مستشار حميدتي لـ«الشرق الأوسط»: أولوية حكومتنا «تحييد طيران الجيش»

عز الدين الصافي قال إن الحكومة الجديدة ستفرض السلام... وستعلن من الخرطوم

عزالدين الصافي مستشار أول قائد «قوات الدعم السريع» (الشرق الأوسط)
عزالدين الصافي مستشار أول قائد «قوات الدعم السريع» (الشرق الأوسط)
TT

مستشار حميدتي لـ«الشرق الأوسط»: أولوية حكومتنا «تحييد طيران الجيش»

عزالدين الصافي مستشار أول قائد «قوات الدعم السريع» (الشرق الأوسط)
عزالدين الصافي مستشار أول قائد «قوات الدعم السريع» (الشرق الأوسط)

قال مستشار أول قائد «قوات الدعم السريع»، عز الدين الصافي، إن «حكومة السلام والوحدة» المزمع تشكيلها في السودان في غضون شهر من التوقيع على الميثاق السياسي التأسيسي والدستور المؤقت المقرر السبت، في نيروبي، ستعمل على امتلاك الآليات المتاحة لحماية المدنيين من القصف الجوي العشوائي الممنهج و«غير المسبوق»، الذي ظل يشنّه طيران الجيش السوداني على المدنيين، وأودى خلال أشهر قليلة بحياة أكثر من 5000 شخص.

وشدَّد الصافي في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، «على أن واجب الحكومة المقبلة هو وقف هذا القصف». وردّاً على سؤال ما إذا كانت «قوات الدعم السريع» تسعى لامتلاك أنظمة دفاعية متطورة مضادة للطيران، قال: «الحكومة ستوقع على كل البروتوكولات المعنية بامتلاك الأسلحة، التي لا تستطيع أن تمتلكها المنظمات العسكرية غير الحكومية»، وأضاف: «سيكون هناك جيش وطني وحكومة تخاطب الحكومات حول العالم، بما يُمكنها من استقطاب الدعم العسكري».

سنفرض السلام

وأشار الصافي إلى أن الامتياز العسكري الوحيد للجيش الذي «اختطف المؤسسات الحكومية»، هو سلاح الجو، «وإذا استطاعت الحكومة المقبلة تحييد سلاح الجو فسيتم فرض السلام، ولن يكون أمام الجيش خيار رفض التفاوض، وسيخضع لذلك، سواء كان التفاوض مع (قوات الدعم السريع)، أو بين حكومتين»، مشدداً على أن التأسيس الجديد سيفرض السلام في البلاد.

ممثلون لأحزاب وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات بنيروبي لتشكيل حكومة في مناطق «قوات الدعم السريع» (د.ب.أ)

وقال مستشار «الدعم السريع» إنه لا يمكن أن يجزم بإمكانية تقديم بعض الدول دعماً عسكرياً للحكومة، ولا نتطلع إلى ذلك، وأضاف: «نحن قادرون على توفير كل الأدوات اللازمة لحماية مواطنينا، وما نتطلع إليه أن تساعدنا الدول في تحقيق السلام ووقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها».

الاعتراف بالحكومة

وبشأن ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستجد اعترافاً، ذكر الصافي، أن حكومة بورتسودان «غير شرعية»، ولا تعترف بها أي دولة -على حد وصفه- لكنها باختطاف مؤسسات الدولة السودانية، استطاعت أن تحصل على كل أنواع الأسلحة.

وتابع: «الحكومة الجديدة ستطرح رؤيتها لتحقيق السلام، ونتطلع للتعاون مع حكومات الإقليم التي تدعم العملية السياسية السلمية لوقف الحرب، وأن تعترف بهذه الحكومة التي ستُمثل الشرعية في البلاد».

وقال: «الاعتراف الحقيقي سنحصل عليه من جماهير الشعب السوداني الذي حرم لأكثر من 24 شهراً (منذ اندلاع الحرب) من الخدمات والمساعدات الإنسانية، واستخدم كل من الجيش السوداني والميليشيات الإسلامية سلاح التجويع ضد المدنيين، ما أنتج عنه فجوات غذائية ومجاعة في كثير من مناطق البلاد». وأضاف: «الحكومة المزمع تشكيلها ستكون قادرة على القيام بواجباتها الأساسية في توفير الحماية والأمن وكل الخدمات للمواطنين». وأشار إلى أن «الدول الصديقة والشقيقة والأوروبية الحريصة على السلام والمنظمات ستتعاون معنا، وستقدم المساعدات الإنسانية، وتسهم في تعمير ما دمرته الحرب، بغض النظر عن الاعتراف السياسي بالحكومة».

