«حزب الله» يشيّع نصر الله... وقاسم يتعهد بـ«السير على نهجه»

لوحة تحمل صورتَي حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)
لوحة تحمل صورتَي حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)
TT

«حزب الله» يشيّع نصر الله... وقاسم يتعهد بـ«السير على نهجه»

لوحة تحمل صورتَي حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)
لوحة تحمل صورتَي حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)

شارك الآلاف من مناصري «حزب الله» ووفود رسمية وشعبية من دول عدة، الأحد، في مراسم تشييع حاشدة للأمين العام الأسبق لـ«الحزب»، حسن نصر الله، وكذلك تشييع خلفه، هاشم صفي الدين. وألقى الأمين العام الحالي، نعيم قاسم، كلمة أمام جمهور المشيعين.

وقتل نصر الله عن 64 عاماً بضربة إسرائيلية استُخدمت فيها أطنان من المتفجرات، على مقرّه الواقع تحت الأرض بمنطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «الحزب»، يوم 27 سبتمبر (أيلول) 2024.

واكتظت «مدينة كميل شمعون الرياضية» في جنوب بيروت، منذ ساعات الصباح الباكر، بعشرات الآلاف من مناصري «الحزب» الذين اتّشحوا بالسواد رافعين صور نصر الله ورايات «الحزب» الصفراء.

وقال مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» إن المدرجات التي قدر المنظمون عدد مقاعدها بـ55 ألفاً امتلأت عن آخرها.

سيارة تحمل نعش بداخله جثمان حسن نصر الله وحولها جموع المشيعين قبل وصولها ملعب «مدينة كميل شمعون الرياضية» ببيروت (رويترز)

وخلال المراسم، تعهَّد الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأحد، بـ«السير على خط» سلفه. وقال قاسم في خطاب ألقاه عبر الشاشة: «أفتقدك يا سيدي ويفتقدك كل المحبين، لكنك باق فينا بنهجك وتعاليمك ومقاومتك وخط سيرك وجهادك».

وأضاف: «سنحفظ الأمانة وسنسير على هذا الخط»، مكرّراً بقبضة مرفوعة: «أنا على العهد يا نصر الله».

وتعهَّد نعيم قاسم، الأمين العام لـ«حزب الله»، باستكمال الطريق الذي خطه الأمين العام السابق، حسن نصر الله، مؤكداً: «لو قُتلنا جميعاً، ولو دُمِّرت بيوتنا على رؤوسنا».

وتعهَّد قاسم، في كلمة خلال مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين، أيضاً، باتخاذ كل الإجراءات للإفراج الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل.

سيدات يبكين خلال مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين في بيروت (أ.ب)

وقال إن حجم الضغوط على الحزب ومناصريه كان «غير مسبوق»، مضيفاً: «ولكن حجم الصمود في المقابل كان غير مسبوق أيضاً».

وتابع: «ثوابتنا في المرحلة الجديدة أن المقاومة أساس وهي خيارنا، ما دام الاحتلال موجوداً، وملتزمون بالمشاركة في بناء الدولة اللبنانية القوية والعادلة وتحت سقف (اتفاق الطائف)».

وأشار إلى أن «حزب الله» صبر على وقف إطلاق النار، ولم يخرقه، مؤكداً: «اليوم بعد انتهاء مهلة انسحاب القوات الإسرائيلية، فنحن أمام احتلال وعدوان».

وصول نعش بداخله جثمان حسن نصر الله إلى مكان تشييعه في ملعب «مدينة كميل شمعون الرياضية» ببيروت (أ.ب)

وشدَّد قاسم على حرص جماعته على «مشاركة الجميع في بناء الدولة وعلى الوحدة الوطنية والسلم الأهلي»، لافتاً النظر إلى أن الحزب سيشارك في الحكومة والدولة «ضمن أسس، بينها إخراج الاحتلال والأسرى والإعمار وإقرار خطة الإنقاذ».

