القدرات الصناعية الهائلة للدولة العظمى في السابق، والذي تم تعويضه بالاعتماد على شركاء مثل الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإيران.

عموماً، برغم الصعوبات المعيشية والاقتصادية، وفرت العقوبات الغربية فرصة ثمينة للانكفاء على الداخل. وتشجيع الاستثمارات المحلية. وتطوير قطاعات مهمة بشكل ذاتي مثل القطاع الزراعي والقطاع الطبي. وفتح التعاون مع شركاء من الشرق لتطوير قطاعات السيارات والآليات وبعض الصناعات العسكرية والتقنية الأخرى. وكان لافتاً مع بدء التحضير لمرحلة «ما بعد الحرب» حالياً، أن وزير التنمية الاقتصادية الروسي مكسيم ريشيتنيكوف أعلن أن شروط عودة الشركات الأجنبية إلى روسيا سوف تتغير، وسيتم اتخاذ القرارات مع الأخذ في الاعتبار مصالح الشركات والمستهلكين المحليين.

وقال الوزير: «من الواضح أن الاقتصاد الروسي قد تغير. وبالتالي فإن متطلبات الشركات الأجنبية من حيث التوطين والاستثمار والتكنولوجيا ستكون مختلفة تماماً». وأضاف الوزير أن رحيل العلامات التجارية الأجنبية فتح فرصاً فريدة لرجال الأعمال والشركات الروسية من الدول الصديقة، وقد استفادوا منها بشكل كامل.

عسكرياً، أحكمت موسكو السيطرة على نحو خمس أراضي أوكرانيا، ورتبت وضعاً قانونياً عبر قرارات ضم أربع مقاطعات في جنوب وشرق البلاد، يجعل من الصعب على بوتين أو أي رئيس مقبل، أن يتنازل عن الأراضي التي غدت «روسية إلى الأبد».

وسياسياً على الصعيد الداخلي، نجح بوتين في مواجهة أبرز التحديات. لم تحدث انشقاقات كبرى في البلاد برغم نزوح نحو مليون شخص من أصحاب الخبرات إلى الغرب. وواجه الكرملين تمرد مجموعة «فاغنر» وخرج أقوى على مستوى التحكم بالمجموعات الرديفة التي تقاتل إلى جانب الجيش. كما خرج بوتين من استحقاق الانتخابات الرئاسية منتصراً بقوة ونجح في تمتين الجبهة الداخلية حوله.

على المستوى الإقليمي، حققت موسكو نجاحات مهمة في حشد قدرات الحلفاء والشركاء في إطار مجموعتي «شانغهاي» و«بريكس» وعبر الاتحاد الأوراسي الاقتصادي ومنظمة الأمن الجماعي، الذراع العسكري والأمني لرابطة الدول المستقلة. صحيح أن هذه التكتلات لم تدعم مباشرة موقف موسكو في الحرب، لكنها وفَّرت وسادة آمنة ومفيدة جداً، للتبادل الاقتصادي والتعاون الأمني والعسكري برغم قيود العقوبات الغربية.

لكن في المقابل، خسرت موسكو ثقة حلفائها في الفضاء السوفياتي السابق، وباتت جمهوريات آسيا الوسطى تراقب تحركات الكرملين بحذر، وهو يلوّح بـ«خيار أوكرانيا» كلما وقع خلاف، الأمر الذي يسيطر حالياً على العلاقات مع أهم شريكين في المنطقة، وهما أوزبكستان وكازاخستان. وفي أرمينيا التي كانت أقرب حلفاء الكرملين بات «الخيار الأوروبي» مسيطراً على سياساتها، ويحظى بقبول واسع شعبياً. والأمر ينسحب على مولدوفا التي تخشى هجوماً مماثلاً للهجوم على أوكرانيا تحت ذريعة حماية «الروس» في مقاطعة بريدنوستروفيه الانفصالية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث للصحافيين في كييف (أ.ب)

الحصاد الأوكراني

لا شك أن الخسائر الأوكرانية على كل المستويات كانت فادحة خلال السنوات الثلاث الماضية. ومع خسارة خمس الأراضي والتغيير النهائي كما يبدو على خريطة أوكرانيا التي كانت معروفة قبل بدء الحرب، فإن الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية لا تعوض، وفقاً لخبراء.

