ترمب يؤكد مساعيه لإنهاء حرب أوكرانيا... ويشكر السعودية والأمير محمد بن سلمان

أكد خلال مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي عزمه على صناعة العصر الذهبي للاقتصاد الأميركي

ترمب يتحدث في مستهل مؤتمر مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (إكس)
ترمب يتحدث في مستهل مؤتمر مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (إكس)
TT

ترمب يؤكد مساعيه لإنهاء حرب أوكرانيا... ويشكر السعودية والأمير محمد بن سلمان

ترمب يتحدث في مستهل مؤتمر مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (إكس)
ترمب يتحدث في مستهل مؤتمر مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (إكس)

أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه يسعى لإنهاء النزاعات حول العالم وإحلال السلام، مشيراً إلى تحركاته السريعة لوقف الحروب، لا سيما في الشرق الأوسط وأوكرانيا.

وأكد، خلال كلمته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقد في ميامي، أن المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا التي عُقدت في السعودية، تمثل تطوراً مهماً في طريق إنهاء الحرب.

وقال: «أود أن أشكر السعودية على استضافتها هذه القمة التاريخية، وأخص بالشكر الأمير محمد بن سلمان لدوره في تسهيل هذه المحادثات المهمة»، مشيراً إلى أن المناقشات سارت بشكل إيجابي. وأضاف: «يجب أن ننهي هذه الحرب. ما يحدث مأساة، حيث يُقتل الجنود الشباب من الجانبين في معارك دموية».

وفي سياق انتقاداته لإدارة الرئيس السابق جو بايدن، قال ترمب إن الولايات المتحدة أنفقت 350 مليار دولار لدعم أوكرانيا، بينما استردت أوروبا جزءاً من مساهماتها على شكل قروض، مشيراً إلى أن واشنطن لم تحصل على أي مقابل ملموس، مما يبرز خللاً في إدارة الدعم.

كما انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عادّاً أن الحرب كان يمكن تفاديها.

وأعرب عن أمله في التوصُّل إلى وقف قريب لإطلاق النار، مشدداً على أن تحقيق السلام سيكون جزءاً من إرثه السياسي.

وقال: «آمل أن يكون أعظم إنجاز لي هو أن أكون صانع سلام، وأن نوحِّد العالم من جديد».

العصر الذهبي لأميركا

وفي حديثه عن الوضع الداخلي، أكد ترمب أن الولايات المتحدة على أعتاب «أعظم فترة ازدهار في تاريخها»، مشيراً إلى أن الأسواق تشهد ارتفاعاً غير مسبوق، والدخل في ازدياد، والإنتاج الصناعي يشهد طفرة كبيرة.

وقال: «نحن في طريقنا نحو قفزة نوعية في جودة الحياة، وسنمتلك أعظم اقتصاد عرفه العالم لأننا نضع أميركا أولاً».

وشدَّد على أهمية دعم الابتكار والاستثمارات المحلية، مؤكداً أن إدارته المقبلة ستحفِّز النمو الاقتصادي وتضمن استمرارية الازدهار، مؤكداً أن الاقتصاد الأميركي يشهد انتعاشاً غير مسبوق منذ انتخابه، مشيراً إلى أن محركات النمو عادت إلى الحياة بوتيرة سريعة.

الرئيس التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس يصافح ترمب قبل بدء إلقائه كلمته (إكس)

وقال ترمب: «منذ الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، شهدنا تقدماً مذهلاً في الاقتصاد الأميركي. ارتفع مؤشر (ناسداك) بنحو 10 في المائة في غضون بضعة أشهر فقط، وهو ارتفاع كبير يعكس ثقة الأسواق.

كما ارتفع متوسط (داو جونز) الصناعي بمقدار 2200 نقطة، وسجلت عملة البتكوين مستويات قياسية غير مسبوقة، لأن الجميع يعلم أنني ملتزم بجعل أميركا عاصمة العملات المشفرة».