وقال: «نقول لأميركا: لن تأخذوا بالسياسة ما لم تأخذوه بالحرب، إذا كنتم تضغطون على المسؤولين في لبنان فلن تحققوا أهدافكم لأن المسؤولين في لبنان يعرفون موازين القوى»، مؤكداً: «سنواجه مشروع ترمب التهجيري».

الآلاف من مناصري «حزب الله» يتجمعون في «مدينة كميل شمعون الرياضية» ببيروت لحضور مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين (رويترز)

وفي أنحاء ملعب كرة القدم، وضع المنظمون أكثر من 20 ألف كرسي، امتلأ جزء كبير منها، فيما تُركت بقية المقاعد للمسؤولين وقادة «الحزب»، إضافة إلى الوفود الخارجية، يتقدمهم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير خارجية طهران عباس عراقجي، اللذان وصلا صباحاً إلى بيروت.

وفي الساحات الخارجية، خُصّص 35 ألف مقعد للرجال، و25 ألفاً للنساء، ضاقت تباعاً بمناصري «الحزب».

ورفع المنظمون داخل المدينة الرياضية وعلى جدرانها صوراً عملاقة لنصر الله، وخَلَفه في منصب الأمين العام لـ«الحزب» هاشم صفي الدين، الذي أعلن «حزب الله» بعد مقتله بضربة إسرائيلية، يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في ضاحية بيروت الجنوبية، أنه كان قد انتخب قبل مقتله أميناً عاماً لـ«الحزب» خلفاً لنصر الله.

الجيش الإسرائيلي: العالم أصبح أفضل

وتعليقاً على تشييع نصر الله، اليوم، قال الجيش الإسرائيلي: «اليوم أصبح العالم أفضل». وقال الجيش عبر حسابه على منصة «إكس»: «اليوم يوم جنازة حسن نصر الله. اليوم أصبح العالم مكاناً أفضل».

كما حلّق الطيران الإسرائيلي، بعد ظهر الأحد، على علوّ منخفض في أجواء بيروت وضواحيها، بالتزامن مع بدء مراسم تشييع نصر الله.

طائرة حربية إسرائيلية تحلق في سماء بيروت خلال مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين في بيروت (أ.ب)

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بعد ظهر الأحد، أن مقاتلات إسرائيلية تحلق فوق بيروت خلال تشييع حسن نصر الله بهدف توجيه «رسالة واضحة لأي طرف يهدد بتدمير إسرائيل».

وقال كاتس، في بيان، إن «مقاتلات لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق حالياً فوق بيروت خلال تشييع حسن نصر الله لتوجيه رسالة واضحة: أي طرف يهدد بتدمير إسرائيل ويهاجمها سيلقى نهايته».

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية: «حلَّق الطيران الحربي المعادي على علو منخفض فوق أجواء بيروت وضواحيها»، ما دفع أحد المتحدثين في مراسم تشييع نصر الله إلى القول: «لن ترعبنا أصوات طائراتكم الخائبة»، ليردد من خلفه عشرات الآلاف: «الموت لإسرائيل».

أحد المشاركين في تشييع نصر الله وصفي الدين مصاباً في عينه ويضع عليها عصابة (رويترز)

وبعد انتهاء المراسم، يسير المشيّعون نحو موقع الدفن المستحدث لنصر الله في قطعة أرض تقع بين الطريقين المؤديَيْن إلى المطار، في حين يُنقل صفي الدين إلى جنوب لبنان؛ حيث يوارى الثرى يوم الاثنين في بلدته دير قانون النهر.

خامنئي يتعهد مواصلة «مقاومة» إسرائيل

وتعهَّد المرشد الإيراني علي خامنئي بمواصلة «مقاومة» إسرائيل، في رسالة الأحد، بمناسبة تشييع نصر الله في بيروت. وقال خامنئي، في إشارة إلى إسرائيل: «على العدو أن يعلم أن مقاومة الاغتصاب والظلم والاستكبار لن تنتهي، وستستمر حتى تحقيق غايتها النهائية».

