في الوقت الذي حاولت فيه السلطات الإسرائيلية إثارة أجواء درامية حول الإفراج رفات أربعة مواطنين من أسر «حماس»، هم رجل مسن معروف بكونه ناشط سلام، وامرأة وطفلاها، وأحدهما رضيع، هاجم مئات الناشطين في الشبكات الاجتماعية الحكومة ورئيسها، بنيامين نتنياهو، واتهموه بالتسبب في مأساة مقتلهم، وطالبوه بالكفّ عن التردد واستئناف المفاوضات في المرحلة الثانية لإطلاق سراح بقية المحتجزين، حتى لو كان الثمن وقف الحرب.
وقالت مصادر سياسية في تل أبيب إن نتنياهو يبدو متردداً. ولو كان الأمر بيده لكان استمر في التحايل لمنع المفاوضات. وأكدت المصادر أن مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، هو الذي فرض على نتنياهو الموافقة على استئناف المفاوضات.
وقالت المصادر: «بعد تأخير دام لنحو ثلاثة أسابيع، وافق نتنياهو مرغماً على إرسال فريق التفاوض الإسرائيلي الأسبوع القادم. ولولا طلب مبعوث الرئيس دونالد ترمب والخوف من التصادم معه، لكان استمر في مخططه لتمديد المرحلة الأولى وإجهاض المرحلة الثانية، وربما استئناف الحرب».
وبعدما امتنع نتنياهو عن التصريح حول إطلاق الرفات، عاد بعد ظهر اليوم وعبر عن غضبه من «وحوش (حماس)» بعدما عرض عناصر منها ومن فصائل فلسطينية أخرى توابيت أربعة من الرهائن الإسرائيليين في قطاع غزة، قبيل تسليمهم إلى الصليب الأحمر الدولي، مكرراً وعيده بـ«القضاء» على الحركة.
وقال نتنياهو في كلمة عبر الفيديو «إننا جميعاً غاضبون من وحوش (حماس)»، مضيفاً «سنعيد جميع رهائننا، وسنقضي على القتلة، وسنقضي على (حماس)، ومعاً... سنضمن مستقبلنا».
شحن إعلامي
وكان نتنياهو ترك الساحة لوسائل الإعلام الإسرائيلية لتنشر التقارير المشحونة بالغضب والحزن وحتى الحداد، وتهاجم «حماس» وتتهمها بالجريمة الوحشية في خطف أم وطفليها وقتل المحتجزين، متجاهلة بيان الناطق بلسان «حماس»، أبو عبيدة، بأن المحتجزين الأربعة قتلوا في غارات إسرائيلية.
وأمام الانتقادات التي وجهت لنتنياهو بسبب اختفائه طيلة النهار، نشرت زوجته، سارة نتنياهو، على حسابها في الشبكات الاجتماعية بياناً مع صورة وهي تضع على رأسها منديلاً، دلالة على الحداد، وكتبت تقول: «في هذا اليوم، يبكي قلبي مع شعب إسرائيل على الفقدان العظيم لأحبابنا الذين قتلوا بأيدي وحوش (حماس)، وتمت إعادتهم إلى البلاد. عودتهم دليل على التزامنا الذي لا يتزعزع بضرورة إكمال المهمة المقدسة لإعادة جميع المخطوفين إلى البيت بأسرع وقت ممكن. الأحياء منهم والموتى. لقد قمت بلقاء ومرافقة عدد غير قليل من عائلات المخطوفين الشهداء وأنا أعرف أنه، ومع كل الألم في هذا المسار، يجب أن يعاد أبناؤهم الأعزاء. ولكي يتم إغلاق هذه الدائرة المأساوية للعائلات ولكل شعب إسرائيل، وزوجي وأنا يرسلون حضناً دافئاً للعائلات المتألمة بكل الدعم والمحبة. قلبي يبكي معكم».