إعلان الحكومة من الخرطوم

وكشف مستشار «الدعم السريع» «عن أن إعلان الحكومة الجديدة سيكون من داخل العاصمة الخرطوم»، مؤكداً أنها لن تكون حكومة منفى، أو تعلن في كينيا، أو في أي دولة أخرى. وقال إن ما يجري في كينيا مشاورات سياسية بين القوى السياسية والمجتمعية للتوافق على ميثاق سياسي تأسيسي، وسبق لدولة كينيا أن احتضنت محادثات السلام التي جرت بين الأطراف السودانية في السنوات الماضية، ونجحت وساطتها في توقيع اتفاق «نيفاشا» للسلام الشامل في السودان 2005.

وقال: «تمت إجازة الميثاق السياسي التأسيسي للحكومة، ويجري حالياً وضع اللمسات النهائية للدستور المؤقت، (سيتم التوقيع عليه السبت) في نيروبي كما تم اعتماد البرنامج الإسعافي للحكومة».

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» محاطاً بممثلي الأحزاب السياسية المؤيدة للحكومة الموازية في نيروبي (أ.ف.ب)

وأضاف نحن الآن في المرحلة النهائية من المشاورات بشأن تشكيل الحكومة من داخل السودان، تعقبه تسمية أعضاء السلطة في مستوياتها السيادية والتنفيذية، واختيار الوزراء، بالإضافة إلى تعيين حكام في كل ولايات السودان (18 ولاية). وأكد الصافي أن أقصى مدى زمني لإعلان الحكومة لن يتجاوز الشهر بعد التوقيع على مسودة الدستور المؤقت.

الحلو ستوقع والنور في الطريق

وبشأن انضمام «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، إلى السلطة الجديدة، قال: «لقد جرت نقاشات عميقة بين اللجنتين المكونتين من القوى السياسية و(الحركة الشعبية)، وتم التوصل إلى الصيغة النهائية للميثاق السياسي، مع إضافة كل الملاحظات التي أبديت من طرفها. نحن متوافقون تماماً على الميثاق، ولا تزال النقاشات مستمرة حول الدستور المؤقت». وتابع: «بعد اكتمال الترتيبات ووصول وفد (الحركة الشعبية) بالكامل إلى نيروبي سيشاركون في مراسم التوقيع».

من اليمين عبد العزيز الحلو «الحركة الشعبية لتحرير السودان» والرئيس الكيني ويليام روتو ورئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك وعبد الواحد محمد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة سياسية في نيروبي مايو 2024 (منصة «إكس»)

وأشار الصافي إلى أن «الاتصالات مع رئيس (حركة تحرير السودان)، جناح عبد الواحد محمد النور، لم تنقطع، وأن المواقف بيننا ليست بعيدة من الوصول إلى اتفاق كامل حول الميثاق السياسي، وقد تكون المفاجأة انضمام عبد الواحد للسلطة».

التأييد الشعبي

وأكد الصافي أن الحكومة الجديدة تُمثل قطاعات واسعة من السودانيين، وكسبت التأييد الشعبي قبل الإعلان عنها، مشيراً في هذا الصدد إلى المسيرات التي خرجت في عدد من مدن دارفور داعمة للحراك السياسي الجاري بالميثاق السياسي التأسيسي الذي سيفضي لتشكيل حكومة قومية في كل البلاد.

وقال: «بعد تشكيل الحكومة، ستتوجه وفود إلى دول الإقليم وبعض الدول الغربية لشرح رؤيتها وخططها الإسعافية، وتدعوهم لدعمها، كما أعدت لجنة الاتصال الخارجي برامج كاملة للتواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والبعثات الدبلوماسية».


مقالات ذات صلة

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

رغم الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة ودول غربية لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها المزمع على مدينة الأبيض، غرقت المدينة في الظلام بسبب هجوم بالمسيرات.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا منظر عام لبنايات في القاهرة (رويترز)

«البترول» المصرية تنفي إبرام عقود إنشاء مناجم للذهب شمال السودان

نفت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، مساء الجمعة، صحة تصريحات منسوبة إلى وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، جرى تداولها عبر صفحات غير رسمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جهود مصرية لتعزيز كفاءة وجاهزية المنشآت المائية الكبرى (رويترز)

مصر لتطوير قدرات «السد العالي» تحسباً لسيناريوهات مائية صيفية

تعزز مصر منظومة قدرات «السد العالي» جنوب البلاد للتعامل مع مختلف السيناريوهات المائية خلال فصل الصيف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

الامم المتحدة تدعو «الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنه على الأبيّض

دعت الأمم المتحدة الخميس قوات الدعم السريع إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على مدينة الأُبَيِّض السودانية الاستراتيجية في إقليم كردفان، محذّرةً من عواقب كارثية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

القيادي المستقيل من «حميدتي» فارس النور قال إن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب... ودعا لاستلهام الحكمة الخليجية

«الشرق الأوسط» (لندن)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.