وأضاف: «نريد أن نبقى في طليعة كل شيء، وأحد أهم هذه المجالات هو العملات المشفرة، ويبدو أن ميامي أصبحت مركزاً رئيسياً لهذا المجال المتنامي».

تحولات إيجابية في الاقتصاد الأميركي

وأشار ترمب إلى أن تفاؤل الأعمال ارتفع بمقدار 42 نقطة في شهر واحد، وهي أكبر زيادة في التاريخ. كما ارتفع مؤشر «آي إس إم» لنشاط التصنيع إلى منطقة إيجابية لأول مرة منذ سنوات، ما يعكس تحسناً ملحوظاً في القطاع الصناعي الأميركي.

وأردف: «وفقاً لأحدث التقارير، فإن عدد الأميركيين الذين يعتقدون أن بلادنا تسير في الاتجاه الصحيح الآن يتجاوز لأول مرة منذ 20 عاماً عدد مَن يرون العكس. هذا تحول زلزالي بمقدار 27 نقطة عن الفترة التي سبقت الانتخابات، وهو تحول لم يشهده أحد من قبل».

وأكد ترمب أن قادة الأعمال العالميين يتسابقون للاستثمار في الولايات المتحدة منذ نوفمبر، مشيراً إلى أن شركة «داماك» أعلنت استثمارات بقيمة 40 مليار دولار في الولايات المتحدة، ما يخلق 10 آلاف وظيفة جديدة، بالإضافة إلى أن «سوفت بنك» أعلن استثمارات تتراوح بين 100 و200 مليار دولار، مما يسهم في خلق 100 ألف وظيفة أميركية على الأقل، متطرقاً إلى التزام كل من «أوراكل» و«أوبن إيه آي»، و«سوفت بنك» معاً بضخ 500 مليار دولار؛ لضمان بقاء الولايات المتحدة في طليعة الذكاء الاصطناعي.

وقال ترمب: «نحن نعيد أميركا إلى القمة، ونتأكد من أن مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والابتكار ستقود مستقبلنا. نحن في بداية عصر ذهبي جديد، والاقتصاد الأميركي لم يكن أقوى مما هو عليه اليوم».

ترمب متحدثاً ويبدو الرئيس التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس مستمعاً إليه (إكس)

إصلاح الاقتصاد ومحاربة التضخم

وفيما يتعلق بالاقتصاد، ألقى ترمب باللوم على الإدارة السابقة في ارتفاع معدلات التضخم، مؤكداً أن سياسات الإنفاق المفرط، وعدم كفاءة الإدارة، أدَّيا إلى تدهور الأوضاع المالية.

وقال: «لو أن بايدن أبقى الإنفاق الفيدرالي عند مستويات 2019، لما شهدنا هذا التضخم الحاد. لكننا نتحرك بسرعة غير مسبوقة لتغيير هذا الواقع واستعادة التوازن الاقتصادي».

وأضاف أن إدارته ستعمل على خفض الإنفاق الحكومي، والاستفادة من عائدات الرسوم الجمركية لتحقيق التوازن المالي.

استراتيجية جديدة للطاقة

وتطرق ترمب أيضاً إلى قضايا الطاقة، مؤكداً أن بلاده تمتلك موارد ضخمة ينبغي استغلالها لتعزيز الصناعات المستقبلية، خصوصاً الذكاء الاصطناعي.

وقال: «العالم يُدار بطاقة منخفضة التكلفة، والدول المنتجة للطاقة مثلنا ليس لديها ما تعتذر عنه. لدينا موارد أكثر من أي دولة أخرى، وسنستخدمها لدعم التكنولوجيا والابتكار».

وأشار إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي وحده يحتاج إلى ضعف كمية الكهرباء المستهلكة حالياً في الولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة تسريع إنشاء محطات طاقة جديدة.

وأضاف: «أعلنت حالة الطوارئ الوطنية لتسريع الموافقات على بناء المنشآت الجديدة، وسنوفر للشركات إمكانية بناء محطات طاقة خاصة بها دون الاعتماد على الشبكة العامة».