طائرات حربية إسرائيلية تحلق في سماء بيروت خلال مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين في بيروت (رويترز)

إجراءات مشددة

واستبقت إسرائيل مراسم التشييع بشنها، صباح الأحد، غارات عدة على جنوب لبنان، أسفرت عن إصابة فتاة بجروح، وفق ما أوردت «الوكالة الوطنية للإعلام».

وقالت إسرائيل إنها استهدفت «موقعاً عسكرياً يحتوي منصات صواريخ وأسلحة... رُصد نشاط لـ(حزب الله) فيه»، إضافة إلى «منصات صواريخ... كانت تشكل تهديداً وشيكاً للمدنيين الإسرائيليين».

كما أعلنت إسرائيل ليلاً استهدافها «معابر على الحدود السورية - اللبنانية»، حاول «حزب الله» عبرها «تهريب أسلحة إلى لبنان».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في بيروت لتأمين مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين (رويترز)

ويشكّل التشييع أول حدث جماهيري لـ«حزب الله» منذ المواجهة المفتوحة بين «الحزب» وإسرائيل، التي انتهت بوقف لإطلاق النار في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وخرج منها «الحزب» ضعيفاً سياسياً وعسكرياً.

وكان قاسم دعا مناصري «الحزب» إلى «مشاركة واسعة» في المراسم، قائلاً: «نريد تحويل هذا التشييع إلى مظهر تأييد وتأكيد على الخط والمنهج ونحن مرفوعو الرأس».

أحد المشاركين في تشييع نصر الله يرفع راية تحمل صورته في بيروت (رويترز)

ودُفن نصر الله، بعد انتشال جثته التي كانت «وديعة» في مكان لم يُعلَن عنه، في انتظار إمكان تنظيم تشييع حافل له، بينما كانت الحرب على أشدّها قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

ودعا «حزب الله» المسؤولين اللبنانيين إلى الحضور. وأعلنت اللجنة المنظمة مشاركة شخصيات رسمية لبنانية ووفود خارجية من «نحو 79 دولة من مختلف أنحاء العالم، بين مشاركات شعبية ورسمية». وأفاد المنظمون بحضور شخصيات رفيعة المستوى من إيران ودول أخرى.

وقال عراقجي، بعد وصوله إلى مطار بيروت صباحاً، إن نصر الله وصفي الدين «بطلان للمقاومة»، مؤكداً أن «طريق المقاومة سيستمر».

عناصر أمن يتبعون «حزب الله» وبحوزتهم كلاب خلال تأمين ملعب «مدينة كميل شمعون الرياضية» في بيروت حيث ستقام مراسم تشييع نصر الله وصفي الدين (أ.ب)

وأعلن «الحشد الشعبي» العراقي، الأحد، مشاركة رئيسه، فالح الفياض، ورئيس أركانه، أبو فدك المحمداوي، في مراسم التشييع. وينضوي «الحشد الشعبي» مع «حزب الله» وفصائل أخرى موالية لإيران ضمن «محور المقاومة» الذي تقوده طهران.

وتجري مراسم التشييع وسط تدابير أمنية مشددة اتخذها الآلاف من عناصر «الحزب» والأجهزة الأمنية اللبنانية. وجرى تعليق الرحلات الجوية في مطار بيروت من الساعة الثانية عشرة ظهر الأحد (10:00 بتوقيت غرينيتش) حتى الساعة 4:00 من بعد الظهر.

عشرات الأشخاص يتدفقون باتجاه «المدينة الرياضية» في بيروت حيث ستقام مراسم تشييع حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (رويترز)

«يوم صعب»

ونُشرت فرق صحية ومستشفيات متنقلة وفرق إنقاذ وإطفاء على الطرق المؤدية إلى مكان التشييع، مع تخصيص مسارات خاصة للسيارات ومواقف للوافدين من خارج العاصمة. واقتصرت الحركة في محيط المدينة الرياضية على التنقُّل سيراً.