في عام 2024، فقدت أوكرانيا جزءاً كبيراً من أراضي دونباس، وبرغم أنها عبر الهجوم في منطقة كورسك، تمكنت من اكتساب موطئ قدم داخل روسيا، مما عزَّز فرضيات «تبادل الأراضي» لكن هذا النجاح يبدو محدود النتائج على خلفية التطورات الجارية حالياً.

في غضون ذلك، اتخذت السلطات الأوكرانية قرارات صعبة في السنة الأخيرة. فهي شددت قوانين التعبئة وقررت إلغاء الانتخابات الرئاسية حتى نهاية الأحكام العرفية (تم تمديدها مرة أخرى في نهاية أكتوبر (تشرين الأول). وصحيح أن أوكرانيا تقول إنها الحقت خسائر فادحة بالجيش الروسي بينها مثلاً أن نصف الجيش غاب عن الميدان بين قتيل أو مصاب، وأن أوكرانيا دمرت ثلث أسطول البحر الاسود الروسي، وألحقت خسائر فادحة في كل القطاعات العسكرية الأخرى، لكن القوات المسلحة الأوكرانية تعاني من انتكاسات خطيرة للغاية، وهي تناقش حالياً، إجراءات غير شعبية مثل خفض سن التجنيد من 25 إلى 18 عاماً. ومن المرجح أن يحمل العام الحالي تغييرات مهمة في حال استمرت الحرب.

لذا فإن المشكلة الرئيسية التي تواجه أوكرانيا في الوقت الراهن هي نقص الجنود. متوسط عمر الجنود الأوكرانيين في الجبهة نحو 40 عاماً. وفي الوقت نفسه، فإن خفض سن التجنيد يحمل في طياته مخاطر ديموغرافية جدية.

عموماً، يبدو أن عدداً متزايداً من الأوكرانيين سئموا الحرب ويرغبون في التفاوض. لكن في المقابل، لا تظهر استطلاعات الرأي العام أن الأوكرانيين باتوا أكثر استعداداً لتقديم تنازلات إقليمية من أجل حل الصراع.

مع دمار البنى التحتية وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين فإن العنصر الاكثر تأثيراً على المستوى الاجتماعي كان الهجرة والنزوح المتكرر لفئات واسعة.

وقد حدثت أخطر موجة هجرة في العام الأول من الحرب، وتم إحصاء لجوء ثمانية ملايين أوكراني في أوروبا وحدها. وحالياً، بحسب الأمم المتحدة، فإن عدد النازحين يزيد قليلاً على ستة ملايين، أي أن مليوني شخص عادوا إلى ديارهم خلال ثلاث سنوات. لكن هناك معدلات نزوح داخلية كبيرة أيضاً، ووفقاً لأرقام المنظمة الدولية، هناك نحو أربعة ملايين نازح من مناطق دونباس والأقاليم التي شهدت أعنف هجمات.

أما النتيجة الإيجابية الوحيدة للحرب على الصعيد الداخلي، فهي الاختفاء شبه الكامل للاختلافات الإقليمية في أوكرانيا. وفي حين كان هناك تمايز إقليمي قوي في معظم القضايا في عام 2021، غير أن هذه الاختلافات اختفت الآن عملياً. على سبيل المثال، تم التعامل مع ملف انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي بشكل مختلف في أجزاء مختلفة من البلاد، حتى بعد عام 2014. لم تعد هناك مثل هذه الاختلافات في الوقت الحاضر.

وخلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت أسس جديدة للتقسيم الطبقي الاجتماعي. والآن أصبح العامل الفاصل هو ما فعله الشخص أثناء الحرب والمكان الذي كان فيه. على سبيل المثال، يتم الآن تقسيم المجتمع ليس وفقاً للتقييم السابق القائم على أقاليم الشرق الناطقة بالروسية والأقاليم الغربية التي تتطلع إلى تكامل مع الغرب، بل تحوَّل التقسيم إلى ما يشبه «جغرافيا الحرب»، إذ بات هناك اللاجئون في أوروبا، وأولئك الذين لم يغيروا مكان إقامتهم، والنازحون داخلياً، وأولئك الذين بقوا في الأراضي «المحتلة».