إصلاح النظام الضريبي وتحفيز الاستثمار

وفيما يخص الضرائب، تعهَّد ترمب بتمرير أكبر تخفيضات ضريبية في تاريخ أميركا، بما في ذلك إلغاء الضرائب على الإكراميات، وتقليل الضرائب على دخل الأفراد والشركات.

وقال: «إذا كنت تعمل بجد، فلا يجب أن تعاقب بالضرائب العالية. سنخفض الضرائب بشكل كبير، وسندعم الأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة».

كما أعلن خفض ضريبة الشركات من 21 في المائة إلى 15 في المائة، بشرط تصنيع المنتجات داخل الولايات المتحدة.

وأضاف: «إذا كنت تصنع منتجك في أميركا، فستدفع 15 في المائة فقط، أما إذا كنت تصنعه في الخارج، فستظل تدفع 21 في المائة. لكننا لن ندعم نقل الوظائف إلى الخارج بأي شكل من الأشكال».

ترمب متحدثاً أمام جمهور مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (إكس)

السياسات التجارية العادلة

وأعلن ترمب عزمه فرض رسوم جمركية على مجموعة من المنتجات الحيوية، بما في ذلك السيارات، وأشباه الموصلات، والأدوية، والأخشاب؛ بهدف حماية الصناعة المحلية.

وقال: «خلال الشهر المقبل، سأعلن رسوماً جمركية جديدة ستعيد التوازن التجاري لأميركا. إذا لم تُصنع المنتجات في أميركا، فسيتعين على الشركات دفع رسوم جمركية. أما إذا صنعت منتجاتها هنا، فلن تكون هناك رسوم على الإطلاق». وأكد أن هذه السياسة ستجلب تريليونات الدولارات إلى الخزينة الأميركية، وتعيد الوظائف إلى الداخل.

وأضاف: «نحن لا نريد الحروب التجارية، لكننا لن نسمح بعد الآن للدول الأخرى بنهب اقتصادنا. إذا فرضت أي دولة رسوماً علينا، فسنرد عليها بالمثل. لن نقبل بسياسات غير عادلة بعد الآن».

أميركا مستعدة للمستقبل

واختتم ترمب حديثه بالتأكيد على أن الولايات المتحدة عادت أقوى من أي وقت مضى، مشدداً على ضرورة استعادة ثقة المستثمرين، وإنهاء الحروب غير الضرورية، وتحقيق نهضة اقتصادية.

وقال: «نحن في بداية عصر ذهبي جديد لأميركا، وسنعمل مع حلفائنا، مثل السعودية، لتحقيق مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للعالم بأسره». وختم بالقول: «العصر الذهبي لأميركا بدأ الآن، وسنقود العالم مرة أخرى بالقوة والابتكار والعدالة».


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

شؤون إقليمية لقاء سابق بين الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي ناريندرا ‌مودي (رويترز) p-circle

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

ذكرت ​صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ‌إيلون ‌ماسك ​شارك ‌في ⁠مكالمة بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي، الثلاثاء؛ ​لمناقشة ‌حرب ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)

هجمات إسرائيل تشتد على منشآت نووية في إيران

كثّفت إسرائيل، الجمعة، ضرباتها داخل إيران عشية دخول الحرب شهرها الثاني، مركزةً على منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومواقع إنتاج الصواريخ.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران_تل أبيب)
شؤون إقليمية  ترمب يلقي كلمة خلال فعالية أقيمت في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض(إ.ب.أ)

ترقب للرد الإيراني على شروط ترمب لوقف إطلاق النار

ساد، الجمعة، ترقب بشأن الرد الإيراني عبر الوسطاء على مقترح أميركي لإنهاء الحرب، في وقت تحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تقدم في محادثات وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

قال مصدر مطلع لـ«رويترز» إنه من المتوقع أن يتوافر، مساء اليوم الجمعة، رد من إيران على مقترح السلام الأميركي الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.