وحثّ المنظمون على عدم إطلاق النار في الهواء وعدم التدافع حفاظاً على السلامة، فيما أصدر وزير الدفاع قراراً بتجميد تراخيص حمل الأسلحة في لبنان من 22 إلى 25 فبراير (شباط) الحالي.

ضريح حسن نصر الله الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»... (أ.ف.ب)

واكتسب نصر الله مكانة بارزة إثر انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، إلا أن شعبيته تراجعت بعد انخراط حزبه في النزاع السوري إلى جانب بشار الأسد.

وكان لقتله وقع الصاعقة لدى مناصريه، مثل مريم شوربا (80 عاماً) التي تستعدّ للمشاركة في التشييع «مهما كانت الظروف». وأضافت من الضاحية الجنوبية لبيروت: «هذا يوم صعب، فالسيد عزيز علينا جداً، ومهما فعلنا فلن نوفيه حقه».

وهيمن التنظيم الشيعي الموالي لإيران على الحياة السياسية في لبنان لأعوام، ولكن يستمر الانقسام بشأن دوره؛ إذ يعدّ كثر من اللبنانيين أنه «دولة داخل الدولة».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يستأنف محاولات السيطرة على «علي الطاهر» بجنوب لبنان

المشرق العربي مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يستأنف محاولات السيطرة على «علي الطاهر» بجنوب لبنان

حاول الجيش الإسرائيلي التقدم في مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية فجر الأربعاء، في اختبار جديد لدفاعات «حزب الله» في المنطقة.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية... 21 يوليو 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يعتزم إطلاق بعثة لتدريب الجيش اللبناني

أعلن الاتحاد الأوروبي إنه يعتزم إطلاق بعثة لتدريب الجيش اللبناني خلال الأشهر المقبلة، موضحاً أنها لن تحل محل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل).

«الشرق الأوسط» (دبلن)
المشرق العربي الرئيس عون مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته روما الشهر الماضي (الرئاسة اللبنانية)

إيطاليا لا تحبّذ رئاسة «آلية التحقق» في جنوب لبنان

يترقّب لبنان مع بدء شهر سبتمبر (أيلول) الحالي اللحظة التي تحيطه بها الولايات المتحدة الأميركية علماً بموعد انعقاد الجولة الـ8 من «مفاوضات روما - 3»...

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك (الرئاسة اللبنانية)

عون: لا خيار للبنانيين سوى الدولة

جدد الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن «هناك صراعاً بين مفهوم اللادولة من جهة، ومنطق الدولة من جهة ثانية»...

كارولين عاكوم (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)

تحليل إخباري رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

على مدى 3 عقود ونيّف، تبدّلت مقاربات رؤساء الجمهورية في لبنان تجاه «حزب الله» وسلاحه...

يوسف دياب (بيروت)

دمشق طالبت لبنان بتسليم العشرات من فلول الأسد في قائمتين

لقطات من اجتماع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والوفد المرافق له مع وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي في بيروت 10 أكتوبر 2025 (سانا)
لقطات من اجتماع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والوفد المرافق له مع وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي في بيروت 10 أكتوبر 2025 (سانا)
TT

دمشق طالبت لبنان بتسليم العشرات من فلول الأسد في قائمتين

لقطات من اجتماع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والوفد المرافق له مع وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي في بيروت 10 أكتوبر 2025 (سانا)
لقطات من اجتماع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والوفد المرافق له مع وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي في بيروت 10 أكتوبر 2025 (سانا)

مع الإعلان عن إحباط السلطات اللبنانية مخططاً أمنياً يستهدف الأمن في لبنان وسوريا، وتفكيك شبكة أمنية خطيرة تنشط بين البلدين وتتبع «حزب الله» وفلول النظام السوري السابق، تبرز مرة أخرى مساعي الحكومة السورية الجديدة للمطالبة بفلول نظام الأسد الذين هربوا إلى لبنان، ويسعون من هناك بالتعاون مع جهات محلية لتخريب الأوضاع في سوريا بالتعاون مع فلول آخرين في موسكو.