الموقف تجاه الإدارة الأوكرانية مختلف جداً. وتبدو الثقة بالسلطات التنفيذية وفقاً لاستطلاعات الرأي أدنى من مستوى الثقة بالرئيس فلاديمير زيلينسكي. لا يزال زيلينسكي هو الزعيم الذي يحظى بالثقة العامة.

وفقاً لدراسات، فقد تراجعت شعبية زيلينسكي في عام 2024، بسبب الهجوم المضاد الفاشل الذي شنته القوات المسلحة الأوكرانية، والوعي السائد في المجتمع بأن الحرب مستمرة، فضلاً عن إقالة رئيس الأركان فاليري زالوجني الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة. ومع ذلك، في استطلاع حديث، كان مستوى الثقة بزيلينسكي 53 في المائة، وهي نسبة مقبولة، وفقاً لمحللين في الظروف الراهنة.

وربما يستمر تراجع الثقة في زيلينسكي. وسيعتمد هذا إلى حدٍ كبير على كيفية تطور الوضع في الجبهة. برغم ذلك، وبعد انتقادات ترمب القاسية ضد زيلينسكي أخيراً، وظهور ميله لعقد صفقة منفردة مع موسكو يرى خبراء أن زيلينسكي سيكون «بحاجة إلى معجزة لقلب موازين القوى على طاولة المفاوضات لصالحه».

أما الموقف الداخلي حيال فرص السلام وخيارات التنازل عن بعض الأراضي لوقف الحرب، فهو ما زال متناقضاً بقوة. ومثلاً في استطلاع أجري في مايو (أيار) 2022 لصالح المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي، أعرب 60 في المائة من الأوكرانيين عن استعدادهم للمفاوضات. لكن هذا الرقم انخفض عندما حقق الجيش الأوكراني نجاحات في وقف الهجوم الروسي إلى 44 في المائة، ثم إلى 29 في المائة لاحقاً. بينما في الوقت الحالي وبعد مرور ثلاث سنوات وصلت نسبة مؤيدي التفاوض ووقف الحرب إلى 57 في المائة.

والمسألة الأخرى هي الاستعداد لتقديم تنازلات إقليمية. في العامين الأولين كان منخفضاً جداً. على سبيل المثال، في مايو 2022 فقط 10 في المائة أيدوا فكرة التنازل عن دونباس لروسيا. ولم يتغير هذا الرقم كثيراً خلال عام 2023. لكن بعد أن أصبح من الواضح أن الجيش الأوكراني لم يعد قادراً على مواصلة القتال بنجاح، ارتفعت درجة الاستعداد: في سبتمبر (أيلول) 2024، قال 33 في المائة إنهم مستعدون لسلام يفضي إلى التنازل عن جزء من أراضي أوكرانيا.

لكن من المهم أن نضيف هنا، أنه لا يوجد في أوكرانيا أي حديث عن الاعتراف بهذه الأراضي باعتبارها روسية. بل عن تجميد الصراع والقبول بالأمر الواقع الحالي مؤقتاً.

جندي أوكراني فقد ساقه في القتال في شرق أوكرانيا عام 2015 يخلع التمويه عن مدفعه الهاوتزر ذاتي الدفع في خاركيف بأوكرانيا في 10 فبراير (أ.ب)

أوروبا قلقة

لا شك أن الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا، مع دخول الحرب عامها الرابع هي البلدان الأوروبية التي وقع على كاهلها الجزء الأكبر من العبء الاقتصادي والمخاوف الأمنية والسياسية. ومع أن المزاج العام الأوروبي يطالب بوقف الحرب، لكن البلدان الأقرب جغرافياً إلى روسيا، ترى أن السيناريو الذي يطرحه حالياً ترمب سيكون كارثياً على أمنها.

واللافت أنه في الذكرى الثالثة للحرب بلغت الهوة بين أوروبا والولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة، إذ لم يسبق للطرفين أن اتخذا موقفاً متناقضاً إلى هذه الدرجة حيال ملف له تداعيات أمنية وعسكرية ضخمة على القارة الأوروبية. وأبرز التجليات الحالية هي المواجهة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد اقترحت الولايات المتحدة مشروع قرار خاص بها يدعو إلى إنهاء الحرب بسرعة، لكنه لا يطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا على الفور. بينما أوروبا لديها وثيقة مختلفة تماماً تطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا.