وفي غضون ساعة واحدة تلقت سارة نتنياهو نحو 900 رد على هذا المنشور، غالبيتها تهاجمها بقسوة. وتعتبرها منافقة، ومزيفة، وتحمل زوجها مسؤولية التأخير، والمماطلة في المفاوضات، والتخريب على الصفقة، وإفشالها المرة تلو الأخرى، وهو ما يعتبرونه سبباً أساسياً في موت المحتجزين، علماً بأن هناك حالياً 64 محتجزاً إسرائيلياً لدى «حماس» يعد 38 منهم موتى، بحسب المعلومات الرسمية في تل أبيب.

ومن بين الردود اللافتة، ما كتبته اثنتان من نساء عائلة بيباس، التي قتل منها الأم والطفلان، فقالت مورني جبري بيباس: «زوجك لم يكلف نفسه عناء الاتصال بيردين (الذي فقد زوجته وطفليه وتم تحريره قبل أسبوعين)، ولو مرة واحدة ولم يفكر في زيارته طيلة أسبوعين».
وكتبت أخرى: «أكتب لك بصفتي من عائلة بيباس. كنت أفضل أن تمحي هذا المنشور المخزي. إن إعادة طفل رضيع بعد سنة وأكثر من الأسر في أقبية (حماس)، هو شهادة على أنكم تعرفون مصيرهم مسبقاً».
ومن التعليقات أيضاً: «هل تحسبين أننا حمقى؟ سلّمي على ابنك في ميامي»، و«أنت محتالة»، و«حتى لو صليت كثيراً فإن أحداً لن يسامحكم ولن يغفر لكم على الضرر الذي تسببتم به والخراب والكوارث التي جلبتموها لشعبنا. أنت امرأة شريرة ومتلونة» و«اخرجي من حياتنا. لا أحد يصدقك. هذه دموع التماسيح»، و«زوجك هو السبب الأول في 7 أكتوبر (تشرين الأول)».
خوف من إدارة المفاوضات
تجدر الإشارة إلى أن عائلات المحتجزين الإسرائيليين عبرت عن إحباط شديد من عودة الرفات، وتخشى من أن يكون الحزن الشامل في البلاد هو حدث عابر سينسى في الغد، ويعود نتنياهو إلى إدارة المفاوضات بالطريقة نفسها، بالتحايل والتهرب كي يستأنف الحرب، لغرض حماية ائتلافه الحكومي وكرسيه في رئاسة الحكومة.
وقال اللواء رامي ايغرا، الرئيس الأسبق لدائرة الأسرى والمفقودين في «الموساد» (المخابرات الإسرائيلية الخارجية): إنه وبغض النظر عن الخلافات السياسية والحزبية هناك حقيقة أساسية ثابتة هي أن الحكومة فشلت في الحرب عموماً، وفي موضوع المخطوفين بشكل خاص. وخلال مقابلة له مع إذاعة «إف إم 103»، الخميس، قال: «إنه لا يمكن القضاء على (حماس)، لكن يمكن تحجيمها إلى الحد الأقصى، بشرط أن تضع أمامها بديلاً. وحكومتنا ترفض البديل. كان يجب أن نحتل قطاع غزة بالكامل ونضع عليها حكماً عسكرياً حتى ينشأ بديل».
واعتبر أن «كل خطة لترحيل أهل غزة لا تستحق الحبر الذي تكتب به لأنها غير واقعية. وكل خطة لضم غزة إلينا هي أمر فاشل بشكل حتمي. البديل الوحيد أن نضمن لهم قيادة بديلة معتدلة ونتركهم ويتركوننا. ولكن لأننا غائبون عن الواقع، تركنا الأمر للإدارة الأميركية. فهذه الحكومة تعمل ما يقوله الرئيس ترمب أو مبعوثه ويتكوف. وترمب يريد وقف النار بأي ثمن ولا يهمه شيء آخر. وهذا جيد لنا. لأن حكومتنا عاجزة ومشلولة».