وناقشت الحكومة السورية، سابقاً، مع نظيرتها اللبنانية تسليم المسؤول الأمنيين والعسكريين، بتقديم طلبين رسميين عبر قائمتين؛ الأولى قام بتسليمها العميد عبد الرحمن الدباغ خلال زيارته إلى لبنان في يناير (كانون الثاني) 2026، بلقاء مع مدير المخابرات اللبنانية العميد طوني قهوجي والمدير العام للأمن العام اللبناني اللواء حسن شقير. وتضمنت القائمة أسماء أكثر من 200 ضابط كبير من «الفلول» الذين دخلوا لبنان، وطلب رصدهم وتحديد مواقعهم.

متداولة من نشطاء ديسمبر الماضي لزيارة العميد عبد الرحمن الدباغ

أما القائمة الثانية فكانت في مايو (أيار) الماضي، وكانت محدَّثة وشملت أكثر من مائة ضابط ممن ثبت دخولهم الأراضي اللبنانية عبر معابر غير شرعية. وطلب الجانب السوري رصد الفلول والعمل على إغلاق هذا الملف عبر اتفاق قضائي بين البلدين.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد طالبت لبنان بتسليم المتهمين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري من فلول نظام الأسد، وأصدرت بهذا الخصوص تقريراً في يناير 2026 بعنوان «التزامات لبنان بتسليم المشتبه بارتكابهم جرائم حرب ضد سوريين»، انتقدت فيه السلطات اللبنانية لتقاعسها عن ملاحقة ضباط نظام الأسد.

وحذرت الشبكة من أن بقاء هؤلاء المسؤولين المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل لبنان بشكل مريح، يحوّل البلاد إلى «منصة تهديد أمني مزدوج» وملاذ آمن للجناة.

اللواء السوري السابق عادل عيسى (وزارة الداخلية السورية)

السلطات في دمشق، بدأت بتحرك فعلي مؤخراً، من خلال إصدار مذكرات ملاحقة فردية كما حدث في قضية توقيف اللواء السابق عادل عيسى داخل السفارة السورية في بيروت، والذي جرى تسليمه رسمياً في أغسطس (آب) 2026 كأول عملية تسليم من نوعها لمسؤول عسكري من فلول الأسد.

وبحسب تقارير إعلامية، هناك فريق أمني سوري متخصص في السفارة السورية في بيروت يتولى مهمة رصد الفلول في لبنان، ضمن إطار القوانين والاتفاقيات والتفاهمات بين البلدين.

ويصطدم ملف تسليم الفلول الموجودين في لبنان بعقبات قانونية وسياسية تتعلق بالقوانين الدولية التي تمنع التسليم في حال وجود خطر التعذيب أو الإعدام، إلى جانب مراعاة مسار الاتفاقيات القضائية بين البلدين، وفق مصادر حقوقية في دمشق قالت إن العلاقات القضائية بين البلدين تستند إلى معاهدة التعاون القضائي الموقعة عام 1951، واتفاقية جرى توقيعها مطلع عام 2026 لتنفيذ العقوبات ونقل المحكومين.

لبنانيون وسوريون يحتفلون في بيروت بسقوط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد (أ.ف.ب)

وأشارت إلى أن تسليم اللواء عادل عيسى تم استناداً إلى معاهدة التعاون القضائي، بناء على مذكرات توقيف سورية، ووجوب التسليم إذا كان الجرم المرتكب يشكل جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة في قانون الدولة طالبة التسليم، أو إذا كان الشخص محكوماً فعلياً بالحبس لمدة لا تقل عن شهرين.