وتسلط الخلافات في الوثائق الضوء على الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول كيفية حل الصراع في أوكرانيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص على خشبة المسرح خلال «مؤتمر العمل السياسي المحافظ» في غايلورد بولاية ميريلاند السبت (د.ب.أ)

سيناريو السلام

تزامن إحياء الذكرى الثالثة للحرب مع اندفاعة ترمب لفرض سلام يعزز موقف بوتين ويتجاهل - كما يبدو حتى الآن - مطالب الأوكرانيين والأوروبيين، والسيناريوهات المطروحة تبدو متشائمة بعض الشيئ.

لا شك كما يقول محللون أن نجاحات روسيا على ساحة المعركة سوف تتطلب تنازلات من كييف، لكن موقف الكرملين التفاوضي لن يكون سهلا بسبب الممانعة الأوروبية أولا، ولأن هدف المفاوضات بالنسبة لبوتين ليس إنهاء الصراع فقط، بل أيضا تخفيف العقوبات الغربية. والخروج بصفقة شاملة تتعلق بالضمانات الامنية في أوروبا وملفات التسلح الاستراتيجي والعلاقة مع حلف شمال الاطلسي.

تشكل الضمانات الأمنية وفقا لخبراء أحد الشروط الأساسية لإنهاء الصراع، لدى الجانبين. وتخشى أوكرانيا من أنه في غياب مثل هذه الضمانات، فإن روسيا سوف تستأنف العدوان، وبالنسبة للكرملين من المهم الحد من الإمكانات العسكرية للأوكرانيين حتى لا يحاولوا استعادة الأراضي التي سيطرت عليها موسكو.

وترى مجموعة من الخبراء بقيادة مارك ويلر، الأستاذ بجامعة كامبريدج، أن خيار التسوية سيكون نشر قوة أجنبية محدودة على الأراضي الأوكرانية. مكونة من بضع ألاف من بلدان مقبولة لدى كل من روسيا وأوكرانيا. وستضمن هذه القوة الالتزام بوقف إطلاق النار، وينبغي أن يكون استئناف الأعمال العدائية خاضعاً لعقوبات من أي من الجانبين.

وفي الوقت نفسه، سيكون لأوكرانيا الحق في إجراء تدريبات مشتركة محدودة مع شركاء أجانب، ولكن سيتم حظر النشر الدائم للقوات الأجنبية.

في ملف دونباس، يرى خبراء أن موسكو لن تقدم أي تنازلات، ما يعني أن روسيا ستحتفظ فعلياً بالأراضي المحتلة، لكنها قد تكون مستعدة لوقف الهجوم. وقد يكون أحد السيناريوهات المطروحة هنا، تأجيل قضية الحدود لمدة تتراوح بين 10 و15 عاماً. وقد تطالب كييف بتقديم تنازلات إذا ظلت القوات المسلحة الأوكرانية تسيطر على جزء من منطقة كورسك بحلول بداية عملية المفاوضات.

في ملف انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، يبدو الموقف الأميركي واضحاً بعدم وجود أي فرصة لهذه الخطوة. وهو أمر يلبي طموحات بوتين. ومع ذلك، فإن إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي لا تزال قائمة، وهو الخيار الذي لم ترفضه روسيا في محادثات السلام عام 2022.

وبالإضافة إلى ذلك، تسعى روسيا إلى تحقيق تغييرات أوسع في النظام الأمني الأوروبي. وقد طالب بوتين قبل الحرب من حلف شمال الأطلسي بالتوقف عن التوسع شرقاً وسحب قواته من عدد من الدول الأوروبية. ومن المرجح الآن أن تطرح موسكو هذه الشروط مرة أخرى في المفاوضات مع الولايات المتحدة. برغم خشية بلدان أوروبا الشرقية من أن التنازلات الأميركية لبوتين قد تفتح شهيته لاستئناف تحركاته العسكرية لاحقاً ضدها. ومع ذلك، يعتقد خبراء أن ترمب قد يكون ميالاً لإبرام مثل هذه الصفقة.


مقالات ذات صلة

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 18 مارس 2026 (أ.ب) p-circle

مشرّعون روس يزورون أميركا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات

مشرعون روس يزورون أمريكا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات الكرملين يأمل في عقد جولة جديدة من المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»