وبحسب المصادر، فإن الجانب السوري يعتمد على الاتفاقية القضائية لتسليم المطلوبين، خاصة من يثبت انخراطه في أعمال تهدد الأمن والاستقرار في سوريا.

ورأت المصادر أن الحكومة اللبنانية، ورغم التعقيدات التي تكبل تعاونها الأمني مع الجانب السوري، فإن خيارها الحفاظ على الأمن في البلدين.


مقاتلات كرديات يبحثن عن دور في سوريا الجديدة

مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرق سوريا - 22 أغسطس (رويترز)
مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرق سوريا - 22 أغسطس (رويترز)
TT

مقاتلات كرديات يبحثن عن دور في سوريا الجديدة

مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرق سوريا - 22 أغسطس (رويترز)
مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرق سوريا - 22 أغسطس (رويترز)

قاتلت «وحدات حماية المرأة» إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة خلال فترة الحرب السورية، وساعدت في طرد تنظيم «داعش» من مناطق واسعة بشمال وشرق البلاد.

إلا أن مستقبلها أصبح يكتنفه الغموض منذ سقوط بشار الأسد، في أواخر عام 2024، وتولي حكومة جديدة يقودها مقاتلون إسلاميون كانوا في صفوف المعارضة المسلحة، بحسب تقرير لـ«رويترز».

مظلوم عبدي قائد «قسد» يصل مع وزير الخارجية السوري أسعد شيباني قبل خطاب متلفز في «قصر الشعب» بدمشق يوم 25 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وسعت السلطات الجديدة إلى دمج الجماعات المسلحة المتفرقة والمستقلة سابقاً في مؤسسات الدولة. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» حلّ نفسها رسمياً، وجرى تعيين قائدها، مظلوم عبدي، مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، وانضم ‌أعضاء آخرون من «‌قوات سوريا الديمقراطية» إلى وزارة الدفاع.

لكن وزارة الدفاع السورية الجديدة لا تضم مقاتلات نساء. ‌وقالت قائدة «وحدات حماية ​المرأة»، ⁠نوروز أحمد، إنها أُبلغت في اجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، في دمشق، بأن مقاتلاتها لا مكان لهن في الجيش.

قائدة «وحدات حماية المرأة» نوروز أحمد في مقابلة مع «رويترز» في القامشلي شمال شرقي سوريا - 31 أغسطس

وقالت لـ«رويترز» في قاعدة عسكرية بمدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا: «سعينا للانضمام إلى الجيش، لأن قواتنا لديها الخبرة والكفاءة التي من شأنها أن تمكّنها من حماية نفسها بطريقة منظمة في شكل لواء أو كتيبة مستقلة». وتابعت: «شرطنا الرئيسي هو أن تكون هذه القوة منظمة، وألا يتم نشرها في أي مكان، وألا تكون في مجموعات صغيرة. ورفضوا هذا الاقتراح».

دور في وزارة الداخلية؟

تجري «وحدات حماية المرأة» حالياً محادثات مع وزارة الداخلية السورية لإيجاد سبيل بديل للحفاظ على كيان القوة القتالية المنظمة.

تأتي هذه المناقشات في وقت ⁠تعيد فيه الإدارة الجديدة تشكيل المؤسسات الأمنية السورية بعد نهاية حرب أهلية استمرت ‌لأكثر من عقد.

وتضم وزارة الداخلية بالفعل عناصر نسائية من خلال قوة شرطة السياحة. ‌وفي وقت سابق من هذا العام، قالت مصادر مطلعة على المداولات إن ​السلطات المركزية السورية اقترحت انضمام مقاتلات «وحدات حماية المرأة» ‌إلى هذه الوحدة النسائية في وزارة الداخلية.

لكن المصادر أكدت أن «وحدات حماية المرأة» رفضت الاقتراح، ونفت متحدثة باسم ‌الوحدات تلقي مثل هذا العرض من الأساس.

قالت نوروز لـ«رويترز» إن «وحدات حماية المرأة» اقترحت، بدلاً من ذلك، الانضمام إلى قوات العمليات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، التي تتوافق بدرجة أكبر مع قدرات وحداتها، وقد تسهم في زيادة تمثيل النساء في قوات يهيمن عليها الرجال.

مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرقي سوريا - 22 أغسطس (رويترز)

وتابعت قائلة: «عندما ناقشنا الأمر مع وزارة الداخلية، أخبرناهم أن قواتنا تضم أكثر من 1500 مقاتلة، وسألناهم عما إذا كان سيتم دمج ‌هذه القوات جميعها أم لا». وذكرت أنها تتوقع تلقي الرد «في الأيام المقبلة».

لم ترد وزارتا الدفاع والداخلية السوريتان بعد على أسئلة من «رويترز» بشأن المناقشات. وقال نور الدين البابا ⁠المتحدث باسم وزارة الداخلية ⁠السورية، في بيان لوكالة روداو الكردية، يوم الجمعة، إن مقاتلات «وحدات حماية المرأة» سيُرحَّب بهن في صفوف الوزارة، لكنه لم يفصح عن تفاصيل دورهن المحتمل. وأضاف البابا أن الوحدات ستنتشر في أنحاء سوريا، ولن تقتصر على منطقة جغرافية واحدة.

وتشكل مسألة مستقبل «وحدات حماية المرأة» أهمية أوسع نطاقاً بالنسبة لكثير من الكرديات، اللواتي ينظرن إلى هذه القوة على أنها رمز للمكاسب السياسية والاجتماعية التي تحققت بشق الأنفس خلال الصراع.

تقول جوسكو سياجر (20 عاماً)، وهي مقاتلة في وحدات حماية المرأة الكردية: «ينظرون دائما إلى النساء على أنهن ضعيفات... لا نستمد قوتنا من الرجال، ولا نستمد قوتنا من الدولة القائمة حالياً... بالطبع، نريد أن ​يكون لدينا وضع خاص، ونصرّ على ذلك».

وترى بينابر ​باران (31 عاماً) التي تتولى قيادة فرقة تابعة لـ«وحدات حماية المرأة» أن الدستور السوري يجب أن يضمن صراحة دوراً لهذه القوات. وقالت: «حتى اليوم، لم ننتظر أبداً أن يدافع عنا أحد... لقد دافعنا نحن النساء عن أنفسنا».


إسرائيل ترحل أزمة العلاقة مع البنوك الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات

شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)
شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)
TT

إسرائيل ترحل أزمة العلاقة مع البنوك الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات

شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)
شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)

قال نائب محافظ بنك إسرائيل، آندرو أفير، إن الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستكون مطالبة بإيجاد حل للعلاقة بين البنوك الإسرائيلية ونظيراتها الفلسطينية، بعد التوصل ​إلى اتفاق سمح بتمديد هذه العلاقة حتى نهاية العام الحالي 2026.

وتجرى الانتخابات الإسرائيلية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فيما تشير الاستطلاعات إلى صعوبات تكتنف مستقبل الائتلاف الحكومي الحالي في الاحتفاظ بالأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة.

وأعلنت وزارة المالية الإسرائيلية تمكنها من الاتفاق مع البنوك الإسرائيلية على تمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية حتى نهاية العام، ما ينهي بشكل مؤقت أزمة كان من شأنها أن تدفع السلطة الفلسطينية أكثر نحو الانهيار.

وكان من المقرر أن يوقف بنكان إسرائيليان ‌التعامل مع البنوك الفلسطينية، وهما بنك ديسكونت إسرائيل، في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي، وبنك «هبوعليم» الشهر المقبل، لكن بعد مفاوضات مع وزارة المالية، قال أفير إن البنكين وافقا ​على تأجيل قطع العلاقات حتى نهاية 2026.

وأضاف أفير لـ«رويترز»: «بعد ذلك، ستتحول المسألة للحكومة الجديدة ​التي ستقرر من ينبغي أن يتحمل ذلك العبء المتمثل في أعمال الخدمات المصرفية ⁠المراسلة مع البنوك الفلسطينية... الموعد النهائي تأجل».

ولا تملك البنوك الفلسطينية وصولاً مباشراً إلى النظام المالي العالمي؛ لذا فهي تحتاج إلى بنوك إسرائيلية تعمل كوسيط بينها وبين هذا النظام، وتقوم البنوك الإسرائيلية بتحويل الأموال إلى الخارج، وإدارة التجارة المتبادلة، لكنها معرضة لما تصفه بـ«مخاطر قانونية تتعلق بحظر غسل الأموال، ومخاوف تمويل الإرهاب».

ولضمان استمرار هذا النشاط، ومنع الانهيار الاقتصادي في السلطة الفلسطينية، تمنح الدولة البنوك الإسرائيلية خطاب تعويض (حصانة) تتحمل بموجبه المسؤولية القانونية في حال وجود مطالبات، أو غرامات في الخارج.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وظل هذا الوضع سارياً حتى وصل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى منصبه، وكان يعارض توقيع الإعفاءات، لكنه تراجع عن ​هذا الموقف عدة مرات بسبب ضغوط من الولايات المتحدة، والحكومة الإسرائيلية.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في تقرير سابق أن سموتريتش استغل مسألة حاجة السلطة الفلسطينية إلى استمرار «العلاقة البنكية»، وساوم الدول التي ضغطت من أجل ذلك، مقابل غض الطرف عن المستوطنين في الضفة، والتوسع الاستيطاني، لكنه ظل يهاجم علاقة البنوك الفلسطينية بما يصفه بـ«الإرهاب»، وهو وضع زاد من التوتر في المصارف الإسرائيلية.

وعلى الرغم من موافقة الحكومة الإسرائيلية الشهر قبل الماضي على تمديد العلاقة، أبلغ البنكان الإسرائيليان (ديسكونت وهبوعليم) أنهما سيوقفان التعامل مع البنوك الفلسطينية، لأن«الأمر لا يستحق المخاطرة».

وبعد مفاوضات طويلة تم إقناعهما بالاستمرار، وهو وضع سيؤجل بت المسألة للحكومة القادمة. وتدرك الحكومة الحالية وأي حكومة أخرى أن قطع العلاقة مع البنوك سيعني انهيار السلطة الفلسطينية.

وتشير تقديرات سلطة النقد الفلسطينية إلى أن بنكي «ديسكونت»، و«هبوعليم» يعالجان معاملات سنوية للسلطة الفلسطينية بقيمة 51 مليار شيقل (17 مليار دولار)، في حين يمر 90 في المائة من التجارة الفلسطينية، مثل الأغذية والوقود والأدوية، عبر إسرائيل.

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وتعاني السلطة الفلسطينية من خطر الانهيار بسبب غياب أفق سياسي، وأزمة مالية عميقة نتيجة حجب سموتريتش أموال العوائد الضريبية من جهة، ومحاصرته البنوك بإجراءات من بينها التهديد بوقف التعامل معها، إضافة إلى رفضه استقبال المزيد من عملة الشيقل التي راحت تخنق البنوك الفلسطينية، وتهدد الاقتصاد.

وقال أفير: «الحل طويل الأجل هو إيجاد جهة دائمة تقدم ​خدمات مصرفية مراسلة بين البنوك ​الفلسطينية والإسرائيلية، سواء ⁠كان ذلك من خلال استمرار بنك هبوعليم وديسكونت، أو عبر شركة حكومية تحل محلهما. لكن يتعين الاتفاق على جهة دائمة ما لتنفيذ الخدمات المصرفية المراسلة».